Indexed OCR Text
Pages 121-140
اللّه، صلى الله عليه وسلم، ستّين بَدَنَةً وجعل على هَدْيهِ ناجيّةَ بن جُندَب الأسلمي ، وحمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، السّلاح البَيْضَ والدّروع والرّماح وقاد مائةَ فرس، فلمّا انتهى إلى ذي الحليفة قدّم الخيلَ أمامَه عليها محمد بن مَسلمة، وقدّم السّلاحَ واستعمل عليه بشير ابن سعد، وأحرم رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، من باب المسجد ولبی والمسلمون معه يلبّون ، ومضى محمد بن مسلمة في الخيل إلى مَرّ الظّهران فوجد بها نفراً من قريش فسألوه فقال : هذا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يُصبح هذا المنزلَ غداً إن شاء الله؛ فأتوا قريشاً فأخبروهم ففزعوا ونزل رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، بمَرّ الظّهران وقَدّم السّلاح إلى بطن يَأْجَج حيث يُنظَر إلى أنصاب الحَرَم، وخلّفَ عليه أوسَ بن خَوْليّ الأنصاري في مائة رجل ، وخرجت قريش من مكّة إلى رؤوس الجبال وخلّوا مكّة، فقدّم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الهَدْيَ أمامَه فحُبس بذي طُوِّى، وخرج رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، على راحلته القَصْواء والمسلمون متوشّحون السيوف مُحدِقون برسول الله، صلى الله عليه وسلم ، يلبّون فدخل من الثّنيّة التي تُطلعه على الحَجُون وعبد الله بن رواحة آخذٌ بزمام راحلته ، فلم يزل رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم، يُلَبّي حتى استلم الرّكنَ بمحجنهِ مضطبعاً بثوبه، وطاف على راحلته والمسلمون يطوفون معه قد اضطبعوا بثيابهم ، وعبد الله بن رواحة يقول : خلّوا بَني الكُفَّارِ عن سبيله! خلوا فكلّ الخيرِ مَعْ رَسولهْ ! نحنُ ضَرَبْناكُمْ على تأويلهْ، كَمَا ضَرَبْنَاكُمْ على تَنْزِيله، ضَرْباً يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقيلهْ، ويُذْهلُ الخليلَ عَنْ خَليلهْ! يا ربّ إنّي مُؤْمنُ بقيلهْ! فقال عمر : يا ابن رواحة إيهاً ! فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم: ١٢١ يا عمر إنّ أسمعُ ! فأسكتَ عمر وقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم : إيهاً يا ابن رواحة! قال: قُلْ لا إله إلاّ اللّه وحدَه نصر عبده وأعزّ جندَه وهزمّ الأحزابَ وحده ؛ قال فقالها ابن رواحة فقالها النّاس كما قال. ثمّ طاف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الصّفا والمَرْوة على راحلته. فلمّا كان الطّواف السابع عند فراغه وقد وقف اهَدْيُ عند المَرْوَة قالٍ : هذا المَنحَرُ وكلّ فجاجٍ مكة منحَرٌ؛ فنحر عند المروة وحلق هناك وكذلك فعل المسلمون فأمر رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم ، ناساً منهم أن يذهبوا إلى أصحابهم ببطن يَأجَج فيقيموا على السّلاح ويأتي الآخرون فيقضوا نُسُكَهم ففعلوا ، ثمّ دخل رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، الكعبة" فلم يزل فيها إلى الظّهر ثمّ أمر بلالاً فأذن على ظهر الكعبة وأقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمكّة ثلاثاً وتَزَوّج مَيمونَةَ بنت الحارث الهلاليّة ، فلمّا كان عند ظُهر من اليوم الرابع أتاه سُهيل بن عمرو وحُويطب ابن عبد العُزّى فقالا : قد انقضى أجَلُك فاخُرُجْ عنا! وكان رسول اللّه، صلى الله عليه وسلّم، لم ينزل بيتاً بل ضُربَتْ له قُبّةٌ من أدَم بالأبطَح، فكان هناك حتى خرج منها وأمر أبا رافع فنادى بالرّحيل وقال : لا يُمسينّ بها أحدٌ من المسلمين. وأخرج عمارة بنت حمزة بن عبد المُطلب من مكّة وأمّ عُمارة سَلمتى بنت عميس، وهي أمّ عبد اللّه بن شدّاد بن الهاد، فاختصم فيها عليّ وجعفر وزيد بن حارثة أيهم تكون عنده فقضى بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لجعفر من أجل أنّ خالتها عنده أسماءُ بنت عُميس، وركب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى نزل سرٍف وتَتَّامٌ الناس إليه. وأقام أبو رافع بمكّة حتى أمسى فحمل إليه ميمونَّةً بنت الحارث فَبَنَى عليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بسَرِف ثمّ أدلَجَ فسار حتّى قدم المدينة . أخبرنا سليمان بن حرب ، أخبرنا حمّاد بن زيد وأخبرنا يحيى بن ١٢٢ عبّاد ، أخبرنا حماد بن سلمة جميعاً عن أيّوب عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس أن النبيّ، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه قدموا مكّة يعني في القضية ، فقال المشركون من قريش: إنّه يقدم عليكم قوم قد وَهَنَتْهم حُمّى يَثْرِبَ. قال : وقعدوا ممّا يلي الحجر فأمر النبيّ ، صلى اللّه عليه وسلم ، أصحابه أن يَرْمُلُوا الأشواط الثلاثة ليرى المشركون قُوّتَهم ، وأن يمشوا ما بين الرّكنّين. قال ابن عبّاس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يَرْمُلوا الأشواطَ كلّها إلاّ إبقاءٌ عليهم ، فلمّا رملوا قالت قريش : ما وهنتهم . سريّة ابن أبي العَوجاء السُلمي الى بني سليم ثمّ سريّة ابن أبي العَوجاء إلى بني سُليم في ذي الحجّة سنة سبع من مُهَاجَرَ رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا : بعث رسول الله، صلّى اللّه عليه وسلم، ابن أبي العَوْجاء السّلَمي في خمسين رجلاً إلى بني سُليم ، فخرج إليهم وتقدّمه عينٌ لهم كان معه فحذّرهم فجمعوا فأتاهم ابن أبي العَوْجاء ، وهم مُعِدّون له ، فدعاهم إلى الإسلام فقالوا : لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا ، فتراموا بالنبل ساعة وجعلتِ الأمداد تأتي حتى أحدقوا بهم من كلّ ناحية ، فقاتل القوم قتالاً شديداً حتى قُتل عامتهم وأضيب ابن أبي العَوْجاء جريحاً مع القتلى ثمَّ تحامل حتى بلغ رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقدموا المدينة في أول يوم من صفر سنة ثمان . ١٢٣ سريّة غالب بن عبد اللّه اللَّيخي الى بني المُلَوِّح بالكَديد ثمّ سريّة غالب بن عبد الله الدّيني إلى بني الملوّح بالكَديد في صفر سنة ثمان من مُهاجر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . أخبرنا عبد الله بن عمرو أبو مَعمر ، أخبرنا عبد الوارث بن سعيد ، أخبرنا محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عُتبة عن مُسلم بن عبد الله الجُهَني عن جُنْدَب بن متكيث الجُهني قال : بعث رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم ، غالب بن عبد اللّه الليثي ثمّ أحد بني كلب بن عوف في سريّة ، فكتب فيهم وأمرهم أن يشُنّوا الغارةَ على بني الملوّح بالكديد ، وهم من بني ليث ، قال : فخرجنا حتى إذا كنّا بقُديد لقينا الحارث بن البَرْصاء اللّيّي فأخذناه فقال : إنّما جئت أريد الإسلام وإنّما خرجتُ إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قلنا : إن تَكُنْ مُسلماً لم يضررك رباطُنا يوماً وليلةً ، وإن تكن على غير ذلك نَسْتَوثق منك. قال : فشددناه وثاقاً وخلّقنا عليه رُويجلاً منّا أسودَ فقلنا : إن نازَعَك فاحتزّ رأسَه ! فسرنا حتى أتينا الكَديد عند غروب الشمس فكمنّا في ناحية الوادي وبعثني أصحابي رَبيئةً لهم فخرجت حتّى أتيت تلاًّ مشرفاً على الحاضر يُطلعُني عليهم حتى إذا أسندتُ عليهم فيه علوتُ على رأسه ثمّ اضطجعتُ عليه قال: فإنّي لأنظر إذ خرج رجلٌ منهم من خباءٍ له فقال لامرأته : إنّ أرى على هذا الجبل سواداً ما رأيته أوّل من يومي هذا فانظري إلى أوعِيّتِكِ لا تكون الكلاب جرّت منها شيئاً . قال : فنظرت فقالت : والله ما أفقد من أوعيني شيئاً . قال : فناوليني قوسي ونبلي ، فناولَتَه قوسَهُ وسهمين معها ، فأرسل سهماً فوالله ما أخطأ بين عينيّ ، قال : فانتزعته وثبّتّ مكاني ثمّ أرسل آخر فوضعه في منكبي فانتزعته فوضعته وثبتّ مكاني، فقال لامرأته: والله لو كانت ربيئةً لقد تحرّكت بعد ! والله لقد خالَطَهَا سَهَمَايَ لا أبا لَكِ ! فإذا أصبحتٍ فانظريهما لا تمضغهم ١٢٤ الكلاب ، قال : ثمّ دخل وراحت الماشية من إبلهم وأغنامهم ، فلما احتلبوا وعطنوا واطمأنّوا فناموا شنتًا عليهم الغارةَ واستَقنَا النّعَمَ. قال: فخرج صريخ القوم في قومهم فجاء ما لا قِبَلَ لنا به ، فخرجنا بها نحدرها حتّى مررنا بابن البَرْصاء فاحتملناه واحتملنا صاحبنا ، فأدركَنا القومُ حتى نظروا إلينا ما بيننا وبينهم إلاّ الوادي ونحن موجّهون في ناحية الوادي إذ جاء اللّه بالوادي من حيث شاء يملأ جَنبَتَيه ماءٌ ، والله ما رأينا يومئذ سحاباً ولا مطراً فجاء بما لا يستطيع أحدٌ أن يجوزه فلقد رأيتهم وقوفاً ينظرون إلينا وقد أسندناها في المَسيل ، هكذا قال ، وأمّا في رواية محمّد بن عمر قال : أسندناها في المُشكّل نحدرها وفُتناهم فَوتاً لا يقدرون فيه على طلبنا ، قال : فما أنسى قولَ راجزٍ من المسلمين وهو يقول : أبَى أَبُو القاسمِ أنْ تَعَزّبي في خَضِلٍ نَبَاتُهُ مُغلَوْلِبٍ صُفْرٍ أعاليهِ كَلَوْنِ الْمُذْهَبِ وزاد محمد بن عمر في روايته : وذاك قوْلُ صادِقٍ لمْ يكذِبِ قال : فكانوا بضعة عشر رجلاً . قال عبد الوارث : وحدّثني هذا الحرفَ رجلٌ عن محمد بن إسحاق أنّه حدّثَهُ رجُلٌ من أسلم أنّهُ كان شعارهم يومئذ : أمِتْ أمِتْ . ١٢٥ سرية غالب بن عبد اللّه اللَّيْفي أيضاً الى مُصَاب أصحاب بشير بن سعد بِفَدَك ثمّ سريّة غالب بن عبد اللّه اللّينيّ إلى مُصاب بشير بن سعد بفَدَك في صفر سنة ثمان من مُهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم . ء أخبرنا محمد بن عمر ، حدّثني عبد اللّه بن الحارث بن الفُضيل عن أبيه قال : هيّأ رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، الزّبيرَ بن العوّام وقال له: سرْ حتى تنتهي إلى مُصاب أصحاب بشير بن سعد فإن أظفرك الله بهم فلا تُبُقٍ فيهم. وهيّأ معهم مائتي رجل وعقد له لواءً ، فقدم غالبُ بن عبد الله اللّي من الكديد من سريّة قد ظفّره الله عليهم ، فقال رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، للزّبير: اجلسْ! وبعث غالبَ بن عبد اللّه في مائتي رجل ، وخرج أسامة بن زيد فيها حتى انتهى إلى مُصاب أصحاب بشير وخرج معه عُلبة بن زيد فيها فأصابوا منهم نَعَماً وقتلوا منهم قَتْلَى. أخبرنا محمد بن عمر ، حدّثّني أفلح بن سعيد عن بشير بن محمّد بن عبد الله بن زيد قال : خرج مع غالب في هذه السريّة عقبة بن عمرو أبو مسعود وكعب بن عمُجرة وأسامة بن زيد الحارثي . أخبرنا محمد بن عمر ، حدّثّني شبل بن العلاء بن عبد الرحمن عن إبراهيم بن حُويّصة عن أبيه قال: بعثني رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم ، في سريّة مع غالب بن عبد اللّه إلى بني مُرّة فأغَرْنا عليهم مع الصّبح وقد أَوْعَزّ إلينا، أمَرَنَا ألاّ نفترِقَ وواختى بيننا فقال: لا تعصوني فإنّ رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، قال : من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني وإنّكم متى ما تعصوني فإنكم تعصون نبيكم ، قال : فآخى بيني وبين أبي سعيد الخدريّ ، قال : فأصبنا القومَ . ١٢٦ سريّةَ شُجاع بنَ وَهْب الأسدي الى بني عامر بالسِّيّ ثمّ سريّة شُجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر بالسّيّ في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان من مُهاجر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم. أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي ، حدّني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَةَ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوَة عن عمر بن الحَكَم قال : بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، شُجاع بن وَهب في أربعةٍ وعشرين رجلاً إلى جمع من هوازِنَ بالسّيّ ناحيةَ رُكبة من وراء المعدن ، وهي من المدينة على خمس ليالٍ ، وأمره أن يُغيرَ عليهم ، وكان يسير اللّيلَ ويكمن النّهار حتّى صَبّحهم وهم غارّون ، فأصابوا نعماً كثيراً وشاءً واستاقوا ذلك حتّى قدموا المدينةَ واقتسموا الغنيمة ، وكانت سهامهم خمسة عشر بعيراً وعدلوا البعير بعشر من الغنم ، وغابت السريّة خمس عشرة ليلةً . سرية كعب بن عمير الغفاري الى ذات أطلاح ثمّ سريّة كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح ، وهي من وراء وادي القُرّى ، في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان من مُهاجر رسول الله، صلّى الله عليه وسلم . أخبرنا محمد بن عمر ، حدّني محمد بن عبد اللّه عن الزّهريّ قال : بعث رسول الله، صلّى الله عليه وسلم، كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلاً حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشأم فوجدوا جمعاً من جمعهم كثيراً ، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل، فلمّا رأى ذلك أصحابُ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قاتلوهم أشدّ القتال حتّى ١٢٧ قُتلوا وأفلَتَ منهم رجل جريح في القَتَلَى ، فلما برد عليه الليلُ تحامل حتّى أتى رسولَ اللّه، صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر فشقّ ذلك عليه وهم بالبعث إليهم فبلغه أنّهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم . سريّة مُؤْتَةً ثمّ سريّة مُؤتة، وهي بأدفى البلقاء. والبلقاء دون دمشق، في جمادى الأولى سنة ثمان من مُهاجر رسول الله- صلى الله عليه وسلم. قالوا : بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الحارث بن عُمير الأزْدي أحد بني لهبٍ إلى ملك بُصرَى بكتاب، فلما نزل مُؤْتة عرض له شُرَحبيل ابن عمرو الغسّاني فقتله ولم يُقتلْ لرسول الله- صلى الله عليه وسلم، رسولٌ غيره ، فاشتدّ ذلك عليه وندبَ الناس فأسرعوا وعسكروا بالجُرْف . وهم ثلاثة آلاف، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أميرُ النّاس زيدُ بن حارثة ، فإن قُتل فجعفر بن أبي طالب ، فإن قُتل فعبد الله بن رواحة ، فإن قُتل فلير تَضى المسلمون بينهم رجلاً فيجعلوه عليهم. وعقد لهم رسول اللّه ، صلى الله عليه وسلم، لواءً أبيض ودفعه إلى زيد بن حارثة وأوصاهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام فإن أجابوا وإلاّ استعانوا عليهم باللّه وقاتلوهم، وخرج مشيّعاً لهم حتى بلغ ثنيّة الوَداع فوقف وودّعهم، فلما سارُوا من معسكرهم نادى المسلمون : دَفَع اللّه عنكم وردكم صالحين غانمين ! فقال ابن رواحة عند ذلك : . لكنّني أسألُ الرّحمنَ مَغْفِرَةً، وضَرْبَةٌ ذاتَ فَرْغٍ تَقْذِفْ الزّبدا قال : فلمّا فصلوا من المدينة سمع العدوّ بمسيرهم فجمعوا لهم وقام فيهم ١٢٨ . شُرّحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف وقدّم الطّلائع أمامه ، وقد نزل المسلمون مُعانَ من أرض الشأم وبلغ النّاسَ أنّ هِرَقلَ قد نزلَ مآبَ من أرض البلقاء في مائة ألف من بهراء ووائل وبكر ولخم وجُذام . فأقاموا ليلتين لينظروا في أمرهم وقالوا : نكتب إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فنخبره الخبر ، فشجّعهم عبد الله بن رواحة على المُضيّ، فمضوا إلى مُؤْتَةَ ووافاهم المشركون فجاءَ منهم ما لا قِبَل لأحد به من العدد والسلاح والكُراع والديباج والحرير والذهب ، فالتقى المسلمون والمشركون فقاتل الأمراء يومئذ على أرجُلهم فأخذ اللواءَ زيد بن حارثة فقاتل ، وقاتل المسلمون معه على صفوفهم ، حتّى قُتل طعناً بالرّماح رحمه اللّه، ثمّ أخذ اللّواءَ جعفر بن أبي طالب فنزل عن فرس له شقراء فعرقبها فكانت أوّلَ فرسٍ عُرقبت في الإسلام وقاتل حتى قُتِل ، رضي الله عنه ، ضربه رجل من الرّوم فقطعه بنصفين ، فوُجد في أحد نصفيه بضعة وثلاثون جُرحاً ووُجد فيما قيل من بَدَن جعفر اثنتان وسبعون ضربةً بسيف وطعنةً برمح، ثمّ أخذ اللواءَ عبدُ الله بن رواحة فقاتل حتى قُتِل رحمه اللّه ، فاصطلح النّاس على خالد بن الوليد فأخذ اللّواء وانكشف الناس فكانت الهزيمة ، فتبعهم المشركون فقُتِل مَن قُتل من المسلمين ورُفعت الأرض لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى نَظر إلى مُعتَرَك القوم . فلمّا أخذ خالد بن الوليد اللواء قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ! فلمّا سمع أهلُ المدينة بحيش مُؤْتَةَ قادمين تلقّوهم بالحُرْف، فجعل الناس يَحثُون في وجوههم الترابَ ويقولون: يا فُرّار! أفررتم في سبيل اللّه؟ فيقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ليسوا بفُرّار ولكنّهم كُرّار إن شاء الله ! أخبرنا بكر بن عبد الرحمن قاضي الكوفة ، أخبرنا عيسى بن المختار عن محمد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن سالم بن أبي الجَعد عن أبي اليَسَر عن أبي عامر قال: بعثني رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، إلى الشأم، فلمّا رجعتُ ٩- ٢ ١٢٩ مررت على أصحابي وهم يُقاتلون المشركين بمُؤْتّة، قلت واللّه لا أبرح اليومَ حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمرهم، فأخذ اللواءَ جعفر بن أبي طالب ولبس السلاح، وقال غيره : أخذ زيد اللّواءَ وكان رأس القوم ثمّ حمل جعفر حتى إذا همّ أن يخالطَ العدوّ رجع فوحّش بالسّلاح ثمّ حمل على العدوّ وطاعن حتّى قُتل، ثمّ أخذ اللّواءَ زيدُ بن حارثة وطاعن حتّى قُتلْ، ثمّ أخذ اللّواءَ عبد الله بن رواحة وطاعن حتى قُتِل، ثمّ انهزم المسلمون أسوأ هزيمةٍ رأيتُها قطّ حتّى لم أرَ اثنين جميعاً، ثمّ أخذَ اللّواءَ رجلٌ من الأنصار ثمّ سعى به حتّى إذا كان أمامَ الناسِ رَكَزَه ثمّ قال: إليّ أيّها النّاس ! فاجتمع إليه الناس حتى إذا كثروا مشى باللّواء إلى خالد بن الوليد فقال له خالد : لا آخذه منك أنت أحَقُّ به ؛ فقال الأنصاري: والله ما أخذته إلاّ لك! فأخذ خالد الدّواء ثمّ حمل على القوم فهزمهم اللّه أسوأ هزيمةٍ رأيتها قطّ حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاؤوا وقال : فأتيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبرته فشق ذلك عليه فصَلّى الظّهرَ ثمّ دخل ، وكان إذا صلى الظهر قام فركع ركعتين ثمّ أقبل بوجهه على القوم فشقّ ذلك على النّاس، ثمّ صلّى العصر ففعل مثل ذلك ، ثمّ صلى المغرب ففعل مثل ذلك، ثمّ صلّى العَتّمَة ففعل مثل ذلك، حتى إذا كان صلاة الصّبح دخل المسجد ثمّ تبسّم ، وكان تلك السّاعة لا يقوم إليه إنسانٌ من ناحية المسجد حتى يصلّ الغداة ، فقال له القوم حين تبسم : يا نبيّ اللّه بأنفسنا أنت ! ما يعلم إلاّ اللّه ما كان بنا من الوجد منذ رأينا منك الذي رأينا ! قال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم : كان الّذي رأيتم منّي أنّه أحزَنَبي قتل أصحابي حتى رأيتهم في الجنّة إخواناً على سُرُرٍ متقابلين ورأيت في بعضهم إعراضاً كأنّه كره السيف ورأيت جعفراً ملكاً ذا جَنّاحَيَن مُضَرّجاً بالدّماء مصبوغَ القَوادِمِ. ١٣٠ سرية عمرو بن العاص الى ذات السلاسل ثمّ سريّة عمرو بن العاص إلى ذات السّلاسل وهي وراء وادي القرى وبينها وبين المدينة عشرة أيّام ، وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا : بلغ رسولَ الله، صلى الله عليه وسلم، أنّ جمعاً من قُضاعة قد تجمّعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف رسول الله، صلى الله عليه وسلّم . فدعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمرو بن العاص فعقد لهُ لواءً أبيضَ وجعل معه رايةً سوداء وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار ومعهم ثلاثون فرساً ، وأمره أن يستعين بمن يَمُرّ به من بَليّ وعُدْرة وبَلْقَيْن، فسارَ اللّيلَ وكمن النّهارَ فلمّا قرب من القوم بلغه أنّ لهم جمعاً كثيراً فبعث رافعَ بن متكيث الجُهَني إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم، يستمدّه فبعث إليه أبا عبيدة بن الجرّاح في مائتين وعقد له لواءً وبعث معه سَراة المهاجرين والأنصار ، وفيهم أبو بكر وعمر ، وأمره أن يلحق بعمرو وأن يكونا جميعاً ولا يختلفا ، فلحق بعمرو فأراد أبو عُبيدة أن يَوْمّ النّاسَ فقال عمرو : إنّما قدمتَ عليّ مدداً وأنا الأمير ، فأطاع له بذلك أبو عُبيدة وكان عمرو يصلّي بالناس وسار حتى وطىء بلاد بَليّ وَدَوّخَها حتّى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عُدْرة وبلقتين، ولقي في آخر ذلك جمعاً فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرّقوا ، ثمّ قفلَ وبعثَ عوف بن مالك الأشجعي بريداً إلى رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، فأخبرهُ بقُفولهم وسلامتهم وما كان في غزاتهم . ١٣١ سريّة الخبط أميرُها أبو عبيدة بن الجرّاح ثمّ سريّة الخَبّط أميرُها أبو عبيدة بن الجرّاح وكانت في رجب سنة ثمان من مُهاجر رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم . قالوا : بعث رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، أبا عبيدة بن الجرّاح في ثلاثمائة رجلٍ من المهاجرين والأنصار ، وفيهم عمر بن الخطاب ، إلى حيّ من جُهَينة بالقَبَليّة ممّا يلي ساحل البحر ، وبينها وبين المدينة خمس ليال ، فأصابهم في الطريق جوعٌ شديدٌ فأكلوا الخَبَط وابتاع قيس بن سعد جُزُراً ونحرها لهم ، وألقى لهم البحر حُوتاً عظيماً فأكلوا منه وانصرفوا ولم يلقوا كيداً . سريّة أبي قتادة بن رِبْعِيّ الأنصاري الى خَضِرَة ثُمّ سرِيّة أبي قتادة بن ربعيّ الأنصاري إلى خَضِيرَة، وهي أرض مُحارِب بنجد ، في شعبان سنة ثمان من مُهاجر رسول الله، صلّى اللّه عليه وسلّم . قالوا : بعث رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم ، أبا قَتَادَة ومعه خمسة عشر رجلاً إلى غَطَفَان وأمره أن يشُنّ عليهم الغارة ، فسار اللّيلَ وكمن النهار فَهَجَم على حاضرٍ منهم عظيم فأحاط بهم فصرخ رجلٌ منهم : يا خَضِيرَة ! وقاتل منهم رجال فقتلوا من أشرفَ لهم واستاقوا النّعَم ، فكانت الإبل مائتي بعير والغَنَم ألفيْ شاةٍ وسَبّوا سبباً كثيراً ، وجمعوا الغنائم فأخرجوا الخُمس فعزلوه وقسموا ما بقي على أهْل السّريّة فأصاب ١٣٢ كلّ رجل منهم اثنا عشر بعيراً فعُدل البعير بعشر من الغَنّم ، وصارت في سَهْمِ أبي قَتَادَة جاريةٌ وضيئةٌ فاستوهبها منه رسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، فوهبها له ، فوهبها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لمَحْمية ابن جَزْء ، وغابوا في هذه السريّة خمس عشرة ليلة . سريّة أبي قتادة بن رِبْعِيّ الأنصاري الى بطن إضم ثمّ سريّة أبي قتادة بن ربعيّ الأنصاري إلى بطن إضّ في أوّل شهر رمضان سنة ثمان من مُهاجر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم. قالوا : لمّا هَمّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بِغَزْوِ أهْلِ مكة بعث أبا قتادة بن رِبعيّ في ثمانية نفَرَ سريّةً إلى بطن إضَ ، وهي فيما بين ذي خُشُب وذي المَرْوَة، وبينها وبين المدينة ثلاثة بُرُد، ليظنّ ظانّ أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، توجّه إلى تلك الناحية ولأنْ تَذْهَبَ بذلك الأخبارُ ، وكان في السريّة مُحلّم بن جثّامة اللّيّي ، فمرّ عامر من الأضْبَط الأشْجَعي فسلّم بتحيّة الإسلام فأمسك عنه القوم وحمل عليه مُحَلّم بن جثّامة فقتله وسلبه بعيره ومتاعه وَوَطْبَ لَبَنِ كان معه ؛ فلمّا لحقوا بالنبيّ، صلى الله عليه وسلم، نزل فيهم القرآن: يا أيّهَا الّذينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيْنُوا وَلا تَقُولوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنَاً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَوَةِ الدّنْيَا فَعِنْدَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ (إلى آخر الآية ) فمضوا ولم يلحقوا جمعاً فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذي خُشُب فبلغهم أنّ رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم ، قد توجه إلى مكة فأخذوا على بَيْبن حتى لقوا النبيّ ، صلّى الله عليه وسلّم، بالسُّقْيَا ١٣٣ ٠١٢ غزوة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، عام الفتح ثمّ غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عامَ الفتح في شهر رمضان سنة ثمان من مُهاجر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . قالوا : لمّا دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهراً من صلح الحُديبية كلّمت بنو نُفاثة ، وهم من بني بكر ، أشراف قريش أن يُعينوهم على خزاعة بالرّجال والسّلاح ، فوعدوهم ووافوهم بالوتير متنكّرين متنقّين، فيهم صفوان بن أُميّة وحُويطب بن عبد العُزّى ومِكرّز بن حفص بن الأخيَف ، فبيّتوا خُزاعةَ ليلاً وهم غارّون آمنون فقتلوا منهم عشرين رجلاً ، ثمّ ندمت قريش على ما صنعت وعلموا أنّ هذا نَقْضٌ للمُدّة والعهد الذي بينهم وبين رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وخرج عمرو بن سالم الخُزاعي في أربعين راكباً من خُزاعة فقدموا على رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم، يخبرونه بالذي أصابهم ويستنصرونه، فقام وهو يجرّ رِداءَه وهو يقول : لا نُصِرْتُ إن لم أنْصُرْ بني كعب ممّا أنصر منه نفسي ! وقال : إنّ هذا السحاب ليستهلّ بنصر بني كعب . وقدم أبو سفيان بن حرب على رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، المدينة يسأله أن يجدّد العهد ويزيد في المدّة ، فأبَى عليه فقام أبو سفيان فقال: إنّي قد أجَرْتُ بين النّاس، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم : أنت تقول ذلك يا أبا سفيان ! ثمّ انصرف إلى مكّة فتجهّز رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأخفى أمره وأخذ بالأنْقاب وقال: اللهمّ خُذْ على أبصارهم فلا يرَوْني إلاّ بَغْتَةً! فلمّا أجمع المسبرّ كتب حاطب بن أبي بَلْتَعَة إلى قُريش يُخبرهم بذلك فبعث رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عليّ بن أبي طالب والمقداد بن عمرو فأخذا رسوله وكتابه فجاءا به إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبعث رسول الله، صلى الله . عليه وسلم، إلى مَنْ حَوْلَه من العرب فَجُلَهُمْ أسلَمُ وغِفار ومُزَيْنَة ١٣٤ وجُهَيَنَة وأشْجَعُ وسُليم ، فمنهم من وافاه بالمدينة ومنهم مَن لحقه بالطريق فكان المسلمون في غزوة الفتح عشرة آلاف . واستخلف رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم ، على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم وخرج يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر ، فلمّا انتهى إلى الصُّلصُل قدّم أمامه الزُّبِيرَ بن العَوّام في مائتين من المسلمين ونادى منادي رسول الله، صلى الله عليه وسلم : من أحبّ أن يُفْطِرَ فَلْيُفْطِرْ ومن أحبّ أن يصومَ فَلْيَصُمْ! ثمّ سار، فلمّا كان بقُديد عقد الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل، ثمّ نزل مرَّ الظّهْران عشاءً فأمر أصحابَه فأوقدوا عشرة آلاف نار ولم يبلغ قريشاً مَسيرُه وهم مُغتمون لِما يخافون من غزوه إيّاهم ، فبعثوا أبا سفيان ابن حرب يتحسّب الأخبار وقالوا : إنْ لقِيتَ محمداً فخُذْ لنا منه أمَاناً . فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبُديل بن وَرْقَاء ، فلمّا رأوا العسكر أفزعهم ، وقد استعمل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، تلك الليلة على الحرس عمر بن الخطّاب فسمع العبّاس بن عبد المطلب صوت أبي سفيان فقال : أبا حنظلة ؟ فقال: لبّيْك فما وَرَاءَك ؟ فقال : هذا رسول الله في عشرة آلاف. فأسلِمْ ثكلتك أمّك وعشيرتك ! فأجاره وخرج به وبصاحبيه حتى أدخلهم على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فأسلموا وجعل لأبي سفيان أن من دخل داره فهو آمِنٌ ومن أغلق بابه فهو آمِنٌ ! ثمّ دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، مكّة في كتيبته الخضراء وهو على ناقته القَصْواء بين أبي بكر وأسيد بن حضير وقد حُبس أبو سفيان فرأى ما لا قِبَلَ له به فقال: يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً! فقال العبّاس : ويحك ! إنّه ليس بمُلك ولكنّها نبوّة! قال: فنَعَمْ. وكانت راية رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يومئذ مع سعد بن عبادة فبلغه عنه في قريش كلامٌ وتَوَاعُدٌ لهم، فأخذها منه فدفعها إلى ابنه قيس بن سعد ، وأمر رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، سَعْدَ بن عُبادة أن يدخل من كداء ١٣٥ : والزّبير من كُدّى وخالد بن الوليد من اللّيط ، ودخل رسول الله، صلّى الله عليه وسلم ، من أذاخِر ونهى عن القتال وأمر بقتل سنّة نفر وأربع نسوة : عكرمة بن أبي جهل وهبّار بن الأسود وعبد الله بن سعد بن أبي سَرْح ومِقّْس بن صبابة الليّي والحُويرث بن نُقيذ وعبد الله بن هلال بن خَطّل الأدْرَمي وهند بنت عُتْبة وسارة مولاة عمرو بن هاشم وفَرْتنا وقريبة ، فقتل منهم ابن خَطَل والحُويرث بن نُقيذ ومِقْيَس بن صبابة ، وكلّ الجنود لم يلقوا جمعاً غير خالد لقيه صَفْوان بن أُميّة وسُهَيْل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل في جمع من قريش بالخَنْدَمَة، فمنعوه من الدّخول وشهروا السّلاح ورموا بالنّبل فصاح خالد في أصحابه وقاتلهم فقتل أربعة وعشرين رجلاً من قريش وأربعة نفر من هذيل وانهزموا أقبحَ الانهزام . فلمّا ظهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على ثنيّة أذاخر رأى البارقة فقال: ألَمْ أنْه عن القتال ؟ فقيل: خالد قوتل فقاتل، فقال: قضاءُ اللّه خيرٌ. وقُتل من المسلمين رجلان أخطآ الطّريق أحدهما كُرْز بن جابر الفِهْري وخالد الأشْقر الخُزاعي ، وضُربت لرسول الله ، صلى الله عليه وسلّم ، قبّة من أدم بالحجون فمضى الزّبير بن العوّام برايته حتى ركزها عندها، وجاء رسول اللّه، صلى الله عليه وسلّم، فدخلها فقيل له : ألا تنزل منزلك؟ فقال : وهل ترك عَقِيلٌ لنا منزِلاً؟ ودخل النبيّ، صلى الله عليه وسلّم، مكّة عَنوةً فأسلم النّاس طائعين وكارهين ، وطاف رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم ، بالبيت على راحلته وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً ، فجعل كلّما مرّ بصنَم منها يُشير إليه بقضيب في يده ويقول: جاءَ الحَقّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إن الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً؛ فيقع الصّم لوجهه، وكان أعظمها هُبَل، وهو وِجاهَ الكعبة، ثمّ جاء إلى المقام وهو لاصق بالكعبة فصلّى خلفَه ركعتين، ثمّ جلس ناحيةً من المسجد وأرسل بلالاً إلى عثمان بن طلحة أن يأتي بمفتاح الكعبة فجاء به عثمان فقبضه رسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، وفتح الباب ودخل الكعبة ١٣٦ فصلّى فيها ركعتين وخرج فأخذ بعضاد تي الباب والمفتاح معه ، وقد لُبط بالناس حول الكعبة ، فخطب الناس يومئذ ودعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال : خذوها يا بني أبي طلحة تالدةً خالدةً لا ينزعها منكم أحد إلاّ ظالم ! ودفع السّقاية إلى العبّاس بن عبد المطّلب وقال: أعطيتُكم ما تَرْزَأكم ولا تَرْزَؤُونَها! ثمّ بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تميم بن أسد الخزاعي فجدّد أنصابَ الحَرَم . وحانت الظهر فأذّن بلال فوق ظهر الكعبة وقال رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم: لا تُغْزَى قُريش بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة ! يعني على الكفر . ووقف رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بالحَزْوَرَة وقال: إنّك لخيرُ أرض الله وأحبّ أرض الله إليّ، يعني مكة، ولولا أنّ أُخرجتُ منك ما خرجتُ. وبثّ رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم، السّرايا إلى الأصنام التي حول الكعبة فكسرها ، منها : العُزّى ومناة وسواغ وبُوانة وذو الكفّين. فنادى مناديه بمكّة : مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنماً إلاّ كسره . ولمّا كان من الغد من يوم الفتح خطب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد الظهر فقال: إنّ الله قد حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام إلى يوم القيامة ولم تحلّ لي إلاّ ساعةً من نهار ثمّ رجعتْ كحرمتها بالأمس، فليُبلّغ شاهدُكم غائبَكم، ولا يحل لنا من غنائمها شيء . وفتحها يوم الجمعة لعشر بقين من شهر رمضان وأقام بها رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم، خمس عشرة ليلة يصلي ركعتين، ثمّ خرج إلى حُنين، واستعمل على مكّة عَتّاب بن أسيد يصلّي بهم ومعاذ بنْ جَبَل يعلمهم السّنَّن والفقه . وأخبرنا محمد بن عُبيد الطّنافسي قال: أخبرنا محمّد بن إسحاق عن محمد بن شهاب عن عبيد الله بن عبد اللّه بن عتبة عن ابن عبّاس قال: خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في عشر مضين من رمضان عام الفتح من المدينة فصام حتّى إذا كان بالكديد أفطر فكانوا يرون أنّه الآخر من أمر رسول ١٣٧ الله، صلى الله عليه وسلم. أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الزُّهْري عن أبيه عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب أنّ عُبيد الله بن عبد اللّه أخبره أنّ ابن عبّاس أخبره أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خرج عام الفتْح في رمضان فصام حتى إذا كان بالكديد واجتمع الناس إليه أخذ قَعْباً فشرب منه ثمّ قال : أيّها النّاس مَن قَبْلَ الرّخصة فإن رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، قد قبلها، ومن صام فإنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد صام؛ فكانوا يتبعون الأحدثَ فالأحدث من أمره ويرون المُحْكَمَ النّاسخ. أخبرنا هاشم بن القاسم ، أخبرنا ليث بن سعد ، حدّثني ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود عن ابن عبّاس أنّه أخبره أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، خرج عام الفتح في شهر رمضان فصام حتى بلغ الكَديد ثمّ أفطر، وكان أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره . أخبرنا الضّحّاك بن مخلد أبو عاصم النّبيل عن سعيد بن عبد العزيز التّنُوخي ، أخبرنا عَطيّة بن قيس عن قَزّعتة عن أبي سعيد الخُدْري قال : أذِ نَنّا رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، لليلتين خلتا من شهر رمضان فخرجنا ونحنُ صُوّامٍ حتى إذا بلغنا الكديد أمرنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بالفطر فأصبحنا شَرْجَيْن منّا الصّائم ومنّا المُفْطر حتّى إذا بلغْنا مَرّ الظَّهْران أُعْلَمَنَا أنّا نَلْقَى العدوّ وأمرَنا بالفطْر. وأخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسيّ ، أخبرنا شعبة وأخبرنا مسلم بن إبراهيم عن هشام الدّستَوائي قالا : أخبرنا قتادة عن أبي تَضْرة عن أبي سعيد الخُدْري قال : خرجنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين فتحنا مكّة لثماني. عشرة أو سبع عشرة من رمضان فصام بعضنا وأفطر بعضنا فلم يَعبْ المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر . ١٣٨ أخبرنا هاشم بن القاسم ، قال : أخبرنا شعبة عن الحكم عن مِقْسَم عن ابن عبّاس قال: صامَ رسول الله، صلى الله عليه وسلم. يوم فتح مكة حتّى أتى قُدَيَداً فأُتي بقَدَح من لبن فأفطر وأمر الناس أن يفطروا . أخبرنا طَلْق بن غنّام النّخَعي. أخبرنا عبد الرّحمن بن جُريس الجعفري .. حدّثني حمّاد عن إبراهيم أنّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم، افتتح مكّة في عشر من رمضان وهو صائمٌ مسافرٌ مجاهد . أخبرنا يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خرج عام الفتح إلى مكة بثمانية آلاف أو عشرة آلاف وخرج من أهل مكة بألفين إلى حُنين . أخبرنا عمر بن سعد أبو داود الحَفَري عن يعقوب القُمّي عن جعفر بن أبي المغيرة عن ابن أبْزَى قال: دخل النبيّ، صلى الله عليه وسلم، مكّة في عشرة آلاف . أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جدّه أنّه قال: غزونا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام الفتح ونحن ألف ونيف ، يعني قومه مُزينة ، ففتح اللّه له مكّة وحُنيناً . أخبرنا معن بن عيسى وشبابة بن سوّار وموسى بن داود قالوا : أخبرنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال : دخل رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم، مكّة عام الفتح وعلى رأسه المِغْفَر ثمّ نزعه ؛ قال معن وموسى ابن داود في حديثهما : فجاء رجل فقال : يا رسول الله، ابن خَطَل متعلّق بأستار الكعبة ! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اقتلوه ! قال معن في حديثه قال مالك : ولم يكن رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم ، يومئذ مُحْرِماً. أخبرنا إسماعيل بن أبان الورّاق ، أخبرنا أبو أويس ، حدّثّني الزّهري أنّ أنس بن مالك حدّثه أنّه رأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام الفتح ١٣٩ وعلى رأسه المِغفر فلمّا نزعه عن رأسه أتاه رجل فقال : يا رسول الله ، هذا ابن خَطَل متعلّق بأستار الكعبة ! فقال رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم : اقتلوه حیث وجدتموه ! أخبرنا الفَضْل بن دُكين ، أخبرنا سفيان ، يعني الثوري ، عن ابن جُريج عن رجل عن طاووس قال : لم يدخل رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم ، مكّة إلاّ مُحْرِماً إلاّ يومَ الفتح دخل بغير إحرام . أخبرنا الفضل بن دكين ، أخبرنا شَريك عن عَمّار الدُّهْني عن أبي الزبير عن جابر قال: دخل النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، عام الفتح وعليه عمامةٌ سوداء. 1 حدّثنا عفّان بن مسلم وكثير بن هشام قالا : أخبرنا حمّاد بن سلمة عن أبي الزّبير عن جابر أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دخل يوم فتح مكّة وعليه عِمامةٌ سوداءُ . أخبرنا عبد الله بن الزّبير الحُميدي، أخبرنا سفيان بن عيينة عن هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، دخل يوم الفتح من أعلى مكّة وخرج من أسفل مكّة . أخبرنا سُويد بن سعيد قال : أخبرنا حَقْص بن مَيْسَرَة أبو عمر الصّنْعاني عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، دخل عام الفتح من كَداء من الثنيّة التي بأعلى مكّة . أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد السّكّري ، أخبرنا يحيى بن سُليم الطائفي عن إسماعيل بن أميّة عن نافع عن ابن عمر أنّ رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم، كان يدخل مكّة من الثنيّة العُليا ويخرج من الثنيّة السّفْلى. أخبرنا هشام أبو الوليد الطّيالسي وشبابة بن سَوّار وهاشم بن القاسم أبو عمرو بن الهَيْثَم أبو قَطَن ، قالوا : أخبرنا شعبة عن عمرو بن دينار عن عُبيد بن عُمير قال : قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم فتح مكّة ١٤٠