Indexed OCR Text
Pages 201-220
الأخطاء في علم الكلام واز دهار الفلسفة الباطنية والحاجة إلى حكم جديد JOPO ٢٠٣ الانحطاط في علم الكلام المحاضرة السابعة: الانحطاطُ في علم الكلام ، وازْدهارُ الفلسفة البَاطنية والحَاجةُ إلى مُتكلّم جديد # الانحراف والانحطاط في علم الكلام: إنَّ مدرسةً الأشعري الفكرية ، وإن كانت لا تزالُ مهيمنةً على العالم الإسلامي ، وعلى مناهج التعليم ، وعلى الحياة الدينية ، ولكنها قد فقدتْ حيوتها ونشاطها الفكري ، وضعف إنتاجُها في الزمن الأخير ضعفاً شديداً ، وبدَت فيها آثارُ الهرم والإعياء. لقد استطاعَ أبو الحسن الأشعري ، بشخصيّته القوية ، وعقلِه الكبير وابتكاره ، أن يهزم المعتزلة في مُعترك العلم والعقل ، ويُغير اتجاه الطبقة المثقّفة في عصره ، والفضل في ذلك لا يرجع إلى أصوله وقواعده ، ولا إلى نظرياتِه وعقائده فحسب ، فيمكن أن تُناقش في ضوء العلم ، ويمكن ألا يقتنع ببعضها باحثٌ ومتأمل ، ولكنه يرجع كذلك إلى مواهبه العظيمة ، ونبوغه ، وعبقريته ، ومَلَكته القوية في الاستدلال ، وقد كانت هذه المدرسة في حاجةٍ دائمة إلى شخصيات قوية جديدة، تحفظ مكانتها ومركزها في العالم الإسلامي ، وتُجدِّد حياتها ونشاطها ، وفي حاجةٍ دائمة إلى إنتاج جديد ، وبعث وتجديد ، وابتكار مزيد. ٢٠٤ الانحطاط في علم الكلام ولكنَّ ذلك لم يكن مع الأسف ، فقد طغى التقليد على تلاميذ هذه المدرسة وأصبحوا عيالاً على ما أنتجهُ الإِمام أبو الحسن الأشعري وبعضُ خلفائه ، وقفوا عنده، وعَضُّوا عليه بالنَّواجذ، وأصبحَ علمُ الكلام علماً متناقلاً يتناقله الخَلَف عن السَّلف ، والتلاميذ عن الأساتذة ، وقد شعر بعضهم بأنَّ الزمان قد تطور ، والعلم قد تقدَّم ، فأدخل مصطلحات الفلسفة وأسلوبَها في الاستدلال في علم الكلام ، ولم يُحسن صنعاً؛ لأنَّ هذا الأسلوب الفلسفي لا يُورث الإذعان في القلوب كما يفعل أسلوب القرآن الطبيعي ، وليس له سِحْرٌ في النفوس ، ولا إقناعٌ كإقناع القرآن؛ ولأنَّ هذه المقدماتِ والدلائل الفلسفية مثارٌ بحثٍ وجدال كبير ، ولا يُفيد العلمَ القطعي ، وكانت معرّضةً للنَّقْض والرد. وهكذا لم يُحسنوا تمثيل مذهب أهل السنة ، ومسلكَ السلف ، ولم يُحسنوا إليهما ، ولم ينالوا تقدير الأوساط الفلسفية وإجلالَها كذلك، إذ كانتْ تَعتقدُ أنَّ هذه المصطلحات والمقدمات استُغلَّت استغلالاً، ولم تُهضم هضماً صحيحاً. شُيوعُ الفلسفة في العالم الإسلامي: وقد انتقلَتْ إلى العربية - بتوجيه المأمون الذي كان من هواة الفلسفة ، وبجهد المترجمين - كتبٌ كثيرةٌ في المنطق والفلسفة ، من السُّريانية واليونانية والفارسية ، وكان أكثرها لأرسطو ، وكان فيها كتُب المنطق ، وكتبٌ في الطبيعيات والعنصريات والرياضيات ، وهي كتبٌ وعلوم يحسُن الانتفاع بها. ولا يُخاف منها على العقيدة الإسلامية؛ إذ لا صلة لها بالديانات والشرائع ، وفيها كُتب في الإلهيات والميتافيزيقا. والحقُّ أن هذه البحوث في الإلهيات إنما هو علم الأصنام عند اليونان ، وما هي إلا وثنيَّتهُم القومية التي ترجموها في لغتهم الفلسفية ، وأضفَوْا عليها صبغة من الفنِّ ، وما العقول والأفلاك إلا رموزٌ للوثنية الإغريقية القديمة ، وما أفعالها وحركاتها وتصرفاتها إلا عقائدُ توارثتها الأجيال عندهم ، ووثنيةٌ ١ ٢٠٥ الانحطاط في علم الكلام تُعارِضُ التوحيدَ ، وتحل محل عقيدة الصفات الإلهية. وتشتملُ هذه الفلسفة التي بَهرت المسلمين ، وتسلّطت على عقولهم من غير حق ومن غير جدارة على ظُنون وتخمينات وطلاسم لفظية لا حقيقة لها ولا معنى ، ولا وجود لها في الخارج. وقد كانتِ الأمة التي أكرمها الله بالنبوَّة المحمدية ، ومنحَها العلمَ الصحيحَ الذي لا كدَر فيه ولا تخمين ، العلم الصحيح بالذات والصفات ، والمبدأ والمعاد. لقد كانت هذه الأمةُ في غنى عن الاشتغال بهذه الفلسفة الخرافية ، والتدقيق فيها؛ ولكن الذين بَهرتْهُم براعةُ اليونان في المنطق والطبيعيات والرياضيات ، أقبلوا على هذه الفلسفة الإلهية في شيء من التمجيد والتقديس، وتلقَّوْها كصحيفة سماوية، كأنهم لا عهد لهم بالرسالة والبعثة المحمدية ، وكأنهم ليسوا أصحاب كتاب ﴿لَّ يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] وكأنَّهم أمَّةٌ جاهليةٌ فقيرةٌ في المعاني الدينية والحقائق الإلهية . الفلسفة اليونانية في الإسلام: كان من سعادة الفلسفة اليونانية وحُسن حظّها ، أن رُزقتْ رجالاً أذكياء تطوّعوا لنشر الفلسفة وشرحها ، وجئَّدوا في سبيلها نفوسَهم ومواهبهم ، كيعقوب الكندي (ت ٢٥٨ هـ) وأبي النصر الفارابي (ت ٣٣٩هـ) والشيخ الرئيس أبي علي ابن سينا (ت ٤٢٨هـ) وكانوا في حماستهم في الدفاع عن الفلسفة ونشرها في الأمة الإسلامية ، وفي إخلاصهم لهذه الفلسفة وتمجيدهم لها ، وتقديسهم لأرسطو ، لا يقلّون عن فلاسفة اليونان وتلاميذهم ، وكانوا يجهلون اللُّغات التي أُلّفت فيها هذه الكتب، ودُوِّنت فيها هذه الأفكار ، وكانوا غير قادرين على الانتفاع بالمصادر الأصلية مباشرة؛ فكانوا عيالاً على من ينقلها لهم من السّريانية واليونانية ، ووقعوا في أخطاء وأوهام في فهم مقاصد المؤلفين والفلاسفة اليونانيين ، وقد منعهم إجلالهم لأرسطو وتقديسهم ٢٠٦ الانحطاط في علم الكلام له من أن يتناولوا أفكاره ونظرياته بالبحث والنقد ، فأخذوها على علاتها ، وعكفوا عليها دراسةً وشرحاً وإيضاحاً وبياناً ، وحوَّلوا العلوم العقلية إلى نقلية يتناقلونها ويتوارثونها . الفَرْق بين المُعتزلَة والفَلاسِفة: وهنا حقيقةٌ يجب أن نُقُرِّرها: أنَّ المعتزلة وإن أَفرطوا في تمجيد العقل وتحكيم الفلسفة في الدين ، واتَّجهوا بالأمة ذات النبوّة والكتاب والتعاليم اتجاهاً كان يُبعدها عن وضعها الصحيح ، ورُوحها الحقيقية؛ ولكن ممَّا لا شكَّ فيه ، أن طبيعةَ المعتزلة كانت طبيعة دينية ، وكانوا يُفكِّرون التفكير الديني ، كانوا يؤمنون بالنُّبوءة والوحي ، وكانوا في حياتهم متقشِّفين زُهاداً يحترزون عن المعاصي ، ويلتزمون العبادات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكان کل ذلك بحُكم عقائدهم التي يدينون بها ، ورأيهم الذي يرونه ، فكانوا يرون أن مرتكب الكبيرة مُخلَّد في النار ، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضةٌ ، وكانوا متحمِّسين نشيطين في خدمة الإسلام ونشرِه ، ومحاربةٍ المُلحِدين؛ فلم يكن نتيجة انتشار الاعتزال وسُلطة المعتزلة أن انتشر الكفر والإلحاد في المجتمع الإسلامي، وفشا إنكارُ النبوءات ، وإنكارُ المعاد ، والميل إلى الإباحية والتعطّل؛ بل بقيَ المعتزلة ، وبقيَ الشعور الدِّيني في المسلمين حياً قوياً. ولكنَّ الفلاسفة يختلفون في ذلك اختلافاً أساسياً ، فالفلسفة تتنافى مع النبوءة وتعارضها في خط مستقيم ، إنها تَنْحرف عن النبوّة في النقطة الأولى ثم لا تلتقيان ، فكان طبيعياً أنه كلما ازداد الناسُ إقبالاً على الفلسفة وإجلالاً لها ، ازدادوا انصرافاً عن الدِّين واستخفافاً له ، وكلما ازداد الناس خضوعاً للفلاسفة ازدادوا استهانة بالأنبياء صلوات الله عليهم ، وما من ناحية من نواحي الحياة الدينية إلا وقد تأثرتْ بهذا التحوُّل الفكري ، ووُجدت في المسلمين طبقةٌ تستهزىء بالدين وتزدريه ، وتتمجَّد بخروجها عن ربقة الدين ، وتحرُّرها من تكاليفه وعقائده في غير كتمان ، ومن غير احتشام ، ومنهم من لا يملك شجاعة ٢٠٧ الانحطاط فى علم الكلام أدبية تحمله على هذا الإعلان؛ فكانوا يظهرون في المظهر الإسلامي وهم يُبطنون الكفر والإلحاد. فِتنَةُ الباطنية: ونَشأتْ مع الفلسفة وازدهارها فتنة جديدة كانت أضر على الإسلام وتعاليمٍ النبوءة من الفلسفة ، تلك فتنةُ الباطنية ، وقد كان مُعظم دعاتها أفراداً وأمماً وشعوباً قد فقدت سيادتَها وحُكمها في تيار الفتوح الإسلامية ، ولا مطمعَ في استردادها بالحروب والمقاومة المادية ، أو رجالاً يدينون بالشهوات واللذات ويؤمنون بالإباحيَّة وعبادة النفس - والإسلام يَحُدُّ من شهواتهم ويُقيِّد حرياتهم - أو رجالاً يطمحون إلى السُّلطة المطلقة ، والسيادة الكبيرة. وقد اجتمعتْ هذه الأضرابُ من الناس تحت راية الباطنية والتفوا حولها؛ إذ هي الراية التي تجمعُهم وتُمنِّهم بالوصول إلى غاياتهم. وقد شعر هؤلاء أن الإسلام - وهو لا يزال قوياً - لا يُهزم في ميدان الحرب ، وأنَّ المسلمين - وهم أصحاب عاطفة دينية قوية - لا تَصُ دعوتهم إلى الإلحاد السافر ، والكُفر البواح؛ فإن هذا يُشعلُ عاطفتهم الدينية ويُلهبُ غيرتَهم ويُثير فيهم روحَ المقاومة؛ فتضيع الفُرصة ويُفلت الزمام؛ ولذلك اختاروا للوصول إلى هدفهم أسلوباً لا يُزعج المسلمين ولا يُثيرهم ، إنهم اتَّخذوا للوصول إلى غايتهم نفقاً . الفَرْقُ بَيْنَ الظَّاهر والباطن: إنَّهم لاحظوا أنَّ أصول الديانة الإسلامية وعقائدَها وأحكامها ومسائلها ، إنما عُرضت في إطار ألفاظٍ وكلماتٍ تدل عليها وتُعبِّر عنها ، وكان لا بد من ذلك عند كل رسالة جديدة، والله تعالى يقول: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]. وقد تعيَّنتْ معاني هذه الكلمات ومفاهيمها؛ وتواتر ذلك عملياً ولفظياً في الأمة واستفاض ، وعرفتهُ الأمة الإسلامية ودانت به . . ٢٠٨ الانحطاط في علم الكلام فكلٌّ من كلمات ((النبوّة)) و((الرسالة)) و((الملائكة)) و((المعاد)) و((الجنَّة)) و ((النار)) و((الشريعة)) و((الفرض)) و((الواجب)) و((الحلال)) و((الحرام)) و((الصلاة)) و((الزكاة)) و((الصوم)) و((الحج)) يُؤدي معنى خاصاً؛ وتُفهم منها مفاهيم خاصة لا يشكُّ فيها مسلم ، ولا يختلفُ فيها اثنان. وكما أنَّ هذه الحقائق الدينية - التي تُعبِّر عنها هذه الكلمات - ظلَّتْ محفوظة في الأمة تتوارثها الأجيال ، وتنتقل مع الزمان ، كذلك هذه الكلمات ثروةً محفوظة لم تعبث بها يد التحريف ، وقد أصبح كل منها لازماً وملزوماً لصاحبه . فإذا أُطلقت كلمةُ ((الصلاة)) مثلاً انتقل الذهن إلى هيئة عبادة خاصة ، فيها قيام وركوع وسجود وقراءة وتسليم إلى غير ذلك مما يدخلُ في أركان الصلاة وأجزائها وأوضاعها ، وكذلك إذا أطلقت كلمة ((النبوّة)) أو ((المعاد)) تعيَّن منهما ذلك المفهوم الإسلامي الذي یفهمه المسلمون ویدینون به . ولقد أدرَكَ ((الباطنيةُ)) بذكائهم ، أن هذه الصلة القائمة بين الكلمات والمصطلحات الدينية ومعانيها ، أساسٌ تقوم عليه الحياة الإِسلامية ، والهيكل الفكري والعملي في حياة المسلمين ، ولهذه الصلة تدين الوحدة الدينية والفكرية التي يمتاز بها المسلمون . وعن طريق هذه الصلة يتَّصل المسلمون بماضيهم وبمنابعهم الصافية ، فإذا انقطعتْ هذه الصلة - بين الكلمات والمعاني - وأصبحتِ الكلمات لا تدلُّ على معنى خاصٍ ومفهوم معين ، أو تَسرَّب الشك والاختلاف إليها ، أصبحتْ هذه الأمة فريسةً لكل دعوة وفلسفة ، وساغ لكل أحد أن يقول ما يشاء ، ويُروِّج على كثير من العامة وأشباه العامة؛ بل الخاصة ، وعمت الفوضى العقلية والدينية ، وذلك ما يريدون ، ومنه يدخلون. قالوا: ((إنَّ لظواهر القرآن والأحاديث بواطن تجري من الظواهر مجرى اللُّبِّ من القِشر ، وإنها بصُورتها تُوهِمُ الجهّال صوراً جَليَّة ، وهي عند العقلاء ٢٠٩ الانحطاط في علم الكلام رموزٌ وإشارات إلى حقائق خفية؛ وإن من تَقاعدَ عقلُه عن الغوص عن الخفايا والأسرار والبواطن والأغوار؛ وقنَع بظواهرها ، كانَ تحت الأغلال التي هي تكليفاتُ الشرع ، ومن ارتقى إلى عالم الباطن سقطَ عنه التكليف، واستراح مِن أعبائِه، قالوا: وهم المرادون بقوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيَّهِزْ﴾(١) [الأعراف: ١٥٧]. ولمَّا تَقرَّرَ أنَّ لكل لفظ ومعنى شرعي ظاهراً وباطناً - والباطن هو اللُّب - استرسلوا في تقرير بواطن المصطلحات الشرعية المتواترة المعنى حسب أهوائهم ، وأطلقوا العنان ، وفسّروا هذه الكلمات والحقائق بما شاؤوا وشاءَ لهم عبَتُهُم وثقتهم بتقليد المستمعين وبساطتهم ، وهنا أمثلةٌ طريفةٌ لهذا التفسير التقطناها من كتاب (قواعد عقائد آل محمد) ، لمحمد بن الحسن الدَّيلميِّ اليماني ، من علماء أوائل القرن الثامن الهجري ، وهو ثقةٌ مأمون في النقل. (يقولون للشرائع باطنٌ لا يعرفه إلا الإِمامُ، ومن ينَوبُ منابه، وكذلك كلُّ ما ورد في الحشر والنشر وغيرها ، فكلُّها أمثلة ورموز إلى بواطن ، فمعنى الغُسل: تجديدُ العهد عليه ، ومعنى الجماع: مكالمة من لاعهد له بالباطن ... والزِّنى: إلقاء العلم في سمع من لم يعاهده. والاحتلام: سبق اللسان لمذهب الباطن. والطَّهور: التبرؤ من كلِّ مذهب خالف الباطنية. والتيمم: الأخذ للعلم من المأذون. والصلاة: الدعاء إلى الإِمام. والزكاة: بَثُّ العلوم لمن يتزكى لها ويستحقها. والصوم: كتمان العلم عن أهل الظاهر ، وكذلك كتمان المذهب. والحج: طلب العلم الذي تُشد رحائل العقل إليه. وقيل: الكعبة: النبي، والباب: علي. والصفا: النبي. والمروَة: علي. والميقات: علي. والتلبية: إجابة الداعي إلى باطنهم. والطوافُ بالبيت سبعاً: هو الطواف لمحمد إلى تمام الأئمة السبعة. وصلاة الفجر دليلٌ على السابق. والظهر على التالي. (١) تلبيس إبليس: لابن الجوزي، ص١٠٢ . ٢١٠ الانحطاط في علم الكلام والعصر على الأساس، وهو الوصي. والمغرب على الناطق. والعشاء على الإمام))(١). وفي المعجزات قالوا: الطوفان: هو العِلم غرِق فيه أهل الشبه والظاهر، والسفينة: حِرزه الذي تحصَّن به المستجيب. ونار إبراهيم: غضب نمرودَ عليه. وذبح إسحاق: أخذُ العهد عليه. وعصا موسَى: حجته التي غلب بها عند المناظرة ، وليست بخشبة. وانفلاقُ البحر: هو افتراق عِلم موسَى على أقسام ، والبحر: هو العالم. والغمام الذي أظلهم: إمامٌ نَصبه موسى. والجراد والقمل والضفادع والدم: هو التزاماتُ موسَى واحتجاجاته. والمن والسلوى: علم نزل من السماء بداع من دعاتهم(٢). ولعلَّ بعض القراء الكرام يشكُّون في صحة هذه الأقوال ، وكيف تصدر من عاقل؟! ويتطرّقُ الشَّك إلى ناقلها لكونه من أهل السنة ، فهنا نُقولٌ من كتاب (ديانتنا الإسماعيلية ونظامها) للدكتور زاهد علي ، ظهر حديثاً في الهند ، مع ذكر مصادرها وهي كتب أئمة الإسماعيلية ودعاتها : ((لا إله إلا الله، تأويله: لا إمام إلا إمامُ الزمان(٣). الوضوء: مولانا علي، بحُجَّة أن الحروف في كلتا الكلمتين ثلاثة(٤). الصلاة: الرسول مَلآ ، بحجة أنَّ الحروف في كلتا الكلمتين أربعة(٥). لا صلاة إلا بوضوء: يعني لا يصِحُّ الإيمان بالرسول بغير الإيمان بوصاية علي (٦). ركعات الظهر الأربع: محمد عليه الصلاة والسلام (٧). ركعات العصر الأربع: دعوة مولانا قواعد عقائد آل محمد: ص ١٧. وقد ذكر مثلها الغزالي في ((المستظهري)). (١) (٢) المصدر السابق: ص ١٨ . تأويل الشريعة من كلام الإمام مولانا المعز: ص ٤. (٣) (٤) تأويل القاضي نعمان. (٥) المصدر السابق. تأويل القاضي نعمان. (٦) تأويل مولانا المعز. (٧) ٢١١ الانحطاط في علم الكلام علي(١) ، عيد الفطر: مولانا المهدي؛ لأنَّه ظهرتْ منه دعوةُ الحق(٢). ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ﴾: مولانا حسن بن علي؛ لأن الله رقَّه إلى درجة الإمامة، ثم أهبطه؛ فقد قطع من ذُريته الإمامة (٣). ﴿فِى لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ﴾: مولانا الحسين، وحُجَّته ابنه الذي خلفه (٤) . ولم يقتصر دعاة الباطنية على التمييز بين الظاهر والباطن ، وتفضيل الباطن؛ بل تدرَّجوا في استخفافٍ بالظاهر حتى جعلوه موضع سُخرية واستهزاء ، يتقذَّره الإنسان ویتبَّأ منه. يقول الدكتور زاهد علي: ((لقد كان الأئمة والدُّعاة يُفهمون تلاميذَهم في الطبقة العليا أن الظاهر متناقض ومعوجٌ ، وأن أهل الظاهر هم أهل الكفر؛ بل أهل الشرك)»(٥). ويقولُ في موضع آخر: ((إن لُبَّ تعليماتنا الإسماعيلية ولبابها، أنَّ الغاية من الشريعة التأويلُ الذي هو من الجسد كالروح، وأن التنزيل ليس إلا جسماً)) (٦) وتقدَّموا خطوةً أخرى ، فأعلنوا عقيدتهم أن الأئمة الذين هم أهل الأسرار والحقائق يُعطلون ظاهر الشريعة وينسخونه، يقول سيدنا (إدريس): ((بعث الله محمد بن إسماعيل (ابن الإمام محمد باقر) وهو نبيِّ ناطق ، نسخ مَع ◌َلِلّهِ))(٧) ٠ شريعة محمد (١) تأويل مولانا المعز. (٢) تأويل الدعائم. المصدر السابق: ذكر ليلة القدر. (٣) (٤) المصدر السابق. ديانتنا الإسماعيلية ونظامها: ص ت. (٥) (٦) المصدر السابق: ص ٢٢ . (٧) عاصمة نفوس المهتدين وقاصمة ظهور المعتدين: لسيدنا. ٢١٢ الانحطاط في علم الكلام ثورةٌ على النُّبوءة المحمَّديَّة: لقد كان إنكار المفاهيم الدينية التي تَوارثتها الأمة ، وتفسيرُ الكلمات الشرعية والمصطلحات الدينية حسب الأغراض والأهواء ، والفصل بين الظاهر والباطن ، باباً لم يزَل يدخل منه الثائرون على النبوّة المحمدية ، والمؤامرات ضدَّ الإِسلام. لقد نصبوها ألغاماً ينسفون بها هذا النبأ العظيم الذي أقامه محمد الجَّله ـيلا وخلفاؤه ، والذي لا يزال يُؤوي هذه الأمة العظيمة في مشارق الأرض ومغاربها، ويؤسسون على أنقاضه هيكلاً دينياً جديداً. لقد كان ذلك كله محاولةً لإِنشاء دولةٍ مستقلة في ضِمن دولة الشريعة الإسلامية ، وإنشاء مجتمع مستقل في وسط المجتمع الإسلامي ، ولا شكَّ أنَّ دولةً من الدول لا تسمح بنشوء هذه الدولة واستفحالها في وسطها. وقد رأينا المنافقين والمُلحدين الذين ثاروا على هذه النبوة المحمدية في زمانهم أسرعوا إلى إنكار هذا التواتر المعنوي ، والتوارث اللفظي ، وحاولوا أن يجعلوا هذه الشريعة ومصطلحاتها ومفاهيمها بحيث يعبثُ بها العابثون؛ وبذلك مهَّدوا لأنفسهم قيامَ سيادة دينية ونبوة جديدة يتمتعون في ظِلُّها بسلطانٍ روحي، وسيطرة سياسية، وحُرية مادية. ومن أوضح أمثلتها: ((البهائية)) في إيران، و((القاديانيةُ)) في الهند (١). وكلها تلتقي إلى إنكار التوارث المعنوي ، وتأويل الكلمات الشرعية الإسلامية المتواترة - تأويلاً لا يقوم على اللغة ، والقياس ، والمنطق - والاتجاه إلى إنكار الحقائق الغيبية ، والخرق للسنن الطبيعية ، وتلتقي أولاً وآخِراً على إنكار عقيدة ختم النبوّة. وقد كانت الباطنيةُ مؤسسةً على الفلسفة اللاهوتية اليونانية ، وعلى (١) اقرأ في هذا الموضوع كتاب المؤلف ((القادياني والقاديانية دراسة وتحليل)). [وقد طُبع مع مقالات الشيخ أبي الأعلى المودودي والأستاذ إحسان إلهي ظهير، في دار ابن كثير بدمشق بعنوان: ((القادياني والقاديانية دراسة وتحليل وعرض علمي))]. ٢١٣ الانحطاط في علم الكلام الطبيعيات ، وقد استخدموا مصطلحات الفلسفة اليونانية وأفكارها وعقائدها في أدبهم وشرح عقيدتهم بسخاء وحرية، وطَبَّقوا الفلسفة ولغتها وتفكيرها على ديانتهم الجديدة ، ونظامٍ عقائدهم وأفكارهم. ولعلَّهم كانوا يعتقدون أنَّ هذه الفلسفة ، وما جاء فيها من عقائد وأفكار ، حقائقُ علمية ثابتةٌ ، لا تتزعزع ولا تقبل النقاش ، وأنها تَظلُّ كذلك؛ فأرادوا أن يُضفوا بذلك على عقائدهم الواهية شيئاً كثيراً من قدسية العلم ورَوْعَتِهِ ، وأن يجذبوا إليها كثيراً من النشء الجديد الذي أغشاه ضوء الفلسفة وخلَع قلبه مصطلحاتُهَا المفخمة ، وتشقيقاتُها الدقيقة ، وقد انتقد ذلك العالم الإسماعيلي الدكتور زاهد علي في كتابه (ديانتنا الإسماعيلية ونظامها) يقول: ((لقد اعتقدنا أنَّ جميع النظريات التي جاءت في علم الهيئة القديم ، وفي علم الطبيعيات، وعلم الإلهيات ، صحيحةٌ لا يتطرّق إليها الشُّ ، فاستعنا بها في إثبات دعوتنا الإسماعيلية ونظامِها وحدودها ، وادَّعينا أنَّ المسائل التي قدَّمناها حقائقُ علمية)) (١). ويقول في موضع آخر: ((لقد تناولنا معارف المعتزلة بشيء من التغيير ، وأفرغناها في قالبنا؛ ولذلك يقال: إن أكثر معلومات الإسماعيلية ملتقطة من المعتزلة والفلاسفة)) (٢) . ويقول في موضع آخر : ((لقد وضعنا العقلَ الأول أو العقل العاشر أو إمام الزمان (كما نسميه نحن) بكل ما يوصف به المبدأ الأول والذاتُ الإلهية ، حتى إننا نعني العقل الأول أو إمام الزمان بكل ما جاء في وصف الله تعالى في قوله: ﴿الَمّ ◌َ اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوّ (١) ديانتنا الإسماعيلية ونظامها: ص ٢٣. (٢) المصدر السابق: ص ٢٥. ٢١٤ الانحطاط في علم الكلام اُلْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ -٢] وقوله: ﴿هُوَ اَللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ اَلْمُصَوَّرُ﴾ [الحشر: ٢٤] إلى آخر الآيات (١). ولا شكَّ أنَّ الباطنية تبنَّوا الفلسفة؛ فكان طبيعياً أن يكون أكثر اعتمادهم على المشتغلين بالفلسفة وأنصارها ، وكان طبيعياً أن يتتبعوهم ويلاحقوهم ، يظهر ذلك في نفس كتابات دعاة الإسماعيلية القدماء ورسائلهم ووصاياهم؛ فقد بعث عبد الله بن الحسن القَيْرواني - أحد دعاة الإسماعيلية - رسالة إلى أبي الحسن بن سعيد الجنابي، زعيم القرامطة ، يقول فيها: ((ادعُ الناسَ بأن تقترب إليهم بما يميلون إليه ، وأوهم كلَّ واحد منهم بأنك منهم، فمن أنسْتَ منهم رشداً فاكشف له الغطاء ، وإذا ظَفرت بالفلسفي فاحتفظ به ، فعلى الفلاسفة مُعوَّلنا)) (٢). وقد لاحظ ذلك المستشرقُ (دوزي) فقال عن مؤسِّس الدعوة الإسماعيلية ، وهو عبد الله بن ميمون القَدَّاح: ((ولم يبحث ابنُ ميمون عن أنصاره الحقيقيين بين الشِّيعة الخُلَّص؛ ولكن بين الوثنية والوثنيين وطلاب الفلسفة اليونانية ، ولم يكن يعتمدُ إلا على الطائفة الأخيرة ، وإليهم وحدَهم استطاع أن يُفضي بسره وخَفيِّ عقيدته ، وهو: أنَّ الأئمة والأديان والأخلاق ليست إلا ضلالاً وسخرية ، وأن باقي البشر - أو الحُمُر كما يسمِّيهم - ليسوا أهلاً لفهم هذه المبادىء؛ غير أنه ، تحقيقاً لغايته ، لم يَعفَّ عن مؤازرتهم؛ بل كان يلتمسُها ، ويحذر في نفس الوقت من أن يَحشُد الأنفس المخلصة الطائعة إلا في المرتبة الأولى لدعوته))(٣). وقد ساعَدَ الباطنيةَ انتشارُ الفلسفة ، والاضطرابُ الفكري الذي كان يسود المجتمع الإسلامي بصراع الفلسفة وعلم الكلام الذي أدّى إلى التقتُّر وتشقيق (١) ديانتنا الإسماعيلية ونظامها: ص ٢٦. (٢) الفرق بين الفرق: ص ٢٧٨ - ٢٧٩. (٣) إخوان الصفا: تأليف الأستاذ عمر الدسوقي، ص ٢٥. ٢١٥ الانحطاط في علم الكلام الشَّعرة ، وقد ألفته الأذهان ، وأُولع به الشبان ، ووُجد في المتعلِّمين وأنصاف المتعلِّمين وَلَعٌ بالعلوم الغامضة ، وبما يشبه العلوم الغامضة والحقائق البعيدة الغَور؛ فنفقتْ سُوقُ الباطنية وهَبَّت ريحهم ونَمت تجارتهم ، واجتمع حولهم أناس بدوافع مختلفة وأغراض شتَّی. منهم من دفعه إليهم أخذُ الثأر من الذين كانوا سبباً في ذهاب دولتهم وملكهم . ومنهم من دفعه بُغض الدولة العباسية القائمة ، وما يُعانونه من ظُلمٍ وحيفٍ في ظلها ، والباطنية هم الذين يعملون ضدَّها وينتصبون لها. ومنهم من دفعته الرغبة في الأسرار والغوامض ، ومنهم من دفعه إليهم ردُّ فعل ضدَّ الظاهرية السائدة ، والتمسُّك بالقشور والإلحاح عليهما إلحاحاً زائداً ، وإنكار كل ما زاد عليها. وكثيرٌ منهم اندفع وراء إشباع الرغبات والتهام اللذات التي يُمكِّن منها الباطنية ولا يُمكّن منها غيرُهم. وكثيرٌ منهم من دفعه الغضب لأهل البيت والتَّشيعُ لهم ، وكانت الباطنية تنشر دعوتها باسمهم وتدعو إلیھم. ومهما اختلفت الدوافع والأغراض فقد كسبتِ الباطنية شيعاً وأنصاراً، وأصبحتْ مؤسسة سِرِيَّة يُرهَبُ جانبها وتُخشى غائلتها ، حتى أصبحت في زمن قريب قوة تحسب لها الحكومات الإسلامية الكبيرة الحسابَ الكبير ، وظلَّت منها مدةً طويلةً في تَعب عظيمٍ وعناء كبير ، وأضحى كثيرٌ من رجالاتها ووزراء الحكومات صرعى الإرهاب ، واغتيلت نفوسٌ كان غناؤها للإِسلام عظيماً ، كنظام المُلك الطوسي ، وفخْر المُلك؛ حتى أتى على المسلمين حينٌ من الدهر، ولا يَعرفُ العالم منهم أو الوزير أو القائد، إذا نام في الليل ، هل يُصبح سالماً أو يكون فريسةً أحد الإرهابيين ؟ ! . قال ابن الجوزي: ((واستفحلَ أمرهم بأصبهان ، وآل الأمر إلى أنهم كانوا ٢١٦ الانحطاط في علم الكلام يسرقون الإنسان ويقتلونه ويُلقونه في البئر، وكان الإنسان إذا دنا وقتُ العصر ولم يعد إلى منزله، أَيسوا منه)) (١). هذا عدا ما دُوا في العلم والأدب ، وعدا ما تأثَّرت بهم العقول والنفوس؛ حتى تجاسَر الناس على تأويل النُّصوص والقطعيات، وتحريفِ الأصول والمحكمات ، ووُجد في الناس إقبال غريبٌ على الإلحاد والتطرف في الاعتقاد . إخوانُ الصَّفَا: وقد قَامتْ في العراق في القرن الرابع الهجري - وهو قرنٌ قد بلغ فيه الاضطراب الفكري والاضطراب السياسي أوجَهما - جماعةٌ سرِّية كالماسونية ، تجمع مزيجاً من الفلسفة اليونانية والعقيدة الباطنية ، تَتَسمَّى بإخوان الصَّفاء ، وكان أصحابُها متأثَّرين بالأفلاطونية الحديثة ، والفيثاغورية الحديثة ، وكانوا يُريدون أن يضعوا للناس مذهباً جديداً يجمع بين إلهيات اليونان ، ونظرياتٍ أفلاطون وأرسطو وأفلوطين وفيثاغورس وغيرهم ، وبينَ العبادات الشرعية الإسلامية ، والطهارة والمروءة والأخلاق الثابتة في كل دين وأمة، وعقيدة الشيعة الإسماعيلية ، ويخرجوا على الناس بخليط فيه حكمة اليونان وتنظيم الأديان. يَصفهم أبو حيَّان التوحيدي في كتابه «الإمتاع والمؤانسة)) فيقول: ((وكانت هذه العصابةُ قد تألَّفت بالعُشرة ، وتصافت بالصَّداقة ، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة؛ فوضعوا بينهم مذهباً زعموا أنهم قرَّبوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله؛ وذلك أنَّهم قالوا إنَّ الشريعة قد دُنِّست بالجهالات ، واختلطتْ بالضلالات ، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة؛ لأنها حاويةٌ للحكمة الاعتقادية ، والمصلحةِ الاجتهادية ، وزعموا أنَّه متى انتظمتِ الفلسفة اليونانيةُ والشريعة العربيةُ ، فقد حصل الكمال. (١) تلبيس إبليس: ص ١١٠. ٢١٧ الانحطاط في علم الكلام وصنَّفوا خمسين رسالة (١) في جميع أجزاء الفلسفة عِلْمِيّها وعَمَليِّها ، وأفردوا لها فهرساً وسموها ((رسائل إخوان الصفا))، وكتموا فيها أسماءهم ، وبَثُّوها في الوراقين ، ووهبوها للناس ، وحشَوْا هذه الرسائل بالكلمات الدينية ، والأمثال الشرعية ، والحروف المحتملة، والطُرق المُوهِمة)». وهذه الرسائلُ تشتمل على الطبيعيات والرياضيات والإلهيات والعقليات ، ويعوزُها التَّعمق والنظام ، ويظهرُ فيها الإغراق في الخيال ، والاعتماد على الأفكار اليونانية من غير فَخْص وانتقاد ، والبحث في كل علم من غير إشباع وإقناع. وقد لاحظ ذلك أبو حيَّان فقال: ((مبثوثةٌ من كل فنٌّ بلا إشباع ولا كفاية، ينكرون فيها البعث بالأجساد (٢)، ويُفسرون الآخرة والجنة والنار خلافاً لما تواتر عند المسلمين وفُهِم من النصوص الدينية القطعية (٣)، ويُنكرون الشياطينَ على الصورة التي يفهمها معظم المسلمين ، ويقولون: هي النفوس الشِّريرة الهائمةُ فيما دون فَلك القمر مع أخواتها من النفوس التي جَهلت ذواتَها في الدنيا)) (٤). ويُفسِّرون الكفرَ (٥) والعذابَ (٦) تفسيراً باطنياً فلسفياً. وتشتملُ على كثير من الآراء الخيالية ، وبعضها متلقَّف من اليونان ، وبعضها وليدُ الأذهان ، وبعضها تراث الكهان ، كأسرار الأعداد (٧) والتنجيم، والفالِ، والَّجْر (٨)، والسِّحر، والعزائمٍ(٩)، والإيمان بطوالعٍ (١) الصحيح أنها إحدى وخمسون رسالة. (٢) رسائل إخوان الصفا: ج٤ ص ٦١ - ٦٢ . (٣) انظر: رسائل إخوان الصفا: ج٣ ص٧٨ وج٤ ص ٤٠. (٤) رسائل إخوان الصفا: ج٤، ص٢٦. (٥) المصدر السابق: ج٣، ص٧٦. (٦) المصدر السابق: ص٧٦. (٧) المصدر السابق: ص ٢٧ - ٢٨ . (٨) المصدر السابق: ص١٠٦ . (٩) المصدر السابق: ص ٣٢٠. ٢١٨ الانحطاط في علم الكلام النجوم وتأثيرها (١)، وموسيقا الأفلاك ونغماتها وألحانها (٢)، وتشتملُ كذلك على عقيدة الوحي (٣)، والإمام المستور (٤)، والتقية (٥). وفيها إعداد النفوس والعقول لدولة جديدة ، تقوم على إمامة أهل البيت ، وإخطار بانتهاء أمد الدولة العباسية وزوالها ، وقد جاء فيها ما يلي: ((وقد ترون أيها الإخوان - أيَّدكم الله وإيانا بروح منه - أنه قد تناهت قُوة أهل الشَّر، وكثُرت أفعالهم في العالم في هذا الزمان ، وليس بعد التّناهي في الزيادة إلا الانحطاط والنُّقصان ، واعلم أنَّ المُلك والدولة ينتقلان في كل دهر وزمان ، ودور وقران من أمة إلى أمة ، ومن أهل بيتٍ إلى أهل بيتٍ ، ومن أهل بلدٍ إلى أهل بلدٍ)) (٦). وبالاختصار: إنَّ رسائل إخوانِ الصفا مجموعةٌ غريبةٌ من الحكمة والديانة والشَّعوَذةِ والكهانة والسياسة ، تقوم على أساس الفلسفة اليونانية الطبيعية والإلهية ، ونظرياتها وأوهامها ، وتنهار بانهيارها ، وليست لها أهميةٌ كبيرة. ولولا الاضطراب الفكري الذي يسود في القرن الرابع والخامس ، وإجلالُ كل ما يظهر في الصبغة الفلسفية ، لمَا نالتْ هذا الاهتمامَ ، ولما استحقتْ أن يتناقلها المعتزلة ومن جرى مجراهم ، يتدارسونها ويحملونها معهم سيراً إلى بلاد الإسلام (٧). وكانتْ هذه الرسائلُ محاولةً لوضع نظام جديد: خُلقي ، إلهي ، علمي ، يحلُّ محل الشريعة الإسلامية التي كان يعتقد ((إخوان الصفا)) أنها - بشكلها (١) رسائل إخوان الصفا: ص ٩٥. (٢) المصدر السابق: ص ١٥٢ - ١٥٣. (٣) المصدر السابق: ص٤٠٤. (٤) المصدر السابق: ص ٨٦ ج٤ ، ص ٥٧ . (٦) المصدر السابق: ص ٢٣٤ ٢٠. (٥) المصدر السابق: ص٣٠٨. (١" . ريع رسمه الإسلام: للطفي: ٠٠، ص٢٥٤. ٢١٩ الانحطاط في علم الكلام الحاضر - قد أصبحتْ عتيقة لا تُؤدِّي رسالتها . وقد أخفقت هذه المحاولة إخفاقاً تاماً؛ فلم تُنتج نظاماً علمياً ، ولم تُنْشِىء مجتمعاً يقوم على أساس ، وأصبحت في مدة قريبة من الآثار التاريخية العتيقة التي لا تأثير لها في الحياة ، ولا محل لها إلا في المتاحف والمكتبات. ويبدو لي كلَّما قرأتُ تاريخ الباطنية وإخوان الصفا ، وتاريخ البهائية والقاديانية ، أنَّ أصحابها قرؤوا تاريخَ الإِسلام ، وتاريخَ الرسالة المحمدية والدعوة الإسلامية؛ فرأوا رجلاً يقوم في جزيرة العرب وحيداً فقيراً أعزل ، ويدعو إلى عقيدة وشريعة ، فلا يلبثُ أن يكوِّن أمةً ، ويُكوِّن دولةً ، ويُكوِّن حضارةً ، ويُرغم التاريخ على أن يَنحو نحواً جديداً؛ فغرَّت هؤلاء نفوسُهم الطامحة ، وأغرتهم بأن يجربوا هذه التجربة ، وعندهم الذكاء والدهاء وقوة التنظيم والعلوم والأتباع ، عسى أن يُكوِّنوا أمةً ودولةً وحضارة ، ولماذا لا تثمر الجهود؟ ولماذا لا تَتكرّر المعجزة ، والفِطرة البشرية لا تزال هي الفطرة ، ولا يزال الناس أشباهاً؟ !. لقد رأى هؤلاء الطامحون هذا الرجلَ الوحيدَ الفقير الأعزل ، ولم يروا ما يعتز به من رسالة ونبوءة وشخصية وسيرة ، ولم يروا تلك الإرادة الإلهية الغلاَّبة التي قضتْ بانتصاره وظُهوره وخلوده: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِلْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ◌ِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]. وقد أثمرت جهودُهم مؤقتاً ، فكان لهم أتباعٌ وأشياع ، وقد استطاع بعضُهم - كالباطنية - أن يُقيم دولة ، وقد ازدهرت هذه الدولة ، وبقيتْ ـ ما بقيت - تنظيماتُهم وحِيلهم واستدراجاتهم، وما لبث أن تبخّرتْ وتلاشتْ ، وبقيت دياناتُهم في نطاق ضيق لا تقدِّم ولا تؤخِّر في العالم. أمَّا الإسلام الذي جاء به محمد ◌َّه، فلا يزالُ القوة الروحية الكبرى ، ولا يزال صاحبَ أمة ودُول وحضارة ، وأما شمس النبوة المحمدية فلا تزال مُشرقة لم تنكّفْ ، ولم تحتجبْ يوماً واحداً. ٢٢٠ الانحطاط في علم الكلام الحَاجةُ إلى شَخصيَّةٍ قويةٍ جديدةٍ: وعلى كلٌّ فقد كان العالم الإسلامي في القرن الخامس - وقد تواضعتْ على إضعافه الفلسفةُ والباطنية ، وأحدثتا تبلُلاً فكرياً ، يَجُّه إلى الإلحاد في العقيدة ، والتدهور في الأخلاق ، والاضطراب في السياسة - في حاجة مُلِخَّة إلى شخصيةٍ قوية جديدة تردُّ إليه الإِيمان بالعقيدة ، والاعتمادَ على مصادر الدين الأصلية ، والاستقامة في الأخلاق ، ويُنتج الإنتاجَ الجديد الذي تكسُد معه سوق الباطنية ، وتركُد ريحها ، وتعرض الإِسلام عرضاً عقلياً جميلاً تَذْحض معه حُجج الفلاسفة والباطنية ، وكان لا بد لهذه الشخصية أن تكون جامعة بين العلوم العقلية والنقلية ، لها في كل منهما قدمٌ راسخة ، وباعٌ طويل ، ونظر نافذ ، وتكون عقلية كبيرة تُناهض فلاسفة اليونان ، وقادة الفكر في العالم ، تجري معهم في رهان واحد ، وتستطيعُ أن تُدوِّن كثيراً من العلوم تدويناً جديداً ، وتقول فيهما كلمتها ، وتجمعُ إلى ذلك كله من المواهب العلمية والكفاية العقلية الإيمان القويَّ الراسخَ الذي اكتسَبه هذا الرجل بدراسته وتأملاتِه ، وإخلاصِه وجهاده في سبيل الوصول إلى المعرفة واليقين ، ويستطيعُ بكل ذلك أن يَنفُخ في المجتمع الإسلامي روحاً جديدة وحياة جديدة. لقد رُزق العالمُ الإِسلاميُ - وهو في أشدِّ حاجةٍ وأدقٌ ساعةٍ - هذه الشخصيّة الفذّة ، في منتصفِ القرن الهجري، هي شخصيةُ الغزاليِّ التي ستكون موضعَ عِدَّة فصولٍ مقبلةٍ.