Indexed OCR Text

Pages 61-80

١
٦١
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول، عمر بن عبد العزيز
المحاضرة الثانية:
جهودُ الإصلاح والتَّجديد فيِ القَرْنِ الأول
سيدنا عمر بن عبد العزيز
النَّزعَاتُ الجاهليَّةُ فِي العَهْد الأُموي:
كانتْ نهايةُ الخلافة الراشدة واستحكامُ الدولة الأموية - التي كانت
بالاختصار دولةً عربيةً أكثر منها دولةً إسلاميةً - انتقالاً جديداً في تاريخ
الإسلام، وفرصةً انتهزَتْها الجاهليةُ التي كانت لا تزال بالمرصاد ، فعاشت
النزعاتُ التي قضى عليها الإِسلام ، وعادت العصبِيَّاتُ القبليَّةُ والنخوةُ الجاهلية
التَّي نعاها النبي ◌َّ في خطبته بقوله: ((إنَّ الله قد أذهبَ عنكم نَخْوَةَ الجاهلية
وتَعظُّمها بالآباء ، كلُّكم من آدم، وآدمُ من تراب، لا فَخرَ لِعَربيّ على
عَجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ إلّ بالتقوى))(١) والتي نفاها الإسلام من مراكزه
وحواضره ، فلجأت إلى بادية العرب.
(١) [أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في التفاخر برقم (٥١١٦)، والترمذي في
أبواب تفسير القرآن ، تفسير سورة الحجرات برقم (٣٢٧٠)، وفي أبواب المناقب ،
باب في ثقيف وبني حنيفة برقم (٣٩٥٥)، والبيهقي في السنن (٢٣٢/١٠) برقم
(٢٠٨٥١)، وأحمد في المسند (٣٦١/٢ -٥٢٣) وغيرهم من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه].

٦٢
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول ، عمر بن عبد العزيز
عادت هذه العصبيّاتُ إلى نشاطها ونفوذها ، وأصبحتْ هذه العصبيّةُ
الذميمةُ والنخوة الأثيمة ، والأثَرةُ القَبليّة والطائفية والنَّسَبيَّةُ التي هي أشدُّ خطراً
على المصلحة الاجتماعية ، وأشدُّ معارضة للروح الإِسلامية من الأَثَرةِ
الفردية ، فضيلةً في هذه الحياة ومفخرةً من مفاخر الإنسان ، بعد ما كانت
رذيلةً من رذائل الجاهلية ، وَسُبَّةً على الرجل المؤمن.
وحدث انقلابٌ خطيرٌ في دوافع العمل - التي هي من أقوى العوامل في
الحياة الفردية والجماعية - فأصبح الرجل في هذا العهد مدفوعاً إلى العمل،
مدفوعاً إلى المَكْرُمات والبطولات ، وإلى الجُود والمواساة بدافع من
السُّمعة والرِّياء ، والظهور في القبائل والمجامع ، والتّفوُّق على الأقران ،
بعدما كان مدفوعاً إلى ذلك بدافع من الأجر وثواب الآخرة ورضاً من الله .
وقِصَّةٌ يرويها أبو الفرج الأصبهاني في ((الأغاني)) تُمثل هذا التطورَ الخطيرَ ،
وهذه الروح الجاهلية التي كانت تُخامِرُ رؤساء القبائل وأشراف العرب في ذلك
العهد خيرَ تمثيل ، قال:
((حَدَّث ابنُ عياش قال: كان حَوْشَبُ بن يزيدَ بن الحارث بنِ رُؤيم
الشيباني ، وعِكْرِمَة بن رِبْعِيّ يتنازعان الشرفَ ، ويتباريان في إطعام الطعام
ونحر الجُزُر في عسكر مُصعب ، وكان حوشَب يغلبُ عِكرمة لسَعة يده ،
وقال: وقدم عبد العزيز بن يسار مولى بُحتر الفقيه بسفائن ، فأتاه عكرمة فقال
له: اللهَ اللهَ فيَّ ، قد كادَ حوشب أن يَسْتَعلينِي ويَغلبني ، فبعْني هذا الدقيقَ
بتأخير ، ولك فيه مثل ثمنِهِ رِبحاً ، فعجنُوه كُلَّه ثم جاء بالعجين كُلِّه، فَجَمَعَهُ
بِهُوَّةٍ عظيمة، وأمر به فَغُطَي بالحشيش، وجاء برَمكَةٍ (١)، فقرَّبوها إلى فرس
حوشب ، حتى طلبها وأفلت ، ثم ركّضوا بين يديه وهو يتبعها ، حتى ألقوها
في ذلك العجين ، وتبعها الفرس حتى تورطا في العجين وبقيا فيه جميعاً ،
وخرج قومُ عكرمة يصيحون في المعسكر: يا معشر المسلمين أدركوا فرس
(١) الرمكة : الفرس تتخذ للنسل.

٦٣
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول، عمر بن عبد العزيز
حوشب فقد غرق في خمير عكرمة ، فخرج الناس تعجّباً من ذلك أن تكون
خميرةٌ يغرق فيها فرسٌ ، فلم يبق في المعسكر أحد إلا ركب ينظر ، وجاؤوا
إلى الفرس وهو غريقٌ في العجين ما يبين منه إلا رأسُه وعُنقه ، فما أُخِرِج إلا
بالعُمد والحِبال، وغَلب عليه عكرمة، وافتضح حَوشب))(١).
وهذه وإنَّ كانتْ قصةً فردية - ولم يكن كُلُّ رئيس للقبيلة وكُلُّ شريفٍ في
المجتمع الأموي ، يحمل روحَ عكرمة ويضعُ هذه التمثيلية الغريبة لاشتهار
جُوده وتفوُّقِه في إطعام الناس ، وكان في هذا المجتمع أجوادٌ مخلصون ،
يحرصون على إخفاء مَكرماتهم - ولكنها لا شك تُصوِّر الغاية التي وصل إليها
تأثير الجاهلية ونفوذها ، والتَّفكيرُ الجاهلي في المجتمع الأموي الإسلامي.
والذي يُقارن بين هذه القصة الطريفةِ وبين ضِيافةٍ أبي طلحةَ الأنصاري رضي
الله عنه وإطفائِه للمصباح حتى لا يَفطَنَ الضيوفُ بقلّة الطعام ، وامتناع المضيف
عن الأكل(٢)؛ يستطيع أن يقيس المسافة النفسية والهُوة الواسعة التي وقعتْ بين
العهدين ، ويعرفَ التطور الذي حَدث في المشاعرِ والتفكير.
وقد أصبَحَ بيتُ المال الذي كان ملكاً للأمة ، ملكاً لفردٍ واحد ، خاضعاً
لشهواته وتصرفاته ، وكان المبدأ الإسلاميُ المسيطرُ على هذه الأموال هو
ماذكره الرسول بَّر في كلمته الجامعة: ((تُؤْخَذ مِن أغنيائهم وتُرَدُّ على
فقَرائهم))(٣)، فأصبح المبدأ المسيطرُ في هذا العهد: ((تؤخذ من فقرائهم وتُرد
(١) الأغاني.
(٢) والقصة بطولها في كتب الحديث والسيرة، راجع تفسير قوله تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] في تفسير ابن جرير الطبري وابن كثير.
(٣) حديثٌ شريفٌ ورد في كتب السنة المعتمدة. [أخرجه البخاري في كتاب الزكاة برقم
(١٣٩٥)، وباب لا تؤخَذ كرائم أموال الناس في الصدقة برقم (١٤٥٨)،
ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام برقم (١٩)، وأبو
داود في كتاب الزكاة ، باب في زكاة السائمة برقم (١٥٨٤)، والترمذي في أبواب
الزكاة ، باب ما جاء في كراهية أخذ خيار المال في الصدقة برقم (٦٢٥)، والنسائي في =

٦٤
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول ، عمر بن عبد العزيز
على أغنيائهم وأمرائهم وشُعرائهم)، وأحاطت بالخليفةِ هالةٌ من الشعراء
المحترفين ، والنُّدماء المتزلِّفين المتملِّقين ، تُنفق عليهم أموالُ الصدقاتِ
بسخاء .
وَبينما كان عليّ - الخليفة الراشد - يُعاتب أحد عماله على أنه حضر دعوةٌ
لقومٍ ((عائلُهم مَجْفؤٌ وغَنِيُّهم مَدْعُوٌ))(١) ، أصبحت دعوة الأغنياء وإكرامُهم ،
وطرّد الفقراء وإهانتهم عادة فاشية وسُنّة متبعة .
وبينما كان الفاسق يُقصى ويُجْفى ، أصبح يُكرم ويُدنى ، لشعره أو غنائه في
السياسة أو مصالح الدولة.
فقد حدَّث المؤرِّخون ، أنّ الأخطل كان يدخل على عبد الملك بغير إذن ،
وعليه جُبَّةُ خَزٍّ، وفي عُنقه صليبُ ذَهب، ولِحيته تنفُض خمراً(٢).
ومنزلَةُ الحجّاج بن يوسف - على سفكه للدماء وجرأتِه على الله - عند
الأمويينَ معلومةٌ .
وقد شاعَ الغِناء في العهد الأُموي شيوعاً عظيماً ، وعَظُمَ الشَّغفُ به في
حواضر الدولة الإسلامية حتى يَزور مُغَنَّ مثل (حُنين)) المدينة ويجتمع الناس في
منزلٍ من منازل البلد ، ويزدحمون على السطح ويكثرون ليسمعوه، فيسقُطْ
الزُّواق على مَنْ تحته ، ويموت المغنّي تحتَ الهدم(٣)، إلى غير ذلك من
الظواهر التي تدل على تطور المجتمع الإسلامي ونزعاته الجديدة.
وقد أثّرت سياسةُ الدولة وحياةُ رجال الحكم المترفة تأثيرَها الطبعي في
ميول الناس ومَقاييسهم للسعادة والشرف ، ونشأت في المسلمين طبقةٌ مُترفةٌ
السنن الكبرى (٣٠/٢) برقم (٢٣٠١) وابن ماجه في أبواب الزكاة ، باب فرض الزكاة ،
=
برقم (١٧٨٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنه].
(١)
نهج البلاغة.
الأغاني: ج٧ ، ص ١٧٨ .
(٢)
انظر الأغاني: ج ٢، ص ١٠٧ .
(٣)

٦٥
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول، عمر بن عبد العزيز
تشبه المترفين في الأمم القديمة في أخلاقها وسلوكها ورغَباتها ، ولا تمتاز
عنهم إلا ببعض العقائد والعباداتِ ، وبالبقية الباقية من الإسلام ، وهي بقيةٌ لها
قیمةٌ لا تُنكَر.
وقد دلَّ كلُّ شيءٍ في هذا المجتمع على أنه تدلَّى تدلياً عظيماً ، وعلى أن
الجاهلية - الثائرة الموتورة - قد نَهضتْ تَنْتَصِفُ مِن مُنافسِها - الإِسلام - وهي
حريصةٌ كلَّ الحرص على ألا تفوتها الفرصة ، وتُريد أن تستوفي أربعينَ سنة
- مضت في ازدهار الإِسلام روحيّاً وخُلقيّاً - في ◌ِضْعٍ سنين.
أَعلامُ الدّينِ وشخصيّاتُه البارزةُ وتأثيرُها:
ولكن يجب ألاَّ ننسى أنَّ الدِّين كان لا يزالُ له السُّلطان الروحيُّ
والمكانةُ الأولى في قلوب الناس حتى في هذا العصر ، وكان الجمهورُ من
الناس لا يُقرُّون هذه المنكرات وهذا الإسفاف ، وكانوا لا يزالون ينظرون إلى
الخلفاء والأمراء وحاشيتهم ومن سار سيرتهم ، بنظرة فيها الانتقادُ وفيها
الازدراء وفيها السُّخط .
وكان الشعب لم يَسُغْ بعدُ هذا التطور ، وكان لا يزال - باستثناء المتَّصلين
بالخلفاء اتصالاً وثيقاً وباستثناء من تغيّرت نفسيتُه ـ ينظرُ بإِجلال إلى العلماء
وإلى أصحاب الدّين والاستقامة والخلق ، ومن آنسَ فيهمُ الزهد في حطام
الدنيا والابتعادَ عن أصحاب الحُكم والسلطان ، وعفافاً وقناعةً وترفُّعاً عن
المطامع والمناصب ، واشتغالاً بالدعوة إلى الله ونشرِ العلم ، والنُّصح لله
ولرسوله ولعامة المسلمين ، وكانوا أعزَّ وأكرم عندَه من كثير من أصحاب الجاه
والنفوذ والثروة ، وحتى من الخلفاء والأمراء في بعض الأحيان.
ويُمكن أن يُقال: إنَّ نفوذ الخلفاء والأمراء كان محصوراً في دائرة
خاصة ، هي الدائرةُ السياسية، ودائرة الطَّبقة التي تُسمى في هذا العصر ((الطبقة
الأرستقراطية)).
أمَّا خارج هذه الدائرة وفيما عدا هذا الوسط ، فكان يسود فيه أهلُ الصلاح

٦٦
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول، عمر بن عبد العزيز
والعلم ، وأهلُ الزُّهد والتقوى ، والصالحون والعلماء من أبناء الصحابة ،
والسادةُ من أهل البيت النبوي ، فإذا اجتمع من يُمثل هذه الطبقَة الصالحة من
سادات التابعين وأهل العلم والدين ، ومن يُمثل الحكومة والإمارة والجاه
والسلطان ، غلب سُلطان الدين والسلطانُ الروحي على سلطان السياسة
والحكم.
يُمَثَّلُ ذلك أجملَ تمثيل ما وقع لِهِشَام بن عبد الملك يومَ كان وليّ العهد ،
مع سيدنا علي بن الحسين المعروف بزين العابدين ، فقد روى المؤرِّخون ((أن
هشام بن عبد الملك حجَّ في أيام أبيه وطاف وجَهد أن يصل إلى الحجر
ليستَلِمه ، فلم يقدر عليه لكثرة الزحام ، فنُصب له منبرٌ وجلس عليه ينظر إلى
الناس ، ومعه جماعةٌ من أعيان أهل الشام ، فبينما هو كذلك إذ أقبل زين
العابدين عليّ بنُ الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ، وكان من
أحسنِ الناس وجهاً ، وأطيّبهم أَرَجاً ، فطاف بالبيت ، فلما انتهى إلى الحَجَر
تنحّى لهَ الناسُ حتى استلم ، فقال رجلٌ من أهلِ الشام: مَنْ هذا الذي قد هابَهُ
الناسُ هذه الهيبةَ؟ فقال هشام: لا أعرفه، مخافَة أَنَ يرَغبَ فيه أهل الشام
فيُملِّكُوه ، وكان الفرزدق حاضراً فقال: أنا أعرفه ، فقال الشَّامئُ: مَن هو
يا أبا فراس؟ فقال قصيدتَه السائرةَ التي مطلعُها(١):
هذا الذي تَعرِفُ البَطحاءُ وطأَتهُ وَالْبَيْتُ عرِفُه والحِلُّ والحَرَمُ
وهذه القصةُ وإنْ كانت بسيطة في الظاهر ، تَدُلّ على ما كان يتمتعُ به أهل
الفضل والدّين ورجالُ الأسرة النبوية وساداتُ التابعين ، من النفوذ والإِجلال.
وقد كان لسيدنا حسن المثَّى بن حسن بن علي بن أبي طالب وابنه عبد الله
المحض ، وسالم بن عبد الله بن عمرَ ، وقاسم بن محمد بن أبي بكر رضي الله
عنه ، وسعيد بن المسيِّب ، وعروة بن الزبير ، مكانةٌ مرموقة ومنزلةٌ عالية في
(١) وفيات الأعيان: لابن خلكان الجزء الخامس ص ١٤٥، طبع مكتبة النهضة المصرية.

٦٧
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول، عمر بن عبد العزيز
قلوب الناس ، وتأثيرٌ كبير لما يقولونه(١).
وكان لهذه المكانة ولهذا النفوذ الروحي ولهذا الإجلال والحبّ العميق
الذي يَدينُ به الشعب لهم سلطانٌ يحفظ على الشعب جلال الدين ومهابتَه ،
ويمنعه من الاندفاع المتهوِّر إلى التَّرف الفاحش والحياة الجاهلية السافرة ،
والجهر بالمعاصي والمنكرات ، ويمنع من أن يكون الخليفةُ المستهتر ، أو
الأمير السِّكير ، أو المغني المعربد ، أو الشاعر الماجن ((المثل الكامل))
للمجتمع ، ويُحدِث وجودُ هؤلاء الأعلام صراعاً نفسياً على الأقل ،
ويُحدِث - إذا فرطت من أحدٍ معصيةٌ أو زل زلَّةً أواتَّصل بالخلفاء والأمراء -
تأنيباً داخلياً ووخزاً للضمير وتألُماً نفسياً.
وهذا الصراعُ وهذا التأنيب لهما قيمة لا يُستهان بها، ولهما تأثير لا يُقلَّل من
أهميته ، ويمكن أن يُعرف غناؤهما في مجتمع لا يملك إلا طرازاً واحداً من
البشر ، وهو الطِّراز الرسميُ أو المادي ، وفقدُ العُنصر الذي يختلف عنه كل
الاختلاف ، واكتسحت موجةُ المادية هذه المجتمع - كما نرى في أوربة - فلا
صراع ولا تأنيب ، ولا جزيرة في هذا البحر المادِّي المائج ، ولا منارَ للنور في
هذه الظلمات ، ولا أسوة يأتسي بها الإنسان ، وللأسوة والمثال العملي سحرٌ
في النفوس لا يجهلُه علماءُ النفس والأخلاق.
الحاجةُ إلى تغيير الحكومة ، والصُّعوباتُ في سبيله:
وظَلَّتِ الحكومةُ - الأمويةُ - تُوثِّرُ في الميول والنزعات ، وفي مقاييس
الحياة ، وتفعل فعلها الطبيعي في المجتمع والحضارة ، والأخلاق
والاجتماع، وظَلَّت الشخصيات الدينية تفقدُ نفوذها على مرِّ الأيام وينتقصُ
عددها ، وتضيقُ دائرة نفوذها ، فلا مطمعَ إذاً في ثورة دينية وخلقية ، وتحَُّنِ
كبير في أحوال المسلمين وأوضاعهم ، إلا بحدوث انقلاب صالح في
الحكومة ، ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟ وقد قامتِ الحكومة الأموية على
(١) انظر: تراجمهم في ((وفيات الأعيان)) و((صفة الصفوة)).

٦٨
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول ، عمر بن عبد العزيز
أُسَس عسكرية متينة لا تتزعزعُ ولا تضطرب ، وكانت جديدة فتيّةً لا تزالُ بعيدةً
عن الضَّعْف والهَرَم ، ولم تكن في داخل المملكة وخارجها قوةٌ حربية تهزمها
في الميدان ، وقد أخفقتِ المحاولات والجهود التي قام بها المخلصون
والأكفاء ، مثل الحُسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، وعبدِ الله بن
الزبير رضي الله عنهما ، لِقَلْبِها والتخلّص منها وإقامة حكومة إسلامية راشدة من
جدید .
وقد قَطَعَ نظامُ الوراثة الذي سار عليه الأمويون ومبدأ الحكومة الشخصية
التي كانت الحكومةُ تدين به، كلَّ أملٍ في الإصلاح والتغيير، وأصبح الجالسون
على عَرش الحكومة والمتملّكون لِزِمامها، سلسلةً من حلقاتٍ متشابهة آخذٌ
بعضُها برقاب بعض ، فكان كل شيء يَدُلُّ على أن الحكومةَ ستستمر على هذا
الحال ، وأنَّ المسلمين قد كُتب لهم أن يعيشوا في مثل هذه الأوضاع، وكان
الإِسلامُ في عودته إلى مركزه في الحياة يحتاج إلى ((مُعجزة)) ، فقد عَجزتٍ
الأمورُ العادية والحوادثُ العادية عن إعادته إلى مكانه ، وعنْ إصلاح الأوضاع
الفاسدة ، وعن قلب التيار القوي الجارف ، وإنما كان يحتاج إلى خارقةٍ للعادة
تقعُ خلاف القياس ، وتقع على غفلة من الناس، وعلى غير تَرَقُّب منهم ،
فتُغيِّرُ مجرى الأمور ، وتُبهر العقولَ والعيون.
استخلافُ عُمرَ بنِ عبد العزيز:
كان عمرُ بنُ عبد العزيز هذه ((المعجزةَ)) الباهرةَ ، وكان كلُّ شيءٍ في حياته
يدلُّ على أنه معجزةٌ من المعجزات التي خبّأها اللهُ لنصرةِ الإِسلام ، يُولَّدُ في
البيت الحاكم ، ويَنشأ نشأة الأمراءِ المُترَفين، ويَشتهر بالظُرْفِ والتَّرف والأناقة
في اللباس والمظهر ، ويكون شامةً بين الناس ، وفتى بني أميةَ الذي يحرص
على تقليدهِ الظرفاءُ والمتنعِّمون.
يتحدَّثُ عنه اللَّيثُ بن سعدٍ فيقول: ((كان عمرُ بنُ عبد العزيز أعظمَ أُمويّ
ترَفُّهاً وتَملُّكاً)) غذي بالملك ونشأ فيه ، لا يُعرف إلا وهو تعصف ريحهُ،
فتوجد رائحته في المكان الذي يَمُزُّ فيه ، ويمشي مِشيةً تُسمَّى العُمريّةَ ، فكان

٦٩
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول، عمر بن عبد العزيز
الجواري يتعلَّمنَها من حُسنها وتَبختره فيها ، وكان يُسبل إزاره حتى ربما دخلت
نَعَلُهُ فيها فيتحاملُ عليه ، فيشقه ولا يخلعُها ، ويَسقط أحدُ شِقَّيْ ردائه عن مَنكبه
فلا يرفعهُ ، وتنقطِعُ نعله فلا يعرِّجُ عليها ، وربما لحقه بها المملوك فيُعتِقِه ،
ويضع الطيب بخاتمه فتتسخ الطّينة من العَنبر))(١).
وكان أميرَ المدينة في عهد ابن عمه الوليد ، وكان أثيراً في عهد ابنٍ عمه
سليمان ، وكان لا يمتاز عن بني أعمامه وإخوته وأترابه إلا بسلامة الفطرة ،
والاعتراف بالحقِّ ، والتواضع والعفاف ((فلم يغمص في ولايته - على ترفهه -
في بَطْنٍ ولا فَرجِ ولا حُكمٍ)) وكان لا يمتاز عنهم إلا بدم زكيٌّ فيه نصيبٌ
للفاروق العادل، جاءه عن طريق أمِّه أمِّ عاصِمٍ بنت عاصم بنِ عمر بنِ الخطاب
وجدَّته - لأمه - صاحبة القصة المعروفة في اللَّن.
ولم تكن سيرتُه ومواهبه مع ذلك تدلُّ على أنه سيقوم في تاريخ الإسلام بهذه
المأثرة العظمى التي عز نظيرها في تاريخ الحكم والإصلاح ، وأنه سيكون
ذلك العصاميّ الذي كان يرتقبه الإسلام ويحتاجُ إليه المسلمون في هذه الساعة
الدقيقة، وأنه سيُعيد الخلافة الراشدة من جديد ويُرُدّ التاريخ على أعقابه(٢).
وكان استخلافُه لا يقلُّ عن مُعجزة ، فلو جَرتِ الأمورُ مجراها الطبيعي لم
يكنْ له نصيبٌ في غير الإمارة وولاية بعض الإقطاع ، ومن أيْن تقفز إليه الخلافة
وتتخطى أولادَ سليمانَ وهو صاحبُ الأمر ؟
ولكنَّ للهِ في خلقه شؤونً(٣) ، فقد كان لسليمان بن عبد الملك ابنٌ يقال له
أيوبُ بنُ سليمان ، عُقدت له خلافة ولاية العهد من بعده ، وتُوفي أيوبُ قبل
سليمان ، ولم يبقَ لسليمان إلا ولدٌ صغير ، فلما حضرته الوفاة أراد أن
(١) سيرة عمر بن عبد العزيز: لعبد الله بن الحكم ص ٢١، بعناية وتصحيح الأستاذ أحمد
عبيد.
(٢) سيرة عمر بن عبد العزيز: لعبد الله بن الحكم ص ٢٠.
(٣) اقرأ القصة في ص ١٧ و ١٨ من ((سيرة عمر بن عبد العزيز)) لابن عبد الحكم.

٧٠
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول ، عمر بن عبد العزيز
يستخلفَ ، فحضره عمر بنُ عبد العزيز ورجاء بنُ حَيّوة ، فقال لرجاء: اعرضْ
عليَّ ولدي في القُمص والأردية ، فعرضهم عليه ، فإذا هم صغارٌ لا يحتملون
ما لبسوا من القُمص والأردية يسحبونها سحباً ، ثم قال: يا رجاء ، اعْرض عليّ
بنيّ في السيوف ، فقلّدوهم السيوف ، ثم عرضهم عليه فإذا هم صغارٌ
لا يحملونها يجرُّونها جرّاً. فلما لم يرَ في ولده ما يُريد حدَّث نفسه بولاية
عمر بن عبد العزيز لما كان يعرف من حاله ، فشاورَ رجاءً فيمن يَعْقِدُ فأشار إليه
رجاءٌ بعمرَ ، وسدّد له رأيه. فوافَق ذلك سليمان وقال: لأعقدن عقداً لا يكون
للشيطان فيه نصیب(١) .
وهكذا جاءت الخلافةُ إلى عمر بن عبد العزيز وهو غافلٌ عنها زاهد فيها ،
وكان لرجاء مأثرةٌ لا ينساها الإِسلام ، ولا أعرف رجلاً من ندماء الملوك
ورجالهم انتُفعَ بقُربه ومنزلته عند الملوك مثل انتفاعه ، وانتهزَ الفرصة مثل
انتهازه ، وأسدی للإِسلام خدمةً مثلَه.
حياتُه بعدَ الخلافة:
كان مِن أوَّل ما بدأ به عمرُ في خلافته هو عزلُه لبعض الولاة
الجائرين ، ورفضُه لمظاهر الأُبَّهةِ والفَخفخة التي جرى عليها الخلفاءُ الأمويون
عند استخلافهم ، وردُّ كل ما عُرض عليه في ذلك الوقت من مواكبَ
وسرادقات جديدة إلى بيت المال ، وتغيّرتْ سيرتُه في تلك الساعة ، فكأنه
لا يتصل بآبائه بصلةٍ، ولا يعرفُ غير عمرَ أُسوةً له. رَدَّ الجواري إلى أهلهنَّ
وبلادهنَّ، ورد المظالم ، وردَّ المجالس التي أَشبهت مجالس الأباطرة ،
وتمسَّكت بِسَنن كِسرى وقيصر إلى بَساطتِها الأولى ووضعِها الإِسلامي ،
فنهى عن القيام له ، وابتدأ بالسلام ، وأباح دخول المسلمينَ عليه بغير إذنٍ ،
وخرج من مالَهَ وعَقاره ، وردّه إلى مال المسلمين ، ووضع حُلِيَّ زوجته في
بيت المال ، وبلغَ من الزهد والشظَف في الحياة والتَّقشُّفِ في المعيشة مبلغاً
(١) سيرة عمر بن عبد العزيز: لابن عبد الحكم، ص٢٩ - ٣٠.

٧١
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول ، عمر بن عبد العزيز
يعجَزُ عنه الزهاد فضلاً عن الملوك والأمراء.
فقد كان يتأخّر في بعض الأحيان عن الخروج لصلاة الجمعة انتظاراً لقميصه
أن يجفَّ ، وقد يكون طعامُ بناتهِ عدساً وبَصلاً فيبكي ويقول: يا بناتي
ما ينفعُكنَّ أن تعشَّيْنَ الألوانَ ويُؤْمَرَ بأبيكُنَّ إلى النار؟
ويَشتهي الحجَّ فيقولُ لمولاه: إنِّي قد اشتهيْتُ الحجَّ فهل عندكَ شيءٌ؟ قال:
بضعة عشر ديناراً. قال: وما تقعُ مني؟ ويمكث قليلاً ، فيقول له مولاه:
يا أمير المؤمنين تَجهّزْ فقد جاءنا مالٌ سبعة عشر ألف دينار من بعضٍ مال بني
مَزْوَان ، فيقول: اجعلها في بيت المال ، فإن تكن حلالاً فقد أخذنا منها
ما يكفينا ، وإن تكن حراماً فكفانا ما أصبْنا منها .
وكانت نفقتُه اليومية لا تزيد على درهمين ، حين كان يفرض للعمال
ثلاثمئة دينارٍ لكل واحد ، ليُغنيهم عن الخيانة ، وكان يتورَّع عن تسخين الماء
على مطبخ العامة ، ويتوزَّعُ عن شَمِّ مِسْك الفَيْءٍ، وكان يُطفىءُ الشَّمعة
التي زيتُهَا من بيت المال إذا شغله أحدٌ بالسؤال عن شخصه ، كراهةً لإنفاق
مال المسلمين في غير حاجاتهم.
ولم يكنْ توزُّعه وضَتُّه على مال المسلمين نَزعةً غريبةً في الزهد ، نقرأ
أمثلتها في كتب التاريخ والتراجم ، في مثل ((حلية الأولياء)) لأبي نُعيم ، ولم
يكن فيه شيءٌ من الغلوّ والإسراف أو الزّهد الأعجمي ، فقد كان بعيداً عن كل
ذلك ، إنما هي الطبيعة الدينية ونتيجةُ الإِيمان القوي ، والشعورُ بالمسؤوليةِ ،
ومعرفةُ قيمةِ الحياة واستحضارُ الآخرةِ، ونتيجة ((الحُب)) الذي إذا ملك القلب
واستولى على الشعور ، ذابتِ الرَّغبَاتُ وتغيَّرتِ القِيَمُ والأقدار.
ولولا هذه المؤاخذةُ الشديدة للنفس ، ولولا هذا الحَذر الشديد من ملاذٌ
الحياة والتَّمتع بالمباحات ، لما استطاع مثلُ عمرَ بنِ عبد العزيز - وهو أكبرُ
ملوك الأرض في عصره - وهو في دمشق - عاصمةِ العالَمِ المتمدِّن يومئذ - أن
يحفظ نفسَه من الاندفاع إلى التَّرَفِ ، ويَضْربَ مثلاً عالياً لأمرائه وعُمال مملكتهِ

٧٢
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول، عمر بن عبد العزيز
في الورع والزهادة والتحُّز من الشُّبهات ، وما استطاع أن يُخففَ غلواء المدنية
المترفة ويحد من شِدَّتها وشِرّتها .
ولم يكنْ تورُّعه مقتصراً على ذاته - كما يفعله كثير من الزهاد - بل كانت
سياسةً عامة كان يريد أن يطبّقها تطبيقاً دقيقاً على الدولة ورجالها. فكان يطلب
منهم ويَعْزِمُ عليهم أن يكونوا مُتورِّعين في أموال المسلمين ، لاَ ينفقون منها إلا
القدر اللازم ، وأن يكونوا أشِخَّة على أنفسهم أسخياء على المسلمين بخلاف
ما تجري عليه الحكومات هذا اليوم.
وكان حريصاً على أن يوفر على المسلمين أموالهم ، ويعتقدُ أن الدرهمَ دمٌ
فلا يجوز أن يجري في غير عروقهم ، ولا يرى أن يضيع في الكماليات
والشَّكليات ، كتَبَ إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، - وكان والي
المدينة -: ((أما بعد ، فقد قرأت كتابك إلى سليمان تذكر فيه أنه كان يقطع لمن
كان قبلك من أُمراءِ المدينة من الشمع كذا وكذا يستضيئونَ به في مخرجهم ،
فابتليتُ بجوابك فيه ، ولَعمري لقد عَهِدْتُكَ يابنَ أمِّ حَزْم وأنت تخرج من بيتك
في الليلة الشاتيةِ المظلمة من غير مصباح ، ولَعمْري أنت يومئذٍ خيرٌ منك
اليوم، ولقد كان في فتائل أهلك ما يُغنيك، والسلام)) (١).
وكتَبَ إليه أيضاً وقد طلب من الخليفة قراطيس يكتب عليها في مصالح
ولا یته: «أما بعد ، فقد قرأتُ کتابك إلى سلیمان تذكر أنه قد كان يُجري على
من كان قبلك من أمراء المدينة من القراطيس لحوائج المسلمين كذا وكذا ،
فابتليتُ بجوابك فيه. فإذا جاءك كتابي هذا فأَرقَّ القلم ، واجْمع الخطَّ ،
واجمع الحوائج الكثيرة في الصحيفة الواحدة ، فإنه لا حاجة للمسلمين في
فضل قولٍ أضرَّ ببيتِ مالِهم، والسلام عليكم))(٢).
وهذا شأنُ من يعتبر المسلمين طفلاً عزيزاً في حَضانته ، ويعتبر مالَهم أمانةً
(١) سيرة عمر بن عبد العزيز: ٦٣ - ٦٤.
(٢) المصدر السابق: ٦٤.

٧٣
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول، عمر بن عبد العزيز
عنده لا ينفق منه إلا عن ثقةٍ ويقين ، وهذا مَثَلُ الحاكم العاقل العامل الدقيق ،
الذي سمّاه التاريخ وسماهُ المسلمون بحق ((بالخلافة الراشدة)).
إصلاحاته الواسعةُ في نِظام الحُكم:
إنَّ عظمة عمر بن عبد العزيز وعبقريته ليست محصورةً في ورعه وزهادته
- وهو عظيم في ذلك حقاً ، ويستحق أن يُسمى عبقرياً إذا عرفنا ما كان يَحُفُّ
الملوك من الإغراءات وفُرَص المتعة ، وما كان يملكه من الحرية المطلقة.
- وليستْ عظمتُه محصورَةً فيما كان يؤاخذ به عمَّاله وأمراءه من التورُّع. إنّ
أعظم ما يمتاز به هو أنه نظر إلى الحكومة نظرةً لم ينظرها إلا الرسولُ وخلفاؤه
الراشدون ، فقد كانتِ الحكومة في عهده مقصورة على جباية الأموال وإنفاقها
في مصالح الدولة ، لا صلةَ لها بأخلاقِ الجمهور وعقائدهِ وأخلاق
الناس ، ولا شأنَ لها بالضلالةِ والهداية ، وكان الذين يخْلُفون الرسول الذي
أُرسل للناس كافةً بشيراً ونذيراً وهادياً بإذنه تعالى وسراجاً مُنيراً ، كان الذين
يخلفون هذا الرسول ، عصابةً من جُباة الأموال يقيسون كل قضيةٍ في هذه الدولة
- التي كانوا يُسمونها الخلافة - بالمقياس المالي ، ولا ينظرون إلى شيء إلا
بالناحية المالية .
ظهَرَ عمر بن عبد العزيز في هذه الأسرة الحاكمة ، فثار على هذه النظرة
وعلى هذه النفسيَّةِ ، وقال عن الحكومة كلمتَهُ المأثورةَ التي سجَّلها التاريخ ،
ولا أعرفُ كلمةً في التاريخ تبيِّنُ روح الخلافة الراشدة وما تمتازُ به عن
الحكومات الزمنيّة أبلغَ من هذه الكلمة ، لقد شكا إليه بعضُ العمال أن أهل
الذَّمة بدؤوا يُقبلون على الإسلام في عدد كبير وقد فشا فيهم الإسلام ،
وأصبحت هذه قضيةً تشغَلُ عُقول ((الإداريين)) ذلك أنَّ الجِزْية التي يفرضها
الإسلام على أهل الذمة - ولو كان بمقدارٍ طفيف ، يتضاءل بجانب ما يتمتعون
به من حقوق ، وما يُعفَون عنه من خدمات - من أعظم موارد بيت المال ، فإذا
أسلم هؤلاء سقطتْ عنهم الجِزيةُ، وخَسرتْ ماليّة الدولَة الإِسلامية خسارة

٧٤
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول ، عمر بن عبد العزيز
باهظة ، بلغت هذه الشكوى عَاهل الدولة الإسلامية ، فأجاب عنها في هدوء
وثقة وكتب إليه: ((إنَّ الله جل ثناؤه بعثَ محمداً بَيِّ داعياً إلى الإسلام ولم يَبْعثه
جابياً))(١) .
وعلى هذا الأساس وعلى هذه النظرة ، قامتْ دولتُه، وهو أساس ((الهداية))
التي بُعث لها النبي ◌َّهِ، وبهذه النَّظرة كان ينظرُ إلى قضايا الحكومة ومصالحها
وهي نظرة ((المرشد)) ونظرة ((الداعي))، ونظرة خليفة الرسول الهادي ، وذلك
مفتاح شخصية عمر بن عبد العزيز الذي نستطيع أن ندخل به إلى رحاب هذه
الشخصية الفذَّة في الإِسلام ، الفَذَّة في الأمم.
وقد طبَّقَ هذا المبدأَ على حكومته الواسعة تطبيقاً دقيقاً ، فإذا
تعارضتِ المصلحةُ المالية مع مصلحة من مصالح الشريعة ، رجَّح المصلحةَ
الشرعية والحُكم الشرعي على المصلحة المالية ولم يتردّد.
يدل دلالة واضحة على ذلك ، وعلى إيمانه بهذا المبدأ ، كتابُه الذي كتبه
إلى عامله على اليمن عُروةَ بنِ محمد يقول فيه: ((أما بعد ، فإنَّك كتبتَ إليّ
تذكرُ أنكَ قَدِمتَ اليمن ، فوجدتَ على أهلها ضريبة من الخراج مضروبة ، ثابتةً
في أعناقهم كالجزية ، يؤدُّونها على كل حال ، إن أخصبوا أو أجدبوا ، وحَيُوا
أو ماتوا ، فسبحانَ الله ربِّ العالمين، ثم سبحانَ اللهِ ربِّ العالمين، ثم سُبحانَ
الله ربِّ العالمين ، إذا أتاك كتابي هذا ، فدَعْ ما تُنكر من الباطل إلى ما تعرفُه
من الحق ، ثم انتَنِفِ الحقَّ فاعمل بهِ بالغاً بي وبك ، وإن أحاط بمُهَج أنفسنا ،
وإن لم ترفع إليَّ من جميع اليمن إلا حفْنةً من كَتَمٍ ، فقد علم الله أني بَها مسرورٌ
إذا كانت موافقةً للحق والسلام))(٢).
وكذلك رفع المُكْسَ - وهو مورد عظيم من موارد الحكومة - قال رحمه الله:
((وأما المُكْسُ فإنه النجس الذي نهى الله عنه فقال: ﴿ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ
(١) كتاب الخراج: لأبي يوسف ، ص٧٥.
(٢) سيرة عمر بن عبد العزيز: ص ١٢٦ .

٧٥
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول، عمر بن عبد العزيز
أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥] غير أنهم كَنَّوْهُ باسمٍ آخر))(١).
وحَطَّ العُشورَ والضرائب التي فرضتها الحكومة ، وقال: ((فأما المسلمون
فإنما عليهم صدقاتُ أموالهم ، إذا أدوها في بيتِ المال كُتبت لهم بها البراءةُ ،
فليس عليهم في عامِهِم في ذلك في أموالهم تِباعةٌ)) (٢).
وفتح طريقَ البَرِّ والبحر للتجارة الحَّة ، ومنع الضرائب والمكوس ((أما
البحر فإنا نرى سبيلَه سبيل البر قال تعالى: ﴿﴿اللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِىَ الْفُلَّكُ
فِيهِ بِأَمْرِهِ، وَلِيَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ،﴾ [الجاثية: ١٢] فأذِن فيه أن يتَّجِر فيه من شاء، وأرى ألا
نحول بين أحد من الناس وبينه ، فإن البرَّ والبحر لله جميعاً سخرهما لعباده،
يبتغون فيهما من فضله ، فكيف نحُولُ بين عباد الله وبين معائشهم؟!)) (٣).
وقد أحدَثَ في مملكته الواسعة إصلاحات واسعةً الأثر ، فأمر بأن يكون
تمامُ مكيال الأرض وميزانُها واحداً في جميع الأرض كلِّها(٤).
وحرَّمَ على العمال وموظفي الدولة أن يتَّجروا ، فكتب: ((ونرى ألَّ يتَّجر
إمامٌ ، ولا يحلّ لعاملٍ تجارةٌ في سلطانه الذي هو عليه ، فإن الأمير متى يتَّجر
يَستأثر، ويُصِبْ أموراً فيها عَنت، وإن حَرَص على ألا يفعل))(٥).
وبعد ثمانية قرون جاء ابن خلدون وكتب في مقدمته العظيمة بعد تجارب
طويلة ودراسة واسعة ، ما يُصدِّق فراسة عمرَ بنِ عبد العزيز الصادقة ، وحكمته
البالغة، قال: ((إنَّ التِّجارة من السلطانَ مُضِرةٌ بالرعايا مُفْسِدةٌ
للجباية))(٦). والبلاد التي يحكمها الأوربيون - وهم تُجار قبل كل شيءٍ ـ شاهدَةٌ
بِصدق هذه النظرة .
-
(١) سيرة عمر بن عبد العزيز: ص ٩٩.
(٢) المصدر السابق: ص ٩٨ .
المصدر السابق: ص ٩٩.
(٣)
المصدر السابق: ص ٩٩ .
(٤)
(٥) المصدر السابق: ص ٩٩.
(٦) مقدمة ابن خلدون: ص ١٩٧ .

٧٦
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول ، عمر بن عبد العزيز
وحَرَّم السُّخرة بأنواعها - وهي التي درجتْ عليها الحكومات. وكان من
آثارها الأهرام في مصر ومباني رومة العظيمة - فقال: ((ونرى أن تُوضع السُّخَر
عن أهل الأرض، فإن غايتها أمورٌ يدخل فيها الظلمُ))(١).
وكان الأمراءُ ورجالُ الأسرة الحاكمة قد استحوذوا على قطع واسعة من
الأرض واتخذوها حمىّ، وحُرم منها الشَّعبُ ، فقال: ((ونرى أنَّ الحمى يُباح
للمسلمين عامة ... وإنما الإمام فيها كرجلٍ من المسلمين ، إنما هو الغَيْثُ
يُنزله الله لعبادهِ فهم فيه سواء))(٢) .
وفَطِنَ لأمورٍ دقيقة لا تسترعِي اهتمام الخليفة ، وعرفَ منافذ السوء
والخيانة فسدَّها ، منها الهدايا التي كانت تُهدى إلى العمال ، وكانوا يَقبلُونها
لأن قبولَ الهدايا سنةٌ، وقد عرف عمرُ بن عبد العزيز تغيّرَ الأوضاع وتغيُّر
البيئاتِ ، فحرَّمها وقال في هدية أهديت إليه - وقال القائل: قد كان رسول الله
وَلَه يقبلُ الهدية - ((هو لرسول الله ◌َِّ هديةٌ وهو لنا رشوة ولا حاجة لي به))(٣).
وقد أصبَحَ الخليفةُ محجوباً عن الناس لا سبيل لهم إليه ولا سبيل له إلى
معرفة أحوالهم وما يجري في مملكته ، وقد بنى الحاشيةُ حوله سیاجاً من حديد
لا ينفذ منه إليه إلا ما يشتهون وما تسمَحُ به مصالحهم.
أما عمرُ بنُ عبدِ العزيز ، فقد أعلنَ بالجوائز والمكافأة المالية لمن يُخبره
بحقيقة الحال ، أو يشيرُ عليه بشيء فيه مصلحة المسلمين ومصلحةٌ لدولتهم ،
وكتب إلى أهل المواسم:
((أمَّا بعد ، فأيُّما رجل قدم إلينا في رَدِّ مظلمة أو أمرٍ يُصلح الله به خاصّاً أو
عاماً من أمر الدين ، فله ما بين مئة دينار إلى ثلاثمئة ، بقدر ما يرى من الحسبة
(١) سيرة عمر بن عبد العزيز: ص ١٠٠ .
(٢) المصدر السابق: ص ٩٧ .
(٣) المصدر السابق: ص ٣٦.

جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول ، عمر بن عبد العزيز
وبُعد سفر ، لعل الله يُحيي به حقاً ، أو يُميت باطلاً ، أو يفتح به من ورائه
خيراً))(١) .
عنايتُه بأخلاق الجمهور وأعماله:
لقد كان الخليفةُ إلى عهد عمر بن عبد العزيز كما قدَّمنا رأسَ دولة ، هي
مُنظَّمة لجباية الأموال وحراسةِ النفوس والأرواح لا غير ، لا شأنَ له بما يعمله
الناس في بيوتهم وما يتخلَّقون به من أخلاق - ما دامت هذه الأعمالُ والأخلاق
لا تتدخل في شؤون الدولة - ولا شأن له بنزعاتهم وأفكارهم وعقائدهم ،
وبسعادتهم الأخروية وبِرُقَيِّهمُ الزُّوحي والخلقي ، ولكن عمر بنَ عبد العزيز
أولُ من عُني بهذه الناحية ، التي هي من مقاصد البعثة ، وواجبات الخلافة
- بعد الفترة الطويلة التي جاءت بعد الخلافة الراشدة -.
وقد انقسمتِ الواجباتُ من مُدَّة طويلة بين طائفتين ، فاستقلَّتِ الخلافة
بالأعمال الإدارية والمالية ، وانفرد العلماء بالحسبة والأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر والدعوة والإرشاد ، مع أنَّ الخلافة بطبيعتها تجمعُ بين الناحيتين ،
ولذلك سُميت ((الخِلافَةَ الراشدة)).
جاء عمر بن عبد العزيز فحارب هذه ((الثَّنوية)) وهذا الانقسام ، وجمع بين
الإدارة والإِرشاد ، والسياسة والدعوة ، وأثبتَ أنه خليفةٌ حقّاً ، فلم يتقلَّدٍ
الخلافة حتى وجَّه إلى عمال حكومته وأمراءِ الأجناد رسائل طويلة تتجلّى فيها
روح الدعوة والإرشاد ، وهي تُمثل نفسيةَ الداعي والمرشد والعالم ، أكثر مما
تمثِّل نفسية الحاكم والأمير ، وقد كُتبت في أسلوب الدعوة إلى الله والتحذير
من سخطه وعقابه وفي أسلوب الترغيب والترهيب.
ومِن هذه الرسائل رسالةٌ يصف فيها ما كان المسلمون عليه وما صاروا
إليه ، ويُبيِّن سياسته لهم، وفيها وَصْفٌ مُسْهَبٌ وتصويرٌ صادق للجاهلية ،
(١) سيرة عمر بن عبد العزيز: ص ١٤١ .

٧٨
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول، عمر بن عبد العزيز
وذكرٌ للبعثة المحمدية ، وحثٌّ على قدر هذه النعمة العظمى والقيام بشكرها ،
والتمسك بالدين الذي جاء (١).
ورسائلُ إلى أمراء الأجناد يعزم عليهم فيها بالمحافظة على الصلوات في
وقتها ، والعناية بالمدارسة ونشر العلم (٢).
ورسالةٌ إلى عماله يحثُّهم فيها على اتباع ما أمر الله به واجتناب ما نهى الله
عنه (٣).
ورسالةٌ يحثُّهم فيها على دعوة أهل الذمة إلى الإِسلام ، وأنه غايةُ بعثةٍ
الرسل وبعثة محمد ◌َل﴾(٤).
ورسالةٌ يُشدِّد فيها على العُمَّال بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويذكر
ما يُحدِث الإخلالُ بهذه الفريضة من نتائجَ وخيمةٍ وعقوبات من السماء ،
ويقول فيها: («إنه قد بلغني أنه قد كثُر الفُجور فيكم ، وأمنَ الفساق في
مدائنكم ، وجاهروا من المحارم بأمر لا يُحبُّ الله مَنْ فعَله ، ولا يَرضى
المداهنة عليه ، كان لا يُظهر مِثله في علانيته قومٌ يرجون الله وقاراً ويخافون منه
غيراً ، وهم الأعزُّون الأكثرون من أهل الفجور ، وليس بذلك أمرُ سَلَفكم ،
ولا بذلك تمَّتْ نعمةُ الله عليهم ... إلخ)) (٥) .
ومنها رسالةٌ يوصي فيها عمالَه بالاحتياط في تنفيذ العقوبات ، ويَشرح نظام
التَّعْزِير الإِسلامي (٦).
وفي رسالةٍ ينهى عن النِّياحة واتباع النساء للجنائز والتقاليد الجاهلية التي
فَشَتْ في عهده ، ويأمرُ بالحجاب ويقول: ((وتقدمْ إلى صاحب شرَطكم فلا
(١) سيرة عمر بن عبد العزيز: ص ٧٨.
(٢) المصدر السابق: ص ٧٩.
(٣)
المصدر السابق: ص ٩٤.
المصدر السابق: ص ٩٣.
(٤)
المصدر السابق: ص ١٦٨ .
(٥)
(٦) المصدر السابق: ص ٨٠.

٧٩
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول ، عمر بن عبد العزيز
يُقِرَّنَّ نَوْحاً في دار ولا طريق ، فإن الله قد أمر المؤمنين عند مصائبهم بخير
الأمرين في الدنيا والآخرة فقال: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إلَيْهِ
رَجِعُونَ ﴿ أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ زَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة:
١٥٦ - ١٥٧] (٢) .
وقد توسَّعَ الناسُ في أمر النبيذ وتوصَّلوا منه إلى المسكرات ، ونشأت من
ذلك شرورٌ وآفات لم تزل تابعة للخمر ، وقد كتب في ذلك رسالةً خاصة يقول
فيها: ((ولَعمري إن ما قَرب إلى الخمر في مَطعمٍ أو مشربٍ أو غير ذلك ليُتَّقَى)).
ويشرحُ نُكتة تدل على بُعدٍ نظره واطلاعه الواسِع ، يقول: ((وما يَشرب
أولئك شرابهم إلا من تحت أيدي النصارى الذين يَهونُ عليهم زَيغ المسلمين
في دينهم ودخولهم فيما لا يَحل لهم ، مع الذي يجمع نَفاق سِلعهم ، ويَسارة
المؤونة عليهم)).
ثم يقولُ في أسلوب المربِّي الحكيم: ((إنَّ اللهَ قد جعل عن الخمور
والمسكرات غنىّ في المشروبات الجائزة السائغة ، فما يحملُ المسلمين على
هذا الإثم؟ وما لأحدٍ من المسلمين عذر أن يشربَ ما أشبه ما لا خير من
الشراب؟ فإن الله جعل عنه غنىّ وسَعةً ، من الماء الفرات ، ومن الأشربة التي
ليس في الأنفس منها حاجةٌ من العَسل واللَّبن والسَّويق والنَّبيذ من الَّبيب
والتمر))(٢).
وفي هذه المسائل يتجلَّى عمر الخليفة الراشد بإيمانه وحماسته وحكمته ،
وكأنَّنا - ونحن نقرأ هذه الرسائل - نقرأ رسائل عمرَ بنِ الخطاب إلى عُمَّاله ،
ونسمعُ الداعي الحكيم ، والإداري المربِّي ، والوالد العطوف ، يَنصحُ أولاده
في رِفق وقوة ، وفي صَرامةٍ وحكمة ، ويجمع بين الإدارة والتذكير ، وبين
الإنذار والتبشير ، وذلك شأنُ الحكم الإسلامي الصحيح وتفسيرُ قوله تعالى:
(١) سيرة عمر بن عبد العزيز: ص ١٠٨.
(٢) المصدر السابق: ص ١٠٢ .

٨٠
جهود الإصلاح والتجديد في القرن الأول ، عمر بن عبد العزيز
اُلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّهُمْ فِى الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ
عَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] .
عِنايتُه بالدعوة إلى الإسلام:
ولم يقتصِرْ عمر بن عبد العزيز على إصلاح المسلمين وتطبيق الشريعة
الإسلامية على المملكة الإسلامية ، بل عُني بالدعوة إلى الإسلام في غير
المسلمين ، وكان لها تأثيرٌ كبير لإخلاصه وصدقه وحُسنٍ تمثيله للإِسلام بحياته
وأخلاقه.
قال البلاذَرِيُّ في «فتوح البلدان»: ((وكتبَ عمرُ بن عبدِ العزيز إلى ملوك
الهند يدعوهم إلى الإسلام والطاعة على أن يُملِّكَّهُم ، ولهم ما للمسلمين
وعليهم ما عليهم ، وقد كانت بَلَغَتْهُم سِيرتُه ومذهبه ، فأسلموا وتسمَّوا بأسماء
العرب))(١) .
ولمَّا وَلَّى إسماعيلَ بن عبد الله بن أبي المهاجر مولى بني مخزوم بلاد
المغرب؛ سار أحسن سيرة ودعا البربر إلى الإسلام ، وكتب إليهم عمرُ بن عبد
العزيز كتاباً يدعوهم إلى الإسلام ، فقرأه إسماعيل عليهم في النوادي، فغلب
الإسلام على المغرب.
ولمَّا استخلفَ كتب إلى ملوك ما وراء النهر يدعوهم إلى الإسلام ، فأسلم
بعضُهم ، ورفع الخَراج عمَّن أَسلم بخُراسان ، وفرض لمن أَسلم وابتنى
خاناتٍ(٢) .
تَدوينُ العُلومِ الإسلاميةِ وإحياءُ السنن النبوية:
ولم يقتصِرْ تجديدُ عمر بن عبد العزيز على إصلاح نظام الحكم، وتحويل
السياسة المدنية إلى الخلافة النبوية ، بل تعدَّاه إلى نواح كان لها أبعدُ الأثر
(١) فتوح البلدان.
(٢) الإسلام والحضارة العربية: لكرد علي، ج٢، ص١٨٩.