Indexed OCR Text
Pages 21-40
Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
أخبرنا محمد بن عبدالله، أخبرنا يونس بن أبي إسحاق عن العَيزار بن
حُريث قال: أمر رسول الله، و18َ، فنادى يوم بدر ألا إنّه ليس لأحد من القوم
عندي مِنّةٌ إلا لأبي البَختَري، فمن كان أخذه فليُخَلّ سبيله؛ وكان رسول الله قد
آمنه قال: فوجد قد قُتل.
أخبرنا الحسن بن موسى، أخبرنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق عن عمرو بن
ميمون عن عبدالله بن مسعود قال: استقبل رسول الله، وَل18، البيت فدعا على نفر
من قريش سبعة، فيهم أبو جهل وأمّيّة بن خَلَف وعُتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة
وعُقبة بن أبي مُعَيط، فأقسم بالله لقد رأيتهم صَرْعى على بدر قد غَيّرَتهم الشمسُ،
وكان يوماً حارّاً.
أخبرنا خَلَف بن الوليد الأزدي، أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثة
عن عليّ قال: لمّا كان يوم بدر وحضر البأس اتقينا برسول الله، وَّل، وكان من
أشدّ الناس بأساً يومئذٍ، وما كان أحد أقرب إلى المشركين منه.
أخبرنا خَلَف بن الوليد الأزدي، أخبرنا يحيى بن زكريّاء بن أبي زائدة،
حدّثني إسماعيل بن أبي خالد عن البهيّ قال: لما كان يوم بدر برز ◌ُتبة وشَيبة ابنا
ربيعة، والوليد بن عتبة، فخرج إليهم حمزة بن عبد المطّلب وعليّ بن أبي طالب
وعبيدة بن الحارث، فبرز شيبة لحمزة فقال له شيبة: من أنت؟ فقال: أنا أسد الله
وأسد رسوله! قال: كُفْءٌ كريم، فاختلفا ضربتين فقتله حمزة، ثمّ برز الوليد لعليّ
فقال: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله وأخو رسوله؛ فقتله عليّ، ثمّ برز عتبة العُبيدة بن
الحارث فقال عُتبة: مَن أنت؟ قال: أنا الذي في الحلف، قال: كفءٌ كريم؛
فاختلفا ضربتين أوهنَ كلّ منهما صاحبه فأجاز حمزة وعليّ على عُتبة.
قال أبو عبدالله محمد بن سعد: والثبت على الحديث الأوّل أنّ حمزة قتل
عُتبة، وأنّ عليّاً قتل الوليد، وأنّ عُبيدة بارز شيبة .
أخبرنا حُجين بن المُثنّى وقُتيبة بن سعيد قالا: أخبرنا الليث بن سعد عن
خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن يزيد بن رومان: أنّ رسول الله، وَ﴾،
لم يكن معه يوم بدر إلا فرسان، فرس عليه المقداد بن عمرو حليف الأسود خال
رسول الله، و ◌َ﴾، وفرس لِمَرْتَد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة بن
١٧
Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
عبد المطلب، وكان مع المشركين يومئذ مائة فرس. قال قُتيبة في حديثه: كانت
ثلاثة أفراس فرس عليه الزّبير بن العوام .
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيوب عن عكرمة: أنّ
النبيّ، وَ﴿، بعث عدِيّ بن أبي الزّغباء وبَسبَسَ بن عمرو طلِيعَة، يوم بدر، فأتيا
الماء فسألا عن أبي سُفيان فأُخبرا بمكانه، فرجعا إلى رسول الله، و ◌َ ل*، فقالا: يا
رسول الله نزل ماء كذا يوم كذا، وننزل نحن ماء كذا يوم كذا، وينزل هو ماء كذا
يوم كذا، وننزل نحن ماء كذا يوم كذا حتى نلتقي نحن وهو على الماء، قال:
فجاء أبو سفيان حتّى نزل ذلك الماء فسأل القوم: هل رأيتم من أحد؟ قالوا: لا إلّ
رجلين، قال: أُرُوني مُناخَ رِكابهما، قال: فأَرَوْه، قال: فأخذ الْبَعْر ففتّه فإذا فيه
النّوَى فقال: نواضح يثرب والله! قال: فأخذ ساحل البحر وكتب إلى أهل مكّة
يُخبرهم بمسير النبيّ، وَّر .
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيّوب عن عكرمة قال:
استشار رسول الله، *، يومئذ الناس، فقال سعد بن عبادة أو سعد بن معاذ: يا
رسول الله سر إذا شئت وانزلْ حيث شئت وحاربْ من شئت وسالِمْ من شئت،
فوالذي بعثك بالحقّ لو ضربتَ أكبادها حتّى تبلغ بَرْك الغُماد من ذي يَمَن تبعناك
ما تخلّف عنك منّا أحد! قال: وقال لهم يومئذ عُتبة بن ربيعة: ارجعوا بوجوهكم
هذه التي كأنها المصابيح عن هؤلاء الذين كأنّ وجوههم الحيّات، فوالله لا
تقتلونهم حتّی یقتلوا منکم مثلهم فما خیرکم بعد هذا؟ قال: وکانوا یأکلون يومئذٍ
تمراً، فقال رسول الله، ﴿: ((ابتدروا جنّة عرضُها السموات والأرض))، قال:
وعُمير بن الحُمام في ناحية بيده تمرٌ يأكله فقال: بَخْ بَحْ! فقال له النبيّ، ◌ِالر:
((مَهْ!)) قال: لن تعجزَ عنّي، ثمّ قال: لا أزيد عليكنّ حتى ألحق بالله، فجعل يأكل
ثمّ قال: هِيهِ حبستني! ثمّ قَذَفَ ما في يده وقام إلى سيفه وهو معلّق ملفوف
بِخِرَقٍ، فأخذه ثمّ تقدّم فقاتل حتّى قُتِل، وكانوا يومئذ يميدون من النّعاس ونزلوا
على كَثيب أهيل، قال: فمطرت السماء فصار مثل الصفا يَسْعونَ عليه سَعياً،
وأنزل الله، جلّ ثناؤه: ﴿إِذْ يُغْشّيكُمُ النّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ويُنْزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السّماءِ ماء
لِيُطَهَّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبْتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾
[الأنفال: ١١ ].
١٨
Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
قال: وقال عمر لمّا نزلت ﴿سَيُهْزَمُ الجمْعُ وَيُوَلّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]
قال: قلت وأيّ جمع يهزم ومن يُغلب؟ فلما كان يوم بدر نظرت إلى رسول الله،
﴿َّ، يثب في الدّرع وَثباً وهو يقول: ﴿سَيُهزَمُ الجمعُ وَيُوَلّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:
٤٥]، فعلمت أن الله، تبارك وتعالى، سيهزمهم.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال:
ونزلت هذه الآية: ﴿واذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَليلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْض﴾ [الأنفال:
٢٦]؛ قال: نزلت في يوم بدر. قال: ونزلت هذه الآية: ﴿إذا لَقِيتُمُ الّذين كَفَرُوا
زَحفاً فَلا تُوَلّوهُمُ الأدبارَ﴾ [الأنفال: ٢٥]؛ قال: نزلت في يوم بدر. قال: ونزلت
هذه الآية: ﴿يَسْألونَكَ عن الأنْفالِ﴾ [الأنفال: ١]، يوم بدر.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حمّاد بن زيد، أخبرنا أيّوب ويزيد بن
حازم: أنهما سمعا عكرمة يقرأ: ﴿فَثَبّتُوا الّذِينَ آمَنوا﴾ [الأنفال: ١٢]، قال
حمّاد: وزاد أيوب قال: قال عكرمة: ﴿فَاضربوا فَوْقَ الأعناقِ﴾ [الأنفال: ١٢]،
قال: كان يومئذٍ يَندُر رأس الرجل لا يُدْرى من ضربه وتندر يد الرجل لا يُدرى من
ضربه .
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيّوب عن عكرمة قال:
قال رسول اللّه، وَل*، يومئذ: اطلبوا أبا جهل، فطلبوه فلم يوجد فقال: اطلبوه فإنّ
عهدي به وركبتُه مَحُوزةٌ، فطلبوه فوجدوه وركبته مَحُوزة. قال: وبلغ فداء أهل بدر
يومئذ أربعةَ آلاف فما دون ذلك، حتى إن كان الرّجل يُحسنُ الخطّ فوديَ على أن
يُعَلّمَ الخطّ.
أخبرنا عُبيد الله بن عبد المجيد الحنفي قال: أخبرنا عبيدالله بن عبد الرحمن
ابن مَوْهَب، حدّثني إسماعيل بن عَوْن بن عبيدالله بن أبي رافع عن عبدالله بن
محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عن أبيه محمد بن عمر عن عليّ بن أبي
طالب قال: لمّا كان يوم بدر قاتلتُ شيئاً من قتال ثمّ جئتُ مُسرعاً إلى النبيّ،
وَل*، لأنظر ما فعل، فإذا هو ساجد يقول: ((يا حَيّ يا قيّوم! يا حَيّ يا قيّوم!)) لا
يزيد عليهما، ثمّ رجعت إلى القتال، ثمّ جئت وهو ساجد يقول ذلك، ثمّ ذهبت
إلى القتال، ثمّ رجعت وهو ساجد يقول ذلك، ففتح الله عليه.
أخبرنا سعيد بن منصور، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عُبيد الله
١٩
Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
ابن عبدالله عن ابن عبّاس قال: تنقّل رسول الله، وَّر، سيفه ذا الفقار يوم بدر.
أخبرنا عتّاب بن زياد، أخبرنا عبدالله بن المبارك، أخبرنا هشام بن عروة عن
عبّاد بن حمزة بن الزبير قال: نزلت الملائكة يوم بدر عليهم عمائم صُفرٌ وكان
على الزبير يوم بدر ريطة صفراءُ قد اعتجر بها.
أخبرنا عتّاب بن زياد بن المبارك، أخبرنا أبو بكر بن أبي مريم الغَسّاني عن
عطيّة بن قيس قال: لمّا فرغ النبيّ، وَّر، من قتال أهل بدر أتاه جبريل على فرس
أنثى حمراء عاقداً ناصيته، يعني جبريل عليه درعه ومعه رمحه قد عصم ثنّتَه
الغبارُ، فقال: يا محمد إن الله، تبارك وتعالى، بعثني إليك وأمرني أن لا أفارقك
حتى ترضى، هل رضيت؟ قال: ((نعم رضيتُ))، فانصرف.
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن زيد قال: سمعت أيّوب عن
عكرمة: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدّنْيَا وَهُمْ بِالعُدْوَةِ القُصْوَى﴾ [الأنفال: ٤٢]؛ قال:
وكان هؤلاء على شفير الوادي وهؤلاء على الشفير الآخر، قال: وهكذا قرأه عفّان
بالعُذْوة.
أخبرنا أحمد بن عبدالله بن يونس، أخبرنا زهير، أخبرنا جابر عن عامر قال:
خرج رسول الله، 4*، إلى بدر فاستخلف على المدينة عمرو ابن أُمّ مكتوم.
أخبرنا أبو المنذر البزّاز، أخبرنا سفيان عن الزبير بن عديّ عن عطاء بن أبي
رَباح: أنّ رسول الله، وَّ، صلى على قَتلى بدر.
٠
أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا زكرياء بن أبي زائدة عن عامر قال: سمعته
يقول إنّ بدراً إنّما كانت لرجل يدعى بدراً، قال: يعْني مَيراً.
قال محمد بن سعد: قال محمد بن عمر: وأصحابنا من أهل المدينة ومن
روى السيرة يقولون: اسم الموضع بدر.
*
*
سريّة عُمير بن عدي(١)
ثمّ سريّة عُمير بن عديّ بن خرشَة الخَطمي إلى عَصماء بنت مروان من بني أمّة
(١) مغازي الواقدي (١٧٢ - ١٧٤).
٢٠
Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
ابن زيد بخمس ليالٍ بقين من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهراً من مُهاجر
رسول الله، وَ*، وكانت عصماء عند يزيد بن زيد بن حصن الخطمي، وكانت تعيب
الإِسلام وتُؤذي النبيّ وتُحَرّض عليه وتقول الشعر، فجاءها عمير بن عديّ في جوف
اللّيل حتى دخل عليها بيتها، وحولها نفرٌ من ولدها نيام منهم من تُرْضِعُه في صدرها،
فجسّها بيده، وكان ضرير البصر، ونحّى الصبيّ عنها ووضع سيفه على صدرها حتّى
أنفذه من ظهرها، ثمّ صلى الصّبح مع النبيّ، ﴿، بالمدينة فقال له رسول الله،
﴿: ((أقتلتَ ابنةَ مروان؟)) قال: نعم، فهل عليّ في ذلك من شيء؟ فقال: ((لا ينتطح
فيها عَنزانٍ!)) فكانت هذه الكلمة أوّلَ ما سُمعت من رسول الله، وَلَّ، وسمّاه رسول
الله، وَلَّهَ، عُميراً البصير.
سريّة سالم بن عُمير (١)
ثمّ سريّة سالم بن عُمير العمري إلى أبي عَفَك اليهوديّ في شوّال على رأس
عشرين شهراً من مُهاجَر رسول الله، وَس 1، وكان أبو عفك من بني عمرو بن عوف
شيخاً كبيراً قد بلغ عشرين ومائة سنة، وكان يهوديّاً، وكان يحرّض على رسول الله،
﴿﴿، ويقول الشعر، فقال سالم بن عُمير، وهو أحد البكّائين وقد شهد بدراً: عليّ نّذْرٌ
أنْ أقتلَ أبا عفكٍ أو أموتَ دونه، فأمهَلَ يطلب له غِرّة حتّى كانت ليلةٌ صائفةٌ، فنام أبو
عفك بالفِناء وعلم به سالم بن عُمير، فأقبل فوضع السيف على كبده ثمّ اعتمد عليه
حتى خشّ في الفراش، وصاح عدوّ الله، فثاب إليه ناسٌ ممّن هُمْ على قوله فأدخلوه
منزله وقبروه.
*
*
غزوة بني قينقاع (٢)
ثمّ غزوة رسول الله، وَ 18، بني قينقاع يوم السبت للنصف من شوّال على رأس
عشرين شهراً من مُهاجَره، وكانوا قوماً من يهود حُلفاء لعبدالله بن أبيّ ابن سلول،
وكانوا أشجعَ يهودَ، وكانوا صاغَة فوادعوا النبيّ، وَهَ، فلمّا كانت وقعة بدر أظهروا
(١) مغازي الواقدي (١٧٤ - ١٧٥).
(٢) تاريخ الطبري (٤٧٩/٢)، وسيرة ابن هشام (١٢٠/٢)، والمغازي للواقدي (١٧٦ - ١٨٠)،
ووفاء الوفا (٣٥٦/٢).
٢١
Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
البَغي والحَسَدّ ونّبذوا العَهدَ والمِرّة، فأنزل الله، تبارك وتعالى، على نبيّه: ﴿وإمّا
تَخافَنٌ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِليهِمْ عَلى سَوَاء إنّ الله لا يُحِبّ الخائنين﴾ [الأنفال:
٥٨]. فقال رسول الله، وَله: أنا أخاف بني قينقاع، فسار إليهم بهذه الآية. وكان
الذي حمل لواءه يومئذ حمزة بن عبد المطّلب، وكان لواء رسول الله، وَلّ، أبيض
ولم يكن الرايات يومئذ، واستخلف على المدينة أبا لُبابة بن عبد المنذر العَمري ثمّ
سار إليهم فحاصرهم خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة، فكانوا أوّلَ من غدر من
اليهود وحاربوا وتحصّنوا في حصنهم، فحاصرهم أشدّ الحصار حتى قذف الله في
قلوبهم الرّعبَ، فنزلوا على حكم رسول الله، وَ﴾، أن لرسول الله، وَّر، أموالهم
وأنّ لهم النساء والذّرّيّة، فأمر بهم فكُتفوا، واستعمل رسول الله، وَّرَ، على كتافهم
المنذر بن قُدامة السِّلمي من بني السلم، رهط سعد بن خيثَمّة، فكلم فيهم عبدُالله بن
أبيّ رسولَ اللهِ، وَله، وألحّ عليه فقال: خلّوهم لعنهم الله ولعنه معهم! وتركهم من
القتل وأمر بهم أن يُجلَوا من المدينة، وولّى إخراجهم منها عُبادة بن الصامت فلحقوا
بأذرعات فما كان أقلّ بقاءهم بها، وأخذ رسول الله، وَ *، من سلاحهم ثلاث قسيّ :
قوساً تُدعى الكَتومَ كُسرت بأُحُد، وقوساً تُدعى الرّوْحاء، وقوساً تُدعى البيضاء، وأخذ
درعين من سلاحهم: درعاً يقال لها الصغديّة وأخرى فضّة، وثلاثة أسياف سيفٌ قَلَعَيّ
وسيف يقال له بتّار وسيف آخر، وثلاثة أرماح، ووجدوا في حصنهم سلاحاً كثيراً وآلة
الصّياغة فأخذ رسول الله، وََّ، صَفيَّهُ والخُمس وفَضّ أربعة أخماس على أصحابه،
فكان أوّلَ خُمس خُمّس بعد بدر، وكان الذي ولي قبض أموالهم محمد بن مسلمة.
*
*
*
غزوة السَّويق(١)
ثمّ غزوة النبيّ، وَهَ، التي تُدعَى غزوة السويق. خرج رسول الله، ◌َّ، يوم
الأحد لخمس خلون من ذي الحجّة على رأس اثنين وعشرين شهراً من مُهاجَره،
واستخلف على المدينة أبا لُبابَة بن عبد المنذر العمري، وذلك أنّ أبا سفيان بن حرب
لما رجع المشركون من بدر إلى مكّة حرم الدّهن حتى يثْثِّرَ من محمد وأصحابه،
فخرج في مائتي راكب، في حديث الزهري، وفي حديث ابن كعب في أربعين راكباً،
(١) تاريخ الطبري (٤٨٣/٢)، وسيرة ابن هشام (١١٩/٢)، ووفاء الوفا (٣٤٤/٢)، ومغازي
الواقدي (١٨١ - ١٨٢).
٢٢
Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
فسلكوا النجديّة فجاؤوا بني النّضير ليلاً فطرقُوا حُييّ بن أخطب ليستخبروه من أخبار
رسول الله، وَّر، وأصحابه، فأبى أن يفتح لهم، وطرقوا سَلّم بن مِشْكُم ففتح لهم
وقراهم وسقاهم خمراً وأخبرهم من أخبار رسول الله، { 19، فلمّا كان بالسحر خرجٍ أبو
سفيان بن حرب فمرّ بالعُريض، وبينه وبين المدينة نحو ثلاثة أميال فقتل به رجلاً من
الأنصار وأجيراً له وحرّق أبياتاً هناك وتِيناً، ورأى أن يمينه قد حلّت ثمّ ولّى هارباً، فبلغ
ذلك رسول الله، *، فندب أصحابه وخرج في مائتي رجل من المهاجرين والأنصار
في أثرهم يطلبهم، وجعل أبو سفيان وأصحابه يتخفّفون فيُلقون جُرُبَ السويق وهي
عامّة أزوادهم، فجعل المسلمون يأخذونها فسمّيت غزوة السويق ولم يلحقوهم،
وانصرف رسول اللّه، ولو، إلى المدينة وكان غاب خمسة أيام.
غزوة قَرْقرة الگُدْر(١)
ويُقال: قَرارة الكُدر.
ثمّ غزوة رسول الله، وَله، قرقرة الكُدْر، ويُقال قرارة الكُدْر، للنصف من
المحرّم على رأس ثلاثة وعشرين شهراً من مُهاجَره، وهي بناحية معدن بني سُليم
قريب من الأرْحَضِيّة وَراء سُدّ مَعُونَة، وبين المعدن وبين المدينة ثمانية بُرُد، وكان
الذي حمل لواءه، و9َّ، عليّ بن أبي طالب، واستخلف على المدينة عبد الله ابن أُمّ
مكتوم، فكان بلغه أن بهذا الموضع جمعاً من سُليم وغطفان، فسار إليهم فلم يجد في
المجال أحداً، وأرسل نفراً من أصحابه في أعلى الوادي واستقبلهم رسول الله، وَّت،
في بطن الوادي فوجد رُعاءً فيهم غلام يقال له يَسار، فسأله عن الناس فقال: لا علم
لي بهم إنما أُورِدُ لِخمسٍ وهذا يوم رِبعيّ والناس قد ارتفعوا إلى المياه ونحن عُزّاب
في النعم. فانصرف رسول اللّه، وَلّر، وقد ظفر بالنعم فانحدر به إلى المدينة فاقتسموا
غنائمهم بصِرار، على ثلاثة أميال من المدينة، وكانت النعم خمسمائة بعير، فأخرج
خمسّه وقسم أربعة أخماس على المسلمين، فأصاب كلّ رجل منهم بعيران، وكانوا
مائتي رجل، وصار يُسار في سهم النبيّ، وَلَّ، فأعتقه، وذلك أنّه رآه يصلّي. وغاب
رسول الله، وَلّ، خمس عشرة ليلة.
*
(١) تاريخ الطبري (٤٨٧/٢)، وسيرة ابن هشام (١٢٠/٢)، ومغازي الواقدي (١٨٢ - ١٨٤).
٢٣
Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
سريّة قتل كعب بن الأشرَف(١)
ثمّ سريّة قتل كعب بن الأشرف اليهوديّ، وذلك لأربع عشرة ليلة مضت من
شهر ربيع الأوّل على رأس خمسة وعشرين شهراً من مُهاجَر رسول الله، وَلّر،
وكان سببٍ قتله أنه كان رجلاً شاعراً يهجو النبيّ، وَّر، وأصحابُه ويُحرّض عليهم
ويؤذيهم، فلمّا كانت وقعة بدر كُبِتَ وذلّ وقال: بطن الأرض خيرٌ من ظهرها
اليوم، فخرج حتى قدم مكّة فبكّى قتلى قريش وحرّضهم بالشعر، ثمَّ قدم المدينة
فقال رسول الله، وَ *: ((اللّهُمَّ اكفِني ابن الأشرف بما شئت في إعلانه الشرّ وقوله
الأشعار))، وقال أيضاً: ((مَن لي بابن الأشرف فقد آذاني؟)) فقال محمد بن مَسلمة:
أنا به يا رسول الله وأنا أقتله، فقال: ((افعلْ وشاوِرْ سعد بن مُعاذ في أمره)).
واجتمع محمد بن مسلمة ونفر من الأوس منهم عبّاد بن بشر وأبو نائلة سِلكان بن
سلامة والحارث بن أوس بن مُعاذ وأبو عبس بن جبر فقالوا: يا رسول الله نحن
نقتله فَأَدْنْ لنا فَلَنَقُلْ، فقال: ((قولوا)). وكان أبو نائلة أخا كعب بن الأشرف من
الرّضاعة فخرج إليه، فأنكره كعب وذعر منه فقال: أنا أبو نائلة إنّما جئت أخبرك
أنّ قدوم هذا الرّجل كان علينا من البلاء، حاربتنا العرب ورمَتنا عن قوس واحدة
ونحن نريد التنّي منه، ومعي رجال من قومي على مثل رأيي وقد أردت أن آتيك
بهم فنبتاع منك طعاماً وتمراً ونرهنك ما يكون لك فيه ثقةٌ، فسكن إلى قوله وقال:
جىءْ بهم متى شئت. فخرج من عنده على ميعاد فأتى أصحابه فأخبرهم،
فأجمعوا أمرهم على أن يأتوه إذا أمسى، ثمّ أتوا رسول الله، وَالر، فأخبروه فمشى
معهم حتى أتى البقيع ثمّ وجّههم وقال: ((امضوا على بركة الله وعونه))، قال: وفي
ليلة مقمرة، فمضوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف له أبو نائلة فوثب، فأخذت
امرأته بمِلحفّته وقالت: أين تذهب؟ إنّك رجل محارب! وكان حديثَ عهدٍ
بعُرْسٍ ، قال: ميعادٌ عليّ وإنما هو أخي أبو نائلة، وضرب بيده الملحفة وقال: لو
دُعِي الفتى لطعنةٍ أجاب، ثم نزل إليهم فحادثوه ساعة حتى انبسط إليهم وأنس
بهم، ثم أدخل أبو نائلة يده في شعره وأخذ بقُرون رأسه وقال لأصحابه: اقتلوا
عدوّ الله! فضربوه بأسيافهم فالتفّت عليه فلم تُغنِ شيئاً ورد بعضها بعضاً ولصق
(١) تاريخ الطبري (٤٨٧/٢)، وسيرة ابن هشام (١٢٤/٢)، ومغازي الواقدي (١٨٤ - ١٩٣)،
ووفاء الوفا (٢٦٢/٢).
٢٤
Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
بأبي نائلة، قال محمد بن مسلمة: فذكرتُ مِغولا كان في سيفي فانتزعته فوضعته
في سُرّته ثمّ تحاملت عليه فقططته حتى انتهى إلى عانته، فصاح عدوّ الله صيحة ما
بقي أطمّ من آطام يهود إلّ أوقدت عليه نار، ثمّ حزّوا رأسه وحملوه معهم، فلمًا
بلغوا بقيع الغَرْقد كبّروا وقد قام رسول الله، ﴿، تلك الليلة يصلي، فلمّا سمع
تكبيرهم كبّر وعرف أن قد قتلوه، ثمّ انتهوا إلى رسول الله، وَ﴿، فقال: ((أفلّحَتٍ
الوجوهُ!)) فقالوا: ووجهك يا رسول الله، ورموا برأسه بين يديه، فحمد الله على
قتله، فلمّا أصبح قال: ((من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه!)) فخافت اليهود فلم
يطلع منهم أحد ولم ينطقوا وخافوا أن يُبَيِّتوا كما بُيّتَ ابن الأشرف.
أخبرنا محمد بن حُميد العبدي عن مَعمر بن راشد عن الزّهري، في قوله
تعالى: ﴿وَلَتَسمِعُنّ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الّذِينَ أُشْرَكُوا أَذِّى
كثيراً﴾ [آل عمران: ١٨٦]، قال: هو كعب بن الأشرف، وكان يحرّض المشركين
على رسول الله، وَّرَ، وأصحابه يعني في شعره، يهجو النبيّ، وَل﴾، وأصحابه.
فانطلق إليه خمسة نفر من الأنصار فيهم محمد بن مسلمة ورجل آخر يقال له أبو
عَبس، فأتوه وهو في مجلس قومه بالعوالي، فلمّا رآهم ذُعِرَ منهم وأنكرَ شأنهم،
قالوا: جئناك في حاجةٍ قال: فَلْيَدْنُ إليّ بعضكم فَلْيُخْبِرني بحاجته، فجاءه رجل
منهم فقالوا: جئناك لنبيعك أدراعاً عندنا لنَستنفِق بها، فقال: والله لئن فعلتم لقد
جُهدتم مذ نزل بكم هذا الرجل. فواعدوه أن يأتوه عشاء حين تهدّأ عنهم الناس،
فنادوه، فقالت امرأته: ما طَرَقَك هؤلاء ساعتَهم هذه لشيء ممّا تُحبّ! قال: إنّهم
حدّثوني بحديثهم وشأنهم .
أخبرنا محمد بن حُميد عن معمر عن أيّوب عن عكرمة أنّه أشرف عليهم
فكلّموه وقال: ما تَرهنون عندي؟ أترهنوني أبناءكم؟ وأراد أن يُسلِفهم تمراً،
قالوا: إنّا نستحي أن يُعيّرَ أبناؤنا فيقال هذا رهينةُ وسقٍ وهذا رهينة وسقين! قال:
فترهنوني نساءكم؟ قالوا: أنت أجمل الناس ولا نأمَنك، وأيّ امرأة تمتنع منك
لجمالك؟ ولكنّا نرهنك سِلاحنا وقد علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم! قال: نعم
أثْتُوني بسلاحكم واحتملوا ما شئتم، قالوا: فانزلْ إلينا نأخُذْ عليك وتأخُذْ علينا،
فذهب ينزل، فتعلّقت به امرأته وقالت: أرسلْ إلى أمثالهم من قومك يكونوا
معك، قال: لو وجدني هؤلاء نائماً ما أيقظوني، قالت: فكلّمهم من فوق البيت،
٢٥
Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
فأبى عليها فنزل إليهم تفوح ريحه فقالوا: ما هذه الريح يا فلان؟ قال: عطر أمّ
فلان لامرأته، فدنا بعضهم يشمّ رأسه ثمّ اعتنقه وقال: اقتلوا عدوّ الله! فطعنه أبو
عَبس في خاصرته وعلاه محمد بن مسلمة بالسيف فقتلوه، ثمّ رجعوا فأصبحت
اليهود مذعورين، فجاؤوا النبيّ، وَ ﴿، فقالوا: قُتِلَ سيّدنا غِيلةً! فذكّرهم النبيّ،
وَله، صنيعَه وما كان يحضّ عليهم ويحرّض في قتالهم ويؤذيهم، ثمّ دعاهم إلى
أن يكتبوا بينه وبينهم صلحاً أحسبُه قال: وكان ذلك الكتاب مع عليّ، رضي الله
عنه، بعدُ .
غزوة رسول الله، وَلَّـ، غطفان (١)
ثمّ غزوة رسول الله، ﴿، غَطَفان إلى نجد، وهي ذو أمَرٌ، ناحيةَ النُّخيل،
في شهر ربيع الأوّل على رأس خمسة وعشرين شهراً من مُهاجَره، وذلك أنّه بلغ
رسولَ الله، وَ﴾، أنّ جمعاً من بني ثعلبة ومحارب بذي أمَرّ قد تجمّعوا يريدون أن
يصيبوا من أطراف رسول الله، وَّرَ جَمَعَهُمْ رجل منهم يقال له دُعثور بن الحارث
من بني محارب، فندب رسول الله، وَّل، المسلمين وخرج لاثنتي عشرة ليلة
مضت من شهر ربيع الأوّل في أربعمائة وخمسين رجلاً، ومعهم أفراس،
واستخلف على المدينة عثمان بن عفّان، فأصابوا رجلاً منهم بذِي القَصّة يقال له
جبّار من بني ثعلبة، فأدخل على رسول الله، وَّرَ، فأخبره من خبرهم وقال: لن
يلاقوك لو سمعوا بمسيرك هربوا في رؤوس الجبال وأنا سائرٌ معك، فدعاه رسول
الله، وَلـ، إلى الإِسلام فأسلم. وضمّه رسول الله، وَل﴿، إلى بلال ولم يلاق
رسول الله، وَ﴿، أحداً إلاّ أنّه ينظر إليهم في رؤوس الجبال. وأصابَ رسولَ الله
وأصحابه مطرٌ، فنزع رسول الله، وَثُ، ثوبّيه ونشرهما لَيَجِفّا وألقاهما على شجرة
واضطجع، فجاء رجل من العدوّ يُقال له دُعثور بن الحارث ومعه سيف حتى قام
على رسول الله، وَّرَ، ثمّ قال: من يمنعك منّي اليوم؟ قال رسول الله، وَّ:
((الله!)) ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله، وَلّر،
(١) مغازي الواقدي (١٩٣ - ١٩٦)، وتاريخ الطبري (٤٨٧)، وسيرة ابن هشام (١٢٠/٢)،
ووفاء الوفا (٢٦٢/٢).
٢٦
Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
وقال له: ((من يمنعك منّي؟)) قال: لا أحد! أشهد أن لا إله إلّ الله، وأنّ محمّداً
رسول الله! ثمّ أتى قومه فجعل يدعوهم إلى الإِسلام ونزلت هذه الآيةُ فيه: ﴿يَا
أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نعمةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمّ قَوْمٌ﴾ [المائدة: ١١] (الآية) ثمّ
أقبل رسول الله، وَس1، إلى المدينة ولم يلق كيداً وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة.
غزوة رسول الله، وَله، بني سُليم(١)
ثمّ غزوة رسول اللّه، وَ﴿، بني سُلَيم ببُحران لستّ خلون من جمادى
الأولى على رأس سبعة وعشرين شهراً من مُهاجَره، وبُحران بناحية الفُرُع وبين
الفُرُع والمدينة ثمانية بُرُد، وذلك أنّه بلغه أنّ بها جمعاً من بني سُلّيم كثيراً، فخرج
في ثلاثمائة رجل من أصحابه واستخلف على المدينة ابن أمّ المكتوم، وأغذّ السير
حتّى ورد بُحرانَ فوجدهم قد تفرّقوا في مِياهِهِم، فرجع ولم يلقَ كيداً، وكانت
غيبته عشر ليال .
سريّة زيد بن حارثة(٢)
ثمّ سريّة زيد بن حارثة إلى القَرَدَة، وكانت لهلال جمادى الآخرة على رأس
ثمانية وعشرين شهراً من مُهاجر رسول اللّه، و ◌َ﴿، وهي أوّل سريّة خرج فيها زيد
أميراً، والقُرَدَة من أرض نجد بين الرّبَذَّة والغَمرة ناحيّةً ذات عِرْق، بعثه رسول
الله، الله، يعترض لعير قريش، فيها صفوان بن أُميّة وحُويطب بن عبد العُزّى
وعبد الله بن أبي ربيعة، ومعه مال كثير نُقَرُ وآنية فضّةٍ وزن ثلاثين ألف درهم. وكان
دليلهم فُرات بن حَيّان العِجلي، فخرج بهم على ذاتٍ عِرْق طريقَ العراق، فبلغ
رسول اللّه، وَ*، أمرهم فوجّه زيد بن حارثة في مائة راكب فاعترضوا لها،
فأصابوا العير وأفلت أعيان القوم، وقدموا بالعير على رسول الله، بصل، فخمّسها
فبلغ الخمسُ فيه عشرين ألف درهم، وقسم ما بقي على أهل السريّة، وأُسِرَ فُرات
(١) مغازي الواقدي (١٩٦ - ١٩٧).
(٢) تاريخ الطبري (٤٩٢/٢)، وسيرة ابن هشام (١٢١/٢)، ومغازي الواقدي (١٩٧ - ١٩٨).
٢٧
Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
ابن حيّان فأتي به النبيّ، ﴿، فقيل له: ((إن تُسلمْ تُتْرَدْ!)) فأسلم فتركه رسول
الله، وَّ، من القتل.
غزوة رسول الله، وَله، أحداً (١)
ثمّ غزوة رسول الله، ◌َ﴾، أُحُداً يوم السبت لسبع ليال خلون من شوّال على
رأس اثنين وثلاثين شهراً من مُهاجَره. قالوا: لمّا رجع من حضر بدراً من المشركين
إلى مكّة وجَدوا العِيرَ التي قدم بها أبو سفيان بن حرب مؤْقُوفةً في دار النّدْوة، فمشت
أشراف قريش إلى أبي سفيان فقالوا: نحن طيّبُو أَنفُسٍ إن تُجهّزوا برِبح هذه العير
جيشاً إلى محمد، فقال أبو سفيان: وأنا أوّل من أجاب إلى ذلك وبنو عبد مناف معي ؛
فباعوها فصارت ذهباً فكانت ألفَ بعير والمال خمسين ألف دينار، فسلّم إلى أهل
العير رؤوس أموالهم وأخرجوا أرباحهم، وكانوا يَرْبَحُون في تجارتهم للدينار ديناراً،
وفيهم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أُمَوالَهُمْ لِيَصُدّوا عن سَبِيلِ الله﴾ [الأنفال:
٣٦]؛ وبعثوا رُسُلَّهُم يسيرون في العرب يدعونهم إلى نصرهم، فأوعبوا وتألّب من كان
معهم من العرب وحضروا، فأجمعوا على إخراج الظّعن، يعني النساء، معهم
ليذكّرنهم قَتَلَى بدر فُحفِظَنَهُم فيكونَ أحدٌ لهم في القِتال. وكتب العبّاس بن
عبد المطّلب بخبرهم كلّه إلى رسول الله، ﴿، فأخبر رسول الله، وَل*، سعد بن
الرّبيع بكتاب العبّاس، وأرجف المنافقون واليهود بالمدينة، وخرجت قريش من مكّة
ومعهم أبو عامر الفاسق، وكان يسمّى قبل ذلك الرّاهب، في خمسين رجلاً من قومه،
وكان عددهم ثلاثة آلاف رجل فيهم سبعمائة دارع، ومعهم مائتا فرس وثلاثة آلاف
بعير، والظعن خمس عشرة امرأة، وشاع خبرهم ومسيرهم في الناس حتى نزلوا ذا
الحُليفة، فبعث رسول الله، وَّه، عينَيْنِ له أنَّساًّ ومُؤنِساً ابني فَضَالة الظّفَرِيِّين، ليلة
الخميس لخمس ليال مضينَ من شوّال، فأتيا رسولَ الله، وَّ، بخبرهم وأنّهم قد
خلّوا إبلهم وخيلهم في الزرع الذي بالعُريض حتى تركوه ليس به خضراءُ، ثمّ بعث
الحُبابَ بن المنذر بن الجموح أيضاً فدخل فيهم فحزرهم وجاءه بعلمهم، وبات
(١) تاريخ الطبري (٤٩٩/٢)، وسيرة ابن هشام (١٢٥/٢ - ١٤٣)، والأغاني (١٧٩/١٥ -
٢٠٧)، ومغازي الواقدي (١٩٩ - ٣٣٤).
٢٨
Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
سعد بن مُعاذ وأسيد بن حُضير وسعد بن عُبادة، في عِدّةٍ ليلة الجمعة، عليهم السّلامحُ
في المسجد بباب رسول الله، وَج1، وحُرست المدينة حتى أصبحوا. ورأى رسول
الله، وَجَ، تلك الليلة كأنّه في درع حصينة، وكأنّ سيفه ذا الفقار قد انفصم من عند
◌ُبَته، وكأنّ بقراً تُذَبّح، وكأنّه مُرْدِفٌ كبشاً، فأخبر بها أصحابَه، وأوّلَها فقال: أمّا
الدّرْع الحصينة فالمدينة، وأمّا انفصامُ سيفي فمُصيبةُ في نفسي، وأمّا البقر المذبّح
فَقَتْلٌ في أصحابي، وأمّا مردفٌ كبشاً فكبشُ الكتيبة يقتله الله إن شاء الله، فكان رأي
رسول الله، *، أن لا يخرج من المدينة لهذه الرؤيا، فأحبّ أن يوافق على مثل رأيه
فاستشار أصحابَه في الخروج فأشار عليه عبدالله بن أبيّ ابن سلول أن لا يخرج، وكان
ذلك رأي الأكابر من المهاجرين والأنصار، فقال رسول الله، وَل *: ((امكثوا في المدينة
واجعلوا النساء والذّراريّ في الآطام)). فقال فتيانٌ أحداثٌ لم يشهدوا بدراً فطلبوا من رسول
اللّه، وَيّ، الخروج إلى عدوهم ورغبوا في الشهادة وقالوا: اخرجْ بنا إلى عدوّنا، فَغَلَبَ على
الأمر الذي يريدون الخروج، فصلّى رسول الله، وَّر، الجمعة بالناس ثمّ وعظهم وأمرهم
بالجدّ والجِهاد وأخبرهم أنَّ لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتهيّؤْ لعدوّهم ففرح النّاس
بالشّخوص، ثمّ صلى بالناس العصر وقد حشدوا وحضر أهل العوالي، ثمّ دخل رسول
الله، ◌َ، بيتّه ومعه أبو بكر وعمر فعمّماه ولبّساه وصفّ الناس له ينتظرون خروجه،
فقال لهم سعد بن معاذ وأسيد بن حُضير: استكرهتم رسولَ الله، وَّر، على الخروج
والأمرُ ينزل عليه من السماء فرُدّوا الأمرَ إليه. فخرج رسول الله، وَّر، قد لبس لأمته وأظهر
الدرع وحزم وسطّها بمِنطَّقَةٍ من أدم من حمائل السيف، واعتمّ وتقلّد السيف وألقى
الترس في ظهره، فندموا جميعاً على ما صنعوا وقالوا: ما كان لنا أن نخالفك فاصنعْ ما
بدا لك، فقال رسول الله، وَ﴾: لا ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتّى يحكم
الله بينه وبين أعدائه، فانظروا ما أمرتُكم به فافعلوه وامضوا على اسم الله فلكم النصر
ما صبرتم. ثمّ دعا بثلاثة أرماح فعقد ثلاثة ألوية، فدفع لواء الأوس إلى أسيد بن
حُضير، ودفع لواء الخزرج إلى الحُباب بن المنذر، ويُقال إلى سعد بن عُبادة، ودفع
لواءه لواء المهاجرين إلى عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، ويُقال إلى مُصعب بن
عُمير، واستخلف على المدينة عبدالله ابن أمِّ مكتوم، ثمّ ركب رسول الله، وَلخير، فرسه
وتنكّب القوسَ وأخذ قناةً بيده والمسلمون عليهم السّلاحُ قد أظهروا الدّروع فيهم مائة
دارع، وخرج السّعدانِ أمامَه يعدُوَانٍ: سعد بن معاذ وسعد بن عُبادة، وكلّ واحد منهما
٢٩
Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
دارعٌ والنّاس عن يمينه وشماله. فمضى حتّى إذا كان بالشّيخين، وهما أطمان، التفت
فنظر إلى كتيبة خشناء لها زُجَلٌ فقال: ما هذه؟ قالوا: حلفاء ابن أُبيّ من يهود؛ فقال
رسول الله، 18: ((لا تستنصروا بأهل الشرك على أهل الشرك)). وعرض من عرض
بالشيخين فردّ من ردّ وأجاز من أجاز، وغابت الشمس وأذّن بلال المغرب فصلّى
النبيّ، وَّر، بأصحابه وبات بالشيخين وكان نازلاً في بني النجّار، واستعمل على
الحَرَس تلك الليلة محمد بن مسلمة في خمسين رجلاً يُطيفون بالعسكر. وكان
المشركون قد رأوا رسول الله، وَله، حيث راح ونزل، فاجتمعوا واستعملوا على
حَرَسهم عكرمة بن أبي جهل في خيل من المشركين، وأدلج رسول الله، وَّر، في
السحر ودليله أبو حَثمة الحارثي فانتهى إلى أُحُد إلى موضع القنطرة اليوم فحانّت
الصلاة، وهو يرى المشركين، فأمر بلالاً وأذّن وأقام فصلّى بأصحابه الصبح صفوفاً،
وانخزل ابن أبيّ من ذلك المكان في كتيبة كأنّه هَيقٌ يقدمهم وهو يقول: عصاني
وأطاع الولدانَ ومن لا رأيَ له، وانخزل معه ثلاثمائة، فبقي رسول الله، وَّر، في
سبعمائة ومعه فرسه وفرس لأبي بُرْدَةً بن نيار، وأقبل يصفّ أصحابه ويسوّي الصّفوف
على رجليه، وجعل ميمنةً وميسرةً وعليه درعان ومغفر وبيضة، وجعل أُحُداً خلف ظهره
واستقبل المدينة، وجعل عَينَيْنٍ جبلاً بقناة عن يساره وجعل عليه خمسين من الرّماة،
واستعمل عليهم عبدالله بن جُبير وأوعز إليهم فقال: قوموا على مصافّكم هذه فاحموا
ظهورنا، فإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تَشرَكونا، وإن رأيتمونا نُقتَل فلا تنصرونا، وأقبل
المشركون قد صفّوا صفوفهم واستعملوا على الميمنة خالد بن الوليد وعلى الميسرة
عكرمة بن أبي جهل، ولهم مُجنّبتان مائتا فرس، وجعلوا على الخيل صفوان بن أمّيّة،
ويقال عمرو بن العاص، وعلى الرّماة عبدالله بن أبي ربيعة، وكانوا مائة رامٍ ، ودفعوا
اللّواء إلى طلحة بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة عبدالله بن عبد العُزّى بن عثمان بن
عبد الدار بن قُصيّ. وسأل رسول الله، وَّرَ: ((مَن يحمل لواء المشركين؟)) قيل : .
عبد الدار، قال: ((نحن أحقّ بالوفاء منهم، أين مُصعَب بن عُمير؟)) قال: هَأنَذا، قال:
((خُذ اللّواء))، فأخذه مصعب بن عُمير فتقدّم به بين يدي رسول الله، وََّ، فكان أوّلَ
من أنشب الحرب بينهم أبو عامر، فقال المسلمون: لا مرحباً بك ولا أهلاً، يا فاسق!
قال: لقد أصاب قومي بعدي شرّ، ومعه عَبِيدُ قريش، فتراموا بالحجارة هم
والمسلمون حتى ولّى أبو عامر وأصحابه، وجعل نساء المشركين يضربن بالأكبار
٣٠
Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
والدّفوف والغرابيل ويحرّضن ويذكّرنهم قَتلَى بدر ويقلن:
نَحنُ بنَاتُ طارِقْ نَمْشِي عَلى النّمَارِقْ
إنْ تُقبِلُوا نُعانِقْ أَوْ تُذْبِرُوا نُفَارِقْ
فِرَاقَ غَيرٍ وامِقْ(١)
قال: ودنا القوم بعضهم من بعض والرّماة يَرْشُقون خيل المشركين بالنبل فتولّى
هوازن، فصاح طلحة بن أبي طلحة صاحب اللواء: من يبارز؟ فبرز له عليّ بن
أبي طالب، رضي الله عنه، فالتقيا بين الصفّين فبدره عليّ فضربه على رأسه حتّى
فلق هامته فوقع، وهو كبش الكتيبة، فسُرّ رسول الله، وَلير، بذلك وأظهر التكبير،
وكبّر المسلمون وشدّوا على كتائب المشركين يضربونهم حتّى نَغَضَت صفوفُهم،
ثمّ حمل لواءهم عثمان بن أبي طلحة أبو شيبة وهو أمام النسوة يرتجز ويقول:
إنّ عَلَى أهلِ اللّواءِ حَقّا أنْ تُخضَبَ الصّعدَةُ أوْ تَنْدَقًّا
وحمل عليه حمزة بن عبد المطّلب فضربه بالسيف على كاهله فقطع يده
وكَّتِفَه حتى انتهى إلى مُؤتَزَرِهِ وبدا سُحرُه، ثمّ رجع وهو يقول: أنا ابن ساقي
الحَجِيج ثمّ حمله أبو سعد بن أبي طلحة فرماه سعد بن أبي وقّاص فأصاب حَنجَرَتَه فأدلع
لسانَه إِذْلاَعَ الكلب فقتله، ثمّ حمله مُسافِع بن طلحة بن أبي طلحة فرماه
عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فقتله، ثمّ حمله الحارث بن أبي طلحة فقتله
الزبير بن العوّام، ثمّ حمله أرطاة بن شُرَحبِيل فقتله عليّ بن أبي طالب، ثمّ حَمله
شريح بن قارظ فلسنا ندري مَن قتله، ثمّ حمله صُؤاب غلامهم وقال قائل: قتله
سعد بن أبي وقّاص، وقال قائل: قتله عليّ بن أبي طالب، وقال قائل: قتله
قُزْمان، وهو أثبتُ القول.
فلمّا قُتل أصحاب اللواء انكشف المشركون منهزمين لا يلوون على شيء،
ونساؤهم يدعون بالويل، وتبعهم المسلمون يضعون السلاح فيهم حيث شاؤوا
(١) كذا في مغازي الواقدي (٢٢٥)، وفي تاريخ الطبري (٥١٠/٢) هكذا:
إن تقبلوا نعائق
نحن بنات طارق
تدبروا نفارق
ونبسط على النمـارق أو
فراق غير وامق
٣١
Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
حتى أجهضوهم عن العسكر، ووقعوا ينتهبون العسكر ويأخذون ما فيه من
الغنائم، وتكلّم الرّماة الذين على عَينَين واختلفوا بينهم، وثبت أميرهم عبدالله بن
جُبير في نفر يسير دون العشرة مكانهم، وقال: لا أجاوز أمرَ رسول الله، و ◌َ﴾،
ووعظً أصحابَه وذكّرهم أمرَ رسول الله، وَله، فقالوا: لم يُرِدْ رسول الله، وَّر،
هذا، قد انهزم المُشركون فما مُقامنا هاهنا؟ فانطلقوا يتبعون العسكر ينتهبون
معهم وخلّوا الجبل، ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلّة أهله فكرّ بالخيل
وتبعه عكرمة بن أبي جهل فحملوا على من بقي من الرّماة فقتلوهم، وقُتل أميرهم
عبدالله بن جُبير، رحمه الله، وانتفضت صفوف المسلمين واستدارت رَحاهم
وحالتِ الرّيحِ فصارت دَبُوراً، وكانت قبل ذلك صباً. ونادى إبليس لعنه الله أنّ
محمداً قد قُتِل. واختلط المسلمون فصاروا يقتتلون على غيرٍ شعار ويضرب
بعضهم بعضاً ما يشعرون به من العَجَلَة والدّهَش، وقُتل مُصعّب بن عُمير فأخذ
اللواءَ مَلَكٌ في صورة مُصعَب، وحضرت الملائكة يومئذ ولم تُقاتل، ونادى
المُشركون بِشعارهم: يا للعُزّى! يا لَهُبَل! وأوجعوا في المسلمين قتلاً ذريعاً،
وولّى من ولّى منهم يومئذ وثبت رسول الله، وَلچر، ما يزول يرمي عن قوسه حتى
صارت شظايا ويرمي بالحجر، وثبت معه عصابة من أصحابه أربعة عشر رجلاً:
سبعة من المهاجرين فيهم أبو بكر الصدّيق، رضي الله عنه، وسبعة من الأنصار،
حفى تحاجزوا ونالوا من رسول الله، وَّ، في وجهه ما نالوا، أُصيبّت رَبّاعِيته
وكُلِم في وجنتيه وجبهته وعلاه ابن قَمِيئة بالسيف فضربه على شقّه الأيمن، واتّقاه
طلحة بن عبيد الله بيده فشلّت إصبعه، وادّعى ابن قَمِيئة أنّه قد قتله، وكان ذلك
ممّا رعّب المسلمين وكسرهم.
من قُتل من المسلمين يوم أحد (١)
وقُتل يومئذ حمزة بن عبد المطلب، رحمه الله، قتله وحشيّ، وعبدالله بن
جحش، قتله أبو الحكّم بن الأخنس بن شَريق، ومُصعَب بن عُمَير، قتله ابن
قَمِيئة، وشمّاس بن عُثمان بن الشّريد المخزومي، قتله أبيّ بن خلف الجُمّحي،
(١) مغازي الواقدي (٣٠٠ - ٣٠٧).
٣٢
Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
وعبدالله وعبد الرّحمن ابنا الهُبيب من بني سعد بن ليث، ووهب بن قابوس
المُزَني، وابن أخيه الحارث بن عُقبة بن قابوس.
وقُتل من الأنصار سبعون رجلاً، فيهم عمرو بن معاذ أخو سعد بن مُعاذ،
واليمان أبو حُذيفة، قتله المسلمون خطأً، وحنظلة بن أبي عامر الراهب، وخيثمة
أبو سعد بن خيثمة، وخارجة بن زيد بن أبي زهير صهر أبي بكر، وسعد بن
الربيع، ومالك بن سِنان أبو أبي سعيد الخُدْري، والعبّاس بن عُبادة بن نَضْلة،
ومحذّر بن ذياد، وعبدالله بن عمرو بن حرام، وعمرو بن الجموح في ناس كثير من
أشرافهم .
وقُتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلاً، فيهم حَمَلَة اللواء وعبدالله بن
حُمَيد بن زُهير بن الحارث بن أسد بن عبد العُزّى، وأبو عزيز بن عُمير، وأبو
الحكم بن الأخنس بن شَريق الثقَفي، قتله عليّ بن أبي طالب، وسباع بن
عبد العُزّى الخزاعي، وهو ابن أمّ أنمار قتله حمزة بن عبد المطلب، رضي الله
عنه، وهشام بن أبي أميّة بن المغيرة، والوليد بن العاص بن هشام، وأُميّة بن أبي
حُذيفة بن المُغيرةُ، وخالد بن الأعلم العُقيلي، وأَبيّ بن خَلَف الجُمَحي قتله
رسول الله، وَ﴿، بيده، وأبو عَزّة الجمَحي واسمه عمرو بن عبدالله بن عُمّير بن
وهب بن حُذافة بن جُمَح، وقد كان أسِر يوم بدر فمَنّ عليه رسول الله، قدَّره،
فقال: لا أكثر عليك جمعاً، ثمّ خرج مع المشركين يوم أُحُد فأخذه رسول الله،
﴿ ﴿، أسيراً ولم يأخذ أسيراً غيره فقال: مُنّ عليّ يا محمد! فقال رسول الله،
وَّه : ((إنّ المُؤمن لا يُلدَغُ من جُحرٍ مرّتين، لا ترجع إلى مكّة تمسح عارضَيك
تقول: سَخِرْتُ بمحمد مرّتين))، ثمّ أمر به عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فضرب عنقه،
فلما انصرف المُشركون عن أُحُد أقبل المسلمون على أمواتهم وأُتي رسول
الله، ومَ، بحمزة بن عبد المطّلب فلم يغسله ولم يغسل الشهداء وقال: (لُفّوهم
بدمائهم وجراحهم، أنا الشهيد على هؤلاء، ضَعوهم)). فكان حمزة أوّلَ من كبّر
عليه رسول الله، وَ﴿، أربعاً ثمّ جُمع إليه الشهداء، فكان كلّما أُتي بشهيد وُضع
إلى جنب حمزة فصلّى عليه وعلى الشهيد حتى صلّى عليه سبعين مرّة، وقد
سمعنا من يقول: لم يصلّ رسول الله، وََّ، على قَتلَى أُحُد. وقال رسول الله،
﴿َّ: ((احفروا وأعمِقوا وأوسِعوا وقَدّموا أكثرهم قرآناً». فكان ممن نعرف أنّه دُفن
٣٣
Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
في قبر واحد عبدالله بن عمرو بن حرام، وعمرو بن الجموح في قبر، وخارجة بن
زيد وسعد بن الرّبيع في قبر، والنعمان بن مالك وعَبدة بن الحَسحاس في قبر
واحد، فكان النّاس أو عامّتهم قد حملوا قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم في
نواحيها. فنادى منادي رسول الله، وَّ﴾: رُدّوا القتلى إلى مضاجعهم. فأدرك
المنادي رجلاً واحداً لم يكن دُفن فَرُدٌ، وهو شَمّاس بن عثمان المخزومي.
ثمّ انصرف رسول الله، وَّرَ، يومئذ فصلّى المغرب بالمدينة وشمِتَ ابن أُبيّ
والمنافقون بما نيل من رسول الله، ج1، في نفسه وأصحابه، فقال رسول الله،
وَليم: ((لن ينالوا منّا مثل هذا اليوم حتى نستلم الرّكن))، وبكت الأنصار على
قتلاهم فسمع ذلك رسول الله، وَل﴿، فقال: ((لكنّ حمزة لا بَواكيَ له)) .. فجاء نساء
الأنصار إلى باب رسول الله، وَ﴿، فبكين على حمزة فدعا لهنّ رسول الله، وَّل،
وأمرهنّ بالانصراف؛ فهنّ إلى اليوم إذا مات الميّت من الأنصار بدأ النساء فبكين
على حمزة ثمّ بكين على ميّتهنّ.
أخبرنا جَرير بن عبد الحميد عن عطاء بن السائب عن الشعبيّ قال: مكر
رسول الله، قَالچ، يوم أُحُد بالمشركين، وكان ذلك أوّل يوم مكر فيه.
أخبرنا هشيم بن بشير قال: أخبرنا حُميد الطويل عن أنس بن مالك أنّ
النبيّ، وَهُ، كُسرَت رَباعيتهُ يوم أُحُد وشُجّ في جبهته حتى سال الدم على
وجهه، صلوات الله عليه ورضوانه ورحمته وبركاته. فقال: ((كيف يُفلح قوم فعلوا
هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى ربّهم؟)) فنزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ
أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
أخبرنا أبو أسامة حمّاد بن أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة
قالت: لمّا كان يوم أُحُد هُزم المشركون فصاح إبليس: أي عباد الله أُخراكم.
قال: فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فنظر حُذيفة فإذا هو بأبيه اليمان
فقال: عباد الله، أبي! أبي! قالت: والله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حُذيفة:
غفر الله لكم. قال عروة: فوالله ما زال في حذيفة منه بقيّةُ خيرٍ حتى لحق بالله .
أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن أبي الزّبير عن
جابر بن عبد الله أنّ رسول الله، وَ﴿، قال: «رأيت كأنّي في درع حصينة ورأيت
بقراً منخّرة فأوّلتُ أنّ الدّرع المدينة والبقر نَفَرٌ، فإن شئتم أقمنا بالمدينة، فإن دخلوا
٣٤
Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
علينا قاتلناهم فيها). فقالوا: والله ما دخلت علينا في الجاهليّة فتدخلَ علينا في
الإِسلام. قال: ((فشأنَكم إذاً))، فذهبوا فلبس رسول الله، وَّه، لأمته. فقالوا: ما
صنعنا؟ رددنا على رسول الله، ﴿، رأيَهُ. فجاؤوا فقالوا: شأنَك يا رسولَ الله. فقال:
((الآن ليس بنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل)).
حدّثنا محمد بن حُميد العبدي عن معمر عن قتادة: أنّ رَباعية النبيّ، وَّرُ،
أصيبت يوم أُحُد، أصابها عتبة بن أبي وقّاص وشجّه في جبهته، فكان سالم مولى
أبي حُذيفة يغسل عن النبيّ، و﴿، الدم والنبيّ، وَ ل، يقول: ((كيف يُفلِحِ قوم
صنعوا هذا بنبيّهم؟)) فأنزل الله، تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ
عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (إلى آخر الآية).
أخبرنا محمد بن حُميد عن معمر عن الزهري أنّ الشيطان صاح يوم أُحُد:
إنّ محمّداً قد قُتِل. قال كعب بن مالك: فكنت أنا أوّلَ من عرف النبيّ، وَّهِ،
عرفت عينيه تحت المغفر فناديت بصوتي الأعلى: هذا رسول الله! فأشار إليّ أن
اسْكُتْ فأنزل الله، تعالى جدّه: ﴿وَمَا مُحَمّدٌ إلّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ
مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] (الآية).
أخبرنا قتيبة بن سعيد البلخي، أخبرنا ليث بن سعد عن عبد الرحمن بن
خالد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب أن أُبيّ بن خلف الجُمَحِي أَسِر يومٍ
بدر، فلمّا افتدي من رسول الله، وَ له، قال لرسول الله، و ◌َل *: إنّ عندي فرساً
أعلِفُها كلّ يومٍ فَرَقَ ذُرَةٍ لعلِّي أقتلك عليها، فقال رسول الله، وَلَّ: ((بل أنا أقتلك
عليها إن شاء الله))، فلمّا كان يوم أُحُد أقبل أُبيّ بن خلف يركض فرسَه تلك حتى
دنا من رسول الله، وَل*، فاعترض رجال من المسلمين له ليقتلوه فقال لهم رسول
الله، وَّ: ((استأخِروا استأخِروا،)) فقام رسول الله، وَّل، بِحَرْبَةٍ في يده فرمى بها
أُبيّ بن خلف فكسرت الحربةُ ضلعاً من أضلاعه، فرجع إلى أصحابه ثقيلاً
فاحتملوه حتى ولّوا به وطفقوا يقولون له: لا بأس بك! فقال لهم أبيّ: ألم يقُلْ
لي : بل أنا أقتلك إن شاء اللّه؟ فانطلق به أصحابه فمات ببعض الطريق فدفنوه.
قال سعيد بن المسيّب: وفيه أنزل الله، تبارك وتعالى: ﴿وَمَا رَمَّيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ الله
رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] (الآية).
أخبرنا عتّاب بن زياد، أخبرنا عبدالله بن المبارك عن سُفيان بن عيينة عن
٣٥
Converted by Tiff Combine - (no stamps are applied by registered version)
يزيد بن خُصيفة عن السائب بن يزيد أو غيره قال: كانت على رسول الله، و10َ،
یوم ◌ُحُد درعان.
أخبرنا عتّاب بن زياد، أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا سفيان بن عيينة قال:
لقد أصيب مع رسول الله، وَلّر، يوم أَحُد نحو من ثلاثين كلّهم يجيء حتى يجثو
بين يديه، أو قال: يتقدّم بين يديه، ثمّ يقول: وجهي لوجهك الوفاء ونفسي
لنفسك الفداء وعليك سلام الله غير مودّع.
أخبرنا الحسن بن موسى الأشيب وعمروبن خالد المصري قالا: أخبرنا
زهير بن معاوية، أخبرنا أبو إسحاق عن البراء بن عازب قال: لمّا كان يوم أُحُد
جعل رسول الله، وَ﴿، على الرماة، وكانوا خمسين رجلاً، عبد الله بن جُبير
الأنصاري ووضعهم موضعاً وقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطّيرُ فلا تبرحوا مكانَكُم
حتى أرسِل إليكم، وإن رأيتمونا قد هَزَمنا القومَ وظهرنا عليهم وأوطأناهم فلا
تبرحوا حتى أرسل إليكم، قال: فهزمهم رسول الله، وَّر، فأنا والله رأيت النساء
يشتددن على الجبل قد بدت أسؤقهنّ وخلاِلُهنّ رافعاتٍ ثيابهنّ، فقال أصحابُ
عبدالله بن جُبير: الغنيمةً! أيْ قومِ الغنيمةَ! قد ظهر أصحابكم فما تنظرون؟ فقال
عبدالله بن جُبير: أَنَسِيتُم ما قال لكم رسول الله، وَّرَ؟ فقالوا: إنّا والله لنأتينٌ
الناس فلنُصيبنّ من الغنيمة. قال: فلما أتوهم صُرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين،
فذلك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يبق مع رسول الله، ص1، غير اثني عشر
رجلاً فأصابوا منّا سبعين رجلاً. وكان رسول الله، وَّر وأصحابه، أصاب من
المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيراً وسبعين قتيلاً، فأقبل أبو سُفيان
فقال: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرّات، قال: فنهاهم رسول الله، وَلَّ، أن
يجيبوه، ثمّ قال: أفي القوم ابن أبي قُحافة؟ أفي القوم ابن أبي قُحافة؟ أفي القوم
ابن أبي قُحافة؟ أفي القوم ابن الخطّاب؟ أفي القوم ابن الخطّاب؟ أفي القوم ابن
الخطّاب؟)) قال أبو إسحاق: اتّهم، قال الحسن بن موسى أي ليس فوقهم أحد.
ثمّ أقبل أبو سفيان على أصحابه فقال: أمّا هؤلاء فقد قُتلوا وقد كُفيتموهم، فما
ملك عمرُ نفسه أن قال: كذبتَ والله يا عدوّ الله! إنّ الذين عددت لأحياءٌ كلّهم وقد
بقي لك ما يسوءك. قال: فقال يومٌ بيوم بدر والحربُ سِجالٌ ثمّ إنّكم ستجدون في
القوم مُثْلَةً لم آمُرْ بها ولم تَسُؤني .. ثمّ جعل يرتجز ويقول: أعلُ هُبَل، أعلُ هُبَل!
٣٦