Indexed OCR Text

Pages 161-180

فانظروا عَمِّنْ تأخذونَ دينَكُم (١).
وقال الأوْزاعيُّ، عن سُليمانَ بن موسَى : لقيتُ طاوُوساً فقلتُ:
حَدَّثَنِي فلانٌ كَيْتَ وَكَيْتَ(٢)، قال: إن كانَ مَلِيّاً، فَخُذْ عَنْهُ(٣).
وقالَ عبدُ الرحمانِ بنُ أبي الزِّنادِ، عن أبيهِ: أدركتُ بالمدينةِ مئةً
كُلُّهم مأمونٌ ما يؤخذُ عنهُم الحديثُ، يُقالُ : ليسَ من أهلِهِ .
وقال أبو إسماعيلَ التّرمذيُّ ، عن إسماعيلَ بنِ أبي أويسٍٍ
سمعتُ خالي مالكَ بنَ أَنَسٍ يقولُ: إن هذا العلمَ دينٌ،َ فانظُروا عَمَّنَ
تأخُذُونَ دينَكُم. لقد أدركتُ عددَ هذِهِ الأساطين- وأشار إلى مسجدٍ
رسولِ اللهِ وَلَهُ ـ مَنْ يقولُ: قال فلانٌ، قالَ رسولُ الله ◌َّهِ، فما أخذتُ
عنهم شيئاً، وإنَّ أحدَهُم لو ائْتُمِنَ على بيتٍ مالٍ كان أميناً، لأنّهم لم
يكونُوا من أهل هذا الشأن، ويَقْدَمُ علينا محمدُ بنُ مُسْلم بنِ عُبِيدِ اللهِ
ابنِ شِهابِ الزُّهَرِيُّ، وهوَ شابٌّ فنزدَحِمُ على بابِهِ . .
وقال عمرو بنُ عليٍّ : سمعتُ يحيى بنَ سَعيدٍ، قالَ: سألتُ
سُفيانَ الثَّورِيَّ وشُعْبَةَ ومالِكاً وسُفيانَ بنَ عُيَيْنَةَ عنِ الرَّجُلِ لا يكونُ ثَبْتَاً
في الحديثِ، فيأتيني الرَّجلُ، فيسألنِي عنهُ؟ فقالُوا: أَخْبِرَّ عنه أَنَّهُ ليسَ
يثْتٍ.
وقال أبو هَمّامِ الوليدُ بنُ شُجاعِ : سَمِعتُ عُبَيْدَ اللهِ الأشجعيّ
يذكرُ عن سفيانَ الثورَيِّ قَالَ: ليسَ يكادُّ يُفْلِتُ مِنَ الغَلَطِ أحدٌ، إذا كانَ
الغالِبَ على الرجل الحفظ، فهو حافظً وإن غلِطَ، وإذا كان الغالبَ
عليه الغَلَطُ، تُركَ.
(١) رواه مسلم في مقدمة صحيحه ((باب بيان أن الإسناد من الدين)).
(٢) قد تفتح تاء «کیت» وقد تکسر وهما لغتان فيها.
(٣) رواه مسلم في مقدمة صحيحه ((باب بيان أن الإسناد من الدين))، ومعظم الأقوال الآتية في مقدمات
كتب الحديث فراجعها، ولا سيما صحيح مسلم.
١٦١

((وقال نُعَيْمُ بنُ حَمّادٍ عنِ عبدِ الرحمانِ بن مهديٍّ: سألتُ- أو
سُئِلَ - شعبة عَمَّنْ يُتَرَكُ))(١) حديثُهُ، قالَ: إذا رَوَىَ عن المعروفينَ ما لا
يعرفُهُ المعروفونَ(٢) فَأكثَرَ، طُرحَ حديثُهُ، وإذا اتُّهِمَ بالكَذِب، طُرحَ
حَديثُهُ، ((ومَن رَوَى حديثاً غَلَطَأً مُجتَمعاً عليه، فَتَمَادَى في روايتِهِ،
طُرحَ حديثُهُ، ومَن أكثرَ من الغلَطِ طُرحَ حديثُهُ))(٣)، وما كانَ غيرَ هؤلاءِ
فاروُوا عنهُ.
وقال أبو موسى محمدُ بنُ المُثَنَّى: سمعتُ عبدَ الرحمان بن
مهْديٍّ يقولُ: المُحدِّثونَ ثلاثةٌ: رجلٌ حافظُ مُنْقِنٌ، فهذا لا يُخْتَلَفُ
فيه، والآخرُ يَهمُ، والغالِبُ على حديثهِ الصِّحةُ، فهذا لا يُتْرَكُ حديثُهُ،
ولو تُركَ حديثُ مثل هذا، ، لَذهبَ حديثُ الناس ، والآخرُ يَهمُ،
والغالبُ على حديثِهَ الوَهْمُ، فهذا يُتْرَكُ حديثُهُ.
وقال أحمدُ بنُ مُلاعِبِ البغداديُّ: سَمِعتُ أبا نُعَيْمِ الفضلَ بنَ
دُكَيْن يقولُ: لا يَنْبغي أن يُؤخذَ الحديثُ إلا عن حافظٍ له، أمينِ عليهِ،
عارفٍ بالرجالِ .
وقالَ أحمدُ بنُ أبي الحَوارِيِّ(٤): سَمِعتُ مَروانَ بنَ محمدٍ
يقولُ: لا غِنى لصاحِب حديثٍ عن صِدقٍ وحِفظٍ وصِحةٍ كُتُب فإِذا
أخطَأتْهُ واحدةٌ وكانت فيه واحدة، لم يَضُرَّهُ إنْ لم يكُنْ له حِفظٌ وَرَجَعَ
إلى الصّدق وكُتُبُهُ صحيحةٌ لم يَضُرَّهُ إن لم يَحْفظْ.
(١) سقطت هذه العبارة من ((د)).
(٢) في ((د)): المعرفون.
(٣) ما بين الحاصرتين ساقط من ((د)).
(٤) قَيّد ناسخ ((د)» راء ((الحواري)) بالفتح. وذكره الذهبي في المشتبه: ٢٥٧ وضبطه بالقلم بفتح الحاء
المهملة، ولكن لم يظهر في المطبوع ما يشير إلى حركة الراء. وقال ابن حجر في تبصير المنتبه (٥٥٣): ((الحواري:
واحد الحواربين على الأصح. وكان بعض الحفاظ يقوله بفتح الراء)». يذكر ابن ناصر الدين في توضيحه لمشتبه
الذهبي أن في حاء ((الحواري)) الفتح والكسر مع تخفيف الواو فيها وتشديد آخره مع كسر الراء، ثم قال: ((وحكى
الحسن بن محمد البكري ضم الحاء وفتح الراء، وهو غريب.)) (المجلد الأول)» الورقة: ٢٢٦ من نسخة الظاهرية).
وأحمد بن أبي الحواريّ هذا هو: أحمد بن عبد الله بن ميمون التغلبيّ، سيأتي في هذا المجلد (الرقم: ٦٢).
١٦٢

وقال محمد بنُ أَبَان البَلْخِيُّ: سَمِعتُ عبدَ الرحمانِ بنَ مَهْدِيِّ
يقولُ: مَنِ رأى رأياً ولم يَدْعُ إليهِ، احْتُمِلَ، ومَن رأى رأياً دَعا إليه، فقد
استحقَّ التّرْكَ.
وقال محمد بنُ عمروِ الغَزِيُّ، عن رَوَادِ (١) بن الجَرَاحِ: سَمِعتُ
سُفيانَ الثَّوري يقول: خُذُوا هذه الرَّغائِبَ وهَذه الفَضَائِلَ عن
المشيخّةِ، وأما الحلال والحرامُ، فلا تأخذوهُ إلا عَمَّن يَعرِفُ الزيادةَ فيهِ
من النّقصِ .
وقال الرَّبِيعُ بنُ سُلَيْمانَ المُرادُّ: قالَ الشافعيُّ(٢): ولا تقومُ
الحُجَّةُ بخبر الخاصّةِ حتّى يَجْمَعَ أموراً منها:
أن يكونَ مَنْ حَدَّثَ بهِ عالماً بالسُّنّةِ (٣)، ثقة في دينِهِ، معروفاً
بالصدق في حديثِهِ، عاقِلًا لما يُحَدِّثُ به، عالماً بما يُحِيلُ مَعانِيَ
الحديثَ من اللَّفظِ، أو(٤) يكونَ مِمَّن يُؤدي الحديثَ بحروفِهِ كما
سَمِعَهُ(٥) لا يُحَدِّثُ به على المَعنَى؛ لأنّهُ إذا حَدّثَ به على المعنى وهو
غيرُ عالمٍ بما يُحِيلُ معناهُ لا يُذْرَى(٦) لعلَّهُ يُحيلُ الحلالَ إلى الحرام،
فإذا(٧) أدَّاهُ بحروفِهِ، لم(٨) يَبْقَ فيه(٩) وجهٌ يُخاف فيه إحالةٌ
(١) رَوَاد: بتشديد الواو. وسيأتي ذكره في هذا الكتاب.
(٢) الكلام بنصه في كتاب الرسالة للشافعي: ٣٧٠، الفقرات: ١٠٠٠، ١٠٠١، ١٠٠٢.
(٣) ((عالماً بالسنة)) ليست في المطبوع من الرسالة.
(٤) في المطبوع من الرسالة: (وأن)، وراجع تعليق المرحوم الشيخ أحمد شاكر الذي يرجح فيه ((أو)).
(٥) رجح الشيخ أحمد شاكر ((كما سمع)) وقال في تعليقه: في سائر النسخ ((كما سمعه)) والهاء ملصقة في
الأصل، وليست منه. قال بشار عواد: والظاهر أنها من الأصل بدلالة نقل المزي.
(٦) في المطبوع من الرسالة: (لم يَدْرِ».
(٧) في الرسالة: ((وإِذا)).
(٨) في الرسالة: ((فلم)).
(٩) ((فيه)) ليست في المطبوع من الرسالة.
١٦٣

الحديث(١). ويكون (٢) حافظاً إن حَدّثَ من حِفظِهِ، حافِظاً لكتابهِ إن
حَدّثَ من كتابهِ، إذا شَرِكَ أهلَ الحِفْظِ في الحديث وافقَ حديثَهم،
بَرِيّاً (٣) من أنَ يكونَ مُدَلِّساً يُحَدِّثُ عَمَّنْ لَفِيَ بما لَم يَسْمَعْ (٤)، أو
يَحَدِّثُ عِن النبيِّ وَ بما يُحدِّثُ الثَّقاتُ بخلافِهِ عنهُ عليه السلام (٥) .
ويكونُ هكذا مَن فوقَهُ مِمَّن حدَّثَهُ، حتَّى يُنْتَهَى بالحديثِ مَوْصُولاً إلى
النبيِّ ◌َِ .
ومن (٦) عرفناهُ دَلَّسَ مرَّةً فقد أبانَ لنا عَوْرتَهُ في روایتِهِ،
وليسَ: (٧) تلك العورةُ كذِباً، فيُرَدُّ (٨) بها حديثُهُ ولا النصيحَةَ في
الصدقِ، فَتَقْبلُ مِنه ما قَبَلْنا من أهل النصيحة في الصدق فنقول (٩):
لا نقبلُ من مُدَلَّسٍ حديثاً حتَّى يَقُولَ فيهِ: ((سَمِعتُ)) أو ((حدَّثني))
ومَنِ (١٠) كَثُرَ غِلطُهُ مِّن المحدِّثينَ ولم يَكُنْ لهُ أصلُ كتابٍ صحيحٍ لم
يُقبلْ (١١) حديثُهُ.
ونقبلُ خبرَ الواحدِ ونستعمِلُهُ، تَلَقَّهُ العملُ أو لم يُتَلَقَّهُ، وهوَ
مذهبُ أهل الحديثِ. قالَ الشافعيُّ : وكانَ ابنُ سيرينَ والنخعيُّ وغيرُ
(١) رجح محقق الرسالة ((إِحالته الحديث)) وعلق بقوله: ((في النسخ المطبوعة)) إِحالة ((بدون الضمير، وهو
ثابت في الأصل ونسخة ابن جماعة)).
(٢) ((ويكون)) ليست في المطبوع من الرسالة.
(٣) ((برياً)) بتسهيل الهمزة وتشديد الياء.
(٤) في المطبوع من الرسالة: ((يسمع منه)).
(٥) في الرسالة: ((ويحدث عن النبي ما يحدث الثقات خلافه عن النبي)).
تے
(٦) تجاوز المزي الفقرات: ١٠٠٣-١٠٣٢، وما هنا هو بداية الفقرة: ١٠٣٣ من الرسالة، ص: ٣٧٩.
(٧) الرسالة: وليست.
(٨) الرسالة: بالكذب فنرد.
(٩) الرسالة: فقلنا.
(١٠) الرسالة، فقرة: ١٠٤٤.
(١١) الرسالة: نقبل.
.:
١٦٤
.

واحدٍ من التابعينَ يذهبونَ إلى أن لا يقبلوا الحديثَ إلا عَمَّنْ(١)
عُرفَ. قال الشافعيُّ: وما لقيتُ أحداً من أهل العلم يُخالِفُ هذا
المَذْهَبَ.
.. وقال أبو بكرِ الخَلالُ عن عباسٍ بن محمدِ الدُّوْرِيِّ: سَمِعتُ
يَحْيَى بِنَ مَعِيْن يقولُ: دخلتُ على أبي عبدِ اللهِ أحمدَ بن محمدٍ بن
حَنْبلٍ ، فقلتُ له: أوْصِنِي، قالَ: لاَ تُحُدِّثِ المُسنَدَ إلاَ من كتابٍ .
قالَ: وَكذلك قالَ عليُّ ابنُ المَدِيْنِيِّ: قال لي سَيِّدي أحمدُ بنُ حنبل :
لا تُحَدِّثْ إلا من كتابٍ.
وقال أيّوبُ ابنُ المتوكّل ، عن عبد الرحمانِ بنَ مَهْديٍ: الحِفْظُ
الإتقانُ، ولا يكونُ إماماً مَن «حَدَّثَ عن كُلِّ مَن رأىَ، ولا مَن حَدَّثَ
بكُلِّ ما سَمِعَ))(٢).
وقالٌ صالِحُ بنُ حاتِمِ بنِ وَردانَ: سَمعتُ يزيدَ بنَ زُرَيْعٍ يقولُ:
لِكُلِّ دينٍ فُرسانٌ، وفُرسانُ هَذَا الدين أصحابُ الأسانِيْدِ.
وقال البُخاريُّ: سَمِعتُ عَلَيَّ ابِنَ المَدِيْنِيِّ يقولُ: التَّفَقُّهُ في
معاني الحديث نصفُ العِلمِ ، ومعرفةُ الرِّجالِ نَصفُ العِلْمِ .
وقالَ أحمدُ بنُ محمد الأزْرَقُ: سَمِعتُ يَحْنَىْ بِنَ مَعِيْنٍ يقولُ:
آلةُ الحديثِ الصِّدْقُ والشُّهْرَةُ والطَّلَبُ، وتركُ البدَعِ، وَاجتنابُ
الكبائر.
وقال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عَمّارِ المَوْصِلِيُّ: قالَ يحيى بنُ
سعیدٍ: لا تنظروا إلى الحدیثِ، ولکن انظروا إلى الإِسنادِ، فإِن صَحَّ
الإِسنادُ وإلا فَلا تَغْتَرُّوا بالحديثِ إذا لم يَصِحَّ الإِسنادُ.
(١) في م: ((إلا من عرف)) وما أثبتناه من ((د)).
(٢) العبارة التي بين الحاصرتين مكررة في (د)).
١٦٥
٧٠٠٨٢٠٠٠

وقالَ محمدُ بنُ عيسى المُقرىُ، عن إسحاق بن بشْر الرازيِّ :
قالَ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ: ليسَ جَوْدَةُ الحديثِ [ قُرب الإِسْنَادِ؛ جَوْدٌ
الحديث](١) صِحةُ الرِّجالِ .
وقال أبو بكر بنُ خُزَيْمَةَ، عن عبد اللهِ بن هاشمِ الطُّوسيِّ: كُنّا
عندَ وكيعٍ ، فقالَ: الأعمشُ أحبُّ إليكم، عن أبي وائلٍ عن عبدِ اللهِ،
أو سفيانُ عن منصور عن إبراهيمَ عن علقمةَ عن عبد اللهِ؟ فقلنا:
الأعمشُ عن أبي وائلٍ أقربُ، فقال: الأعمشُ شيخٌ، وأبو وائلٍ
شيخٌ، وسفيانُ عن منصورٍ عن إبراهيمَ عن علقمةَ عِن عبدِ اللهِ: فقيهٌ
عن فقيهٍ عن فقيهٍ عن فقيهٍ. زاد غيرُهُ، قال: وحديثٌ يتداولُهُ الفقهاءُ
أَحَبُّ إلينا من حديثٍ يتداولُهُ الشيوخُ.
وقال عليُّ بنُ خَشْرَمٍ (٢): سَمِعتُ وكيعاً يقولُ: لا يَكْمُلُ الرَّجُلُ
أو لا يَنْبُلُ حتَّى يكتُبَ عَمَّنَّ هو فوقَهُ وعَمَّنْ هو مثلُه وعَمَّنْ هو دُونَهُ.
وقال أبو محمد عبدُ اللهِ بنُ مُسْلمٍ بِن قُتَيَِّةَ الدِّيْنَوَرِيُّ: وليسٍ
لأمةٍ من الأمم إسنادُ كإِسنادِهم ، يعني هذه الأمة، رجلٌ عن رجلٍ وثقةٌ
عن ثقةٍ حتى يَبلُغَ بذلك رسولَ اللهِ وَلِّ وصحابتهُ فَيَبِينَ بذلك الصحيحُ
والسقيمُ، والمُتّصِلُ والمُنْقَطِعُ، والمُدَلَّسُ والسليمُ.
(١) سقط من ((م)) من قوله ((قرب)) إلى قوله ((الحديث)).
(٢) خَشْرَم: بفتح الخاء وسكون الشين المعجمتين وفتح الراء، سيأتي في هذا الكتاب.
١٦٦

فصل
فيَمَا روي عَن الْأسْمَة في فضِيلَة هَذِهِ الْكِتُبُ السِّة
قال محمد بنُ أبي نصْر الحُمَيْدِيُّ: سَمِعتُ الفقيهَ أبا محمدٍ عليّ
ابنَّ أحمدَ بن سعيدٍ الحافظَ بالأندلس وقد جَرَى ذكرُ ((الصحيحَين))
فَعَظَّمَ مِنْهُما، ورفَعَ من شأنِهِما ...
وحُكِيَ أنَّ سعيدَ ابنَ السَّكَن(١) اجتمعَ إليه قومٌ من أصحاب
الحديثِ، فقالوا لَهُ: إنَّ الكُتُبَ فِيَ الحَديثِ قد كَثُرَت علينا، فَلَو دَلَّنا
الشيخُ على شيءٍ نقتصِرُ عليهِ مِنْها. فسكتَ عنهُم، ودَخَلَ إلى بيتِهِ،
فأخرجَ أربعَ رُزَمٍ ، فوضَعَ بعضَها على بعضٍ ، فقالَ: هذه قواعدُ
الإِسلام : كتابُ البخاريِّ، وكتابُ مُسْلِمٍ، وكتَابُ أبي داودَ، وكتابُ
النَّسائِيِّ.
وَرَوَيْنا عن إبراهيمَ بن مَعْقِلِ النَّسَفِيّ قالَ: سَمِعتُ محمدَ بنِ
إسماعيلَ البُخاريَّ يقولُ: خَرَّجْتُ كِتَابَ ((الجامِعِ )) في بضعَ عشرةَ سنةً
وجعلتُهُ فيما بيني وبينَ الله حُجَّةً.
وَرَوَيْنا عنهُ أنَّهُ قالَ: سَمِعتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ يقولُ: ما
(١) في هامش النسخ المعتمدة جميعها تعليق نصه: ((هو أبو علي سعيد بن عثمان ابن السكن الحافظ.)) قال
بشار بن عواد : هو بغدادي نزل مصر، وكان حافظاً حجة توفي سنة ٣٥٣ (الذهبي: تذكرة الحفاظ: ٩٣٧/٣،
ووفيات سنة ٢٥٣ من تاريخ الإسلام - مجلد أيا صوفيا: ٣٠٠٨ بخط المؤلف).
١٦٧

أدخِلْتُ في كتاب ((الجامِعِ)) إلَّ ما صَحَّ، وتركتُ من الصحّاحِ لِحالٍ
الطّولِ .
وقال أبو عبدِ اللهِ ابنُ مَنْدَةَ الحافِظُ: سَمِعتُ أبا عليٍّ الحُسَيْنَ بنَ.
عليّ النَّيْسابوريَّ يقولُ: ما تحتَ أديم السماءِ أُصحَّ من كتاب مسلمٍ بنِ
الحَجّاجِ في علمِ الحديث.
وقال محمّدُ بنِ الحُسَيْنُ الماسَرْجسِيُّ عن أبيهِ(١): سَمِعتُ
مُسلِمَ بنَ الحجّاج يقولُ: صَنَّفْتُ هذا المُسْنَدَ الصَّحيحَ من ثلاثٍ مِئَةٍ
ألفِ حديثٍ مَسْموعةٍ.
وقال أحمدُ بنُ سَلَمَةَ النَّيْسابوريُّ: رأيتُ أبا زُرْعَةَ وأبا حاتِمٍ
يُقَدِّمانِ مُسلِمَ بنَ الحجاجَ في معرفةِ الصَّحيحِ على مَشايخِ
عصرهما .
وقال أبو بكر محمدُ بنُ عبدِ العزيز الهاشميُّ المكيُّ : سَمِعتُ أبا
داودَ السِّجستانيَّ بالبصرةِ، وسُئِلَ عن رَسَالَتِهِ التي كتَبَها إلى أهل مكةً
جواباً لهم، فأمَلَيْ علينا: سلامٌ عليكم، فإِنِّي أحمَدُ إليكُمُ الله الذي لا
إلهَ إلا هو، وأسألُهُ أن يُصلّيَ على محمدٍ عبدِهِ ورسولِهِ وَلَ. أما بَعْدُ:
عافانا الله وإياكُم، فهذه الأربعةُ آلافٍ والثمانِ مِئةٍ حديثٍ كلَّها منَ
الأحكام ، فأما أحاديث كثيرةٌ من الزُّهْدِ والفضائِلِ وغيرها من غير
هذا، فلَم أُخَرِّجْهَا، والسلامُ عليكُم ورحمةُ الله وصلَّى الله على محمدٍ
النبيِّ وآلِهِ.
. (١) في حاشية النسخ: ((هو أبو علي الحسين بن محمد)). قال بشار : هو أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد بن
محمد بن الحسين بن عيسى بن ماسرجس - وإليه نسبوا - النيسابوري صاحب المسند العظيم الذي قال الحاكم :
إنه في ألف وثلاث مئة جزء لم يصنف في الإِسلام مثله. توفي سنة ٣٦٥. وهذه العبارة التي رواها عن أبيه في
صحيح مسلم أوردها الحاكم في تاريخُ نيسابور كما جاء في تذكرة الحفاظ: ٩٥٦/٣، وتاريخ الإِسلام للذهبي،
الورقة ٦٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
١٦٨

وقالَ أبو بكر بنُ داسَةَ : سَمِعتُ أبا داودَ يقولُ: كتبتُ عن رسولِ
اللهِ وَلَّ خمسَ مئة ألفِ حديثٍ انتَخْبْتُ منها ما ضمَّنْتُهُ هذا الكتابَ ،
يعني كتابَ السُّنَن، جَمَعتُ فيه أربعةَ آلافٍ حديثٍ وثمان مئةِ حدیثٍ
ذكرتُ الصحيحَ وَما يُشبهُهُ ويُقارِبُهُ، ويكفي الإِنسانَ لدينِهِ من ذلك
أربعةُ أحاديثَ: أَحَدُها قولُه ◌ِ: ((الأعمالُ بالنياتِ))، والثاني قولُهُ إِلـ
: ((مِن حُسْن إسلام المرءِ تركُهُ ما لا يَعْنيه))(١)، والثالثُ: قولُهُ عَةِ: (لا
يكونُ المرءُ(٢) مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضى لِنفسِه))(٣)، والرابعُ:
قولُهُ مَّهِ: ((الحلالُ بَيِّنٌ، والحرامُ بَيِّنْ، وبين ذلك أمورٌ مُشْتَبهاتٌ ...
الحديثَ)) (٤).
وقال أبو بكرِ الصُّوليُّ : سَمِعتُ زكريا بنَ يحَى السَّاجِيَّ يقولُ:
كتابُ الله أصلُ الإِسلام ، وكتابُ السُّنَن لأبي داودَ عَهْدُ الإِسلامِ .
وقال إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَّفّارُ: سَمعتُ محمد بن إسحاقَ
(١) أخرجه الترمذي (٢٣١٨)، وابن ماجه (٣٩٧٦) من حديث أبي هريرة وفي سنده ضعف لكن له شاهد
من حديث الحسين بن علي عند أحمد ٢٠١/١ ، والطبراني، ومن حديث أبي بكر عند الحاكم في الکنی، ومن حديث
أبي ذر عند الشيرازي، ومن حديث علي بن أبي طالب عند الحاكم في تاريخه، ومن حديث زيد بن ثابت عند الطبراني
في الأوسط، ومن حديث الحارث بن هشام عند ابن عساكر، فهو صحيح بهذه الشواهد. (ش).
(٢) في ((د)» : المؤمن.
(٣) أخرجه البخاري ٥٣/١ في الإيمان: باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومسلم (٤٤) في
الإِيمان: باب وجوب محبة رسول الله الغد .. ، والطيالسي (٢٠٠٤)، وأحمد ١٧٧/٣، ٢٠٧، ٢٧٥، ٢٧٨،
والدارمي ٣٠٧/٢، وابن ماجه (٦٥)، وأبو عوانة ٣٣/١ من حديث أنس بن مالك بلفظ (لايؤمن أحدكم حتى
يحب لأخيه ما يحب لنفسه)). وزاد أحمد وأبو عوانة والنسائي والإسماعيلي: ((من الخير)). (ش)
(٤) أخرجه البخاري ١١٦/١، ١١٩ في الإيمان: باب فضل من استبراً لدينه، و٢٤٨/٤ في البيوع: باب
الحلال بَيّن والحرام بين، ومسلم (١٥٩٩) في المساقاة : باب أخذ الحلال وترك الشبهات من حديث النعمان بن
بشير ولفظه بتمامه عن مسلم :
(إِنَّ الحلال بَيّن وإِن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس. فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه
وعرضه. ومَن وقع في الشبهات وقع في الحرام. كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه. ألا وإن لكل
مَلِكٍ حمى. ألا وإِن حمى الله محارمُهُ. ألا وإن في الجسد مضغةُ، إِذا صَلَحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فَسَد
* الجسدُ كُلُّهُ ألا وهي القلبُ)). (ش)
١٦٩

الصَّغَانِيَّ يقولُ: أُلِيْنَ لأبي داودَ الحديثُ كما أُلِيْنَ لداودَ الحَدِيْدُ.
وقالَ أبو سُلَيْمانَ الخَطَّبِيُّ: سَمِعتُ ابنَ الأعرابِّ يِقولُ ونحنُ
نسمعُ منه هذا الكتابَ- يعني كِتَابَ السُّنَّن- وأشارَ إلى النّسْخَةِ وهي بَيْنَ
يذيهِ: لَو أنَّ رجلاً لم يكنْ عندَهُ من العلم إلا المُصحَفُ الذي فیہ کتابُ
الله عَزَّ وجلَّ-، ثم هذا الكتابُ لم يَحْتَجْ معَهما إلى شيءٍ من العلم
بَتَّةً . قالَ الخَطّابيُّ: وهذا كما قالَ لا شكَّ فيه؛ لأنَّ الله تعالى أنزلَ كتابَهُ
تِبْياناً لكُلِّ شيءٍ، وقالَ: ﴿ ما فَرَّطْنا في الكِتاب من شيءٍ﴾(١)، فأخبَرَ
سبحانه وتعالى وبحمدهِ أنه لم يُغادِرْ شيئاً من أمر الدين لم يتضمَّنْ بيانَهُ
الكتابُ. إلا أنَّ البيانَ على ضربين: بَيَانٌ جَلِيٍّ، تناولَهُ الذِّكرُ نصاً،
وبيانٌ خَفِيٌّ اشتَمَلَ على معنى التِّلاوَةِ ضِمناً، فما كانَ مِن هذا الضرب
كانَ تفصيلُ بيانِهِ مِوكولاً إلى النبيِّ بَّهَ، وهو معنى قولِهِ سبحانَهُ
وتَعالَى: ﴿لِتُبيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِم وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ﴾(٢). فمن
جمعَ بينَ الكتاب والسُّنّةِ فَقَد استوفَى وَجْهَيَ البيان. وقد جَمَعَ أبو داودَ
في كتابه هذا من الحديثِ في أصولِ العِلْمِ، وأَمَّهاتِ السُّنَن،
وأحكام الفقهِ ما لا نَعلَمُ مُتَقَدِّماً سَبَقهُ إليه، ولا مُتأخراً، لحقَهُ فِيهَ.
قال أبو سُلَيْمانَ: واعلموا رحِمَكم الله - أنَّ كتابَ السُّنَن لأبي
داودَ كِتابٌ شِرِيفٌ لم يُصَنَّفْ في حُكم الدين كتابٌ مثلُهُ، وقدَ رُزقٌ
القبولَ من كافَّةِ النَّاس ، فصارَ حَكْماً بينَ فِرَقَ العلماء وطبقات الفقهاءِ.
على اختلافِ مَذاهبهم، ولكلٍّ فيهِ ورْدٌ، ومنهُ مَشْرَبٌ، وعليهِ مُعَوَّلُ
أهل العراق وأهل مِصرَ وبلادِ المغرب وكثير من مُدُنٍ أقطار الأرض؛
فأما أَهلُ خُرَاسَانَ فَقَد أَوْلِعَ أكثرُهُم بكتاَب محمد بن إسماعيلٌ، ومسلم
ابن الحَجَّاجِ ومَن نحا نَحْوَهُما في جمعَ الصحيحَ على شرطِهما في
(١) سورة الأنعام، الآية: ٣٨.
(٢) سورة النحل، الآية: ٤٤.
١٧٠

السَّبْكِ والانتقادِ، إلاّ أنَّ كتاب أبي داودَ أحسنُ وَضْعاً، وأكثرُ فِقهاً،
وكتابُ أبي عيسَى أيضاً كتابٌ حَسَنٌ، واللّه تعالى يغفرُ لجماعتِهِم،
ويُحسِنُ على جَميل النَّيةِ فيما سَعَوْا لَهُ مثوبَتَهم برحمتِهِ .
ثم اعلموا أنَّ الحديثَ عندَ أهلِهِ على ثلاثة أقسام : حديثٌ
صحيحٌ، وحديثٌ حَسَنٌ، وحديثٌ سقيمٌ.
فالصحيحُ عندهم: ما اتصل سَنَدُهُ وعُدِّلَتْ نَقَلْتُهُ.
والحسنُ منهُ: ما عُرفَ مَخْرِجُهُ ، واشتهَرَ رجالُهُ، وعليه مدارُ
أكثر الحديث، وهو الذي يقبلُهُ أكثرُ العلماءِ ويستعملُهُ عامّةُ الفقهاء.
وكتَبُ أبي داودَ جامِعٌ لهذين النوعين من الحديث.
فأما السَّقِيْمُ منه، فعَلَى طبقاتٍ شرُّها الموضوع، ثم
المَقْلُوبُ(١)، ثم المجهولُ. وكتابُ أبي داودَ خلِيٍّ منها، بريءٌ من
جُملةِ وُجوهِها؛ وإن وِقَعَ فيه شيءٌ من بعض أقسامِها لضَرب من الحاجةِ
تَدْعُوهُ إلى ذكرهِ، فإِنَّهَ لا يألُو أنْ يُبَيِّنَ أمرَهُ، ويذكُرَ عِلْتَهُ، ويخرُجَ من
عُهدتِهِ.
قال: وَيُحْكَىْ لنا عن أبي داودَ أنَّهُ قالَ: ما ذكرتُ في كتابي
حديثاً اجتمعَ الناسُ علی ترکِهِ.
قال: وكانَ تصنيفُ عُلماءِ الحديثِ قبلَ زمانٍ أبي داودَ الجوامعَ
والمسانيدَ ونحوهما؛ فَتَجْمَعُ تلك الكتبُ إلى ما فيها من السُّنْن
والأحكام أخباراً وقصَصاً ومَواعظَ وآداباً(٢). فأما السُّنَنِ المَحْضةُ فلم
(١) المقلوب نوعان، الأول: أن يكون الحديث مشهوراً براوٍ فيجعل في مكانه آخر في طبقته، والثاني: أن
يؤخذ إسناد متن فيجعل على متن آخر وبالعكس. (انظر التفاصيل في تدريب الراوي: ١٩١ فما بعد).
(٢) تضم كتب ((الجوامع)) جميع أبواب الحديث المعروفة وهي: العقائد، والأحكام، والرقائق، وآداب
الطعام والشراب، والتفسير والتاريخ والسير، والشمائل، والفتن، والمناقب. أما المسانيد جمع مسند فهي تضم
جميع أبواب الحديث أيضاً لكنها مرتبة على أسماء الصحابة، لذلك قال الخطابي هذه المقالة.
١٧١

٠
يَقْصِدْ واحدٌ منهم جمعَهَا واستيفاءَهَا ولم يَقْدِرْ على تحصيلها واختصار
مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة ومن أدلة سياقها على حسب ما
اتفقَ لأبي داودَ، ولذلك حَلّ هذا الكتابُ عنَدَ أئمةِ الحديثِ وعُلماء الأثَر
محلّ العَجَب، فَضُربَتْ فيه أكبادُ الإِبل ، ودامَتْ إليهِ الرِّحَلُ.
وقال أبو سعدٍ عبدُ الرحمان بنُ محمدِ الإِدريسيُّ الحافِظُ : محمدُ بنُ
عيسَى بن سَورةَ التِّرمِذيُّ الحافظُ الضريرُ، أحدُ الأئمةِ الذين يُقْتَدَى
بِهِمْ في علمِ الحديثِ، صَنَّفَ كتابَ ((الجامع)) والتواريخَ والعِلَلَ
تصنيفَ رجلٍ عالِمٍ مُنْتَقٍ، كَان يُضْرَبُ به المثلُ في الحِفْظِ ...
وقالَ أبو الفضل محمدُ بنُ طاهر المَقْدِسيُّ الحافظُ: سَمِعتُ
الإِمامَ أبا إسماعيلَ عبِدَّ اللهِ بنَ محمدٍ الأنصاريَّ بهراةَ، وجَرَى بِينَ
يديهِ ذكرُ أبي عيسَى التَّرمِذيّ وكتابهِ، فقال: كتابُهُ عنْدِي أنفَعُ من کتاب
البُخاريِّ ومُسلمٍ ؛ لأن كتابَي البُخاريِّ ومسلمٍ لا يقِفُ عَلَى الفائدةِ
منهُمَا إلا المتبحِّرُ العالِمُ، وكتابُ أبي عيسَى يَصِلُ إلى فائدتِهِ كلّ أحدٍ
من الناسِ .
وقال أبو الفضل بنُ طاهر أيضاً: سألت الإِمامَ أبا القاسِمِ سَعْدَ
أبنَّ عليٍّ الزِّنْجَانِيَّ بِمكةً عن حالٍ رجلٍ من الرُّواةِ فِوثّقَهُ، فقلتُ: إن أبا
عبد الرحمانِ النّسَائِيَّ ضَعَّفَهُ، فقال: يَا بُنَّيَّ إنّ لأبي عبدِ الرحمانِ في
الرجالِ شْطاً أَشَدَّ من شَرْطِ البُخاريِّ ومُسْلمٍ .
وقال الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ ابنُ البِّعِ الحافظُ: سَمِعتُ أبا الحَسَن
أحمَد بنَ محِبوب الرَّمْلِِّ بمكةَ يقولُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ الرحمان أحمَدَ
ابنَ شُعَيْب النّسائيَّ يقول: لما عَزَمْتُ على جمع كتاب السُّنَنِ استخرتُ
الله تَعالَىَّ في الرواية عن شيوخٍ كانَ فيِ القَلْب منهُم بعضُ الشيءِ،
فوقَعَتْ الخيرةُ على تركِهم، فنزلتُ في جُملةٍ مَن الحديثِ كنتُ أَعُلُو
فیهِ عَنْهُم .
ضم
١٧٢

وقالَ عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدِ المصرِيُّ الحافظُ: سَمِعْتُ أبا عليٍّ
الحسنَ بنَ خَضِرِ السِّيوطيَّ يقولُ: رأيتُ النّبِيَّ ◌َ لَّ في النومِ وبينَ يَدي
كتبٌ كثيرةٌ فيها كَتَابُ السُّنَن لأبي عبد الرحمان، فقال لي ◌َّةٍ: إلى
متى وإلى كَمْ، هذا يكفي، وأخذ بيدِهِ الجزء الأولَ من كِتاب الطّهارَةِ من
السُّنَّن لأبي عبد الرحمان، فوقَعَ في رَوعي أنَّهُ يَعنِي كتابَ السُّنَن لأبي
عبد الرحمانِ أحبُّ إلیهِ.
وقالَ أبو الفضل بنُ طاهر المقدسيُّ : رأيتُ على ظهر جزءٍ
قديمٍ بالرَّيِّ حكايةً كتَبَهَا أبو حاتِمَّ الحافظُ المعروفُ بخامُوشَ- يعني
أحمَدَ بنَ الحسن بن محمدٍ بن خاموشَ الرازيَّ الواعظَ قالَ أبو زُرْعَةً
الرازيُّ: طالعتُ كتَابَ أبي عبدِ الله بن ماجَةَ، فلم أجدْ فِيهِ إلا قدْراً
يسيراً مما فيهِ شيء، وذكرَ قريبَ بضعةَ عَشَر، أو كلاماً هذا معناهُ.
· وقالَ الحافظُ أبو القاسم بنُ عساكر: قرأتُ بخطّ أبي الحسن
عليٍّ بن عُبَيْدِ اللهِ بن الحَسَنِ بَن الحُسَيْن بن بأبُوِيهِ(١) الرازيِّ- شابٍّ
كانَ يَسْمَعُ معَنا الحديثِ بالِرِيِّسَنةَ تسع وَعَشَرِينَ وخمس مئةٍ - قال أبو
عبدِ اللهِ بنُ ماجَةَ: عَرضتُ هذه النسخةَ على أبي زُرْعَةَ فَنَظَرٍ فيهِ،
وقالَ: أَظُنُّ إن وَقَعَ هذا في أيدي الناس تعطّلتْ هذه الجوامِعُ كلّها- أو
قالَ: أكثَرُها- ثم قالَ: لَعَلَّهُ لا يكونُ فيه تمامُ ثلاثينَ حديثاً مما في
إسنادِهِ ضَعْفٌ، أو قالَ : عشرينَ أو نحوَ هذا من الكلامِ ، قالَ: وحُكِيَ
أَنَّهُ نَظَرَ في جُزءٍ من أجزائِهِ وكانَ عندَه في خمسةِ أجزاءٍ(٢).
هذا بعضُ ما حَضَرَنا من أقوالِ الأئمَّةِ في فَضيلةِ هذه الكُتُب
السِّتَّةِ. وأمَّا مناقِبُ مُصَنَّفِيْها وفضائلهُم، فسيأتي ما تَيَّسَّرَ من ذلكَ فيَ
ترجمةِ كُلَّ واحدٍ منهم في مَواضِعِها من الكتاب- إن شاءَ الله تعالى -.
(١) قيد الذهبي بابويه في المشتبه: ٣٨.
(٢) علق الذهبي على هذه! الكاية بقوله: ((سنن أبي عبد الله كتاب حسن لولا ما كدره أحاديث واهية ليست
بالكثيرة)) (تذكرة: ٦٣٦/٢).
+
١٧٣

فصل
وهذا حينَ نبتدئُّ بعون اللهِ تَعالى فيما له قَصَدْنا من الأسماءِ بعد
ذكر نَسَب المصطفى ◌َ* ، وذِكرشيءٍمن سیرتِهِ ومعجزاتِهِ على طريقٍ
الاختصار، إذ الكتابُ لم يوضَعْ لذلك، لكِنْ أحبَبْنا أن لا نُخلِيِّ
الكتابَ مَن ذلِكَ؛ طلباً لِبَرَكِتِهِ، وتشرُّفاً بذكرِهِ وَه .
فأما نَسَبُهُ :
فهو أبو القاسِم محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبد المطلب بن هاشم بن
عبدٍ منافٍ، بن قُصيٍّ، بن كلاب، بن مرَّةً، بن كعب،َ بنَ لؤيٍّ، بن
غالب، بن فِهْر بن مالكِ، بنَ النَّضَر، بن كنانة،َ بن خُزَيْمَةَ، بَنَّ
مُدرِكَةً، بِنَ إِلياسَ،َ بن مُضَرَ، بَن نِزارَ، بن مَعَدٍّ، بن عَدنان. إلى هنا
أجمعَ أهلُ النّسِب، ومَا وراءَ ذلك، فَفيهِ اختلافٌ كَبِيرٌ جداً.
قالَ أبو عُمَرِ بنُ عبدِ البر حافظُ أهل المغرب(١): قالَ محمدُ بنُ
عَبْدةَ بن سُليمانَ النَّسابةُ: أجمعَ النسَّابُون جميعاً: العدنانيةُ والقحطانيةُ
والأعاجَمُ علَى أنَّ إبراهيمَ خليلُ اللهِ عليهِ السلامُ مِن وَلَّدٍ عابر بن شالخَ
ابن أرفَخشذَّ بن سام بن نوحٍ. قال(٢): وأجمعُوا أَنَّ عدنانَ مَن وَلَدِ
(١) الإِنباه على قبائل الرواة: ٤٦.
(٢) يعني محمد بن عبدة.
١٧٤

إسماعيل بن إبراهيمَ عليهما السلامُ إلا أنَّهُم اختلفُوا فيما بينَ عدنانَ
وإسماعيلَ مَن الآباءِ، فذُكِرَّ عن طائفةٍ سَبعةُ آباءٍ بِينَهما، وذُكِرَ عن طائفةٍ
مثلُ ذلك إلا أنَّها خالَفَتْها في بعض الأسماءِ، وعن طائفةٍ تسعةُ آباءٍ .
مُخالِفةً أيضاً في بعض الأسماءِ، وعن طائِفةٍ خمسةَ عشرَ أباً بينَ عدنانَ
وإسماعيلَ. ثم قال(١): وأما الذينَ جَعَلوا بينَ عدنانَ وإسماعيلَ أربعينَ
أباً، فإِنّهم استخرجُوا ذلك من كتاب رَخْيا، وهو يُورِخُ كاتبُ أرميا عليه
السلامُ، وكانا قد حَمَلًا مَعَذَّ بنَ عدنَانَ مِن جزيرة العرب لَياليَ (٢) بُختَ
نَصَّرَ فَأثبتَ رَخْيا في كُتُبِهِ نِسْبَةَ عدنانَ، فهو مَعروفُ عندَ أحبار(٣) أهل
الكتاب وعُلَمَائِهِم مُثَّت في أسفارهِم. قال: وقد وجَدْنا طائفةً من عُلَماءِ
العَرب تحفَظُ لمَعذٍّ أربعينَ أباً بالعربيةِ إلى إسماعيلَ، وتَحْتَجُّ في
أسمائِهِم بالشِّعر من شعر أميّةَ بن أبي الصَّلْتِ وغيره من عُلَماءِ
الشعراءِ (٤) بأمر الجاهليةِ وَمُطالعةِ الكُتُب. وكلَّ الطوائفِ يقولون:
عدنانُ بنُ أَدَدَ،َ إلا طائفةٌ قالت: عدنانُ بنُ أَدٍّ بن أَدَدَ.
قال أبو عُمَرَ(٥): وَرَوَى ابْنُ لهَيعةَ عن أبي الأسودِ أَنَّ سَمِعَ عُروةً
ابنَ الزُّبير يقولُ: ما وَجَدْنا أحداً يَعرفُ ماوراءَ مَعَدٍّ بن عدنانَ، ولا ما وراءَ
قحطانَ إِلا تَخَرُّصاً.
قالَ: وقالَ أبو الأسودِ يتِيمُ عُروةَ: سَمِعْتُ أبا بكر بنَ سُلَيْمانَ بن
أبي حَئْمةً، وكانَ من أعلمِ قُرَيشٍ بأشعارِهِم وأنسابهم، يقولُ: مَا
وجدنا أحداً يعلَمُ ما وراءَ مَعَّدٍّ بن عدنانَ في شعر شاعرٍ ، ولا عِلمٍ
عالِمٍ.
(١) يعني محمد بن عبدة أيضاً.
(٢) في الإِنباه: ليلاً إلى.
(٣) أحبار، جمع حبر، وفي الإِنباه: ((أخبارة مصحف.
(٤) الإِنباه: ((الشعر)) محرث.
(٥) الإنباه: ٤٧- ٤٨.
١٧٥

قال أبو عُمَر (١): وكانَ قومٌ من السلفِ، منهم: عبدُ الله بنُ
مسعودٍ ، وعمرو بنُ ميمونٍ الأوديُّ ومحمدُ بنُ كعب القرظيُّ ، إذا تَلَوْا:
والذينَ مِن بَعدهِم لا يَعلَمُهُم إلّ اللهُ﴾(٢)، قالوا: كَذَبَ النِّسَّابونَ.
٨
قالَ: ومعنى هذا عندنا على غير ماذَهَبُوا إِليه، وإنما المعنَى فيها-
واللهُ أعلمُ - تكذيبُ مَن ادَّعى إحصاءَ بني آدَمَ، فإِنَّهُ لا يُحصيهم إلا الذي
خِلَقَهُم، فإِنَّهُ هو الذي أحصاهُم وحدَه لا شريكَ له. وأما أنسابُ
العَرب، فإِنَّ أهلَ العلمِ بأيامِها وأنسابها قد وَعَوْا، وحَفِظُوا جَماهِيرَها،
وأُمَّهاتِ قَبَائِلِها، واختلَّقُوا في بعضَ فُروعٍ ذلك.
قالَ(٣): والذي عليه أئمةُ هذا الشأنِ فِي نَسَب عدنانَ، قالوا:
عدنانُ بنُ أَدَدَ بن مقوم ، بن ناحورَ، بن تَيْرَحَ، بن يَعْرُبَ، بن یَشْجُبَ،
ابن نابت، بن إسماعيلَ، بَن إبراهيمَ خَلیلِ الرحَمانِ، بن تَارحَ، وهو
آزَرُ، بن ناحَور، بن شارُوخَ، بن رَاغُو(٤)، بن فالخ (٥)، بَن عَيْير، بن
شالخٍ، بن أرفخشذَ، بن سامٍ ،َ بن نوحِ بنَ لامَك، بن متوشّلخَ بنَ
خنوخُ - وَهَو إدريسُ النبيُّ وَ ◌َّ فَيَما يَزِعُمُونَ وَاللهُ أَعلَمُ- وَكان أولَ بَنيَ
آدمَ أُعطِيَ النبوةَ بعدَ آدَمَ وشيث وخَطَّ بالقَلَم - ابن يَرْدَ بن مَھلیل، بن
قَيْنَنَ(٦)، بَنِ يَانَشَ، بَنِ شيث، بِنِ آدَمَ ◌َِ .
قال ابنُ هشامٍ (٧): حدَّثنا زيادُ بنُ عبدِ اللهِ البَكّائيُّ، عن محمدٍ
(١) نفسه: ٤٩.
(٢) سورة إبراهيم، الآية : ٩
(٣) الإِنباه: ٤٩ - ٥٠.
(٤) في المطبوع من الإِنباه: ((أرغو))، وفي سيرة ابن هشام: ((راعو)) ولكن انظر ما سيأتي من الشعر نقلاً عن
الإِنباه: ((وأرغو فنابٌ في الحروب محكم)) مما يدل على أن الذي ذكره ابن عبد البر هو ((أرغو).
(٥) الإنباء: ((فالغ)) وسيأتي في القصيدة كذلك أيضاً فهو الأصح.
(٦) الإِنباه: ((قينان))، وسيأتي في الشعر أنه قينان.
(٧) نقل المزي هذا النص من الإنباه لابن عبد البر أيضاً: ٥٠، وهو في السيرة: ٣/١.
١٧٦
٠٫٠
....

ابن إسحاقَ المُطلبيِّ بهذا الذي ذكرتُ من نسب عدنانَ إلى آدمَ وما فيه
من حدیث إدريس وغيره.
"قَالَ أبو عُمر(١): ومِن أحسن ماجاءَفي ذلكَ ما نَظَمَهُ أبو العباس
عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الناشئُ في قصيدةٍ يمدحُ بها رسول اللهِ وََّ، وهي
قولُهُ:
وُفورَ حُظوظي مِن كريمِ المآرِبِ
مدحتُ رسولَ اللهِ أبغي ◌َمِدْحِهِ
مدحتُ امْرَءاً فاق المديحَ مُوَحَّداً
نبيَّاً تسَامَى في المشارِق نُورُهُ
أتَتْنا بِهِ الأنباءُ قَبْلَ مَّجِيئِهِ
وأصْبَحَتِ الكُهَانُ تَهتِفُ باسْمِهِ
وأنْطَقَتِ الأصنامَ نُطقاً تبرَّأَتْ
وقالتْ لأهل الكُفْر قولاً مُبَيِّناً
ورامَ اسْتِرَاقَ السَّمْعَ جِنٌّ فَزَيَّلتْ
هَدانا إلى ما لَم نكُنْ نهتدِي لهُ
وجاءَ بآياتٍ تُبيِّنُ أنّها
فمِنها انشقاقُ البدر حينَ تَعَمَّمَتْ
ومنها نُبُوعُ المَاءِ بِينَ بَنَّانِهِ
فروَّى به جَمَّا غفيراً وأسْهَلَتْ
وبئرٌ طَغَتْ بالماءِ من مَسِّ سهمِهِ
وضرعْ مَرَاهُ فاسْتَدَرَّ. ولم تكنْ(٣)
ونُطْقُ فَصيحٌ مِن ذراعِ مُبِينَةٍ
بأوْصَافِهِ عن مُبْعِدٍ أو (٢) مقارب
فلاحَتْ هَوادِيهِ لأَهْلِ المغارَبَ
وشاعَتْ به الأخبارُ في كلِّ جانَب
وتَنْفِي بِهِ رَجْمَ الظّنونِ الكواذِبَ
إلى اللّهِ فِيهِ مِن مَقَالَ الأكاذِبَ
أتاكُم نبيٌّ مِنْ لؤيٍّ بن غالبَ
مقاعِدَهمْ منها رُجُومُ الكواكِبَ
لِطُولِ العَمَى مِن واضِحَاتِ المَذَاهِب
دلائلُ جَبَّارٍ مُثِيبٍ مُعاقِبٍ
شُعوبُ الضيا منه رؤوس الأخاشب
وقَد عَدِمَ الرُّوَّادُ قَرْبَ المشاربَ
بأعناقِهِ طَوْعاً أكفُّ المذاَنِبَ
ومن قَبْلُ لم تَسْمَحْ بِمَذقةٍ شارِب
به دِرَةٌ تُصْغِي إلى كَفِّ حَالِبَ
لكيدِ عَدُوِّ للعَدَاوَةِ ناصِبْ
(١) الإِنباه: ٥٠ فما بعد.
(٢) الإِنباه: و.
(٣) الإِنباه: يكن.
١٧٧

وعندَ بَوَادِيهِ بما في العواقِب
قريبُ المَآتِي مُسْتَجِمُ العجائبَ
بليغاً ولم يَخْطُرْ على قلب خاطِبَ
وفاتَ مرامَ المستمِرِّ المُواربَ
وإخبارُهُ بالأمر من قَبْل كونِهِ
ومِن تلكُمُ الآيَاتِ وحيٌ أَتَّى به
تقاصَرَتِ الأفكارُ عنه فلِمِ يُطِعْ
حوی کلّ علمٍ واحتوی کلّ حکمٍ
أَتَانَا بِهِ لاَ عَنْ رَويَّةٍ مُرْتَىءٍ ولاصُحْفِ مُسْتَمْلٍ ولا رَصْفٍ(١)كاَتَبَ
يُواتيهِ طَوْراً في إجاَبَةِ سائلٍ وإفتاءِ مُسْتَفْتٍ ووَعِظِ مُخاطب
وإتیانِ بُرهانٍ وفرضٍ شرائعٍ
وتصریفٍ ،أمثالٍ وتثبيتٍ حُجَّةٍ
وفي مَجمعِ النادي وفي حَوْمَةِ الوَغَى
وقصِّ أحاديثٍ ونصٍّ مآربَ
وتعریفٍ دي چحْدٍ وتوقيفٍ کاذِبٍ
وعندَ حُدوثِ المُعْضِلاتِ الغرائِب.
قويمَ المعاني مستدِرَّ الضرائب
يُلاحِظُ معنَاهُ بِعَينِ المِراقِبَ
وَصَفْناه معلومٌ بطولِ التّجاربَ
تبلَّجَ منه عن كريم المناسِب
قريش على أهْلِ العُلى والمناصِبَ
فيأتي على ما شِئْتَ من طُرُقاتِهِ
يُصدِّقُ منه البعضُ بعضاً كأنَّما
وَعَجْزُ الوَرَى عن أنْ يجيئوا بمثل ما
تأبَّى بعبدِ الله أكرم والدٍ
وشبةً ذي الحمْدِ الذي فخرَتْ به
ومَن كان يُسْتَسْقَى الْغَمامُ بوجهِهِ ، ويُصْدَرُ عن آرَائِهِ فِي النَّوائِبَ
بعزٌ(٢) المساعي وامتهانٍ(٣) المواَهِب
اشتطاطَ الأماني واحتكامَ الرَّغائِبَ
لَفي مَنھَلٍ لِم یَدْنُ مِن کَفِّ قاضبَ
تقسَّمها نُّهْبُ الأكُفِّ السّوالِب
تَقاصرَ عنهُ كلَّ دانٍ وغائبٌ
سِفاهُ سَفِيهٍ أو مَحوبَةٌ حائِبَ
فنالَ بأدنى السَّعيِ أعلى المراتب.
وهاشمِ الباني مَشِيدَ ' افتخارَه
وعبدٍ منافٍ وهو علَّم قومَهُ
وإنَّ قُصَيّاً من كريمٍ غِراسِهِ
به جَمَعَ الله القبائلََ بعدَ ما
وحَلَّ كِلابٌ من ذُرَى المجدِ مَعْقِلاً
ومُرَّةٌ لم يحلُلْ مَریرةَ عَزمِهِ
وکعبُ عَلا عن طالب المجدِ کعبه
(١) الإِنباه: ((وصف)) وما هنا أحسن.
(٢) الإِنباه: بغر.
(٣) الإِنباه: وامتنان.
١٧٨

وألْوَى لُؤيُّ بِالْعُدَاةِ فطوَّعتْ
وفي غالبٍ بأس أبی البأس دونَھم
وكانت لِفهرِ في قريشٍ خَطابَةٌ
وما زالَ منهُم مالكٌ خيِّرَ مالِكٍ
وللنَّضْرِ طَوْلٌ يقصُرُ الطرفُ دونَه
لَعَمريَ لقد أبدَى كنانةُ بعدَه(١)
ومِن قبلِهِ أبقَى خُزيمةُ بعدَه
ومُدركةٌ لم يُدرِكِ الناسُ مثلَهُ
وإلياسُ كانَ اليَأَسُ منه مُقارِنا
وفي مُضَرِ يُستَجمَعُ الفَخْرُ كلُّهُ
وحَلَّ نِزْأَرٌ مِن رئاسِةِ قومِهِ
وكان مَعَدٌّ عُدَّةً لوليِّه
وما زالَ عدنانٌ إذا عُدَّ فضلُهُ
وأُدٌّ تأدَّى الفضلُ منه بغايةٍ
وفي أَدَدٍ حِلْمٌ تَزِيَّن بالحِجا
وما زال يَستعلي هَميسَعُ بالعُلى
ونبتٌ بَنْهُ دَوحةُ العِزِّ وابتَنَى
وحِيْزَتْ لِقیذارِ سماحةُ حاتِمٍ
هُمُ نسلُ إِسماعيلَ صادِقٍ وعِدِهِ
وكان خليلُ اللهِ أكرمَ منَ عَنَتْ
وتارحُ ما زالتْ لَهُ أريحيّةٌ
وناحورُ نحّارُ العِدَى حُفِظَتْ لَهُ
وأشرع في الهيجاءِ ضيغم غابةٍ
له ھِممِّ الشُّمَّ الأنوفِ الأغالب
يُدافعُ عنهم كلَّ قرنٍ مُغَالِب
يعودُ بها عندَ اشتجار المخاطِبَ
وأكرمَ مَصحوبٍ وأكَرَمَ صاحِبَ
بحيثُ التّقَى ضوَّءُ النجومِ الثواقبَ
محاسنَ تأبى أن تطُوْعَ لغالبَ
تليدَ تُراثٍ عن حميدِ الأقاربَ
أعفَّ وأعلى عن دَنيَّ المكاسِبَ
لأعدائهِ قبلَ اعتدادِ الكَتائِبَ
إذا اعْتركَتْ يوماً زُحوفُ المقانِبَ
مَحَلَّا تسامَى عن عيونِ الرّواقِبَ
إذا خافَ من كَيدِ العَدُوِّ المحاربَ
توحَّدَ فيه عن قرینٍ وصاحبَ
وإرثٍ حَواهُ عن قُرَّومِ أشايبَ
إذا الحلمُ أزهاهُ قَطُوبُ الْحواجَبَ
ويبلُغُ(٢) آمالَ البعيدِ المَراغِب
معاقله في مُشمَخِرِّ الأهاضِب
وحِكمةُ لُقمانٍ وهِمَّةُ حاجبَ
فما بعدَهُ في الفخر مَسْعَّى لذاهبَ
لُ الأرضُ من ماشٍ علیھا وراكب
تبيَّنُ منهُ عن حمَيدِ الضرائبَ
مآثِرُ لِمّا يُحْصِها عدُّ حاسبَ
يَقُدُّ الطَّلَى بالمرهَفاتِ القواضِب
(١) هكذا في النسخ، وفي الإِنباه: ((قبله)) وهو الأصح.
(٢) الإِنباه: ((ويتبع)).
١٧٩

وأرغو فنابٌ (١) في الحروب مُحَكّمٌ ضنينٌ على نفسِ المشيج المغالب
ولا عابرٌ من دونَهُ(٤) في المراتب
سَجَايا حَمَتْهُمْ كُلَّ زَارٍ وعائِبَ.
يُعدِّدُهُ في المصطفَينَ الأطايب
جريئاً على نفس الكَمِيِّ المضارب
يذودُ العِدَى بالذائداتِ الشوازب(٥)
مِنَ اللهِ لم تُقْرَنْ بِهِمَّةِ راغَب
أبيُّ الخَزايا مُستَدِقُّ المآربَ
مهذَّبةٌ من فاحِشاتِ المثالِب
وفات بشأوالفضل وخد(٧) الركاتِبَ
ونزَّهَهَا عَنِ مُردِيَاتِ المطالب
شريفاً بريئاً من ذَميمِ المَعايب
وعن عُودِهٍ أجنُوا ثِمارَّ المناقِبَ
جَرَى في ظُهورِ الطَّيِّبِينَ المناجبَ
مُبرَّأةً من فاضِحاتِ المثالِبَ
وما فالغ(٣) في فضلهِ تلوَ قومِهِ
وشالِخُ وارفَخْشَذْ وَسَامٌ سَمَتْ بِهِمْ
وما زالَ نوحُ عند ذي العرش فاضلاً
ولمكٌ أبوه كان في الرَّوع رائعاً
ومن قبلِ لمكٍ لم يَزَلْ مُتَوشلِخْ
وكانت لإِدريسَ النبيِّ منازل
ويارَدُ بحرٌ عندَ أهلِ سَراتِهِ
وكانَت لمهلاييلَ فيهم فضائِلٌ
وقينانُ(٦) مِن قَبْلُ اقتَنَى مجدّ قومِهِ
وكانَ أنوشٌ ناشَ للمجدِ نفسَهُ
وما زالَ شِيثٌ بالفضائل فاضلاً
وكلُّهُمُ من نور آدمَ أَقبسُوا
وكانَ رسولُ اللهِ أَكْرَمَ مُنجَبٍ
مُقابلَةٌ آباؤه، أمهاتِهِ (٨).
عليه سلامُ اللهَ في كُلِّ شارقٍ ألاحِ لَنا ضوءاً وفي كُلِّ غاربِ
قال أبو عُمر (٩): وقد اختُلِفَ في قريشٍ، فقالَ أكثرُ الناس :
(١) الإِنباه: ((ناب)).
(٢) الإِنباه: ((المشح).
(٣) قد مرّ عند ذكر النسب ((فالخ)) والظاهر أن هذا هو المختار عند ابن عبد البر، فهو الأصح.
(٤) الإنباه: ((دونهم)).
(٥) في الإِنباه: ((الشوارب)) بالراء، مصحف. والشوازب: جمع الشازب وهو الخشن والضامر اليابس.
(٦) قد مَرَّ رسمه ((قينن)) وكان ورد في الإِنباه هناك ((قينان)) ورسم في النسخ هنا ((قينان)) أيضاً، فكأنهم.
استعاضوا هناك بالفتحة عن الألف.
(٧) الإِنباه: ((وخذ» بالذال المعجمة، وما هنا أصح لأنه يشير إلى سير الإِبل.
(٨) الإِنباه: ((وأمهاته)) ولا يستقيم البيت بها.
(٩) الإِنباه: ٦٦.
١٨٠