Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ حركة التدوين في الإسلام متنه. وفعل بالآخرين مثل ذلك ، فأقرَّ الناس له بالحفظ، وأَذْعَنوا له بالفضل)). قال الحافظُ ابن حجر بعد ما حكى هذه القصة «قلتُ: هنا يُخضع للبخاري! فما العَجبُ من ردِّه الخطأ إلى الصواب؛ فإنه كان حافظاً؛ بل العجبُ من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مَرَّةٍ واحدة))(١). احتشَادُ النَّاس في مجالس الحديث: وقد وُجِدَ في الناس - خاصَّتِهِم وعامَّتهم - إقبالٌ غريب على مجالس الحديث ، وتهافتٌ على سماعه وحضور دُروسه ، فكان الناس إذا قدم مُحدِّثٌ جليل يتقاطرون على أخذ الحديث منه ، ويحضرون حلقته في عددٍ يقضى منه العجب . وأغرَبُ من هذا العدد هو الوقارُ والسكينة والهدوء الذي كان يسود في هذه المجالس ، فكان الناس مُنصتين هادئين كأن على رؤوسهم الطير. ويَدلُّ ما يحكيه الذهبيُ في ((تذكرة الحفاظ)) على الاندفاع القوي ، والاتجاه العام الذي وُجد في الجمهور إلى حديثٍ نبيهم ◌ََّ وشغفِهم به، وتأثير المحدِّثين في عقول الناس ونفوسهم. قال يحيى بن أبي طالب: سمعتُ مِن يزيدَ ببغداد ، وكان يقال: في مجلسه سبعون ألفاً(٢). قال أبو حاتم: حضرتُ مجلس سليمان بن حرب (م ٢٢٤ هـ) فحُزر بأربعين ألفاً، بُني له شِبه منبر بجَنْب قصر المأمون فصعده ، وحضر المأمونُ والأمراء ، فأُرسل للمأمون سِيرسافٌ وبقي يكتب ما يملي(٣). وقال أبو الحسن بنُ المبارك عن عاصم بنِ علي المحدِّث الشهير (١) مقدمة ((فتح الباري)) ص ٤٨٧ . (٢) تذكرة الحفاظ: ج١، ص ٢٩٢. (٣) المصدر السابق: ج١، ص ٣٩٣. ١٤٢ حركة التدوين في الإسلام (ت ٢٢١ هـ) كان مجلسُه يُحزر بأكثر من مئة ألف إنسان، قال عمرُ بن حفص السَّدُوسي: وَجَّه المعتصم من يَحزُر مجلس شيخنا عاصم (ت٢٢١ هـ) في رحبة النخل ، وكان يجلس على سطح سمعته يوماً يقول: ((حدَّثنا الليث بن سعد)) وهم يستعيدونه. فأعاد أربع عشرة مرة والناس يسمعون. وكان هارون يركب نخلةً معوَجَّة يستملي ، فحزر المجلس بعشرين ومئة ألف(١). وقال أحمدُ بن جعفر الخُتلي: ((لما قدم أبو مُسلم الكُجِّي (ت ٢٩٢ هـ) بغداد ، أَمْلَى في رَحبة غسان ، فكان في مجلسه سبعة مستملين. يُبلّغ كل واحد منهم الآخر. ويكتب الناسُ عنه قياماً ، ثم مُسحَت الرَّحبة ، وحُسب من حضر بمَحبرة ، فبلغ ذلك نيفاً وأربعين ألف محبرة سوى النظّارة ، قال الذهبيُّ: هذه حكاية ثابتة رواها الخطيب في تاريخه))(٢). ويقول أبو حفص الزَّيات: لما ورد الفريابيُّ إلى بغداد استُقبل بالطَّارات والدبادب (٣)، ثم أوعد له الناس إلى شارع المنار ليسمعوا منه، فحُزر من حضر مجلسه لسماع الحديث. فقيل: كانوا نحو ثلاثين ألفاً ، وكان المستملون ثلاثمئة وستة عشر. قال أبو الفضل الزُّهري: لمَّا سمعتُ من الفِريابي ، كان في مجلسهِ من أصحاب المحابر مَن يكتب نحو عشرة آلاف إنسان ما بقي منهم غيري ، هذا سوی من لا یکتب. قال ابن عدي (ت ٣٦٥هـ): كُنا نشهد مجلس الفِرْيابي وفيه عشرة آلاف (٤). (١) تذكرة الحفاظ: ج١، ص ٣٦٤. (٢) المصدر السابق: ج٣، ص ١٩٦ . (٣) الطارات: الدفوف. الدبادب: الطبول. (٤) تذكرة الحفاظ: ص ٢٦٢. ١٤٣ حركة التدوين في الإسلام وذكر الفِريابي: أنه سمع ((الجامع الصحيح)) من البخاري تِسعونَ ألفاً(١). وبهذه الأخبار التي التقطناها من مجموعة كبيرة يمكننا أن نعرف كيف شُغف الناس في هذا العصر الذي نُؤرِّخه بالحديث النبوي ، وكيف تهافتوا عليه تهافت الفراش على النور. الصِّحاحُ السِّتَّةُ: وهكذا أصبح الحديثُ موضوعَ عناية هذه الأمة بعد القرآن. وانصرفتْ إلى جمعه وتدوينه وضبطه وتنقيحه هممُ المخلصين المجاهدين ، وما زالوا يعنون به ، ويتفانون في سبيله ، حتى خرجتْ من هذه المجموعة الكبيرة التي كانت مُنبثة في الآفاق مجاميعُ مُنقَّحة للحديث النبوي ، كان في مقدّمتهم هذه الكتبُ الستة التي تواضع علماء هذا الشأنِ وأصحابُ الصناعة ، والمشتغلون بالعلوم الدينية ، والناقدون لها ، على صحتها وتقديمها على غيرها ، وهي ((الجامع الصحيح)) للبخاري و((الجامع الصحيح)) لمسلم، و((الجامع)) للترمذي، ((والسُّنن)) لأبي داود السِّجْستاني، و((السنن)) للنَّسائي، و((السُّنن)) لابن ماجه(٢) ، واصطلح العلماء على تسميتها بالصِّحاح الستة. ثم يمتازُ بينها ويتفَوَّق في الصحة والقبول والاستفاضِة كتابان: أوَّلهما ((الجامع الصحيح)) لمحمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفيّ البخاري (ت ٢٥٦ هـ). والثاني: ((الجامع الصحيح)) لمسلم بن الحجاج القُشيري النيسابوري (ت ٢٦١ هـ). واصطلح الناس على تسميتهما (بالصحيحين) وكلِّ ما یرویانه من حدیث بـ ((متفق عليه)). وقد قال إمام الحديث في العصور المتأخرة، شيخ الإسلام، ولي الله بن (١) مقدمة ((فتح الباري)) ص ٤٩٢، وقد جمع هذه المعلومات والأخبار السري الفاضل والمؤلف المجيد مولانا حبيب الرحمن الشُّيرواني في كتابه البديع (العلماء السلف [بالأردوية]). (٢) يضاف إلى هذه الكتب الستة ((الموطأ)) للإمام مالك بن أنس. ١٤٤ حركة التدوين في الإسلام عبد الرحيم الدّهلوي (١١٧٦ ت هـ)(١) في كتابه: ((حجَّة الله البالغة)): ((أما الصحيحان فقد اتفق المحدِّثون على أنَّ جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيحٌ بالقطع ، وأنهما متواتران إلى مُصنِّفَيهما ، وأنَّ كل من يُهوِّن أمرهما فهو مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين))(٢). وقد ظلَّتْ هذه الكتبُ الستة - ولا تزال ــ مصدراً من مصادر الإصلاح والتجديد والتفكير الإسلامي الصحيح في الأمة الإسلامية. تلقَّى منه المصلحون في عصورهم العلمَ الديني الصحيح، والفِكر الإسلامي النقيّ، واحتُّوا بأحاديثه ، واستندوا إليها في دعوتهم إلى الدين والإصلاح ، وفي محاربتهم للبدع والفِتن والفساد ، ولا يستغني عن هذا المصدر كلٌّ من يريد إرجاعَ المسلمين في عصره إلى الدين الخالص والإِسلام الكامل ، ويُريد أن يوجد صلة بينهم وبين الحياة النبوية والأُسوة الكاملة ، وكلُّ من تُلجئهُ الحاجةُ وتطوّراتُ العصر إلى استنباط الأحكام الجديدة. تَدوينُ الفِقْه: كذلك كانتِ الأمةُ في حاجة مُلِحَّةٍ إلى حركة تدوين الفقه. وقد اضطرت التطورات التي طرأت على المجتمع الإِسلامي ، واتساعُ رقعة المملكة الإِسلامية ، وتعقُّدُ المدنيّة ، وطرافةُ المسائل والحوادث ، وانشعابُ الحياة ، إلى استنباط المسائلِ ، واستخراج النتائج ، وترتيب الجزئيات والفتاوى. وقد خرج الإسلامُ من الجزيرة العربية - حيثُ الحياةِ بسيطةٌ والمدنية محدودة - إلى بلاد مُخصبة واسعة ذات المدنيات القديمة، والآفاق الواسعة ، كالشام، والعراق ، ومصرَ ، وإيران ، وقد توسّعت الحياة الاجتماعية ، وتعقّد نظام التجارة والإدارة ، وقد كانت مُهمةُ تطبيق أصول (١) هو أحمد بن عبد الرحيم [المعروف بـ ((شاه ولي الله الدهلوي)]. (٢) حجة الله البالغة: ج١، ص ١٠٦ . ١٤٥ حركة التدوين في الإسلام الإِسلام على هذه المسائل والحوادثِ ، وإخضاعُ الحياة المدنية لروح الإسلام وأسسه تتطلَّب ذكاء فائقاً وفهماً دقيقاً ، واطلاعاً واسعاً على المجتمع العصري الذي كان المسلمون يعيشون فيه ، وإلماماً كافياً بعلم النفس ، والطبيعة البشرية ، وخبرةً واسعة بطبقات الأمة ونواحي الحياة العامة ، يُضاف إلى ذلك الاطلاع الواسع على تاريخ الإسلام ، والوقوف على مصادره وأصول التشريع الإسلامي، مع الرسوخ والتَّضَلَّع في اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم ونطقَ بها الرسولِ اَله. الأئمّةُ الأربعة وخصائِصُهم: لقد كان مِن لُطْف الله بهذه الأمة ، وكان من التيسير؛ أن قيَّض لهذه المهمّة الجليلة رجالاً يُعَدون من الأفذاد والنوابغ الذين أنجبتهم الإنسانية فقهاً وأمانة ، وإخلاصاً وكفاية. كان منهم هؤلاء الأربعة (أبو حنيفة) (ت ١٥٠ هـ). و(مالكٌ) (ت ١٧٩ هـ). و(الشافعيُ) (ت ٢٠٤ هـ). و(أحمدُ بنُ حنبل) (ت ٢٤١ هـ) الذين قُدِّر لفقهِهم أن يعيش إلى هذا اليوم ويخضع له العالم الإسلامي. وقد فاق هؤلاء في فَهمهم الدقيق الواسع ، ووقفوا حياتهم ، واستعملوا مواهبهم بسخاء في تكوين هذه الثروة الفقهية والقانونية التي لا تُعادِلها ذَخيرةٌ فقهية في العالم ، والتي لا تزال مَرجعاً ومادة واسعة للتشريع لهذا العصر. وقد توقَّر هؤلاء على هذه الخدمة التي تَدين لها الأمة ، ويدين لها العالم ، وآثروها على كل راحةٍ ولذةٍ وجاه ومنصب في الحياة ، وقد خابَ ملوك عصرِهم وأمراؤه ، وخابتِ الأطماع والإغراءات أن تَشغلَ قُلوبهم ، أو تَتوزَّع عقولَهم ، وأوقاتهم. وقد عُرض على أبي حنيفة منصبُ القضاء الذي كان منصباً كبيراً وشرفاً عظيماً مرتين ، فرفض وامتنع ، ومات في السجن. ١٤٦ حركة التدوين في الإسلام وقد ضُرب مالكٌ مئتي سوطٍ لأجل مسألة جَهر بها وخُلعت كتفاه ، وهي أن طلاق المُكرَه ليس بشيء. وقد قَضى الشافعي معظمَ حياته في عُسْر وضَنك ، وبذلَ صحته وقوته في استنباط الأحكام وتدوين الفقه. وعارض أحمدُ بن حنبل اتجاهَ حكومةٍ هي كبرى الحكومات وأقواها على ظهر الأرض في عصره ، ودافع عن السُّنة والفكر الإسلامي الصحيح حتى ◌ُوقب وعُذِّب وضُرب وسُجن. وقد أنتَجَ كلُّ واحد منهم ثروةً علمية ، وخلّف تراثاً فقهياً ينوء بالمجامع العلمية والمؤسسات الكبيرة في هذا العصر؛ فقد رُوي أن أبا حنيفة قال ستينَ ألفَ مسألةٍ. وقال بعضُهم: ثمانيةً وثلاثين ألفاً في العبادات ، وخمسة وأربعين ألفاً في المعاملات(١). وقد ذكر شمس الأئمة الكُردري: أنَّ عدد المسائل التي دوَّنها يبلغ إلى ستمئة ألف (٢) . ومهما كان العددُ مبالغاً فيه فلا شك أنه أنتج ثَروة فقهية ضخمة هي أساس هذا الفقه الحنفي الذي استطاع أن يَحكُم المساحة الكبرى في المملكة الإسلامية أيام ازدهارها ، ويكونَ دُستور مملكة هي أرقى المملكات في عصرها ، وهي الدَّولة العباسية . وكذلك شأنُ مالك في الفقه ، فكتابه: (المُدوَّنة) الذي هو مجموعتُه الفقهية ، تبلغ نحو ست وثلاثين ألف مسألة(٣). (١) ضحى الإسلام: ج٣، ص ١٨٨ نقلاً عن ((مناقب أبي حنيفة)) للمكي ص ٩٦. (٢) سيرة النعمان: للعلامة شبلي النعماني، نقلاً عن ((قلائد عقود العقيان)). (٣) ضحى الإسلام: ج٢، ص ٢١٥. ١٤٧ حركة التدوين في الإسلام وكتابُ (الأمّ) الذي هو إفادات الشافعي مجموعة فقهية ضخمة تقع في سبعة أجزاء. وقد جمع أبو بكرِ الخَلَّل (ت٣١١هـ) مسائل الإمام أحمد في أربعين مجلداً أسماه (الجامع لعلوم الإمام أحمد)(١) . تَلامِيذُ الأئمّة الأربعةِ وخلفاؤهم: وقد رَزَقَ الله هؤلاء الأئمّة الفقهاء تلاميذَ نُجباء قاموا بعلمهم وزادوا في ثروته ، وظلُّوا يشتغلون بتنقيحه وتهذيبه. وقد رُزق الإمام أبو حنيفة تلاميذَ مثل القاضي أبي يوسف (ت ١٨٢ هـ) الذي استطاع بذكائه النادر ، ومَقدرتهِ الفقهية أن يكون قاضي الإمبراطورية العباسية العظيمة ، والمُشرِفَ الدينيَّ عليها ، وقد ألَّف كتاب (الخراج) الذي شهد بسعة علمه ودقةٍ فهمه ، ومحمد بن الحسن (ت ١٨٩ هـ) الذي هذّب الفقه الحنفي وألَّف مؤلَّفات لا تزال مصدر الفقه الحنفي ، وزفر بن هذيل (ت ١٥٨ هـ) الذي عُرف بِحدَّة القياس وقوةِ الحُجة. ورُزق الإمام مالك تلاميذ عُرفوا بحسن الوفاء لشيخهم ، والحرصِ على نشر مذهبه ، مثلَ عبدِ الله بن وَهْب (ت ١٩٧ هـ)، وعبد الرحمن بن القاسم العتقي (ت ١٩١ هـ)، وأشهبَ بنِ عبد العزيز (ت ٢٠٤ هـ)، وعبدِ الله بن عبد الحكم (ت ٢١٤ هـ)، ويحيى بن يحيى اللَّيثي (ت ٢٣٤ هـ) الذين دانت بفضلهم مصر وشمال إفريقية بالفقه المالكي. ورُزق الإِمام الشافعي مثل البُوَيطِيِّ (م ٢٣١هـ)، والمُزنيِّ (ت ٢٤٦ هـ)، ورَبيع (ت ٢٧٠ هـ) الذين دَوَّنوا الفقه الشافعي وهذّبوه. (١) انظر: ترجمة أبي بكر الخلال في ((شذرات الذهب)) ج٢، ص ٢٦١. ١٤٨ حركة التدوين في الإسلام وكذلك كان من أتباع الإِمام أحمد مؤلِّفٌ ومحقِّق ، مثل ابن قُدَامة ، الذي صنف (المغني) الذي يُعدُّ من مفاخر المكتبة الإِسلامية الفقهية. مَاذا أفادَ تدوينُ الفِقه ؟ لقد كان وجودُ هؤلاء الفقهاء المجتهدين والمشرِّعين في قرون الإسلام الأولى بُرهاناً ساطعاً على صلاحية هذه الأمة للبقاء والانتشار. وقد أوجدت بفضل مساعيهم ونبوغهم وحدةُ الأُمة العملية ، في اجتماعها ومعاملاتها وسياستها المالية ، وهذه الوحدةُ عاملٌ مهم من عوامل الوحدة الدينية والفكرية ، وبذلك أَمِنتْ هذه الأمةُ من تلك الفوضى الاجتماعية والتشريعية التي أُصيبت بها الأممُ والديانات في عهدها الأول. والتي تدرَّجت بها إلى حياة لا دينية تسير فيها على النظم اللادينية أو تقتبسُ التشريع الأجنبيّ الثائر على روح دينها ومبادئه ، وألجأتها إلى التمسُّك بمبدأ فصل الدين عن السياسة ، الذي هو الخطوة الأولى الحاسمةُ إلى الإلحاد والارتداد. الإمام أحمد بن حنبل نشأة الاعتزال والمعتزلة المأمون وعقيدة خلق القرآن أحمدبن حنبل نشأتهودراسته سيرته وأخلاقه وفاته المحنة أحمد بن حنبل يحكي قصته ١٥١ الإمام أحمد بن حنبل المحاضرة الخامسة: الإمام أحمد بن حنبل ١ نَشْأة الاعتزال والمعتزلة: يَخلو لي أن أفتتح هذه المحاضرة بكلمةٍ سبقت لي في كتابي: ((ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ؟!)): قد كان الأنبياء عليهم السلام أخبروا الناس عن ذات الله وصفاتهِ وأفعاله ، وعن بداية هذا العالم ومصيره ، وما يَهجمُ عليه الإنسان بعدَ موته ، وأتَاهم علم ذلك كُلِّه بواسطتهم عفواً بدون تعب ، وكفوهم مؤونة البحث والفحص في علوم ليس عندهم مباديها ولا مقدماتها التي يبنون عليها بحثهم؛ ليتوصلوا إلى مجّهول لأن هذه العلوم وراء الحِسّ والطبيعة ، لا تعمل فيها حواسُهم ، ولا يؤدِّي إليها نظرهم وليست عندهم معلوماتُها الأولية . لكنَّ الناسَ لم يشكُّروا هذه النعمة وأعادوا الأمر جَذعاً(١)، وبدؤوا البحث أُنْفاً، وبدؤوا رحلتهم في مناطق مجهولة لا يجدون فيها مُرشداً ولا خرِّيتاً(٢). وكانوا في ذلك أكثر ضلالاً وأشد تعباً وأعظم اشتغالاً بالفضول من رائد لم يقتنع (١) [أعاد الأمرَ جذعاً؛ أي: جديداً كما بدأ]. (٢) [الخرِّيت: الدليل الحاذق]. ١٥٢ الإمام أحمد بن حنبل بما أدى إليه العلم الإنساني في الجغرافية ، وما حدد وضبط من الخرائط على تعاقب الأجيال ، وأراد أن يقيسَ ارتفاع الجبال وعُمق البحار من جديد ، ويختبر الصحارى والمسافات والحدود بنفسه على قِصر عمره وضعف قوته وفقدان آلته ، فلم يلبث أنِ انقطعتْ به مَطيَّتُه ، وخانته عزيمته ، فرجع بمذكرات وإشارات مختلفة ، وكذلك الذين خاضوا في الإلهيات من غير بصيرة وعلى غير هدى، جاؤوا في هذا العلم بآراءَ فجَّةٍ ، ومعلوماتٍ ناقصة ، وخواطرَ سانحة، ونظريات مُستعجلة ، فضلُّوا وأضلوا. وكذلك مَنحَهم الأنبياء عليهم السلام مبادى ثابتة ومُحكمات ، هي أساس المدنيّة الفاضلة والحياة السعيدة في كل زمان ومكان ، فحُرموها على تعاقب العصور ، فبنوا مدنيَّتهم على شفا جُرف هار ، وأساس منهار ، وعلى قياس واختبار، فزاغ أساس المدنية، وتداعى بناؤها، وخَّ عليهم السقفُ من فوقهم. كان الصحابةُ رضي الله عنهم سعداءَ موفَّقين جداً؛ إذ عوَّلوا في ذلك كله على رسول الله رَّة، فكُفوا المؤونة ، وسعدوا بالثمرة ، ووفّروا ذكاءهم وقوتهم وجهادهم في غير جهاد ، ووفّروا عليهم أوقاتهم ، فصرفوها فيما يَعنيهم من الدين والدنيا ، وتمسكوا بالعروة الوثقى، وأخذوا في الدين بلُبِّ اللُّباب))(١). هذا هو تصويرُ الواقع في آخر القرن الثاني ، وإن لم أقصد تصويرَه؛ وإنما قصدتُ تصوير العصور الجاهلية وعصور الفترة؛ ولكن الطبيعة البشرية جامحة لا تقف على الحدود ، نهمة بالمتاعب والجهاد في غير جهاد ، فلم يَنْقَضِ القرنُ الأول ، ولم ينقرض الجيل الإسلامي الأول - الذي تلقى الدين من النبي ◌َّله، وكان كما وصفه عبد الله بن مسعود ((أبرّ الناس قلوباً، وأعمقهم (١) [ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ الباب الثاني، الفصل الثاني، طبعة دار ابن کثیر ، بدمشق]. ١٥٣ الإمام أحمد بن حنبل علماً، وأقلَّهم تكلُّفاً))(١) - حتى أُولع الناس بالخوض في مسائل الذات والصفات ، وأثاروا مسائل ليست عندهم وسائل الوصول إليها، ومُؤهِّلاتُ الحكم عليها ، وكان ذلك بتأثير الفلسفة اليونانية التي لم تكن إلا مجموع خواطر لا تقوم على أساس علمي ، وطلسماً من كلمات ومصطلحات يروِّعُ الإنسانَ ، فإذا افتقده لم يجده شيئاً. وقد كان المسلمون في غنىّ عن ذلك بما جاء به الرسول من عِلم محكم، وبينة واضحة كما قدمنا ، وقد انصرفت هممُهم إلى الجهاد والفتح الإسلامي، ونشر الدعوة والمسائل الجدية، وتدوين العلوم المفيدة، مَلك عليهم ذلك عقولهم وأفكارهم ، واستنزف جهودهم وأوقاتهم. فلمَّا انتقلتِ العلوم اليونانية والسريانية إلى العربية ، وانصرفَ الناس عن ميدان القتال ، وتنفَّسوا عن الجهاد ، أُثيرت هذه المباحث ، وأقبل الناس عليها ، وكان أسرع الناس إليها هي الطبقة التي كانت أشدَّ انفعالاً وتأثراً ، وأسرع قضاء وتحكُّماً ، وكانت ذات فطنة وذكاء حاد؛ ولكنه ذكاء ليس في عُمق ونبوغ ، وكان ذكاء طافياً لم يعرف الرسوبَ والنزول إلى الأعماق والاستقرار في القعر. كان يتقدَّمُ هذه الطبقة طائفةٌ تُعرف في تاريخ الإسلام ((بالمعتزلة)) الذين كانوا مع ثقافتهم الواسعة وذكائهم النادر لم يَتعمَّقوا في العلم ولم يُدقِّقوا، وكانت ثقافتُهم أوسع مما هي أعمق ، وقد أخطأ كثيرٌ منهم فهمَ حقيقة الدين، وأسرفوا في تقدير سلطان العقل وحدود العلم الإنساني؛ فجاءت نظرياتُهم في الدين ومباحثُهم في ما وراء الطبيعة نظرياتٍ فجَّةً لم تنضج بعد، ومباحثَ مستعجلة قد فاتها الإِحكام والتدقيق ، شأن كل شعب وكلِّ طائفة في بداية الدَّور العقلي ، وفي الطفولة العقلية ، ولو قُدِّرَ لهم أن يعيشوا أو يتقدموا في العلم لنقضوا كثيراً مما أبرموا ، وأبرموا أكثر ما نقضوا. وقد لاحظَ الدكتور أحمد أمين - الذي انتصرَ للمعتزلة في كتبه ، وكان (١) [مشكاة المصابيح: ٣٢/١]. ١٥٤ الإمام أحمد بن حنبل شديدَ الإِعجاب بهم عظيمَ الاعتراف بإنتاجهم وخِدمتهم للدين - أنَّ نُقطة الضعف فيهم أنَّهم أسرفوا في تمجيد العقل والإيمان بقُوته واقتداره. يقول - وهو يذكر الخلاف بين المُحدّثين والمعتزلة -: ((فجوهر الخلاف إذاً بين هؤلاء والمعتزلة هو سُلطة العقل ومداها وحدودها ، رأى المعتزلة أنَّ العقلَ البشري قد مُنح من السُّلطة والسعة ما يمكنه من إقامة البرهان حتى على ما يتعلق بالله ، فلا حدود للعقل إلا براهينه ، ولا زلَل ولا خطأ متى صحَّ البرهان ، فاستعملوا البراهين في أدق الأمور وأصعبها وأعقدها ، ففي استطاعة العقل الوصولُ إلى الحق فيها . وهكذا كانت نزعةُ المعتزلة هذهِ متجليةً في كل أبحاثهم ، يسيرون وراء البرهان إلى نهايته ، ويُثيرون أصعبَ المشاكل وأعقدها ، ويَتعرَّضون لحلِّها ، فإذا تم لهم حَلَّها أو - على الأقل - اعتقدوا بِحَلِّها، تأوَّلوا آيات القرآن على مقتضاها . وعلى العكس من ذلك الآخرون ، رأوا أنَّ العقل أضعفُ من ذلك، وأنَّ استطاعته محدودةٌ بإدراك ما يتعلق بشأنه هو ، أو أقلَّ من ذلك ، وأنه مُنح القدرة على أن يُدرك البرهان على وجود الله ، والنبوةِ العامة ، ونُبوة محمدٍ خاصة ، ولم يُمنح القدرة على كُنْهِ الله وصفاته ، فلْنُؤمن بما جاء به أنبياؤُه ، ولْنَقِفْ عند ما قالوه ، ولا نُثير مشاكل لم يأتِ بها الأنبياء ، ولْنَسُد الطريق على من يُثيرونَها ، فإنْ جادلناهم في شيء ففي بيان خطئهم وفسادِ طريقتهم)) (١). ويقولُ في موضع آخر ، منتقداً نزعة المعتزلة إلى قياس الغائب على الشاهد ، وهو أساس منطقهم الذي جَروا عليه في فلسفتهمُ الدينية : ((ولعلَّ نقطة الضعف فيهم أنهم أفرطوا في قياس الغائب على الشاهد ، أعني في قياسِ الله على الإنسان ، وإخضاع الله تعالى لقوانين هذا العالم ، فقد ألزموا الله - مثلاً - بالعدل كما يتصوره الإِنسَان ، وكما هو نظام دنيوي ، وفاتَهم أن (١) ضحى الإسلام: ج٣، ص ٣٩. ١٥٥ الإمام أحمد بن حنبل معنى العدل - حتى في الدنيا - معنى نسبيٌ يتغَيرِ تَصوُّره بتغير الزمان ، وأنَّ ما كان عدلاً في القرون الوسطى يُعدُّ ظلماً الآن ، فكيف إذا انتقلنا من عالم الدنيا إلى عالم الله؟! وكذلك الشأنُ في قولهم في الحُسْن والقُبْح ، والصلاح والأصلح ، إنا نرى أن الإنسان إذا ضاق نَظَرُه حكم على الأشياء حُكماً ، فإذا اتَّسع نظَرُه تغيَّر حكمه ، فمَن نظر فقط إلى أسرته كانت بعض أحكامه خطّأُ بالنسبة لمن اتسعت نظرتُه إلى أمةٍ أو إلى الإِنسانية عامّةً. ونحن في أعمالنا ننظرُ إلى عالمنا ، والله تعالى ربُّ العالمين قد ينظر في أعماله إلى جميع العوالم ، ما نعلم منها وما لا نعلم ، فكيف نُخضعُ الله تعالى لتَصوُّر العدل الذي نتصوره نحن في عالمنا هذا؟! وكذلك قولهم في أن صفاتٍ الله هي عينُ الله أو غيرُ الله ، كلُّ براهينهم مبنيَّةٌ على قياس الغائب على الشاهد ، ولكنَّ الشَّبَه معدوم، وقد فرضوا أنَّ العينية والغَيرية والزمانية والمكانية والسَّببية ونحوها قوانينُ لازمةٌ لكل موجود ، وهذا - في نظري - خطأ محضٌ ، فهي قوانين إنسانية ، وإن تسامحنا قليلاً قلنا إنها قوانين عالمنا هذا ، ولسنا نستطيعُ القول بأنها تنطبق على غير عالمنا أو لا تنطبق ، فإصدار حكمنا على الله - على اعتقاد أنها قوانينُ شاملةٌ للإِنسان والله - جرأةٌ لا يَرَتضيها العقل الذي يعرف قَدره ، ولا يَعدو طَوْرَه ، وليس هذا عيبَ المعتزلة وحدهم ، بل هو عيب من أتى بعدُ من علماء الكلام كذلك)». لقد كان هذا الاتجاهُ العقلي الذي تزعَّمه المعتزلة ، والذي كان يقوم على تمجيد العقل وتأليهه ، وإخضاع النظام الديني بما فيه من عقائد وخلائق ، بل إخضاع الذات والصفات والأفعال الإلهية له ، وعلى قياس الغائب على الشاهد اتجاهاً خطراً على الإسلام ، وفتح باب فسادٍ عظيم في المجتمع الإسلامي. لقد كان هذا تحويلاً للدين البسيط العملي الذي جاء به الرسول محلاد ، يستسيغه العقل البشري بكل سهولة إلى فلسفة نظرية دقيقة يَعجَز عن فهمها وإساغتها كثيرٌ من العقلاء والأذكياء ، ولقد كان هذا تنميةً للعقل على حساب ١٥٦ الإمام أحمد بن حنبل العاطفة والوجدان ، وإضعافاً للإِيمان ، وإثارة للشكوك والشبهات ، وعدم الثقة بما يقوله النبيُ مَّة، ويعجَز العقل عن تعليله وإقامة الدليل على وجوده، وأكثر ما في العالم يعجز العقل عن تعليله وإقامة الدليل عليه !!. واسمحوا لي أن أنقل كلمةً أخرى للدكتور أحمد أمين في انتقادِه على المعتزلة في هذه الناحية: ((ربَّما أُخذ عليهم أنَّهم في - سيرهم هذا وراءَ السُّلطان العقلي - قد نَقلوا الدين إلى مجموعة من القضايا العقلية ، والبراهين المنطقية ، وهذا النَّهْجُ، إذا صحَّ أن يُقتَصرَ عليه في الفلسفة ، فلا يصح أن يُقتصر عليه في الدين ، لأنَّ الدين يتطلَّبُ شعوراً حياً أكثر مما يتطلب قواعد منطقية . فالدين ليس كالمسائل الرياضية ، ولا كالنظريات الهندسية تتطلب من العقل حلها ، وفي ذلك كل الغَناء ، بل الدِّين أكثر من ذلك ، يتطلب شعوراً يدعو إلى العمل ، وحرارة إيمان تبعث على التقوى. ونظامُ المعتزلة - وهو الذي جرى عليه المتكلِّمون بدورهم - نظامٌ جيد التفكير ضعيفُ الروح ، غالى في تقدير العقل ، وقصَّر في قيمة العاطفة ، يتجلَّى ذلك لك إذا أنت وازنْتَه مثلاً بمنهج الصوفية ، فهو على العكس من المعتزلة: شعور وعاطفة ولا منطق ، والنظام العقلي في الدين يقفُ الإنسانَ - في العادة - موقفاً سلبياً أكثر منه إيجابياً))(١). المّأمونُ وعَقيدةُ خَلْقِ القرآن: بقي المعتزلة طائفة من طوائف المسلمين ، لا تملك نفوذاً سياسياً ، ولا سلطةً حتى ولي المأمون بن الرشيد الذي يصفه الدكتور أحمد أمين فيقول: ((كان عقلُه عقلاً فلسَّفياً ، حُراً في تفكيره ، مع التقيد بأصول الدين ... كان الاعتزال أقربَ المذاهب إلى نفسه ، لأنه أكثر حرية ، وأكثر اعتماداً على (١) ضحى الإسلام: ج ٣، ص ١٦٣. ١٥٧ الإمام أحمد بن حنبل العقل ، فقرَّب المعتزلة منه ، وأصبحوا ذوي نفوذ في القصر ، وكان من أظهرهم ثُمامة بنُ الأشرس ، وأحمدُ بن أبي دُؤاد))(١) . ((لم يكن المأمونُ إمَّعةً يُوجَّه فيتوجَّهُ ، ولكنه - مع قوة شخصيته - يتأثر برأي من حوله ، وكان على استعداد لذلك ، فمن قبلُ ، أدخل المسائل الدينية في شؤون الدولة ، فأعلن تفضيلَ علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر ، وأغضب بذلك كثيراً من الناس ، ونادى - من قبل - بتحليل المتعة وهو في طريقه إلى الشام ، لما صحَّ عنده من حديث حِلِّ المتعة ، فما زال يحيى بنُ أكثم يروي له الأحاديثَ في حُرمتها عن الزُّهري وغيره ، ويُقيم له البراهين على حُرمتها ، حتى اقتنع ، فأمر بأن يُنادى بتحريمها بعد أن كان قد أمر بها))(٢). وهذا وصْفٌ صادقٌ للمأمون ، وتصوير نفسيته وطبيعته ، حدةٌ في الذكاء ، والتقاط للآراء ، وتهوُّرٌ في الرأي ، وسرعة في التنفيذ ، وهي صفة مَلِكِ قويٍّ الشخصية ، شديد الانفعال ، لم تُمهله أحواله والظروف المحيطة به للدراسة العميقة ، والعلم الراسخ ، وقد أحاط به علماءُ أذكياء يحرصون على النفوذ في عقلِه ، وتنفيذ مذاهبهم وآرائهم في الشَّعْب ، وقهر أعدائهم عن طريق السلطان . وهكذا أصبَحَ المعتزلةُ أصحاب حَوْل وطَوْل في الدولة العباسية ، وأصبح الاعتزال مذهباً رسمياً يتبنّاه قاضي القضاة ، أحمدُ بن أبي دُؤاد ، ويحميه الخليفةُ العباسي ، ويَدينُ له أصحاب المناصب والجاه والنفوذِ في المملكة. ولم يشأ تديُّن المعتزلة أو طبيعتُهم الخاصة أن تعيش في المملكة فكرتان متنافستان ، وأن ينازع الاعتزال مذهبُ أهل الظاهر والقشور (يعني المحدِّثين) ، لقد صدق الأستاذ أحمد أمين إذ قال: ((كان لهم طابع خاصٌّ (١) ضحى الإسلام: ج٣، ص ١٦٣. (٢) المصدر السابق: ج٣، ص ١٦٥. ١٥٨ الإمام أحمد بن حنبل غريب يجمع بين التعصُّب الحادِّ وحُرية الفكر المفْرِطة))(١). وقد رأينا مراراً في التاريخ ، أن المؤمنين بحرية الفكر المفرطة يطغى عليهم التعصُّب الحاد ، وكأنهم يريدون أن يحتكروا حرية الرأي ويمنعوها غيرهم ، وشأنهم في ذلك شأن المطففين ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَكْثَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو ◌َزَنُوُهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٢ - ٣] وهذا الذي نُشاهد في العصر عند الأحزابِ السياسية. انتهزَ المعتزلةُ هذه الفرصة السانحةَ ، وصمَّموا على أن يكون الاعتزال هو التعبير الوحيد عن عقيدة الإسلام ، والمذهبَ السائد في المملكة لا يزاحمُه مذهبٌ آخر ، وكانت ((مسألة خلق القرآن)) هي المسألةَ الحاسمة التي يَصِحُّ أن تُصبح مقياساً للخضوع والاعتزال والتديّن بمذهبه ، فركَّز المعتزلة إعلامَهم على هذه المسألة وجعلوها فارقاً بين الإيمان والكفر ، وشعاراً للتوحيد ، وشرطاً لصحة العقيدة. وقد أَلحَّ المعتزلةُ على تَسمية القرآن بالمخلوق ، لأنَّهم يرون أنَّ الله هو وحده القديم ، وكل ما عداه فهو مُحدَث ومخلوق. وأنكر المحدِّثون هذا التعبير المحدّث ، وألُّوا على أن يُسموه القديم، واستشنَعوا أن يُسمُّوه المخلوق، وقالوا: ((القرآن كلامُ الله ، لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق ، وإثارة هذه المسألة بدعة، لم يَقُلُها النبي ◌َّ ولا صحابته ، فلا نُتابعكم في السَّير فيها ، ولا نتابعكم في الجدال أو الخصومة ، ونقف عند قولنا: القرآن كلام الله ، وهذا فقط هو ما قال الله في قرآنه الکریم)). إنَّهم كانوا يعتقدون أن الكلام في هذا لا يصح ، ولا يصح أن يَصلَ إلى العامة، فإذا قلنا لهم ((القرآن مخلوق)) لم يبق في نفوسهم إلا شيء واحد ، وهو عدم التقديس والإجلال ، وهذا يدعو إلى ضعف العقيدة ، والاستهانة بالقرآن ، وقد يجلب بعض القائلين إلى أن يعتقدوا - كما ظهر في بعض (١) ضحى الإسلام: ج ٣، ١٦٥. ١٥٩ الإمام أحمد بن حنبل الأوساط - أنَّ المعاني من الله، وإنما عبَّر الرسول عنها بلفظِه وعبارته(١). أمّا المعتزلةُ فرأوا - بحُكم العقلية التي نشؤوا عليها - أنَّ المطالبة بهذه العقيدة فرضٌ مُحتَّمٌ ، لا يصحُّ العدول عنه ، ولا يَسعُ الحكومة التي تدين بالإِسلام ، وتحمي عقيدة التوحيد ، أن تُداهن أو تتساهل في تنفيذ هذه العقيدة وأخذِ الناس بها، يمثّل هذه الفكرة وهذه النفسية خيرَ تمثيلٍ ما جاء في كتاب المأمون: «قد عظَّمَ هؤلاء الجهلة (القائلون بأن القرآنَ كلامُ الله غير مخلوق) بقولهم في القرآن الثَّلْم في دينهم ، والجَرْح في أمانتهم ، وسهَّلوا السبيلَ لعدوّ الإِسلام ... ووصفوا خلقَ الله وفِعله بالصفةِ التي هي الله وحده ، وشبَّهوه به .... وليس يرى أميرُ المؤمنين لمن قال بهذه المقالة حظّاً في الدين ، ولا نصيباً من الإيمان واليقين)). وهكذا رأى المعتزلةُ أنَّ الإسلام يتركّز في الاعتقاد بخلق القرآن ، وحملوا رأسَ الحكومة الإسلامية - المأمونَ بنَ الرشيد العباسي - على حمل المسلمين على هذه العقيدة ، فحمل الناس عليها سنة ٣١٨هـ ، وبدأ ذلك بإرسال کتاب إلى والي بغداد ، إسحاق بن إبراهيم ذكر فيها: ((إنَّ خليفة المسلمين واجبٌ عليه حفظ الدين وإقامته والعمل بالحقِّ في الرعية ، وذكر أن القائلين بقِدم القرآن والمنكرينَ لخلقه ((شَرُّ الأمة ورؤوسُ الضلالة المنقوصون من التوحيد ... وأَحقُّ من يُتَّهم في صِدقه وتُطرح شهادته ، ولا يُوثق بقولهِ ولا عمله ، فإنه لا عمل إلا بعد يقين ، ولا يقين إلا بعد استكمال حقيقة الإسلام وإخلاص التوحيد. وأمرَه بجمع الناس وامتحانِهم في هذه العقيدة ، وعزل كل من لا يوافق علیها ولا یدین بها)). (١) إذا شئتَ الاطلاع على مذاهب المعتزلة والمتكلمين وأهل السنة في هذه المسألة ودلائلهم، فاقرأ ((جلاء العينين في محاكمة الأحمدين)) للشيخ نعمان الآلوسي البغدادي. ١٦٠ الإمام أحمد بن حنبل وهكذا بدأتْ هذه الفتنةُ التي تسمَّى في التاريخ ((بالمحنة)) وكان ذلك قبل وفاة المأمون بأربعة أشهر. احتضنتِ الدولةُ العباسيةُ الكبرى في عهد ملك من أقوى ملوكها ، وأعظمهم شأناً وسلطاناً عقيدةً لا يَفهمها العامة ، ولا يُوافق عليها الشعب ، وفرضَتْها على الجمهور ، وجعلتها فارقاً بين الكفر والإيمان ، والشرك والتوحيد ، وأمرت بإقصاء كل من لا يدين بها أو يخالفها ، وامتحانه وتعذيبه ، فكانت محنةً عظيمة على الأمة ، وفكرة فلسفية ضاقّ عنها تفكير العامة ، وضاقت بها نفوسهم ، لأنها تطلب مستوى علمياً راقياً ، وإلماماً بالفلسفة وذكاءً ، والذين يملكون هذه الأدوات لم يزالوا ولا يزالون قلة بين الشعوب. يُعجبني في ذلك ما قال الأستاذ أحمد أمين ، وهو يذكر غلطة المعتزلة وبلاهَتهم - على ذكائهم - في هذا الشأن: ((كان عقلُ المعتزلة عقلاً حادّاً جافاً فلسفياً ، وأضعفُ نقطة فيه أنَّه يراد أن يُفرض على العامة فرضاً، يُراد أن تكون الأمة فلاسفة تعرف الجوهر والعرض ، والكميَّة والكيفية ، والمحدود واللامحدود ، والوحدة والتعدُّد، والمكان والجهة ، وإلى الآن لم يخلق الله أمة كلها فلاسفة على هذا النمط ، ولا أدري إن كان ذلك في مصلحة الإنسانية أو لا)) (١). ولكنْ قد كان ذلك ، فقد صدرتْ من الخليفة كتبٌ وامتُحِن ناسٌ ، وعُزل ناس ، وكانت هذه المسألة الفلسفية شُغل الدولة والخليفة ، وشُغل الناس الشاغل ، ووقع الناس في بلاء عظيم ، وفي حيرة عظيمة ، ولم يدروا كيف يفعلون! مسألة لا يفقهونها ولا يُسيغونها ولا يُوافق عليها من يعتقدون فيه الصلاح والنزاهة والتقوى وفهمَ الكتاب والسنة ، تُفرض عليهم فرضَ الجباية ، ويُمتحن فيها علماؤهم ، ويُعزل فيها قضاتهم ، ويسقط فيها شهودهم. (١) ضحى الإسلام: ج ٣، ص ١٢.