Indexed OCR Text
Pages 21-40
وحَمَّلهُم مَن عظائم الأمور أمراً ليس هَيِّناً، وجَرَّهم إلى ما كان التباعد عنه أولَى بهم، وأوقعهم في دَكادِك من نارِ المرجوُ مِن الله أن يتجاوزها لهم ولأصحابهم))(٧٩). وهذه النصوص تشير إلى قدم هذه العلاقة التي ابتدأت منذ أيام الطلب، وأخذت تنمو على مرور الأيام، فتزيد متانة وصلابة . وهكذا تكوَّن فکرُ الحافظ المزيّ، فهو شافعي المذهب، سلفي العقيدة، أخلص الإِخلاص كله لرفيقه ابن تيمية وآرائه التجديدية، وجعله مثله الأعلى، ويظهر ذلك جلياً من دراسة سيرتيهما، فقد أوذي المزي بسبب ذلك: أوذي مرة، واختفى مدة من أجل تحديثه بتاريخ بغداد للخطيب البغدادي(٨٠)، وأوذي ثانية في رجب من سنة (٧٠٥) حينما تناظر ابنُ تيمية مع الأشاعرة عند نائب السلطنة الأفرم، وقُرئت عقيدةٌ ابن تيمية الواسطية وحصل البحث في أماكن منها، ثم أضطر المناظرون له إلى قبولها بعد أن أقحمهم شيخ الإِسلام، فقعد المزيُّ ۔ عندئذٍ تحت قُبةٌ النسر بجامع دمشق، وقرأ فصلاً بالردّ على الجهميةً من كتاب ((أفعال العباد)) للإِمام البخاريّ بعد قراءة ميعاد البخاريّ، فغضب بعض الفقهاء الشافعية الحاضرون، وقالوا: نحن المقصودون بذلك، وشكوه إلى القاضي الشافعيّ نجم الدين أحمد ابن صَصْرَى، وکان عدواً للشيخ ابن تيمية، فسجن المِزيَّ، فبلغ الشيخ تقي الدين ذلك (٧٩) الطبقات: ٤٠٠/١٠ وهذا الكلام جزء من كلامه في هؤلاء الرفقة من الأئمة الأعلام ولا سيما في L حـ شيخه الذهبي بحيث قال فيه: ((والذي أدركنا عليه المشايخ النهي عن النظر في كلامه وعدم اعتبار قوله، ولم یکن يستجري أن يظهر كتبه التاريخية إلا لمن يغلب على ظنه أنه لا ينقل عنه ما يعاب عليه)) (الطبقات: ١٣/٢-١٤)، قال ذلك وشحن كتابه الطبقات من كتب الذهبي إذ كان معتمده الرئيس! وكان السبكي أشعرياً جداً بحيث قالٍ فيه عز الدين الكناني ((ت ٨١٩)): ((هو رجل قليل الأدب، عديم الانصاف جاهل بأهل السنة ورتبهم» (الإعلان للسخاوي: ٤٦٩ فما بعد، ومعجم الشافعية لابن عبد الهادي، الورقة: ٤٧- ٤٨ (الظاهرية)، وانظر مناقشتنا لأقواله في الفصل الذي كتبناه عن ((النقد)) عند الذهبي من كتابنا: الذهبي ومنهجه، وخاصة: ٤٥٨ فما بعد). (٨٠) أعيان العصر: ١٢/ الورقة: ١٢٤. ٢١٠ فتألَّم لحبس المزيّ، وذهب إلى السجن، وأخرجه بنفسه، ولم يَحْفِلْ بالسلطة، وراح إلى القصر، فوجد القاضي ابن صصرى هناك، فتقاولا بسبب المِزي، فحلف ابن صَصْرى لا بد أن يعيده إلى السجن وإلا عزلَ نفسه، وكان الأفرم غائباً عن دمشق ذلك اليوم، فأمر نائبه بإعادته تطيِيباً لقلب القاضي، فحبسه عنده أياماً ثم أطلقه(٨١). وكان ابن تيمية كثير الاعتماد على المِزيّ وعلمه ومعرفته، فحينما خرج من سجنه بمصر سنة (٧٠٩) بعد عودة السلطان محمد بن قلاوون وجلس في القاهرة ينشر علمه، احتاج إلى بعض كتبه التي بالشام، فكتب إلى أهله كتاباً يطلب جملة من كتب العلم التي له، وطلب منهم أن يستعينوا على ذلك، بجمال الدين المزيّ ((فانه يدري كيف يستخرج له ما يُريده من الكتب التي أشار إليها))(٨٢). وحينما ولي المزيّ أكبر دار حديث بدمشق هي دار الحديث الأشرفية سنة (٧١٨) فرح ابن تيمية فرحاً عظيماً بذلك وقال: ((لم يل هذه المدرسة من حین بنائها إلى الآن أحقٍ بشرط الواقف منه)) (٨٣). وقد وليها عظماء العلماء المحدثين منهم: تقي الدين ابن الصلاح (٥٧٧ - ٦٤٣)، وابن الحَرَستانيّ (٥٧٧ - ٦٦٢)، وأبو شامة (٥٩٩ - ٦٦٥) ومحيي الدين النوويّ (٦٣١ -٦٧٦) وغيرهم، فقد اعتمد ابن تيمية قول الواقف: ((ان اجتمع مَن فيهِ الرواية ومَن فيه الدِّراية قُدِّم مَن فيه الرواية))(٨٤) ففضّله ابنُ تيمية بذلك على جميع المتقدمين في الرواية. ولما توفي شيخُ الإِسلام ابن تيمية مسجوناً بقلعة دمشق، لم يُسمح لأحد بالدخول أول الأمر إلا لخواص أصحابه ، قال ابن كثير: (٨١) البداية: ٣٧/١٤، وأعيان العصر: ١٢ / الورقة: ١٢٤، والدرر: ٢٣٤/٥، والدارس للنعيمي: ٩٧/١ - ٩٨، والبدر الطالع: ٦٦/١٤، ٣٥٣/٢. (٨٢) البداية: ٥٤/١٤- ٥٥. (٨٣) أعيان العصر: ١٢/ الورقة: ١٢٤، والدارس: ٣٥/١. (٨٤) أعيان العصر: ١٢ / الورقة: ١٢٤. ٢٢ ((وكنت فيمن حضر هناك مع شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزيّ- رحمه الله- وكشفت عن وجه الشيخ، ونظرت إليه وقبّلته ... ثم شرعوا في غسل الشيخ، وخرجت إلى مسجد هناك، ولم يَدَعوا عنده إلا من ساعد في غسله، منهم شيخُنا الحافظ المزيّ، وجماعة من كبار الصالحين الأخيار أهل العلم، والإِيمان))(٨٥). ولما مات المِزيُّ بعد ذلك بأربعة عشر عاماً، دُفنَ غربي قبر رفيقه وصديقه ابن تيمية (٨٦) - رضيَ الله عنهما . . وظل الشيخ بعد وفاة ابن تيمية مؤمناً بهذه العقيدة، ولم يفتّر عن دوام الإِيمان بها، فنجده مدافعاً منافحاً عن عقيدة الإِسلام الصحيحة محارباً الخارجين المارقين عنها، فُيُشاهده الناس في ذي القعدة من سنة (٧٤١) وهو في الثامنة والثمانين من العمر يحضّر المجلس بدار العدل مع رفيقه في العقيدة الإِمام الذهبيّ عند محاكمة عثمان الدَّكّاليّ، أحد المارقين عن الإِسلام ، قال ابن كثير: ((وتكلما ، وحرضا في القضية جداً، وشهدا بزندقة المذكور بالاستفاضة وكذا الشيخ زين الدين أخو الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وخرج القضاة الثلاثة المالكيّ والحنفيّ والحنبليّ وهمٍ نفذوا حكمه في المجلس، فحضروا قتل المذكور، وكنت مباشراً لجميع ذلك من أوله إلى آخره))(٨٧). ولم يكن الشافعية الأشاعرة، ومنهم قاضيهم تقي الدين السبكي، قد وافقوا على محاكمة هذا الرجل، قال ابن حجر في ترجمة الدكالي هذا: ((كان من الخانقاه السميساطية فدعا طائفةً إلى مقالات الباجريقيّ، فشاع أمره، فأمسك، وقامت عليه البينة بالأمور المنكرة فحبس، ثم حضر المزيُّ والذهبيُّ، فشهدا عليه بالاستفاضة بما نُسب إليه، فحكم القاضي شرف الدين المالكيّ بإراقة دمه، ولم یکن ذلك (٨٥) البداية: ١٣٨/١٤. (٨٦) البداية: ١٤ / ١٩٢. (٨٧) البداية: ١٤ /١٩٠. ٢٣ رأي النائب الطنبغا ولا التقي السبكيّ))(٨٨). منزلة المرّي العلِمِيَّة -١- أبْرَ زآثاره احتّل المِزيّ مكانةً عظيمة بين علماء القرن الثامن الهجريّ في الحديث وعلومه، وما يتصل بهما، وقامت شهرته على أعظم كتابين" ألّفهما في فنهما هما ((تحفة الأشراف)) ((وتهذيب الكمال)). ويُعُد كتاب ((تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف (٨٩)) من أعظم . الكتب المؤلفة في أطراف الكتب الستة وبعض لواحقها، كان الغرض الأساس منه جمع أحاديث الكتب الستة وبعض لواحقها بطريق تُسهل على القارىء معرفة أسانيدها المختلفة مجتمعة في موضع واحد. وقد رتبه على الأسانيد دون المتون، فصار معجماً مرتباً على تراجم أسماء الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وفي بعض الأحيان . أتباع أتباع التابعين فدونت جميع أحاديث الكتب الستة وبعض لواحقها على هذه الأسماء، فأصبح يتكون من (١٣٩٥) مُسْنَداً منها (٩٩٥) مسنداً منسوباً إِلى الصحابة بعد أن رتب أسماءهم على حروف المعجم، والباقية من المراسيل وعددُها أربع مئة منسوبة إلى أئمة التابعين ومَنّ بعدهم على حروف المعجم أيضاً، وهو عمل هائل تعجز عنه العُصْبَةُ(٩٠). يضاف إلى ذلك أن المزيَّ لم يقتصر فيه على الكتب الستة کما ذکرِنا، بل اضاف إليها من لواحق ومؤلفات أصحاب الستة: أ- مقدمة صحيح (٨٨) الدرر: ٥٦/٣٠. ٠٠ (٨٩) يطبع بعناية عبد الصمد شرف الدين طبعة علمية جيدة. وطريقة كتب الأطراف أن تذکر حديث الصحابي مفرداً مثل أهل المسانيد، إلا أنهم يذكرون طرفاً من الحديث في الغالب خلاف أصحاب المسانيد فانهم يذكرون الحديث بتمامه. ومن أعظم فوائدها أن المباحث يكتفي بمطالعة كتاب من كتب الأطراف فيغنّيه عن .. مطالعة جميع الكتب التي كوّنت مادتها إذا كان يريد معرفة طرق الحديث فيها بسبب تجمعها في مكان واحد. (٩٠) راجع مقدمة الكتاب. ٢٤ مسلم. ب- كتاب المراسيل لأبي داود. جـــ كتاب العلل للتّرمِذي، وهو الذي في آخر كتاب الجامع له. د كتاب الشمائل للترمذيّ أيضاً. ء هــ كتاب عمِل يوم وليلة للنسائي. وحينما انتهى من تأليف الكتاب أَلْحقَ به بعد ذلك ذيلاً سماه. ((لَحْق الأطراف)) تتبع فيه بعضَ الأحاديث التي لم ترد إِلا برواية این الأحمر من كتاب النسائيّ. وذكر الحافظ ابن حجر أنهشاهده في جزء لطيف، ثم شاهد نسخة ابن كثير من ((التحفة)) وعليها هذا اللحق بخط. المؤلفٍ(٩١). وقد ذكر ابن حجر أنه «قد حصل الانتفاع بهذا الكتاب شرقاً وغرباً، وتنافس العلماء في تحصيله بُعْداً وقرباً(٩٢)). ونظراً لهذه المنزلة التي احتلها في هذا الفن، فقد تناوله العلماءُ بالاستدراك والتلخيص والتعليق، لأنه صار الكتاب المعتمد في هذا الفن .. وقد اختصره تلميذُه ورفيقه مؤرخُ الإِسلام الذهبيّ في مجلدين على ماذكر الصفديّ (٩٣) وابن شاكر(٩٤) والسبكيّ (٩٥) والزركشي(٩٦) وسبطُ ابن حجر(٩٧). واختصره أبو العباس أحمد بن سعد بن محمد الأَنْدَرشي المتوفى سنة (٧٥٠) وسماه ((العمدة في مختصر الأطراف))(٩٨). وألف العلامة علاء الدين مغلطاي بن قليج الحنفي المتوفى سنة (٧٦٢) مستدركاً على تحفة الأشراف ذكر ابن حجر أن فيه أوهاماً منه. ٫٠٠ (٩١) راجع مقدمة كتاب ((النكت الظراف)) لابن حجر: . (٩٢) نفسه: ٤/١ (بهامش تحفة الأشراف). . (٩٣) الوافي بالوفيات: ١٦٤/٢، ونكت الهميان: ٢٤٣ . (٩٥) الطبقات: ١٠٥/٩. (٩٤) عيون التواريخ، الورقة: ٨٦. (٩٦). عقود الجمان، الورقة: ٧٩ (نسخة مكتبة فاتح باستانبول ذات الرقم: ٤٤٣٥). (٩٧) رونق الألفاظ، الورقة: ١٨١ (نسخة الخالدية بالقدس، رقم: ١١ تراجم). (٩٨) كشف الطنون. ١٥٦٠/٢. ٢٥ وكتب الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين المعروف بالحافظ العراقيّ المتوفى سنة (٨٠٦) بعض المستدركات على هامش نسخته أفاد منها ولده العلامة ولي الدين العراقي المتوفى سنة (٨٢٦) حينما ألف جزءاً مستدركاً على المزيّ بعد أن أضاف إليه بعض ما جمعه مغلطاي (٩٩) . ويبدو أن الثلاثة: الزين العراقي وولده ومغلطاي لم يطلعوا في أول الأمر على ((لحق الأطراف)) الذي استدرك به المزيّ على نفسه. ثم جمع الحافظ ابن حجر کُلَّ هذه المستدرکات، وأضاف إِلیھا وأخرجها في كتاب سماه ((النكت الظَّراف (١٠٠))). وجمع الحافظ محمد بن فهد المكيّ المتوفى سنة (٨٧١) بين كتابي المزي وابن حجر بكتابه ((الإِشراف على الجمع بين النكت الظراف وتحفة الأشراف(١٠١))). أما كتاب المزي الثاني، فهو ((تهذيب الكمال)» وهو كتابنا هذا، فإِنه يُعَدُّ أعظم كتاب ألّف في فنه غير مُدافَع أُربى فيه على من تقدَّمه وكَسَفَ مؤلفاتهم، ولم يستطع أحدٌ بعدَه حتى اليوم أن يبلغ شأوه بله أن يأتي بأحسن منه، وسيأتي الكلام عليه مفصلاً في الفصل الثاني من هذه المقدمة . ٢- مَناصبُه العلميَّة ونتيجة لما بلغه المزيّ من منزلة مرموقة بين علماء عصره، وما عُرف عنه من ديانة متينة وحفظ وإتقان وبراعة في الحديث وعلومه ، فقد ولي دار الحديث الأشرفية في يوم الخميس الثالث والعشرين من (٩٩) مقدمة النكت الظراف لابن حجر، وكشف الظنون: ١١٧/١. (١٠٠) يطبع في أسفل تحفة الأشراف. (١٠١) يراجع في ذلك مقدمة المجلد الثاني من تحفة الأشراف. ٢٦ ذي الحجة سنة (٧١٨)(١٠٢)؛ وليها على الرغم مِن معارضة الكثيرين بسبب صحبته لشيخ الإسلام ابن تيمية وتأييده لآرائه، لكن علمه وفضله، وهما مما لا يستطيعُ أن يُنكره الأشاعرةُ ولا غيرُهِم، جعلهم يضطرون إلى توليته هذه الدار التي كانت تُعد من أكبر دور الحديث بدمشق (١٠٣). وعلى الرغم من أنه كتب بخطه حين وليها بأنه أشعريّ (١٠٤)، فقد أبانوا عن سخطهم، فلم يحضروا حفل الافتتاح كمّا جرت العادة آنذاك، قال العماد ابن كثير: ((ولم يحضُرْ عنده كبيرُ أحد، لما في نفوس بعض الناس من ولايته لذلك مع أنه لم يتولّها أحدٌ قبله أُحقُّ بها منه، وما عليه منهم إذا لم يحضروا؟ فإنه لا يوحِشه إلا حضورهم عنده، وبُعْدَهم آنس، والله أعلم (١٠٥)). وقد جرت محاولات عدة لإخراجه من مشيخة هذه الدار باءت كلها بالفشل لما كان يتمتع به الحافظ المزيّ من المكانة الرفيعة بدمشق، تلك المكانة التي اعترف بها المخالف قبل الموافق. واستمرت المكائد تُحاك ضده حتى وهو في آخر شيخوخته، ففي سنة (٧٣٩) ولي تقي الدين السِّبْكيّ قضاء الشافعية بدمشق(١٠٦)، وما إِذ وصل دمشق حتى حضر عنده الشيخ صدر الدين سُليمان بن عبد الحکیم المالكي بعد ليلة واحدة من دخوله(١٠٧)، وکان صدر الدين (١٠٢) تذكرة الحفاظ: ١٤٩٩/٤، وأعيان العصر: ١٢/ الورقة: ١٢٣، والبداية: ٨٩/١٤، ٩١، والدارس للنعيمي: ٣٤/١. (١٠٣) منسوبة إلى الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن العادل الأيوبي، ابتدأ عمارتها سنة ٦٢٨ وافتتحت سنة ٦٣٠ وأول من وليها محدث عصره الحافظ ابن الصلاح المتوفى سنة ٦٤٣ (تاريخ الإسلام، "الورقة: ٢٤٣ أيا صوفيا: ٣٠١٢، والدارس: ١٩/١ فما بعد). (١٠٤) طبقات السبكي: ٣٩٨/١٠. (١٠٥) البداية: ٨٩/١٤. ٣ (١٠٦) الذيل على العبر للذهبيّ: ٢٠٤، وقال: ((وفرح المسلمون به)) والبداية: ١٨٤/١٤، وطبقات السبكي: ١٦٨/١٠. (١٠٧) طبقات السبكي: ٣٩٨/١٠. ٢٧ أشعرياً جداً متعصِّباً على المخالفين (١٠٨)، ولكن التقي السبكيّ كان يُحبه(١:٩)، فروى التاج السبكيّ أن والده التقي قال: ((دخل إِليَّ وقتَ العشاء الآخرة، وقال أموراً يُريد بها تعريفي بأهل دمشق، قال: فذكر لي البرزالي وملازمته لي، ثم انتهى إلى المِزيّ، فقال: وينبغي لك عزله من مشيخة دار الحديث الأشرفية ، قال الشيخ الإِمام (يعني التقي)، فاقشعر جلدي، وغاب فكري، وقلت في نفسي : هذا إِمامُ المحدثين والله لو عاش الدارقطنيُّ استحبى أن يُدرِّسَ مكانه. قال: وسكتُ، ثم منعتُ الناسُ من الدخول عليَّ ليلاً، وقلت: هذه بلدة كثيرةُ الفتن. فقلت أنا للشيخ الإمام : إِن صدر الدين المالكيّ لا يُنكر رتبة المزيِّ في الحديث، ولكنه كأنه لاحظَ ما هو شرط واقفها، من أن شيخها لا بُدَّ أن يكون أشعري العقيدة، والمزيُّ- وإِن كان حین ولي كتب بخطه بأنه أشعري- إِلا أن الناسٍ لا يُصدقونه في ذلك. فقال: أعرف أن هذا هو الذي لاحظه صدر الدين، ولكن من ذا الذي يتجاسر . أن يقول: المزيُّ ما يصلح لدار الحديث، والله رُكْنِي ما يحمل هذا الكلام(١١٠)). وقد استمر المزي متولياً لهذه الدار طيلة حياته، وكانت مسكنه ، فكانت ولايته لها قرابة أربعة وعشرين عاماً، ومنها نشر علمَه الجم ، وفيها حدث بكتابه العظيم تهذيب الكمال وغيره، وسمعها عليه الجلة من شيوخ العصر. وكان المزي، إِضافة إِلى ذلك، شيخاً لِدار الحديث الحمصية المعروفة بحلقة صاحب حمص، وإِن کنا لا ندري متى تولاها، ولكنه تنازل عنها لتلميذه الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائيّ ٠ (١٠٨) الذيل على ذيل العبر الحسيني: ٢٧٦، والدرر لابن حجر: ٢٤٨/٢، وذيول تذكرة الحفاظ: ١١٩، وتوفي سنة ٧٤٩. (١١٠) نفسه: ٣٩٧/١٠ - ٣٩٨. (١٠٩) طبقات السبكي: ٣٩٧/١٠. ٢٨ (٦٩٤ - ٧٦١) فدرّس العلائيّ بها في محرم سنة ٧٢٨(١١!). وحينما توفي رفيقه وتلميذه علم الدين البرزاليّ في ذي الحجة من سنة (٧٣٩) تولى المزيُّ أقدم دار حديث بدمشق وأعرقهاهي دار الحديث النورية إلى حين وفاته، فوليها يعده تلميذُه ابن رافع السَّلاميّ (١١٢). وكان بدء تدريس المزي في هذه الدار في المحرم سنة (٦٤٠)، وكتب له تلميذه الصلاح . الصفديّ التوقيع بمشيختها أورد" نصه الكامل في كتابه: أعيان العصر(١١٣). ٣- تلاميذه أصبح الإِمام المِزيُّ حافظ العصر غير مُدافَع، وفَضَّلَهُ الإِمامُ الذهبيّ في الحفظ على جميع من لقي من الحُفّاظ طيلةَ حياته، وأتاحت له معرفته الفذة في علم الرجال منزلة مميزة بين أساتيذ العصر، فأمه طلبةُ العلم من كل حَذْب وصوب. وكانت دارُ الحديث الأشرفية من أعظم الأماكن التي بث منها المِزيُّ علمه، وقد متعه الله بالعمر. الطويل? وصحة الحواس، وقوة الجسم، فكان وهو في عَشْر التسعين معتدلَ القامة، قوي الرُّكب، يصعَد إِلى الصالحية ماشياً، ولا يركب بغلةً ولا حماراً، ويستحِمُّ بالماء البارد في الشيخوخة (١١٤)، ويُحكم ترقيقَ الأجزاء وترميمهاً، ويعتني بكتابة الطَّباق عليها(١١٥)، فحدَّث زيادة على خمسين سنة(١١٦)، وقلما نجد عالماً دمشقياً من أهل ذلك العصر إِلا درس عليه، قال الذهبيّ: ((وغالب المحدثين من دمشق وغيرها قد تَلْمَذُوا له، واستفادوا منه، وسألوه عن المُعْضِلات، فاعترفوا بفضيلته، وعُلو ذكره))(١١٧) (١١١) ذيل العبر للذهبي: ١٥٦، والبداية: ١٣٢/١٤، والدارس، ٥٩/١ .. (١١٢) الدارس: ٩٤/١، ١٠٩، ١١٣. (١١٣) أعيان العصر: ١٢/ الورقة: ١٢٨. (١١٤) نفسه: ١٢/ الورقة: ١٢٣. (١١٥) الدرر: ٢٣٥/٥. (١١.٦) طبقات السبكيّ: ٤٠١/١٠. (١١٧) كما نقل عنه ابن حجر في الدرر: ٢٣٤/٥. ٢٩ وقد حدَّث بكتبه مراتٍ عديدة، وحدَّث بصحيح البخاريّ مرات، وبالمسند للإِمام أحمد، وبالمعجم الكبير للإِمام الطبرانيّ، وبدلائل النبوة للبيهقيّ، ويكتب كثيرة جداً، كما حدث بسائر أجزائه العالية، وبكثير من أجزائه النازلة (١١٨). ويكفيه فخراً وفضلاً أن عظماء العلماء من أساتيذه ورفاقه وتلامذته النُّجُب قد أخذوا عنه، فسمع منه من العلماء الأعلام: شيخٌ الإِسلام ابن تيمية الحرانيّ (ت ٧٢٨)، وفتح الدين ابن سيد الناس اليَعْمَريّ (ت ٧٣٤)، وإِمام المؤرخين والمحدثين شمس الدين الذهبيّ (ت ٧٤٨) سمع منه سنة (٦٩٤) وأخذ عنه صحيح البخاريّ غير مرة، والإِمام العلامة تقي الدين السبكيّ (ت ٧٥٦) وغيرهم. وبه تخرَّج أعاظم الرواة والمحدثين والمؤرخين من أعلامهم: علم الدين البرزاليّ (ت ٧٣٩) ، وشمس الدين أبو عبد الله ابن عبد الهادي (ت ٧٤٤)، وَصلاح الدّين خليل بن كَيْكَلْدِي العلائيّ (ت ٧٦١)، وعلاء الدين مُغُلّطَاي الحنفيّ (ت ٧٦٢)، وتقي الدين ابن رافع السَّلاميّ (ت ٧٧٤) ، والشيخ عماد الدين ابن كثير صهره (ت ٧٧٤)، وخلق يطولُ: ذکرهم. ٤- آراء العلماء فيه ونرى من المفيد أن نقتطفَ هنا آراء العلماء والنقاد المعاصرين فيه، لما لذلك من أهمية في توثيقه وبيان فضلَه ومنزلته. وقد نقلنا لك قبل قليل رأي شيخ الإِسلام ابن تيمية واعترافه له، وأنبأناك بثنائه عليه غير مرة . وقد أتصل به العلامة فتح الدين ابن سَيِّد الناس اليَعْمَرَيّ بعد (١١٨) أعيان العصر: ١٢/ الورقة: ١٢٦. ٣٠ سنة ٦٩٠، فقال في حقه: ((ووجدت بدمشق من أهل العلم الإِمامَ المقدَّم والحافظَ الذي فاق مَن تأخر مِن أقرانِهِ ومَن تقدَّم أبا الحجاج المِزْيّ، بحَر هذا العلم الزاخِر وحبره القائل مَن رآه: كم ترك الأوائل للأواخر، أحفظ الناس للتراجم ، وأعلمَ الناس بالرواة من أعارب وأعاجم، لا یخصُّ بمعرفته مصراً دون مصر ولا ینفِرِدُ علمه بأهل عصر دون عصر ... وهو في اللغة أيضاً إِمام .. .َ فكنت أحْرصُ على فوائده لأحرز منها ما أحرز ... وهو الذي حداني على رؤية شَيخ الإِسلام ابن تيمية))(١١٩) . وترجم له الذهبيُّ في معجم شيوخه الكبير، فقال: ((العلامة الحافظ البارع أستاذ الجماعة جمال الدين أبو الحجاج، محدث. الإِسلام الكلبيّ القضاعيّ، المزيّ الدمشقيّ، الشافعيّ ... طلب هذا الشأن سنة خمس وسبعين وهلمٍ جَرّا إِلى اليوم، فما وَنَى، ولا فَتَرِ، ولا لهَا ولا قَصَّر، وُني بهذا الشأن أتمَّ عناية، وقرأ العربية، وأفاد، وأكثرٌ من اللغة والتصريف. وصَنَّف وأفاد ... وكتب الكثير ورواه، مع السمت الحسن، والاقتصاد، والتواضع، والحلم، وعدم الشر، والله يُصلحه وإِياي. أخبرنا يوسف ابن الزكي الحافظً ... (١٢٠))). وقال في ((تذكرة الحفاظ)): ((شيخنا الإِمام العالم الحبر الحافظ الأوحد محدِّث الشام ... وأما معرفة الرجال، فهو حامل لوائها، والقائم بأعبائها، لم تر العيونُ مثله ... وأوضح مشكلات ومعضلات ما سُبِقَ إِليها في علم الحديث ورجاله ... وكان ثقةً حجةً، كثير العلم، حسن الأخلاق، كثيرَ السكوت، قليلَ الكلام جداً، صادق (١١٩) أجوبة ابن سيد الناس، وهي مما أجاب به أبا الحسين بن أيبك الحسامي الدمياطي المتوفى سنة ٧٤٩ نسخة الاسكوريال: ١١٦٠، ونقل قوله هذا أيضاً الصفدي في أعيان العصر: ١٢/الورقة: ١٢٧، وابن حجر في الدرر: ٢٣٤/٥ - ٢٣٥. وعندي نسخة مصورة من أجوبة ابن سيد الناس وهي نسخة نفيسة. (١٢٠) معجم الشيوخ: ٢ / الورقة: ٩٠. ٣١ اللهجة، لم تُعرف له صَبوة. وكان يُطالع وينقل الطّباق إِذا حَدّث وهو في ذلك لا يكاد يَخْفَى عليه شيء مما يُقرأ، بل يردُّ في المتن والإِسناد · رداً مفيداً يتعجَّبُ منه فُضلاء الجماعة(١٢١))). وقال الذهبيّ أيضاً في معجمه المختص بمحدثي العصر (١٢٢). ((كان خاتمة الحفاظ، وناقد الأسانيد. والألفاظ، وهو صاحب معضلاتنا، وموضح مشكلاتنا ... ولو كان لي رأي للازمتُه أضعاف ماجالسته، فإنّني أخذت عنه هذا الشيء بحسبيٍ لا بحسبه، وكان لا يكادُ يَعرِفُ قدره إِلا مَن أكثر مجالسته)). وقال أيضاً: ((وقد(١٢٣) كان مع حسن خطه ذا إِتقان قلَّ أن توجد له غلطةٌ، أو تؤخذ عليه لحنة)). وقال أيضاً: ((وكان مأمون الصُّحبة، حسنَ المذاكرة، خيِّر الطَّيَّة، محباً للآثار، مُعَظِّماً لطريقة السَّلَفَ، جيِّدَ المعتقد؛ وكان اغترَّ في شبیبته وصحب العفيفَ التَّلِمْسانيّ، فلما تبين له ضلالُه، هجره، وتبراً منه)) وكان الإِمامُ الذهبي يُورد سلسلة أعاظم الحفاظ، وكتبها بخطه وعنه أخذها الصلاح الصفديّ، والتاج السبكيّ، وقرآها عليه(١٢٤)، قال الذهبيُّ: ((ما رأيت أحداً في هذا الشأن أحفظ من الإِمام أبي الحجاجِ المِزيّ، وسمعته يقولٌ في شيخنا أبي محمد الدمياطيّ(١٢٥)إِنه ما رأى أحفظ منه، وكان الدِّمياطيّ يقول: إِنه ما رأى شيخاً أحفظ من (١٢١) تذكرة الحفاظ: ١٤٩٨/٤ - ١٤٩٩. (١٢٢) لم تصل إلينا ترجمته في المعجم المختص لكنها وصلت بما نقل منه الصفدي في أعيان العصر: ١٢ / الورقة: ١٢٥ وابن حجر في الدرر: ٢٣٥/٥ -٢٣٦ وان لم يصرح باسم الكتاب، والتاج السبكي في الطبقات: ٣٩٦/١٠. (١٢٣) في الدرر: ((ولو)) وهو تصحيف فاحش غيَّر المعنى بالكلية وانظر ماذا يفعل الناشر الجاهل الذي يدعي معرفة التحقيق، اللهم نسألك العافية! (١٢٤) أوردها السبكي في ترجمة والده: ٢٢٠/١٠ -٢٢٣، والصفدي في أعيان العصر: ١٢/الورقة: ١٢٥. (١٢٥) توفي سنة ٧٠٥، وهو أشهر من أن يذكر. ٣٢ زكي الدين عبد العظيم(١٢٦) ... الخ)). ونقل الصفديُّ عن الذهبيِّ قوله: ((لم يسألني ابنُ دقيق العيد إِلا عنه)»(١٢٧). وقال الذهبي نفسه في ترجمة الضياء المقدسيّ المتوفىَّ سنة (٦٤٣) من تاريخ الإِسلام: ((سألت الحافظ أبا الحجاج المزيّ، وما رأيتُ مثله(١٢٨) .. )) . وقال شمس الدين الحُسينيّ المتوفى سنة (٧٦٥): ((وكان مع تبحره في علم الحديث رأساً في اللغة العربية والتّصريف، له مشاركة جيدة في الفقه وغيره، ذا حظ من زهَد وتعفف، ويقنع باليسير. وقد شهد له بالإِمامة جميعُ الطوائف، وأثنى عليه الموافق والمخالف (١٢٩))). وقال الصلاح الصفديَّ: ((الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ الفريد الرُّحْلة، إِمام المحدثين ... خاتمة الحفاظ، ناقد الأسانيد والألفاظ)). وقال: ((كان شيخُنا الحجة جمال الدين أبو الحجاج شيخَ الزمان، وحافظ العصر، وناقد الأوان، لو عاصره ابن ماکولا ، کان له مشروباً وماكُولا، وجعل هذا الأمر إِليه موكولا)). ثم أطنب في تعداد فضائله ومحاسنه وزهده وقال في حفظه: ((وسمعتُ صحيحَ مسلم على البَنْدَنِيجيٌّ وهو حاضر بقراءة ابن طُغْرِيل وعدة نسخ صحيحة حاضرة . يُقابَل بها، فيرد الشيخ جمال الدين رحمه الله على ابن طُغريل اللفظ، فيقول ابن طُغريل: ما في النسخة إِلا ما قرأه، فيقولُ مَن بيده بعض (١٢٦) يعني المنذريّ صاحب الترغيب والترهيب، والتكملة لوفيات النقلة الذي حققته ويطبع الآن الطبعة الثانية المنقحة في مؤسسة الرسالة (١٢٧) أعيان العصر: ١٢/ الورقة: ١٢٥ (١٢٨) وفيات سنة ٦٤٣ (أيا صوفيا: ٣٠١٣)، وفي مثل هذا انظر أيضاً الأوراق: ١١١، ١٦١، ١٦٢ من مجلد أيا صوفيا ٣٠١٤. (١٢٩) الذيل على ذيل العبر: ٢٢٩ - ٢٣٠. ٣٣ تلك النسخ الصحيحة: هو عندي كما قال الشيخ ... أو في الحاشية تصحيحُ ذلك، ولما تكرر ذلك قلت أنا له: ما النسخةُ الصحيحة إِلا أنتَ!)) (١٣٠). وقال التاج عبد الوهّاب السُّبكيّ مع مخالفة المِزيِّ له في العقائد: ((شيخنا وأستاذنا وقدوتنا الشيخ جمال الدين أبو الحجاج المِزيّ ، حافظ زماننا ، حاملُ راية السنة والجماعة والقائم بأعباء هذه الصناعة، والمُتدرِّع جلبابَ الطاعة، إِمام الحُفّاظ، كلمة لا يَجحدُونها، وشهادة على أنفسهم يُؤْدُّونها، ورتبة لو نُشِرَ أكابرُ الأعداء، لكانوا يَوَدُّونها، واحد عصرِه بالإِجماع ، وشيخ زمانه الذي تَصغي لما يقولُ الأسماع (١٣١))). ثم أورد طائفة من مناقبه وفضائله، وثناء العلماء عليه، ولا سيما والده التقي السبكيّ، ثم قال: ((وبالجملة كان شيخُنا المِزيّ أُعجوبةَ زمانه؛ يقرأ عليه القارىء نهاراً كاملاً، والطرقُ تضطرب والأسانيدُ تختلف وضَبْطُ الأسماءِ يُشْكِل، وهو لا يسهو وَلا يَغْفُلْ، يُبين وجه الاختلاف، ويُوضح ضبط المُشْكِل، ويُعَيِّن المُبْهم، يَقِظ لا يَغْفُل عند الاحتياج إِليه؛ ولقد شَاهَدَتْهُ الطلبةُ ينعَسُ، فإذا أخطأ القارئ ، رَدّ عليه كأن شخصاً أيقظه، وقال له: قال هذا القارئء كَيْتَ وكَيْتَ، هل هو صحيح؟ وهذا من عجائب الأمور. وكان قد انتهت إليه رئاسة المحدثين في الدُّنيا.)) (١٣٢). وَفَاته انتاب المِزيَّ المرض في أوائل صفر من سنة (٧٤٢) أياماً يسيرة، وكان مرضه في أوله خفيفاً لم يشغله عن شهود الجماعة، وحضور الدروس، وإِسماع الحديث؛ وقد وصلت إلينا طبقةً سماع (١٣٠) أعيان العصر: ١٢/ الورقة: ١٢٣- ١٢٧. (١٣١) الطبقات: ٣٩٥/١٠ - ٣٩٦. (١٣٢) المصدر نفسه: ١٠ / ٣٩٧. ٣٤ الجزء الثالث من ((تهذيب الكمال)) عليه لجملة من الفضلاء في يوم الخميس العاشر من صفر(١٣٣)، فلما كان يومُ الجمعة حادي عشره أسمع الحديث إِلى قريب وقت الصلاة ، ثم دخل منزله ليتوضأ، ويذهب للصلاة، فاعترضه في باطنه مغص عظيم، ظن أنه قولنج، وما كان إِلا طاعون، فلم يقدِرْ على حضور الصلاة، قال صهره ابن كثير: ((فلما فرغنا من الصلاة، أخبرت بأنه منقطع، فذهبت إليه. فدخلت عليه، فإِذا هو يرتعِدُ رعدة شديدة من قوة الألم الذي هو فيه، فسألته عن حاله، فجعل يُكرر ((الحمد لله)) ثم أخبرني بما حصل له من المرض الشديد، وصلى الظهر بنفسه، ودخل إلى الطهارة، وتوضأ على البرْكَةِ وهو في قوة الوجع ، ثم اتصل به هذا الحال إلى الغد من يوم السبت، فلما كان وقت الظهر لم أكن حاضره إِذ ذاك، لكن أخبرتنا بنته زينب زوجتي أنه لما أذَّن الظهر، تغير ذهنه قليلاً، فقالت: يا أبة أذَّن الظهر، فذكر الله، وقال: أريد أن أصلي، فتيمم وصلى، ثم اضطجع فجعل يقرأ آية الكرسي حتی جعل لا یفیض بها لسانه، ثم قبضت روحه بین الصلاتين- رحمه الله- يومَ السبت ثاني عشر صفر، فلم يمكن تجهيزه تلك الليلة، فلما كان من الغد يومَ الأحد ثالث عشر صفر صبيحةً ذلك اليوم، غُسِّل وكُفِّن وصُلِّي عليه بالجامع الأمويّ، وحضر القضاةً والأعيان وخلائق لا يُحصون كثرة، وخرجَ بجنازته من باب النصر، وخرج نائب السلطنة الأميرُ علاء الدين اُلْطُنْبُغَا (١٣٤) ومعه ديوان السلطان، والصاحب، وكاتب السر وغيرهم من الأمراء، فصلَّوا عليه خارجٍ باب النصر، أمهم عليه القاضي تقي الدين السبكيّ الشافعيّ، وهو الذي صلى عليه بالجامع الأمويّ، ثم ذُهِبَ به إِلى مقابر الصوفية، (١٣٣) نسخة دار الكتب المصرية: ٢٥ مصطلح الحديث، المجلد الأول: اللوحة: ٦٥ من نسختي المصورة، وانظر أيضاً أدناه صورتها المنشورة مع النماذج. (١٣٤) في الأصل: ((طنبغا)) محرف، والتصحيح من مصادر ترجمته في كتب القرن الثامن ومنها الدرر لابن حجر: ٤٣٦/١ وكان قد ولي نيابة دمشق في محرم سنة ٧٤١. ٣٥ فِدُفِنَ هناك إِلى جانب زوجته المرأة الصالحة الحافظة لكتاب الله، عائشة بنت إِبراهيم بن صُدَيْق غربي قبر الشيخ تقي الدين ابن تيمية))(١٣٥). وكانت زوجته عائشة قد توفيت قبله بتسعة أشهر تقريباً في مستهل جمادى الأولى سنة (٧٤١)، وكانت عديمة النظير في نساء زمانها لكثرة عبادتها وتلاوتها وإِقرائها القرآن الكريم بفصاحة وبلاغة وأداء صحيح، وخَتَّمت نساءاً كثيرات، وقرأ عليها من النساء خلق، وانتفعن بها وبصلاحها ودينها وزهدها في الدنيا، وتقللها منها مع طول العمر حيث بلغت ثمانين سنة، وكان المزي محسناً إليها مطيعاً لا يكاد يُخالفها لحبه لها طبعاً وشرعاً(١٣٦). وكانت والدةً أمة الرحيم زينب زوج العلامة ابن كثير رحمهم الله .. وقد عُني المِزي بأهل بيته، فكان يُحضرهم مجالسَ السماع لا يستثني من ذلك حتى الجواري (١٣٧)، واشتهر من أولاده عبد الرحمان ابن يوسف الذي وُلِدَ له سنة (٦٨٧) وتوفي بالطاعون العام سنة (٧٤٩) وكان شيخاً لشرف الدين الحسيني (١٣٨). وولي مشيخة دار الحديث النورية، ودُفِنَ بمقابر الصوفية على والده(١٣٩). (١٣٥) البداية ١٩٢/١٤، وقد جمع تلميذه الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي جزءاً سماه سلوان التعزي عن الحافظ المزي. ابن حجر الدرر ٢٣٧/٥ . (١٣٦) البداية: ١٤/ ٧٢، ١٨٩. (١٣٧) كما هو مثبت في خطه في كثير من أجزاء تهذيب الكمال وانظر أدناه نموذجاً من ذلك. (١٣٨) الذيل على ذيل العبر للحسيني: ٢٧٥، وابن حجر في الدرر: ٤٦٠/٢. (١٣٩) البداية: ٢٢٧/١٤ . ٣٦ الفصل الثاني تهذيبُ الكَمَال في أسماء الرّجَال مَنْهَجُه وَأهمّيَتُه تَوَطِئَة : عُني العلماء منذ فترة مبكرة بتأليف الكتب التي تتناول رواة الحديث للإِفادة منها في بيان صحيح الحديث من سقيمه . وحينما وُضعت الكتب الستة في الحديث وهي: صحيح البخاريّ، وصحيح مسلم، وجامع التّرمزي، وسُنن النّسائي، وسنن أبي داود، وسنن ابن ماجة القزوينيّ، عدها جهابذة المحدثين دواوينَ الإِسلام فعُنوا بها وبروايتها وتدقيقها، فاشتُهرَت في بلاد الإِسلام، وذاع صيتها بين الأنام. ونتيجة لذلك ألفوا الكتب المعنية بتناول الرجال الواردين في أسانيدها منذ القرن الرابع الهجري. ابن عَسَاكَر أول مَن ألّفَ في شيُوخ أصحاب الكُتُب السّنّة ولكن أحداً لم يجمعْ شيوخَ أصحاب الستة على ما حققناه قبلَ حافظ الشام أبي القاسم ابن عساكر (٤٩٩ - ٥٧١)(١) في كتابه المختصر النافع ((المعجم المشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النَّبل (٢)) الذي ألفه بعد كتابه ((الأطراف)) وسار فيه على المنهج الآتي: ١ - اقتصر فيه على شيوخ أصحاب الستة دون الرواة الآخرين. (١) راجع عن ابن عساكر بحثنا: ((ابن عساكر: أخذ وعطاء)) مجلة التراث العربي، السنة الأولى، العدد الأول، ص : ١٧ فما بعد. (٢) نسختي المصورة عن النسخة المحفوظة في مكتبة الأوقاف العراقية، وعندي نسخة محققة غير منشورة منه. وما ذكرناه عن منهجه متأت عن دراستنا للكتاب نفسه. ٣٧ ٢ - رتب الكتاب على حروف المعجم المشرقية، وابتدأ كتابه بمن اسمه (أحمد)». ٣- أورد التراجم على سبيل الاختصار فذكر اسم المترجم ونسبته، ثم مَن روى عنه من أصحاب الكتب الستة، ثم توثيقه، وأتبع ذلك بتاریخ وفاته إِن وقع له. وأشار في نهاية الترجمة فيما إذا وقع له من حديثه ما كان موافقةً أو بدلاً عالياً ونحو ذلك من رتب العلو في الرواية . ٤- ومن أجل التخفيف على النّسّاخ استعمل لأصحاب الستة علامات تدل عليهم، وهي: (خ) للبخاري و (م) لمسلم، و (د) لأبي داود، و(ت) للترمذي، و(ن) للنسائيّ، و(ق) لابن ماجة القزوينيّ . الكَمَال في أسماء الرّجال ثم جاء الحافظُ الكبير أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المَقْدسيّ الجَمَّاعيلي الحنبليّ (٥٤٤ - ٦٠٠)(٣) فألف كتابه ((الكمال في أسماء الرجال)) وتناول فيه رجال الكتب الستة. وإِذا كان الحافظ أبو القاسم ابن عساكر أول من ألف في شيوخ أصحاب الكتب الستة، فإِن الحافظ عبد الغني أولُ من ألف في رواة الكتب الستة حيث لم يقتصر على شيوخهم بل تناول جميعَ الرواة المذكورين في هذه الكتب من الصحابة والتابعين وأتباعهم إِلى شيوخ أصحاب الكتب الستة. أما نطاق الكتاب ومنهجه فيمكن تلخيصه بما يأتي : ١ - اجتهد أن يستوعب جميعَ رجال هذه الكتب غاية الإِمكان، لكنه قال: ((غير أنه لا يمكن دعوى الإحاطة بجميع ما فيها؛ لاختلاف (٣) التقييد لابن نقطة، الورقة: ١٥٨، والذيل لابن الدبيثي، الورقة: ١٧٩ (مجلد باريس ٥٩٢٢)، والتكملة للمنذري، الترجمة: ٧٧٨ وتعليقنا عليها. ٣٨ النسخ، وقد يَشِذّ عن الإِنسان بعد إِمعان النظر وكثرة التتبع ما لا يدخل في وسعه))(٤). ٢- بین أحوال هؤلاء الرجال حسب طاقته ومبلغ جهده، وحذف كثيراً مِن الأقوال والأسانيد طلباً للاختصار ((إِذ لو استوعبنا ذلك، لكان الكتاب من جملة التواريخ الكبار)»(٥). ٣- استعمل عبارات دالة على وجود الرجل في الكتب الستة أو في بعضها، فكان يقول ((روى له الجماعة)) إِذا كان في الكتب الستة، ونحو قوله: ((اتفقا عليه)) أو ((متفق عليه)) إِذا كان الراوي ممن اتفق على إِخراج حديثه البخاري ومسلم في ((صحيحيهما)) وأما الباقي فسماه تسمية . ٤- ابتدأ كتابه بترجمة قصيرة للرسول الل أخذها بسنده من كتاب ((السيرة)) لابن هشام استغرقت صفحة واحدة فقط، وقال في نهايتها ((وقد أفردنا لأحواله ◌َله مختصراً لا يستغني طالبُ الحديث ولا غيرُه من المسلمين عن مثله)). وأتبع ذلك بفصل من أقوال الأئمة في أحوال الرواة والنَّقَلَة، أورده بالأسانيد المتصلة إِليه استغرق ثمانَ أوراق(٦). ٥- أفرد الصحابة عن باقي الرواة، فجعلهم في أول الكتاب، وبدأهم بالعَشَرة المشهود لهم بالجنة، فكان أوَّلهم الصديق أبو بكر رضي الله عنهم، وأفرد الرجال عن النساء، فأورد الرجال أولاً، ثم أُتبعهم بالنساء، ورتب الرواة الباقين على حروف المعجم، وبدأهم بالمحمَّدِين لشرف هذا الاسم. وقد امتدحه العلماء، وأثنوا عليه، فقال ياقوت الحمويّ (ت ٦٢٦): ((جَوَّدَه جداً(٧)). وقال الحافظ المِزِّيّ: ((وهو كتاب نفیس، (٤) مقدمة الكمال (نسخة خدابخش ). (٦) الكمال: ١/ الورقة: ٢ - ١١. (٥) نفسه . (٧) معجم البلدان: ١١٣/٢. ٣٩ كثير الفائدة، لكن لم يَصْرفْ مصنفه رحمه الله عنايته إِليه حقَّ صرفها ولا استقصى الأسماء التي اشتملت عليها هذه الكتبُ استقصاءاً تاماً، ولا تَتَّع جميعٌ تراجم الأسماء التي ذكرها في كتابه تتبعاً شافياً ، فحصل في كتابه بسبب ذلك إِغِفَلٌ وإِخلال(٨)). محاولة فاشلة على ((الكمَال)) قبلَ المِزّي: وأشار المزيّ في مقدمة التهذيب إلى أن أحد أولاد الحافظ عبد الغني («ممن لم يبلغ في العلم مبلغه، ولا نال في الحفظ درجته،رام تهذيب كتابه وترتيبه واختصاره واستدراك بعض ما فاته من الأسماء)» فلم ينجح في ذلك، ولم يزد سوى بعض تراجم أخذها من أسماء كتاب ((الأطراف)) لأبي القاسم ابن عساكر، وبعض أسماء التابعين من ذلك الكتاب أيضاً، ثم أضاف إِليهم بعض شيوخ أصحاب الستة من كتاب ((المعجم المشتمل)» لابن عساكر أيضاً، ولم يزد في عامة ذلك على ما ذكره ابن عساكر، فضلا عن وقوع خلل كثير ووهم شنيع فيما اختصره من كتاب والده(٩). ولم يصرح المزي باسم هذا ((الولد)» ولا أشار أحد غيره إليه فيما وقفت عليه من مصادر ، لكنني وقعت على ثلاثة أولاد للحافظ عبد الغني ممن عُني بالحديث وطلبه وروايته، وهم: ١ - عز الدين أبو الفتح محمد بن عبد الغني (٥٦٦ - ٦١٣) وهو ممن دخل بغداد غير مرة، وسمع بها، كما سمع بدمشق وأصبهان (١٠). ٢- جمال الدين أبو موسى عبد الله بن عبد الغني (٥٨١- (٩) المصدر نفسه . (٨) مقدمة التهذيب. (١٠) الذيل لابن الدبيثي، الورقة: ٧٣ (مجلد باريس ٥٩٢٢)، والتكملة للمنذري، الترجمة: ١٥٠١، والذيل لأبي شامة: ٩٩، وتلخيص مجمع الآداب لابن الفوطي: ٤/الترجمة: ٤٣٦، وتذكرة الحفاظ: ١٤٠١/٤، وتاريخ الإِسلام، الورقة: ٢٠٤ (باريس ١٥٨٢)، والذيل لابن رجب: ٩٠/٢ - ٩٢ وغيرها. ٤٠