Indexed OCR Text
Pages 141-160
قال : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس المدني عن سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، صلّى على ابنه إبراهيم حين مات . قال : أخبرنا عُبيد الله بن موسى ، أخبرنا مِسْعَر عن عديّ بن ثابت أنّه سمع البراء يقول: إنّ لابن رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، المتوفّى لمُرضعة في الجنّة أو ظِئراً؛ شكّ مِسْعَر . قال : أخبرنا يحيى بن حماد ، أخبرنا أبو عَوانة عن سليمان ، يعني الأعمش ، عن مسلم عن البراء قال : تُوُفي إبراهيم ابن رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم ، لستّة عشر شهراً ، فقال النبيّ ، صلى الله عليه وسلم: ادفِنُوهُ في البَقِيعِ فإنّ لَهُ مُرْضِعاً في الجَنّةِ. قال: وكان مِنْ جارية له قبطيّة . قال : أخبرنا خالد بن مَخْلَد البَجَلي ، حدثني محمّد بن موسى قال : أخبرني محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب قال : أوّل من دُفن بالبقيع عثمان بن مظعون ، ثمّ أتبعه إبراهيم ابن رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم ، ثمّ أشار بيده يخبرني أنّ قبر إبراهيم إذا انتهيتَ إلى البقيع فجُزْت أقصى دار عن يسارك تحتَ الكِبَا الذي خلف الدار . قال : أخبرنَا مَعْن بن عيسى الأشجعي ، أخبرنا إبراهيم بن نَوْفل ابن المغيرة بن سعيد الهاشميّ عن رجل من آل عليّ أنّ النّبيّ، صلى اللّه عليه وسلّم، حين دَفَنَ إبراهيم قال: هَلْ مِنْ أحَدٍ يَأْتِي بِقِرْبَةٍ ؟ فأتى رجل من الأنصار بقربة ماء ، فقال : رُشّهَا على قَبْرٍ إبْرَاهِيمَ؛ قال : وقبر إبراهيم قريب من الطريق ، وأشار إلى قريب من دار عقيل . قال : أخبرنا الفضل بن دُكين ، أخبرنا طلحة بن عمرو عن عطاء قال : لمّا سُوَيَ جَدَتْه كأن رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، رأى كالحجر في جانب الجَدّث فجعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يُسَوّي بإصبعه ١٤١ ويقول: إذا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً فَلْيُتْقِنْهُ فإنّهُ مِمّا يُسَلّي بِنَفْسِ المُصَابِ .. قال : أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن سفيان عن بُرْد عن مكحول أنّ النبيّ، صلى الله عليه وسلّم، كان على شفير قبر ابنه فرأى فرجة في اللّحد، فناولْ الحفّارَ مَدَرَة وقال: إنّها لا تَضُرّ وَلا تَنْفَعُ وَلَكِنّها تُقِرّ عَيْنَ الحَيّ . قال : أخبرنا عبيد اللّه بن موسى ، أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن السائب بن مالك قال : انكسفت الشمس وتُوُفي ذلك اليوم إبراهيم ابن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم. قال : أخبرنا عُبيد الله بن موسى ، أخبرنا إسرائيل عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة قال : انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم ، فقال رسول اللّه ، صلى الله عليه وسلّم: إنّ الشّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللّهِ، عَزّ وَجَلّ، وَلا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ فَإذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَعَلَيْكُمْ بالدّعِبَاءِ حَتّى يَنْكَشِفًا . قال : أخبرنا الفضل بن دُكين ، أخبرنا عبد الرحمن بن الغسيل عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال : انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن رسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، فقال النّاس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم ، فخرج رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، حين سمع ذلك ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بَعْدُ أيّهَا النّاسُ إنّ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانٍ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لا يَنْكَسِفَنِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاةِ أَحَدٍ فإذاَ رَأيْتُمْ ذلِكَ فَافْزَعُوا إلى المَسَاجِدِ؛ ودمعت عيناه ، فقالوا: يَا رَسُولَ اللّه تبكي وأنت رسول الله! قال: إنّمَا أَنَا بَشَرٌ تَدْمَعُ العَيْنُ وَيَخْشَعُ القَلْبُ وَلا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرّبّ، وَاللّهِ يَا إِبْرَاهِيمُ إنّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ! ومات وهو ابن ثمانية عشر شهراً، ١٤٢ وقال: إنّ لَهُ مُرْضِعاً في الجَنّةِ. قال : أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمد بن عمر الأسلمي عن إسرائيل عن جابر عن عامر قال : تُوُفي إبراهيم وهو ابن ثمانية عشر شهراً . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني عبد الله بن جعفر عن عبد اللّه بن عثمان بن خُثيم عن شهر بن حَوْشَب عن أسماء بنت يزيد قالت : لمّا مات إبراهيم دمعت عينا رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، قال المُعِزّي: يا رسول الله أنْت أحقّ من عرف الله حقّه! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم : تَدْمَعُ العَيْنُ ويَحْزَنُ القَلْبُ وَلا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرّبّ، لَوْلا أَنْهُ وَعْدٌ صَادِقٌ وَوَعْدٌ جَامِعٌ وَأَنّ الآخِرَ لاحِقٌ بالأوّلِ لَوَجِدْنَا عَلَيْكَ يَا إِبْرَاهِيمُ أشَدّ مِنْ وَجْدِنَا، وإنّا بِكَ لَمَحْزُونُونٌ! قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني أسامة بن زيد الليثي عن المنذر ابن عبيد عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أمّه سيرين قالت : حضرت موت إبراهيم فرأيت رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم ، كلما صحت أنا وأختي ما ينهانا ، فلمّا مات نهانا عن الصّياح ، وغسله الفضل بن عبّاس ، ورسول الله، صلى الله عليه وسلّم، والعيّاس جالسان، ثمّ حُمل فرأيتُ رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، على شفير القبر والعبّاس جالس إلى جنبه ، ونزل في حفرته الفضل بن عبّاس وأسامة بن زيد ، وأنا أبكي عند قبره ما ينهاني أحد ، وحُسفت الشمس ذلك اليوم ، فقال الناس لموت إبراهيم ، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم: إنّهَا لا تَخْسِفُ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ. ورأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرجة في اللبن فأمر بها أن تُسَدّ ، فقيل لرسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، فقال : أما إنّها لا تَضُرّ وَلا تَنْفَعُ وَلَكِنْ تُقِرّ عَيْنَ الحَيّ، وإنّ العَبْدَ إذا عَمِلَ عَمَلاً أحَبّ اللّهُ أنْ يُثْقِنَهُ. ومات يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون مِنْ ١٤٣ شهر ربيع الأول سنة عشر . قال : أخبرنا محمد بن عمر ، أخبرنا يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال : توفي إبراهيم ابن رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، في بني مازن عند أمّ بردة ، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم: إنّ لَهُ مُرْضِعَةٌ تُتِمَّ رَضَاعَهُ في الجَنّةِ، وحُمِل من بيت أمّ بردة على سرير صغير ، وصلى عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، بالبقيع ، فقيل له : يا رسول اللّه ، أين ندفنه ؟ قال : عِنْدَ فَرَطِنَا عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ . وكان رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم ، قد أعطى أم بردة قطعة نخل ناقلت بها بعدُ مال عبد اللّه بن زمعة بن الأسود الأسديّ . قال : أخبرنا محمد بن عمر ، أخبرنا عبد الله بن عاصم الحكمي عن عمر بن الحكم بن ثوبان قال : أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بحجر فوضع عند قبره ورشّ على قبره الماء . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثّني محمد بن عبد الله بن مسلم قال : سمعتُ عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يحدّث عمّي ، يعني الزهريّ ، قال : قال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم: لَوْ عَاشَ إبْرَاهِيمُ لَوَضَعْتُ الجِزْيَةَ عَنْ كُلّ قِبْطيّ. قال : أخبرنا الحكم بن موسى أبو صالح البزاز قال : حدّثنا الوليد ابن مسلم ، أخبرنا ابن جابر أنّه سمع مكحولاً يحدّث أنّ رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، قال في ابنه إبْراهيم لمّا مات: لَوْ عَاشَ مَا رَقّ لَهُ خَالّ . ١٤٤ ذكر حضور رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، هدم قريش الكعبة وبناءها قال : أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي ، أخبرنا عبد الله بن يزيد الهذلي عن سعيد بن عمرو الهذلي عن أبيه وعبد الله بن يزيد الهذلي عن أبي غطفان عن ابن عبّاس قال: وحدّثني محمّد بن عبد الله عن الزهريّ عن محمد بن جبير بن مطعم ، دخل حديث بعضهم في حديث بعض ، قالوا : كانت الجُرْف مطلّة على مكّة، وكان السيل يدخل من أعلاها حتى يدخل البيت فانصدع فخافوا أن ينهدم ، وسُرق منه حِلْية وغزال من ذهب كان عليه درّ وجوهر ، وكان موضوعاً بالأرض ، فأقبلت سفينة في البحر فيها روم ، ورأسهم باقوم ، وكان بانياً ، فجنحتها الرّيح إلى الشّعَيْبة ، وكانت مرفأ السّفن قبل جُدّة، فتحطّمت السفينة ، فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش إلى السفينة فابتاعوا خشبها وكلموا الرومي باقومَ فقدم معهم ، وقالوا : لو بنينا بيتَ ربّنا ، فأمروا بالحجارة تُجمَعَ وتُنقى الضواحي منها ، فبينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، ينقل معهم ، وهو يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة ، وكانوا يضعون أُزَرهم على عواتقهم ، ويحملون الحجارة ، ففعل ذلك رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، فلُبط به ونودي : عورتك ، فكان ذلك أوّل ما نودي ، فقال له أبو طالب : يا ابن أخي اجعل إزارك على رأسك ، فقال : منَا أصَابَي مَا أصابَني إلاّ في تَعَدّيّ؛ فما رؤيت لرسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، عورة بعد ذلك، فلمّا أجمعوا على هدمها قال بعضهم : لا تُدخلوا في بنائها من كسبكم إلاّ طيّباً، لم تقطعوا فيه رحماً ، ولم تظلموا فيه أحداً ، فبدأ الوليد بن المغيرة بهدمها ، وأخذ المعول ثمّ قام عليها يطرح الحجارة وهو يقول : اللّهم لم تُرَع إنّما نريد الخير ، فهدم ١٠ - ١ ١٤٥ وهدمت معه قريش ، ثمّ أخذوا في بنائها ، وميزوا البيت ، وأقرعوا عليه ، فوقع لعبد مناف وزُهرة ما بين الركن الأسود إلى ركن الحِجر وجهُ البيت ، ووقع لبني أسد بن عبد العُزّى وبني عبد الدّار بن قصيّ ما بين ركن الحِجْرِ إلى ركن الحِجْر الآخر ، ووقع لتيم ومخزوم ما بين ركن الحجر إلى الركن اليماني ، ووقع لسهم وجُمَح وعديّ وعامر بن لؤيّ ما بين الرّكن اليمانيّ إلى الركن الأسود ، فبنوا ، فلمّا انتهوا إلى حيث يُوضع الركن من البيت قالت كلّ قبيلة نحن أحقّ بوضعه، واختلفوا حتى خافوا القتال، ثمّ جعلوا بينهم أوّل من يدخل من باب بني شَيْبَة فيكون هو الذي يضعه ، وقالوا : رضينا وسلمنا، فكان رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، أوّل مَن دخَل من باب بني شَيْبَة ، فلمّا رأوه قالوا : هذا الأمين قد رضينا بما قضى بيننا ، ثمّ أخبروه الخبر، فوضع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رداءه وبسطه في الأرض، ثمّ وضع الركن فيه، ثُمّ قال: ليأت من كلّ رُبع من أرباع قريش رجل ، فكان في ربع بني عبد مناف عتبة بن ربيعة ، وكان في. الرّبع الثاني أبو زمعة ، وكان في الرّبع الثالث أبو حذيفة بن المغيرة ، وكان في الربع الرابع قيس بن عديّ ، ثمّ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم: لِيَأْخُذْ كُلّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِزَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الثّوْبِ ثُمّ ارْفَعُوهُ جَمِيعاً، فرفعُوه، ثمّ وضعه رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، بيده في موضعه ذلك ، فذهب رجل من أهل نجد ليناول النبيّ ، صلى اللّه عليه وسلّم ، حجراً يشدّ به الرّكن، فقال العبّاس بن عبد المطلب: لا ، ونحّاه ، وناول العبّاس رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، حجراً فشدّ به الرّكن ، فغضب النجديّ حيث نُحّي، فقال النبيّ، صلى الله عليه وسلّم: إنّهُ لَيْسَ يَبْني مَعَنَّا فِي البَيْتِ إلاّ مِنّا، قال: فقال النجديّ : يا عجباً لقوم أهل شرف وعقول وسنّ وأموال عمدوا إلى أصغرهم سِنّاً ، وأقلّهم مالاً ، فرأسوه عليهم في مكرمتهم وحرزهم كأنهم خدم له ، أما والله ليفوتنّهم سبقاً وليقسمن ١٤٦ بينهم حظوظاً وجدوداً ! ويقال إنّه إبليس ، فقال أبو طالب : إنّ لَنَا أوَّلَهُ وَآخِرَه في الحُكم والعدلِ الذي لا نُنكرّه وقَدْ جَهَدْنَا جَهْدَهُ لِنَعْمُرَهِ وَقَدْ عَمَرْنَا خَيْرَهُ وَأكثُرَه فإِنْ يَكُنْ حَقّاً فَفِينَا أَوْفَرَه ثمّ بنوا حتى انتهوا إلى موضع الخشب، فكان خمسة عشر جائزاً سقفوا البَيْت عليه، وبنوه على سِتّة أعمدة، وأخرجوا الحِجْر مِن البيت . قال : أخبرنا محمد بن عمر ، أخبرنا ابن جريج عن الوليد بن عطاء عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة عن عائشة قالت : قال رسول اللّه ، صلى الله عليه وسلم: إنّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الكَعْبَةِ وَلَوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بِالشّرْكِ أعبَدْتُ فيهِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِي أنْ يَبْنُوهُ فَهَلُمَّي أُرِيكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فأراها قريباً من سبع أذرع في الحجر ، قالت : وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، في حديثه: وَلَجَعَلْتُ لهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ فِي الأرْضِ شَرْقِيّاً وغَرْبِيّاً. أَتَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا؟ فقلْتُ له: لا أدري، قال: تَعَزّزاً ألاّ يَدْخُلَهَا إلاّ مَنْ أرَادُوا؛ وكَانَ الرجل إذا كرهوا أن يدخل يدعونه حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه حتّى يسقط . قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثّني عبد الله بن يزيد الهُذلي عن سعيد بن عمرو عن أبيه قال : رأيتُ قريشاً يفتحون البيت في الجاهليّة يوم الاثنين ويوم الخميس ، فكان حجّابه يجلسون على بابه ، فيرقى الرّجل فإذا كانوا لا يريدون دخوله دُفع فطُرح ، فربّمَا عَطِبَ ، وكانوا لا يدخلون الكعبة بحذاء يعظّمون ذلك ، يضعون نعالهم تحت الدرج . ١٤٧ قال : أخبرنا محمد بن عمر ، أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَة عن خالد بن رباح عن المطّلب بن عبد الله بن حَنْظَب عن ابن مَرْسا مولى لقريش قال : سمعتُ العبّاس بن عبد المطلب يقول : كسا رسول اللّه ، صلى الله عليه وسلّم ، في حجّته البيتَ الحِبَرَاتِ. ذكر نبوة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم قال : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن عُليّة عن خالد الحذّاء عن عبد الله بن شقيق قال : قال رجل : يا رسول اللّه متى كنتَ نبيّاً؟ فقال النّاس: مَهْ مَهْ، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم: دَعُوهُ، كُنْتُ نَبِيّاً وَآدَمُ بَيْنَ الرّوحِ والْجَسَدِ. قال : أخبرنا عفّان بن مسلم وعمر بن عاصم الكلابي قالا : أخبرنا حمّاد بن سلمة عن خالد الحذّاء عن عبد الله بن شقيق عن ابن أبي الجدعاء. قال قلت: يا رَسولَ اللّه متى كنتَ نبياً؟ قال: إذْ آدَمُ بَينَ الرّوحِ والجَسَدِ . قال: أخبرنا عمر بن عاصم الكلابي ، أخبرنا أبو هلال ، أخبرنا داود ابن أبي هند عن مُطرّف بن عبد الله بن الشّخّير أنّ رجلاً سأل رسول اللّه، صلى الله عليه وسلّم: متى كنتَ نبيّاً؟ قال: بَيْنَ الرّوحِ والطّينِ مِنْ آدَمَ . أخبرنا الفضل بن دكين ، أخبرنا إسرائيل بن يونس عن جابر عن عامر قال: قال رجل للنبيّ، صلى الله عليه وسلّم: متى استُنْبِئْتَ؟ فقال: وَآدَمُ بَيْنَ الرّوحِ والجَسَدِ حِينَ أُخِذَ منّي الميثاقُ . قال : أخبرنا الحسن بن سوّار أبو العلاء الخراساني ، أخبرنا ليث بن ١٤٨ ٦ سعد عن معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد عن عبد الأعلى بن هلال السّلمي عن عِرْباض بن سارية صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، قال : سمعتُ النبيّ ، صلى الله عليه وسلّم، يقولُ: إنّي عَبْدُ اللّهِ وَخَاتَمُ النّبيّينَ وَإِنّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ وسَأُخْبِرُكُمْ مِنْ ذلِكَ دَعْوَةَ أبي إِبْرَاهِيمَ وَبِشَارَةً عِيسَى بِي وَرُؤْيَا أمّي التي رَأْتْ ؛ وكذلك أمّهات النبيّين يرين، وإنّ أمّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رأت حين وضعته نوراً أضاءت لها منه قصور الشأم . أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العِجْني ، أخبرنا جُويبر عن الضّحّاك أن النبيّ، صلى الله عليه وسلّم، قال: أنَا دَعْوَةُ أبي إبْرَاهِيمَ، قَالَ وَهُوَ يَرْفَعُ القَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ: رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ؛ حتى أتَمّ الآيَة. أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال : حدّثّني ربيعة بن عثمان عن عمر بن أبي أنس قال : وحدّثنا إسماعيل بن عبد الملك الأنصاريّ عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر قال: قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم: أنَا دَعْوَةُ أبي إبْرَاهِيمَ وَبَشْرَ بي عيسى بن مريم . أخبرنا سعيد بن منصور ، أخبرنا فرج بن فضالة عن لقمان بن عامر عن أبي أمامة الباهلي قال قيل : يا رسول الله ما كان بدء أمرك؟ قال: دَعْوَةُ أبي إبْرَاهِيمَ وَبَشْرَ بي عيسى بنُ مَرْيَمَ. أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال : وأخبرنا عمر بن عاصم الكلابي ، أخبرنا أبو هلال عن قتادة قال : قال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم: كُنْتُ أوّلَ النّاسِ في الخَلْقِ وَآخِرَهُمْ في البَعْثِ . ١٤٩ ذ کر علامات النبوة في رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قبل أن يُوحى إليه حدّثنا عبد الوهّاب بن عطاء عن ثور بن يزيد ، وأخبرنا محمد بن عمر ، أخبرنا ثور بن يزيد عن خالد بن مَعْدان قال : قيل لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم: أخْبِرْنَا عَنْ نَفسك، قال: نَعَمْ أَنَا دَعْوَةُ إِبْرَاهيمَ وَبَشْرَ بِي عِيسَى بِنُ مريمَ وَرَأتْ أمّي حِينَ وَضَعَتْنِي خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشّأْمِ واسْتُرْضِعْتُ في بَنِي سَعْدِ بنِ بَكْرٍ ، فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَخِي خَلْفَ بُيُوتِنَا نَرعىَ بَهْماً أَتَانِي رَجُلانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيَاضٌ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٍ ثَلْجَأَ فَأَخَذَاني فَشَقّاً بَطْ فَاسْتَخْرَجَا قَلْبَي فَشَقّاهُ فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَةٌ سَوْدَاءَ فَطَرَ حَبَاهَا ثُمّ غَسَلَا بَطْنِي وَقَلْبِي بِذلِكَ الثّلْجِ ثُمْ قَالَ زِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنُونِي بِهِمْ فَوَزَنْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ زِنْهُ بِأَلْفٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنُونِي بِهِمْ فَوَزَنْتُهُمْ، ثُمّ قالَ دَعْهُ فَلَوْ وَزَّنْتَهُ بأُمّتِهِ لَوَزَنَهَا . أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثّني موسى بن عبيدة عن أخيه قال : لمّا وُلد رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، فوقع إلى الأرض وقع على يديه رافعاً رأسه إلى السماء وقبض قبضة من التراب بيده ، فبلغ ذلك رجلاً من لِهْب فقال لصاحب له : انجُه لئن صدق الفأل ليغلبنّ هذا المولود أهْل الأرض . أخبرنا يزيد بن هارون وعفّان بن مسلم قالا : أخبرنا حمّاد بن سلمة عن ثابت بن أنس بن مالك أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، كان يلعب مع الصّبيان فأتاه آتٍ فأخذه فشقّ بطنه فاستخرج منه علقة فرمى بها وقال : ١٥٠ هذه نصيب الشيطان منك، ثمّ غسله في طست من ذهب من ماء زمزم ثم لأمَّه ، فأقبل الصبيان إلى ظئره : قُتل محمد ! قُتل محمد ! فاستقبلت رسول اللّه، صلى الله عليه وسلّم، وقد انتُقع لونه ، قال أنس: فلقد كنا نرى أثَرَ المِخْيَطِ في صدره . أخبرنا محمد بن عمر ، حدّثني عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه قال : لمّا قدمت حليمة قدم معها زوجها وابن لها صغير تُرضعهُ يقال له عبد الله وأتانٌ قمراء وشارفٌ لهم عجفاء قد مات سقبها من العجق ليس في ضرع أُمّه قطرة لبن ، فقالوا : نُصيب ولداً نُرضعه ، ومعها نسوةٌ سعديّات ، فقدمن فأقمن أيّاماً ، فأخذن ولم تأخذ حليمة ، ويُعرض عليها النبيّ ، صلى اللّه عليه وسلم ، فقالت : يتيم لا أب له ، حتى إذا كان آخر ذلك أخذته وخرج صواحبها قبلها بيوم ، فقالت آمنة : يا حليمة اعلمي أنّك قد أخذت مولوداً له شأن ، والله لحملتُه فما كنتُ أجد ما تجد النّساء من الحملِ ، ولقد أتيت فقيل لي : إنّك ستلدين غُلاماً فسميه أحمد وهو سيّد العالمين ، ولوقع معتمداً على يديه رافعاً رأسه إلى السماء ، قال : فخرجت حليمة إلى زوجها فأخبرته ، فسُرّ بذلك ، وخرجوا على أتانهم منطلقة، وعلى شارفهم قد درّت باللبن ، فكانوا يحلبون منها غَبُوقاً وصبوحاً ، فطلعت على صواحبها ، فلمّا رأينها قلن: مَنْ أخذتٍ ؟ فأخبرتهن، فقلن: والله إنّا لنرجو أن يكون مباركاً ، قالت حليمة : قد رأينا بركته ، كنتُ لا أروي ابي عبد اللّه ولا يدعنا ننام من الغرث ، فهو وأخوه يَرويان ما أحبّا وينامان ولو كان معهما ثالث لرَوِيَ ، ولقد أمَرَتْني أمّه أن أسألَ عنْه ؛ فرجعت به إلى بلادها ، فأقامت به حتى قامت سوق عكاظ ، فانطلقت برسول اللّه ، صلى الله عليه وسلّم، حتى تأتي به إلى عرّف من هُذيل يُريه النّاسُ صبيانَهم ، فلمّا نظر إليه صاح : يا معشر هُذيل ! يا معشر العرب ! فاجتمع إليه النّاس من أهل الموسم ، فقال : اقتلوا هذا الصبيّ ! وانسلّت به حليمة ، فجعل النّاس ١٥١ يقولون : أيّ صبيّ ؟ فيقول : هذا الصّبيّ ! ولا يرون شيئاً قد انطلقت به أمّه ، فيقال له : ما هو ؟ قال: رأيت غلاماً، وآلِهَتِهِ ليقتلنّ أهل دينكم، وليكسرنّ آلهتكم، وليظهرنّ أمره عليكم ، فطُلب بعكاظ فلم يوجد ، ورجعت به حليمة إلى منزلها ، فكانت بعدٌ لا تعرضه لعرّاف ولا لأحد من النّاس . قال : أخبرنا محمد بن عمر ، حدّثني زياد بن سعد عن عيسى بن عبد اللّه بن مالك قال: جعل الشّيخ الهُدَليّ يصيح: يا لهذيل! وآلهتِهِ إنّ هذا لينتظر أمراً من السّماء ، قال: وجعل يُغْرَى بالنبيّ، صلى الله عليه وسلّم، فلم يَنْشَبْ أن دَلِهَ فذهب عقله حتى مات كافراً . وأخبرنا محمد بن عمر قال : حدّني مُعاذ بن محمّد عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: خرجت حليمة تطلب النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، وقد بدت البُهم تتقيل ، فوجدته مع أخته ، فقالت : في هذا الحرّ ! فقالت أخته : يا أمّهْ ما وجد أخي حرّاً، رأيت غمامة تُظِلّ عليه إذا وقف وقفت ، وإذا سار سارت معه حتى انتهى إلى هذا الموضع . أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثني نجيح أبو معشر قال : كان يُفْرَش لعبد المطلب في ظلّ الكعبة فراش ويأتي بنوه فيجلسون حوالي الفراش ينتظرون عبد المطلب ، ويأتي النبيّ، صلى الله عليه وسلّم، وهو غُلامِ جَفْرُ، حتى يرقى الفراش فيجلس عليه ، فيقول أعمامه : مهلاً يا محمّد عن فراش أبيك ، فيقول عبد المطّلب إذا رأى ذلك منه: إنّ ابي ليؤنس مُلْكاً، أو إنّه ليحدث نفسه بمُلك . أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق، أخبرنا عبد الله بن عون عن عمرو ابن سعيد أنّ أبا طالب قال : كنت بذي المجاز ومعي ابن أخي ، يعني النبيّ ، صلى الله عليه وسلّم ، فأدركني العطش فشكوت إليه فقلت : يا ابن أخي قد عطشت ، وما قلت له ذاك وأنا أرى أنّ عنده شيئاً إلاّ الجَزّع ، قال: فثنى ١٥٢ وَرَكِه ثمّ نزل فقال: يَا عَمَّ أَعَطِشْتَ؟ قال قلت : نعم ، قال : فأهوى بعقبه إلى الأرض فإذا بالماء ، فقال : اشْرَبْ يَا عَمْ ، قَال : فشربت . أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقي، أخبرنا أبو المليح عن عبد الله بن محمّد ابن عقيل قال : أراد أبو طالب المسير إلى الشام ، فقال له النبيّ ، صلى الله عليه وسلم : أيْ عَمّ إلى مَنْ تُخَلَفُني ههُنَا فَمَا لي أمّ تَكفُلُني وَلا أَحَدٌ يُؤْويني، قال: فِرِقّ له ، ثمّ أردفه خلفه ، فخرج به فنزلوا على صاحب دير ، فقال صاحب الدير : ما هذا الغلام منك ؟ قال : ابي . قال : ما هو بابنك ولا ينبغي أن يكون له أب حيّ ، قال : ولم ؟ قال : لأنّ وجهه وجه نبيّ وعينه عين نبيّ ، قال: وما النبيّ ؟ قال : الذي يُوحَى إليه من السّماءِ فَيُنَبِّئُ بهِ أهْلَ الأرْض ، قال : اللّه أجلّ مما تقول ، قال : فاتّق عليه اليهود ، قال: ثمّ خرج حتى نزل براهب أيضاً صاحب دير ، فقال : ما هذا الغلام منك ؟ قال : ابني . قال : ما هو بابنك وما ينبغي أن يكون له أبٌّ حيّ ، قال : ولم ذلك ؟ قال : لأنّ وجهه وجه نبيّ وعينه عين نبيّ، قال : سبحان الله، الله أجل" ممّا تقول، وقال: يا ابن أخي ألا تسمع ما يقولون؟ قال: أَيْ عَمّ لا تُنْكِرْ للّهِ قُدْرَةً". أخبرنا محمد بن عمر ، أخبرنا محمد بن صالح بن دينار وعبد الله بن جعفر الزهري قال : وحدّثنا ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين قالوا : لمّا خرج أبو طالب إلى الشأم وخرج معه رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم، في المرة الأولى ، وهو ابن اثنتي عشرة سنة ، فلمّا نزل الركب بُصْرَى من الشأم ، وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة له ، وكان علماء النّصارى يكونون في تلك الصومعة يتوارثونها عن كتاب يَدْرسونه ، فلمّا نزلوا بحيرا وكان كثيراً ما يمرّون به لا يكلّمهم حتى إذا كان ذلك العام ، ونزلوا منزلاً. قريباً من صومعته قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلّما مرّوا ، فصنع لهم طعاماً ١٥٣ ثمّ دعاهم، وإنّما حمله على دعائهم أنّه رآهم حين طلعوا وغمامة تظلّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، من بين القوم حتى نزلوا تحت الشجرة ثمّ نظر إلى تلك الغمامة أظلّت تلك الشجرة واخضلت أغصان الشجرة على النبيّ، صلى الله عليه وسلم، حين استظلّ تحتها، فلمّا رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته وأمر بذلك الطّعام فأُتي به وأرسل إليهم ، فقال : إني قد صنعت لكم طعاماً يا معشر قريش ، وأنا أحبّ أن تحضروه كلّكم ، ولا تخلفوا منكم صغيراً ولا كبيراً ، حرّاً ولا عبداً ، فإنّ هذا شيء تكرموني به ، فقال رجل : إن لك لشأناً يا بحيرا ، ما كنت تصنع بنا هذا ، فما شأنك اليوم ؟ قال : فإنّني أحببت أن أكرمكم ولكم حقّ ، فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم ، من بين القوم لحداثة سنّه ، ليس في القوم أصغر منه في رحالهم ، تحت الشجرة ، فلمّا نظر بحيرا إلى القوم فلم ير الصّفة التي يعرف ويجدها عنده ، وجعل ينظر ولا يرى الغمامة على أحد من القوم ، ويراها متخلّفة على رأس رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم ، قال بحيرا : يا معشر قريش لا يتخلفن منكم أحد عن طعامي ، قالوا: ما تخلّ أحد إلاّ غلام هو أحدث القوم سنّاً في رحالهم ، فقال : ادعوه فليحضر طعامي فما أقبح أن تحضروا ويتخلف رجل واحد مع أني أراه من أنفسكم ، فقال القوم : هو واللّه أوسطنا نسباً وهو ابن أخي هذا الرجل، يعنون أبا طالب، وهو من ولد عبد المطلب، فقال الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف: واللّه إن كان بنا لَلُؤْمٌ أن يتخلف ابن عبد المطلب من بيننا ، ثمّ قام إليه فاحتضنه وأقبل به حتى أجلسه على الطعام ، والغمامة تسير على رأسه ، وجعل بحيرا يلحظه لحظاً شديداً ، وينظر إلى أشياء في جسده قد كان يجدها عنده من صفته ، فلمّاً تفرّقوا عن طعامهم قام إليه الراهب فقال: يا غلام أسألك بحقّ اللات والعُزّى إلاّ أخبرتني عمّا أسألك ، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلّم: لا تسألني باللآّت وَالعُزَّى فَوَاللّهِ مَا أَبْغَضْتُ شَيْئاً بُغْضَهُمَا! قال: فبالله إلاّ أخبرتني ١٥٤ ٠٠٠ عمّا أسألك عنه، قال: سَلْني عمّا بَدًا لكَ، فجعل يسأله عن أشْياء من حاله حتى نومه ، فجعل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يخبره فيوافق ذلك ما عنده، ثمّ جعل ينظر بين عينيه، ثمّ كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوّة بين كتفيه على موضع الصفة التي عنده ، قال : فقبّل موضع الخاتم ، وقالت قريش: إنّ لمحمد عند هذا الراهب لقدراً ، وجعل أبو طالب ، لما يرى من الراهب ، يخاف على ابن أخيه ، فقال الراهب لأبي طالب : ما هذا الغلام منك ؟ قال أبو طالب : انبي ، قال : ما هو بابنك ، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيّاً ، قال : فابن أخي : قال : فما فعل أبوه ؟ قال : هلك وأمّه حبلى به ، قال : فما فعلت أمّه ؟ قال : توفّيت قريباً ، قال : صدقتَ ، ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود ، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما أعرف لَيَبْغُنّه عَنْتاً ، فإنّه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجده في كتبنا وما روينا عن آبائنا ، واعلم أني قد أدّيت إليك النصيحة . فلمّا فرغوا من تجاراتهم خرج به سريعاً ، وكان رجال من يهود قد رأوا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وعرفوا صفته ، فأرادوا أن يغتالوه فذهبوا إلى بحيرا فذاكروه أمره فنهاهم أشدّ النهي وقال لهم : أتجدون صفته ؟ قالوا : نعم ، قال : فما لكم إليه سبيل ، فصدّقوه وتركوه ، ورجع به أبو طالب فما خرج به سفراً بعد ذلك خوفاً عليه . ٧ أخبرنا محمد بن عمر ، حدّثْني يعقوب بن عبد الله الأشعريّ عن جعفر. ابن أبي المغيرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، قال الراهب لأبي طالب : لا تخرجنّ بابن أخيك إلى ما ههنا فإنّ اليهود أهل عداوة، وهذا نبيّ هذه . الأمة ، وهو من العرب ، واليهود تحسده تريد أن يكون من بني إسرائيل ، فاحذر على ابن أخيك . / أخبرنا محمد بن عمر ، أخبرنا موسى بن شيبة عن عُميرة بنت عُبيد "اللّه بن كعب بن مالك عن أمّ سعد بنت سعد عن نفيسة بنت مُنْيَة أخت ١٥٥ يَعْلَى بن مُنْيَة قالت: لمّا بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، خمساً وعشرين سنة وليس له بمكّة اسمٌ إلاّ الأمين، لِمَا تَكامَلَ فيه من خِصَال الخير ، فقال له أبو طالب: يا ابن أخي أنا رجل لا مال لي وقد اشتدّ الزّمان علينا وألحّت علينا سنون مُنْكَرَة وليست لنا مادة ولا تجارة ، وهذه عِير قومك قد حضر خروجها إلى الشأم ، وخديجة ابنة خُويلد تبعث رجالاً من قومك في عِيَراتها ، فلو تعرّضت لها ، وبلغ خديجة ذلك فأرسلت إليه وأضعفت له. ما كانت تعطي غيره ، فخرج مع غلامها مَيَسَرة حتى قدما بُصرى من الشأم ، فنزلا في سوق بُصْرَى في ظلّ شجرة قريباً من صومعة راهب من الرهبان يقال له نسطور ، فاطلع الراهب إلى ميسرة ، وكان يعرفه قبل ذلك ، فقال : يا مَيْسرة من هذا الذي نزل تحت هذه الشجرة ؟ فقال ميسرة : رجل من قريش من أهل الحرم ، فقال له الرّاهب : ما نزل تحت هذه الشجرة قطّ إلاّ نبِيّ، ثمّ قال: في عَيْنَيْهِ حُمْرَة ؟ قال ميسرة : نعم لا تُفارقه ، قال الراهب : هو هو آخر الأنبياء ، يا ليت أني أدركه حين يؤمر بالخروج !. ثمّ حضر رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، سوق بُصرى فباع سلعته التي خرج بها واشترى غيرها ، فكان بينه وبين رجل اختلاف في شيء ، فقال له الرجل : احلف باللاّت والعُزّى ، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم : مَا حَلَفْتُ بِهِمَا قَطّ وإنّ لأَمُرٌ فَأُعْرِضُ عَنْهُمَا، قال الرجل : القول قولك ، ثمّ قال لميسرة ، وخلا به: يا ميسرة هذا واللّه نبيّ! والذي نفسي بيده إنّه لهو تجده أحبارنا في كتبهم منعوتاً ، فوعى ذلك ميسرة ، ثمّ انصرف أهل العِير جميعاً ، وكان ميسرة يرى رسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، إذا كانت الهاجرة واشتدّ الحرّ يرى ملكين يُظلاّنه من الشمس وهو على بعيره ، قالوا : كأنّ اللّه قد ألقى على رسوله المحبّة من ميسرة ، فكان كأنّه عبدٌ لرسول الله، صلى الله عليه وسلّم، فلمّاً رجعوا فكانوا بمَرّ الظّهْران قال: يا محمّد انطلق إلى خديجة فاسْبقني فأخبرها بما صنع الله لها ١٥٦ على وجهك ، فإنها تعرف ذلك لك ، فتقدّم رسول الله، صلى الله عليه وسلّم ، حتى قدم مكّة في ساعة الظهيرة وخديجة في علّة لها معها نساء فيهنّ نفيسة بنت منية ، فرأت رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، حين دخل وهو راكب على بعيره ومَلَكان يُظلاّن عليه، فأرته نساءها فعجبن لذلك ، ودخل عليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، فخبّرها بما ربحوا في وجههم، فسُرّت بذلك ، فلمّا دخل ميسرة عليها أخبرته بما رأت ، فقال ميسرة : قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشأم ، وأخبرها بقول الراهب نسطور وما قال الآخر الذي خالفه في البيع ، وربحت في تلك المرّة ضعف ما كانت تربح ، وأضعفت له ضعف ما سمّت له . أخبرنا عبد الحميد الحمّانيّ عن النضر أبي عمر الخزّاز عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: أوّل شيء رأى النبيّ ، صلى الله عليه وسلم، من النبوّة أن قیل له استر وهو غلام ، فما رئیت عورته من يومئذ .. أخبرنا عبد الحميد الحمّاني عن سفيان الثوريّ عن منصور عن موسى ابن عبد الله بن يزيد عن امرأة عن عائشة قالت : ما رأيت ذاك من رسول اللّه ، صلى الله عليه وسلم . أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عليّ بن محمد بن عبيد الله بن عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب عن منصور بن عبد الرحمن عن أمّه عن برة ابنة أبي تجراة قالت : إنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين أراد الله كرامته وابتداءَه بالنبوة ، كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتاً ويُفضي إلى الشّعاب وبطون الأودية ، فلا يمرّ بحجر ولا شجرة إلاّ قالت السلام عليك يا رسول الله، فكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحداً . أخبرنا محمد بن عبد الله بن يونس ، أخبرنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق عن منذر قال : قال الربيع ، يعني ابن خُثيم : كان يُتحاكم إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، في الجاهلية قبل الإسلام، ثمّ اختُصّ في ١٥٧ الإسلام ، قال ربيع حَرْفٍ وما حرفٌ مَن يُطع الرسول فقد أطاع الله آمنه، أي أنّ الله آمنه على وحيه . أخبرنا خالد بن خداش ، أخبرنا حماد بن زيد عن ليث عن مجاهد أنّ بني غِفّر قرّبوا عجلاً لهم ليذبحوه على بعض أصنامهم فشدّوه ، فصاح : يال ذريح، أمر نجيح، صائح يصيح ، بلسان فصيح ، بمكّة يشهد أن لا إله إلاّ اللّه، قال: فنظروا فإذا النبيّ، صلى الله عليه وسلم، قد بُعث. أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن حُسين بن عبد الله بن عُبيد اللّه بن العبّاس عن عِكْرِمة عن ابن عبّاس قال : حدّثَنْي أمّ أَيْمَن قالت : كان بِبُوانة صمٌ تحضره قريش تعظّمه، تنسك له النّسائك ، ويحلّقون رؤوسهم عنده ، ويعكفون عنده يوماً إلى الليل ، وذلك يوماً في السّنة ، وكان أبو طالب يحضره مع قومه ، وكان يكلّم رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، أن يحضر ذلك العيد مع قومه فيأبى رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، ذلك ، حتى رأيت أبا طالب غضب عليه ، ورأيت عمّاته غَضِبْنَ عَليه يومئذ أشدّ الغَضَب ، وجعلن يقلن : إنّا لنخاف عليك ممّا تصنع من اجتناب آلهتنا ، وجعلن يَقُلْنَ : ما تريد يا محمدُ أن تحضر لقومك عيداً ولا تُكَثّر لهم جمعاً ، قالت : فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء اللّه، ثمّ رجع إلينا مرعوباً فَزِعاً، فقالت له عَمّاته : ما دهاك؟ قال: إنّي أَخْشَى أنْ يكونَ بِي لَمَمُ، فقُلن: مَا كان الله ليبْتليك بالشّيطان وفيك من خصال الخير ما فيك ، فما الّذي رأيْت؟ قال : إنّي كُلْمَا دَنَوْتُ مِنْ صَنَمِ مِنْهَا تَمَثّلَ لي رجُلٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ يَصِيحُ بِي وَرَاءَكَ يَا مُحَمّدُ لا تَمَسّهُ! قالت : فما عاد إلى عِيدٍ لهم حتى تنبّأ . أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال : حدثني سليمان بن داود ابن الحُصين عن أبيه عن عكرمة عن ابن عبّاس عن أبيّ بن كعب قال : ١٥٨ لمّا قدم تُبّع المدينة ونزل بقناة فبعث إلى أحبار اليهود فقال : إنّ مخرّب هذا البلد حتى لا تقوم به يهوديّة ويرجع الأمر إلى دين العرب ، قال : فقال له سامول اليهودي ، وهو يومئذ أعلمهم : أيها الملك إنّ هذا بلد يكون إليه منُهاجَرَ نبيّ من بني إسماعيل مَوْلِده مكة اسمه أحمد ، وهذه دار هجرته ، إن منزلك هذا الذي أنت به يكون به من القتلى والجراح أمر كبير في أصحابه وفي عدوّهم ، قال تُبّعَ : ومَن يقاتله يومئذ وهو نبيّ كما تزعمون ؟ قال : يسير إليه قومه فيقتتلون ههنا ، قال : فأين قبره ؟ قال : بهذا البلد ، قال : فإذا قُوتل لمَن تكون الدّبْرة ؟ قال : تكون عليه مرّة وله مرّة ، وبهذا المكان الذي أنت به تكون عليه ، ويُقتَل به أصحابه مقتلة لم يُقْتّلوا في موطن ، ثمّ تكون العاقبة له، ويظهر فلا ينازعه هذا الأمرَ أحدٌّ، قال : وما صفته ؟ قال : رجل ليس بالقصير ولا بالطويل ، في عينيه حُمرة ، يركب البعير ، ويلبس الشملة، سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى أخاً أو ابن عَمّ أو عَمّاً حتی یظهر أمره ، قال تُبع : ما إلى هذا البلد من سبیل ، وما كان لیکون خرابها على يدي ، فخرج تُبّعُ منصرفاً إلى اليمن . أخبرنا محمد بن عمز الأسلمي قال : حدثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال : كان الزّبير بن باطا ، وكان أعلم اليهود ، يقول : إنّ وجدت سفْراً كان أبي يختمه عليّ ، فيه ذكر أحمد نبيّ يخرج بأرض القَرَظ صفته كذا وكذا ، فتحدّث به الزّبير بعد أبيه والنبيّ ، صلى اللّه عليه وسلّم ، لم يُبعث، فما هو إلاّ أن سمع بالنّبيّ، صلى الله عليه وسلّم، قد خرج بمكّة حتى عمد إلى ذلك السفر فمحاه وكتم شأن النبيّ ، صلى الله عليه وسلم ، وقال لیس به . أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّني الضحّاك ن عثمان عن مَخْرَمَة ابن سليمان عن كريب عن ابن عبّاس قال : كانت يهود قُرَيظة والنّضير وفدك وخيبر يجدون صفة النبيّ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، عندهم قْبَيَل أن ١٥٩ يُبعث، وأنّ دار هجرته بالمدينة . فلمّا وُلدَ رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، قالت أحبار اليهود : وُلِدَ أحمد الليلة ، هذا الكوكب قد طلع ، فلمّا تنبّى قالوا : قد تنبّى أحمد ، قد طلع الكوكب الذي يطلع ،. كانوا يعرفون ذلك ويقرّون به ويصفونه إلاّ الحسد والبغي ... أخبرنا محمد بن عمر قال : حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر ابن قتادة عن نملة بن أبي نملة عن أبيه قال : كانت يهود بني قريظة يَدْرُسون ذكر رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، في كتبهم ويُعَلّمونه الولدان بصفته واسمه ومهاجَره إلينا ، فلمّا ظهر رسول الله ، صلى الله عليه وسلّم ، حسدوا وبغوا وقالوا ليس به . أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال : حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد أنّ إسلام ثعلبة بن سعيد وأسيد بن سَعْيَةَ وأسد بن عُبيد ابن عمّهم إنّما كان عن حديث ابن الحَيّبَان أبي عمير ، قدم ابن الخَيّبَان، يهوديّ من يهود الشأم، قُبيل الإسلام بسنوات ، قالوا : وما رأينا رجلاً لا يصلّي الصّلوات الخسْس خيراً منه، وكان إذا حُبس عنّا المطر احتجنا إليه ، نقول له : يا ابن الهيبان اخرج فاستسق لنا . فيقول : لا حتى تُقدّمُوا أمام مخرجكم صدقة . فنقول: وما نقدّم؟ فيقول: صاعاً من تمر أو مُدّيْن من شعير عن كلّ نفس، فنفعل ذلك فيخرج بنا إلى ظهر وادينا ، فوالله لن نبرح حتى تمرّ السّحَابُ فَتُمْطِرَ عَلينا، ففعل ذلك بنا مِراراً، كلّ ذلك نُسْقَى ، فبينا هو بين أظهرنا إذ حضرته الوفاةُ، فقال : يا معشر اليهود ما الّذي ترون أنّه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع ؟ قالوا : أنت أعلم يا أبا عُمير ! قال : إنّما قدمتُها أتوكفُ خروج نبيّ قد أظلّكم زمانه ، وهذا البلد مُهَاجَرُّه ، وكنتُ أرجو أن أُدْركه فأتّبعه ، فإن سمعتم به فلا تُسْبَقُنّ إليه، فإنّه يسفك الدّماء ويسبي الذّراري والنّساء ، فلا يمنعكم ١٦٠