Indexed OCR Text

Pages 541-560

منه إِلَّ، ولقينا عمّه، فقال: لِمَ أَردثُم أَن تقولوا له ؟ وما كان علمه(١) إِذا
أخذتم شيئًا ؟ فدخل عليه ، فقال : يا أبا عبد الله، لستُ آخذ شَيئًا من هذا،
فقال : الحمدُ لله ، فهجرنا وسدَّ الأبواب بيننا، وتحامى منازلنا أن يدخل منها إِلى
منزله شيءٌ، وقد كان قديمًا قبل أن نأخذ من السلطان يأكل عندنا ، وربما
وَجَّهنا بالشيءٍ فيأكل منه، فلما مَضى نحو من شهرين ، كتب لنا بشيء فجيء
به إِلينا ، فأَول من جاء عَمه فأخذ ، فأُخبر فجاء إلى الباب الذى كانَ سدَّه بيني
وبينه وقد فَتح الصبيان كُوة ، فقال: ادعوا إِلَّ صالحًا، فجاءَّني الرسولُ ،
فقلت له : لستُ أَجيء ، فوجَّه إِلَّ: لم لا تجيء ؟ فقلتُ له : هذا الرزق يَرتزقه
جماعة كثيرة، وإِنما أنا واحد منهم ، وليس فيهم أعذر مني ، فإِذا كان توبيخٌ
◌ُصِصْتُ به أَنا ، فمضى ، فلما نادى عَمّه بالأذان خَرج ، فلما خرج ، قيل
له : إِنه قد خَرج إلى المسجد ، فجئتُ حتى صرت في الموضع الذي أسمع
كلامه ، فلما فرغ من الصلاة التفتَ إلى عمه ، ثم قال له : يا عدو الله ،
نافَقتني وَكَذبتني وكان غَيْرُك أُعذر مِنك ! زعمتَ أَنك لا تأخذ من هذا شيئًا ثم
أُخذتَ ، فأَنت تستغل مئتي درهم ، وعمدتَ إلى طريق المسلمين تستغله ، إِنما
أُشفق أَن تُطوق يوم القيامة بسَبع أَرضين . ثم هَجره وتركَ الصلاةَ في المسجد ،
وخَرج إلى مسجدٍ آخر (٢) يُصلي فيه(٣) .
أُخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم ، قالا: أخبرنا حَمْد بن
أحمد ، قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو بكر بن
مالك ، قال : حدثنا أبو جعفر بن ذريح العُكْبَري ، قال : طلبتُ أحمد بن حنبل
(١) في (ط): ((علم)).
(٢) في (د) و (ف) و (هـ): ((خارج)).
(٣) ((سيرة الإمام أحمد)): ١١٩ - ١٢١، و«حلية الأولياء» ٢١٣/٩ - ٢١٤.
٥١٤

في سَنة(١) ست وثلاثين ومئتين لأَسأله عن مسألة، فَسأَلتُ عنه فقالوا: إِنّه
خَرج يُصلي خارجًا، فجلستُ له على باب الدَّرب حتى جاء ، فقمتُ فسلّمتُ
عليه فردَّ عليّ السلام ، فدخل الزُّقاق وأَنا أُماشيه، فلما بلغنا آخر الدَّرب، إِذا
باب يُفرج، فَدفعه وصار خَلفه ، وقال : اذهب عافاك الله ، فالتفتُّ فإذا
مَسجد على الباب وشَيخٌ مخضوب قائم يُصلي بالناس ، فجلستُ حتى سَلَّم
الإِمام ، فخرجَ رجلٌ ، فقلت : هذا الشيخ مَن هو ؟ قال : إسحاق عمّ أَحمد
ابن حنبل ، قلتُ : فما له لا يُصلي خَلفه ؟ فقال: ليسَ يُكلِّم ذا ولا ابنَيهِ لأنهم
أخذوا جائزة السلطان(٢).
أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال :
أخبرنا إبراهيم بن عمر ، قال : أخبرنا علي بن مَرْدَك ، قال : حدثنا أبو محمد بن
أبي حاتم ، قال : حدثنا صالح بن أحمد ، قال : بَلغ أَبي في زمان هَجرهِ لنا أنه قد
كتبَ لنا بشيءٍ [ فبلغه ](٣)؛ فجاءَ إِلى الكُوّة التي في الباب ، فقال : يا
صالح ، انظر ما كان للحَسن وأُم علي (٤) ، فاذهب به إلى فُوران حتى يَتصدَّق به
في الموضع الذي أُخذ منه . فقلت له : ما علم فوران من أي موضع أُخذ ،
فقال : افعل ما أقول لكَ ، فوجَّهت ما كان أضيف إليهما إلى فوران ، وكان إِذا
بلغه أَنا قد قَبلنا طَوى تلكَ اللَّيلة فلم يُقطر، ثم مَكث شَهرًا لا أُدخل عليه ، ثم
فَتح الصبيان الباب ، ودخلوا غير أنه لا يُدخل إليه(٥) شيء من مَنزلي. ثم وجَّهت
(١) ساقطة من ( ف ) .
(٢) ((حلية الأولياء)) ١٧٦/٩، وقد تقدم جزء منه في الصفحة (٤٨٨).
(٣) في أصول النسخ: (( إلى نادوريا)) كذا ، ولم نتبينها ، والمثبت من المصادر .
(٤) أي ابنه الحسن وبنته زينب أم علي .
(٥) في (ط ): ((عليه)).
٥١٥

إليه : يا أَبَة ، قد طالَ هذا الأمر ، وقد اشتقتُ إِليك (١فدخلتُ عليه١) ،
فسكتَ ، فأكببتُ عليه وقلتُ : يا أَبَة ، تُدخل على نفسك هذا الغَمّ ؟ قال :
يا بُني ، مالا أَملكه . ثم مكثنا مدة لم نأخذ شيئًا، ثم كُتب لنا بشيءٍ فَقبضناه ،
فلما بلغه هَجرنا أَشهرًا، فكلَّمه فُوران، (١ ووجَّه إِلَّ فوران(١) فدخلت"، فقال
له: يا أبا عبد الله، صالح وحُبّكَ له ، فقال: يا أَبا محمد ، لقد كان أَعز
الخَلق عليَّ، وأَّ شيءٍ أَردته(٢) له إلا ما أُردّتُه لنفسي ؟ فقلت له : يا أَبُه ، ومن
رأَيتَ أَنت ممن لقيتَ قويَ على ما قويتَ عليه أنت ؟ قال : وتحتجُّ عليَّ ؟ ثم
كتبَ إِلى يَحيى بن خافان يَسأَلُه ويعزم عليه أَن لا يُعيننا على شيءٍ من أَرزاقنا ولا
يتكلّم فيها ، فلما وصل رسوله بالكتاب إلى يحبى ، أخذه صاحب الخبر ، فأخذ
نُسخته ووصلت إلى المتوكل . فقال لعُبيد الله : كم من شَهر لولد أحمد بن
حنبل ؟ فقال : عَشرة أشهر ، فقال : تحمل إِليهم الساعة أربعينَ أَلْف درهم من
بيتِ المال صِحاح ولا يُعلم بها ، فقال يَحيى للقيّم: أنا(٣) أُكُتُب إِلى صالح
أُعِلِمُهُ . فورد عليَّ كتابه ، فوجهتُ إِلى أَبي أَعلمته ، فقال الذي أُخبرِ: سكتَ
قليلًا وضربَ بذقنه صدره ثم رفع رأسه ، وقال: ما حيلتي إذا أردتُ أَمَرًا، وأَرادَ
الله عزَّ وجل أمرًا(٤).
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد
الأنصاري ، قال : أخبرنا أبو يعقوب الحافظ ، قال: أخبرنا أبو علي بن أبي بكر
المرْوَزي ، قال : حدثنا أبو عبد الله محمد بن الحسن بن علي البخاري ، قال :
(١ - ١) ساقط من ( ط ) .
(٢) في (هـ): (( أردت)).
(٣) في (ط): (( لنا)).
(٤) الخبر في ((سيرة الإمام أحمد)): ١٢١ - ١٢٣، و«حلية الأولياء)) ٢١٤/٩ - ٢١٥.
٥١٦

سمعتُ محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي ، يقول : حُكي لنا عن المتوكل ، أنه قال : إِن
أحمد ليمنعنا من بِّ وَلده . وذلك أنه كانَ وجه إلى ولده وإلى وَلد ولده وإِلى عّه
بمال عظيم ، فأخذوه دونَ علم أَحمد ، فلما بلغه ذلك ، أنكر عليهم وتقدّم إليهم
بردِّه، وقال لهم: لِمَ تَأخذوه والتُّغور مُعطَّة غير مَشحونة، والفَي ◌ُ غير مَقسوم بينَ
أَهله ؟ فاعتلّوا بخروج ذلك المال من أيديهم في ديونهم وما كانَ عليهم، ثم وجَّه
المتوكل مالًا آخر ، وقال: لِيُعْط ولده من غَير علم أحمد ، فأخذوه ، فبلغ ذلك
أحمد فجمعهم وقال لهم : احتجَجتم في المال الأول بذهابه عَنكم وبديونكم ،
فردوه ، فأَنا شهدت(١) وقد سد بابًا كان بينه وبين صالح ابنه ، وترك مسجده
ومُؤذنه عمّه وإمامه ابن عمير ، وداره لَزيقة المسجد ، وهَجرهم من أجل ذلك
المال ، وأَنَا رَأَيْتُه يَخرج من زقاقه ومن دربه إلى الشارع ، ويدخل دربًا آخر فيه
مسجد يقال له : مسجد سدرة ، يُصلي فيه الجماعة ، ثم لما أُشخص إِلى
العَسكر أيام المتوكل ، أُحضِر دار الخلافة لُيُحدِّث فيها ولد المتوكّل(٢) المُعتزّ
والمُنتَصرِ والمؤَّد ، وهم وُلاة العهود ، فجعل يتمارض ، وإِذا سُئل قال : لا
أَحفظ ، وكُتبي عني غائبة ، حتى أُعفي ، ووقَّع المتوكل في بعض ما وقَّع : أعفَينا
أحمد مما يَكره . ولقد جاءَته تُحفة رُطَب من قِبل المتوكل مَختومة فما طَعم منها،
وبلغني أَنه احتج في ذلك اليوم فقال: إِنَّ أَمير المؤمنين قد أَعفاني مما أَكره ، فإذا
جاءَه شيء، قال : هذا مما أكره ، فَيَعفى ، فكانت هذه حاله .
أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري ، قال: أَنبأَنَا مُحمد بن علي بن الفَتح ،
قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن الصَّباح الكوفي ، قال : حدثنا جعفر بن محمد
ابن نُصير ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق ، قال : قال لي عبد الله بن
(١) في (ف): (( فإني أُشهدت )).
(٢) في (د) و (ف): ((ولده المعتز)).
٥١٧

أحمد بن حنبل: دَخل عليَّ أَبي رَحمه الله في مَرضي يَعودُني، فقلتُ : يا أُبَّة ،
عندنا شيء قد بَقي مما كانَ يَبيّنا به المتوكّل ، أَفَأَحجُّ منه ؟ قال : نَعم . قلتُ :
فإِذا كانَ هذا عندك هكذا فلم لم تأخذ(١)؟ قال: يا بُني ، ليسَ هو عندي
بحَّرامٍ(٢) ولكني تَنَّهتُ عَنه(٣) .
(١) في (ش) و (ط): ((لا تأخذ)).
(٢) في ( د) و (هـ): ((حرام)).
(٣) تقدم في الصفحة (٣٤٧) .
٥١٨

الباب السّادس والسبعُون
في ذكر جماعة من كبار الذين أجابوا في المحنة
أجاب من كبار العلماءِ: علي بن الجعد، وإسماعيل بن إبراهيم ابن عُلَيّةٍ (١)،
وسَعيد بن سُليمان الواسطي المعروف بسَعدويه ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، وأَبو
حَسان(٢) الزيادي، وبشر بن الوليد(٣) ، وعبيد الله بن عمر القَواريري ، وعلي بن
أَبي مُقاتل، والفَضل بن غانم ، والحسن بن حَمّاد سَجّادة ، وإسماعيل بن أبي
مسعود ، ومُحمد بن سعد كاتب الواقدي ، وأحمد بن إبراهيم الدَّورقي ، وإسماعيل
ابن داود الجَوْزي(٤) ويحيى بنِ مَعِين ، وعلي بن المديني ، وأبو خيثمة زُهير بن
حَرب، وأَبو نَصر الثَّمار ، وأُبو كُريب في آخرين. وما صَعبت إِجابة أَحد من
هؤلاءٍ على أحمد بن حنبل ، كما شقَّت إِجابة أَبي نَصر التمار(٥) ، ويحيى بن معين ،
وأبي خيثمة ، لأنهم كانوا ◌ِنده في أَعلى مَرتبة ، وما ظنَّ بهم الإسراع في الإِجابة ،
فَأَما أَبو نَصر التَّمار ، فإِنه كان من العباد ، وسَمع الحديث من مالك والحَمّادين
وخَلِقٍ كثير ، إلا أنه لم يَصبر على الامتحان فأَجابَ ، فكان أحمد لا يرى الكتابة
عنه ، ولما ماتَ لم يصلِّ عليه . وقد أخبرنا علي بن عبد الواحد ، قال : أخبرنا
(١) ذكر مصحح المطبوعة أنه ورد بهامش النسخة الثانية ما يأتي: ((هذا وهم ، ابن علية مات قديمًا قبل
المحنة ببضع وعشرين سنة ، إنما هذا إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر الهذلي القطيعي ، وسيأتي ذكره ، وهو ممن
يروي عن أبي سلمة)).
(٢) تحرف في ( ف) إلى: (( حبان )) .
(٣) في ( د ): ((بن أبي الوليد)).
(٤) في (هـ ): ((الخوزي))، وانظر ((تاريخ بغداد)) ٢٤٧/٦.
(٥) في ( هـ ): ((علي بن المديني ويحيى بن معين)).
٥١٩

علي بن عمر القزويني ، قال : قرأتُ على يوسف بن عمر ، قلت له : حدثكم
أبو الحسن علي بن محمد بن سعيد الموصلي ؟ قال : حدثني محمد(١) بن حرب ،
قال : سمعتُ عبد الصمد بن محمد بن مقاتل ، يقول : سمعت أبا حفص ابن
أُخت بشر بن الحارث ، يقول : قال لي بشر في اليوم الذي أُحضر فيه أبو نصر
التَّمار إلى دار إسحاق بن إبراهيم : تَعرَّف لي خبر أبي نَصر ، قال : فقلت له :
إِنَّه قد أُجاب، فاسترجع مرارًا ، ثم قال : ما كانَ أَحسن تلك اللِّحية لو
كانت(٢) خُضِبت - يعني بالدَّم - ولم يُجب حتى يُقتل.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد ، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال :
حدثني عُبيد الله بن أبي الفتح ، قال : حدثنا عمر بن إبراهيم المقرىء ، قال :
سمعتُ أُحمد بن علي الديباجي(٣) ، يقول : سمعت عبيد الله بن شريك ، يقول :
كان أَبو مَعمر القَطِيعِي من شِدَّةِ إِذْلَاله (٤) بالسُّنَّة ، يقول : لو تكلَّمت يَغلتي ،
لقالت : إِنها سُنّة ، قال : فَأُخذ في المِحنة فأجاب ، فلما خرج ، قال : كَفرنا
وخرجنا(٥) .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد ، قال : أخبرنا أحمد بن علي ، قال : قرأتُ على
البرقاني ، عن أَبي إسحاق المُزَكّي(٦)، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق
السّاج ، قال : سمعتُ ابن عَسكر ، يقول: لما دُعي سَعدويه للمحنة رأيتُه
حين خرج من دار الأمير فَقال: يا غُلام ، قَدِّم الحمار ، فإِن مَولاك قد كفر(٧) . .
(١) في (ط): ((علي)) وهو خطأ.
(٢) ليست في ( ط ) .
(٣) تحرف في (ف) إلى: (( الرياحي)).
(٤) الإدلال مصدر أدل، وفلان يدل بفلان: أي يثق به. ((اللسان)).
(٥) ((تاريخ بغداد)) ٢٧١/٦.
(٦) في ( د) و (ط) و (ف): (( البرمكي)).
(٧) (( تاريخ بغداد)) ٨٦/٩ .
٥٢٠

قلت : سَعدويه، هو سَعيد بن سُليمان أَبو عُثمان الواسطي ، يُعرف
بسَعدويه ، وقد حدَّث عن الليث بن سعد وغيره، وحَجَّ ستين حجة ..
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد ، قال : أخبرنا أحمد بن علي ، قال : أخبرنا
محمد بن عبد الواحد ، قال : أخبرنا الوليد بن بكر ، قال : حدثنا علي بن أحمد
ابن زكريا ، قال : حدثنا صالح بن أحمد العِجْلي ، قال : حدثني أَبي ، قال :
قيل لسَعدويه بعد ما انصرف من المحنة: ما فَعلتم ؟ قال : كَفرنا وَرَجعنا(١).
(١) ((تاريخ بغداد)) ٨٦/٩.
٥٢١

الباب السّابع والسّبعُون
في ذكر كلامه فيمن أجابَ في المحنة
أخبرنا أبو منصور القزاز ، قال : أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ،
قال : أخبرنا البرقاني ، قال : أخبرنا يعقوب بن موسى الأَرْدُبيلي ، قال : حدثنا
أَحمد (١) بن طاهر بن النَّجم ، قال: حدثنا سَعيد بن عمرو البَرْدعي ، قال:
سمعتُ أَبا زُرْعة - وهو الرازي - يقول : كان أحمد بن حنبل لا يَرى الكِتابة عن
أبي نَصر الثَّمار ، ولا يَحيى بن معين، ولا أحد ممن امتُحِن فَأَجاب ، قال
البرقاني : وأخبرنا الحُسين بن علي التميمي ، قال : حدثنا أبو عَوَانة يعقوب بن
إسحاق الإِسفراييني ، قال : سمعتُ الميموني، يقول: صَحَّ عندي أنه لم يَحضر
أبا نَصر التمار حين ماتَ - يعني أَحمد بن حنبل - فحسبتُ أَن ذلك لما كان
ء
أجابَ في المحنة(٢)
.
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال :
أخبرني محمد بن محمد بن محمود ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد الغُنْجاري(٣) ،
قال : أخبرنا محمد بن العباس العُصْمِي ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن
ياسين، قال : أخبرنا أحمد بن محمود بن مُقاتل ، قال : سمعت زكريا بن يحيى
السِّجْزي ، يقول : سمعتُ حَجّاج بن الشاعر ، يقول : سمعتُ أحمد بن حنبل ،
(١) في (ط) و (هـ): ((محمد ).
(٢) (تاريخ بغداد)» ٢٧١/٦.
(٣) ساقطة من ( د) .
٥٢٢

يقول : لو حَدَّثت عن أَحد ممن أَجابَ لحدثتُ عن اثنين: أَبِي مَعْمَر وأبي
كُرَيْب(١) .
قلت: أَبو مَعمر اسمه إسماعيل بن إبراهيم الهُذَلي أُجاب كرهًا. ثم نَدم وأخذ
يذمّ نفسه على إجابته ، ويمدح من لم يُجب ويَغبطهم، وأَما أَبو كريب فاسمه
محمد بن العلاء ، وكانوا قد أجروا له بعد أن أُجاب دينارين ، فعلم أنهم إنما
أَجروها لإِجابته ، فتركهما وهو مُحتاج إليهما .
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال :
أخبرني محمد بن المنتصر ، قال : أخبرنا أبو بكر بن أبي الفَضل ، قال : حدثنا
أبو إسحاق الأنصاري ، قال : حدثنا صالح بن أحمد ، قال : جاءَ الحِزامي إلى
أبي - وقد كان ذهب إلى ابن أبي دُؤاد - فلما خرج إليه ورآه ، أغلق الباب في.
وجهه ودخل .
قلت : وكذلك فعل بأَبي خَيْثمة ، فإِنه جاءَ فَطرق عليه الباب ، فلما خرج
فرآه ، أَغلق الباب ، ورجع(٢) مغضبًا يتكلم هو ونفسه بكلمات سمعها أبو
◌َخَيثمة فلم يعد إِليه ، وعاده يَحيى بن مَعِين في مرضه ، فولّه ظهره ، وأمسكَ
عن كلامه حتى قامَ عنه وهو يتأفف ، ويقول : بعد الصُّحبة الطويلة لا أُكَلَّم .
أخبرنا محمد بن ناصر ، قال : أَنبأَنا أَبو علي الحسن بن أحمد ، قال : أنبأنا
إبراهيم بن عمر البَرْمَكي ، قال: وجدتُ بخط أَبي : أخبرنا أبو القاسم
عبد العزيز بن أحمد بن يعقوب الحربي ، قال : سمعت أبا الفَرج الهندباني ،
يقول : سمعتُ أَبا بكر المُّوذي ، يقول : جاءَ يَحيى بن مَعِين ، فدخل على أحمد
ابن حنبل وهو مَريض ، فسلّم فلم يرد عليه السلام ، وكان أحمد قد حَلف بالعهد
(١) ((سير أعلام النبلاء) ٣٩٥/١١.
(٢) في (د) و (ش): ((وخرج)).
٥٢٣

لا يكلّم أَحدًا ممن أجاب حتى يلقى الله عز وجل ، فما زال يَحيى يعتذر ،
ويقول: حديث عمّار، وقال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ
بِالإِيمَانِ﴾(١)، فقلب أحمد وجهه إلى الجانب الآخر، فقال يحيى: أُف ، وقام
وقال: لا يقبل لنا عذرًا، فخرجتُ بعده وهو جالس على الباب ، فقال : أيّ
شيءٍ قال أَحمدُ بعدي ؟ قلتُ : يحتجُّ بحديث عمار ! وحديث عمار :
((مَررتُ(٢) وهم يَسبّونَك فَنَهَيتُهم فَضَربوني))(٣) وأَنْتم قيلَ لكم: نُريد أَن
نَضرِبكم . فسمعت يحيى يقول: مُر(٤) يا أَحمد، غفر الله لكَ، فما رأَيتُ والله
تحت أديم سماءِ الله أَفقه في دين الله مِنك.
(١) سورة النحل : ١٠٦.
(٢) في (هـ): ((مررت بهم)).
(٣) هذا الحديث بهذا اللفظ لم نجده فيما بين أيدينا من المصادر ، وقد روي بوجه آخر في سبب نزول قوله
تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ من حديث عبد الكريم بن مالك الجزري، عن أبي عبيدة
ابن محمد بن عمار بن ياسر ، عن أبيه قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر ، فلم يتركوه حتى سبَّ النبي
عَ لّه وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول الله عَ ليه قال: ((ما وراءك؟)) قال: شر يا رسول الله، ما
تُركت حتى نلتُ منك وذكرت آلهتهم بخير. قال: ((كيف تجد قلبك؟)) قال: مطمئن بالإيمان . قال :
((إن عادوا فُعُد)). رواه ابن سعد في ((الطبقات)» ٢٤٩/٣، والطبري في (تفسيره)) ١٨٢/١٤، والحاكم
في («المستدرك)) ٣٧٥/٢، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي ،
وذكره الحافظ في ((الفتح)) ٣١٢/٢، وقال: وهو مرسل ورجاله ثقات . وذكره من عدة طرق أخرى
ولكنها كلها مُرسلة وقال : وهذه المراسيل يقوى بعضها ببعض. وذكر له شواهد أيضًا. وأورده السيوطي في
(الدر المنثور)) ١٣٢/٤، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في ((دلائل النبوة)).
(٤) ساقطة من ( ف ) .
٥٢٤

فصل
فإن قال قائل : إِذا ثبتَ أَن القوم أَجابوا مُكرهين فقد استعملوا الجائز ، فلمّ
هَجرهم أحمد ؟ فالجوابُ من ثلاثة أوجه :
أَحدها : أَنَّ القوم تُوعِّدوا ولم يُضربوا فأجابوا ، والتواعد ليس پإِكراه ، وقد بان
هذا بما ذكرناه من حديث يَحيى بن مَعِين .
والثاني: أَنه هجرهم على وجه التأديب ، ليعلم العوام(١) تعظيم القول الذي
أجابوا عليه ، فيكون ذلك حفظًا لهم من الزَّيغ .
والثالث : أَن مُعظم القوم لما أَجابوا قَبلوا الأموال وترددوا إلى القوم وتقربوا
إليهم ، فَفعلوا ما لا يجوز ، فلهذا استحقّوا الذمَّ والهجر .
أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال :
أنبأنا إبراهيم بن عمر ، قال : أنبأنا عبد العزيز بن جعفر ، قال : حدثنا أبو بكر
أَحمد بن محمد الخلّال، قال : أَخبرني محمد بن الحُسين، أَن أَبا بكر المُّوذي
حدثهم ، قال: دَخلنا العسكر إِلى أَن خرجنا ماذاقَ أَبو عبد الله طَبيخًا ولا
دسمًا، وقال: كم تَمتَّعِ أُولئك - يعني ابن أَبِي شَيْئَة وابْن المَدِيني وعَبد
الأعلى - إني لأعجب من حرصهم على الدنيا ، فكيفَ يطوفون على أبوابهم(٢)؟
ومن أقبح ما نُقل عن ابن المديني ، أَنه روى لابن أبي دُؤاد حديثًا عن الوليد
ابن مسلم كان الوليد أخطأ في لفظةٍ منه ، فذكره لهم على الخطإِ لَيَقوى به
ءے
احتجاجهم ، فكان ذلك مما أنكره عليه أحمد .
(١) ساقطة من ( ط ) .
(٢) تحرفت في (ف) إلى: ((دوابهم)).
٥٢٥

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز ، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ،
قال : أخبرنا أبو طالب عمر بن إبراهيم الفقيه ، قال : أخبرنا عيسى بن حامد
القاضي ، قال : حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد الصَّدَلاني ، قال : حدثنا أبو
بكر المُّوذي ، قال : قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل ، إِن علي بنِ المَدِيني
يُحدث عن الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن الزُّهري ، عن أنس عن
عُمر : كِلُوه إِلى خَالِقِهِ . فقال أبو عبد الله : كذب . حدَّثنا الوليد بن مسلم ما
هو هكذا ، إنما هو : كِلُوهُ إِلى عَالِمه(١) . وقال أحمد : قد عَلم علي بن المديني
أَن الوليد أُخطأً فيه، فَلِمَ أُراد أَن يُحدثهم به؟ يُعطيهم الخَطأَّ ؟ فكذَّبه أَبو
عبد الله(٢).
أُخبرنا عبد الرحمن (٣بن محمد القزاز(٣) قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ،
قال : أخبرني الحُسين بن علي الصََّّمَري ، قال : حدثنا محمد بن عمران
المَرْزُبَاني، قال: حدثنا محمد بن يحيى ، قال: حدثنا الحُسين بن قَهْم (٤)،
قال : حدثنا أُبي ، قال : قال ابنُ أبي دُؤَاد للمعتصم : يا أمير المؤمنين ، هذا
يَزعم - يعني أحمد بن حنبل - أَن الله تعالى يُرى في الآخرة ، والعَين لا تَقع إلا
على محدود . فقال له المعتصم : ما عندك في هذا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ،
عندي ما قاله رسول الله عَ لّم، قال: وما قال عليه السلام؟ قال: حدثنا محمد
(١) أورده الطبري في ((التفسير)) ٥٩/٣٠، والخطيب في ((تاريخه)) ٤٦٨/١١، عن أنس بن مالك قال:
بينا عمر جالس في أصحابه إذا تَلا هذه الآية: ﴿فأنبتنا فيها حيًّا وعنبًا وقَضبًا وزيتونًا ونخلًا وحدائق غُلِبًا
وفاكهة وأبًّا﴾ ثم قال: هذا كله قد عرفناه، فما الأبُّ؟ قال: وفي يده مُصَّيّة يضرب بها الأرض ، فقال:
هذا لعمرو الله التكلّف، فخذوا أيها الناس بما بُيِّنَ لكم فاعملوا به ، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه .
(٢) الخبر في (( تاريخ بغداد)) ٤٦٩/١١.
(٣ - ٣) ساقط من (د) و (ف) و (هـ ) .
(٤) فَهم: بفتح القاف وسكون الهاء، انظر ((المشتبه)) ٥١١/٢، وقد تحرف في (ش) إلى: ((فهيم)).
٥٢٦

ابن جَعفر غُْدَر ، قال : حدثنا شعبة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن
أبي حازم ، عن جرير بن عبد الله البَجَلي، قال: كُنَا مع النبي عَّله في ليلة أربع
عشرة من الشهر؛ فنظر إلى البدر فقال: (( أما إِنَّكُم سَتَرونَ ربّكُم كما تَرَونَ هذا
البَدْرَ لا تُضامونَ فِي رُؤيَتِهِ(١) )). فقال لأحمد بن أبي دؤاد : ما عندك في هذا ؟
فقال : أَنظُر في إِسناد هذا الحديث . وكان هذا في أول يوم ، ثم انصرف فوجه
ابنُ أبي دؤاد إلى علي بن المديني وهو ببغداد مُمِلِقٌ لا يقدر على درهم ، فأحضره
فما كلَّمه بشيءٍ حتى وصله بعشرة آلاف درهم ، وقال له : هذه وَصَلك بها
أمير المؤمنين ، وأمر أن يدفع إليه جميع ما استحق من أرزاقه ، وكان له رزق
سنتين ، ثم قال له : يا أبا الحسن ، حديث جرير بن عبد الله في الرّؤية ما هو ؟
قال : صَحيح ، قال : فهل عندك فيه شيء ؟ قال : يُعفيني القاضي من هذا ،
فقال: يا أبا الحسن، هو حاجة الذَّهر، ثم أُمر له بثياب وطيب ومَركب بسَرجه
ولِجامه ، ولم يَزل حتى قال له : في هذا الإِسناد من لا يُعتمد عليه ، ولا على ما
يَرويه، وهو قَيسُ بن أبي حازم، إنما كان أَعرابًّا، بَوّلًا على عقبيه ، فقام ابنُ أَبي
دُؤاد إلى علي بن المديني فاعتَقه ، فلما كان من الغد وحَضروا ، قال ابنُ أُبي
دؤاد: يا أمير المؤمنين ، يَحتج (٢ في الرؤية٢) بحديث جَرير ، وإِنما رواه عنه قَيس
ابن أبي حازم وهو أعرابي بَّل على عَقبيه . قال : فقال أحمد بن حنبل : فعلمت
أنه من عمل علي بن المديني(٣).
(١) أخرجه البخاري ٢٧/٢ في الصلاة: باب فضل صلاة العصر، و ٤٥٨/٨ في التفسير : باب قوله :
﴿ فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب﴾، و٣٥٦/١٣ - ٣٥٧ في التوحيد : باب قول
الله تعالى: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾، ومسلم (٦٣٣) في المساجد: باب فضل صلاتي
الصبح والعصر، وأحمد ٣٦٠/٤، والترمذي (٢٥٥١)، وابن ماجه (١٧٨). وهو من حديث أبي سعيد
الخدري عند البخاري ٣٥٨/٣، ومسلم (١٨٣) .
(٢ - ٢) ساقط من ( ط ) .
(٣) الخبر في ((تاريخ بغداد)) ٤٦٦/١١-٤٦٧، و((سير أعلام النبلاء)) ٥٢/١١ - ٥٣، وقد علق=
٥٢٧

الباب الثامن والسبعون
في ذكر جماعة ممن لم يُجب في المحنة
أخبرنا أبو منصور القزاز ، قال : أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ،
قال : أخبرنا محمد بن علي بن يعقوب ، قال : أخبرنا محمد بن نعيم الضَّبي ،
قال : سمعتُ أَبا العباس السَّاري يقول: سمعت أبا العباس بن سعيد(١) المرْوَزي
يقول : لم يَصبر في المِحنة إلا أربعة، كلّهم من مَرو : أحمد بن حنبل ، وأحمد
ابن نَصر، ومُحمد بن نوح، ونُعَيم بن حَمّاد (٢) .
قال أبو الحُسين بن المنادي : وممن لم يُجب: أُبو نُعيم الفَضل بن دُكَيْن،
وعَفّان ، والبُوَيْطي(٣) ، وإسماعيل بن أبي أُويس، وأبو مُصعب المدنيان ، ويَحيى
الحمّاني(٤) .
سياق أخبار المشتھرین بالذكر منهم
عَفّان بن مُسلم
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز ، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ،
ء
قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق ، قال : أخبرنا عثمان بن أحمد الدقّاق،
(١) في (ط): ((أبو العباس سعيد)).
(٢) (( تاريخ بغداد)» ١٧٧/٥.
(٣) ذكر مصحح المطبوعة أن في هامش الأصل: ((البويطي إنما امتحن أيام الواثق)).
(٤) تحرف في (د) إلى: ((الحمامي)).
٥٣٠

قال : حدثنا حنبل بن إسحاق ، قال : حضرتُ عند(١)عَفان بعد ما دعاه
إسحاق بن إبراهيم للمِحنة - وكان أول من امتُحن من الناس عَفّان - فسأَلَه
يَحيى بن مَعِين من الغد - بعد ما امتُحن - وأبو عبد الله أحمد بن حنبل حاضر
ونحن مَعه ، فقال له يحيى: يا أَبا عُثمان، أخبرنا بما قال لك إسحاق بن إبراهيم ،
وما رددتَ عليه؟ فقال عفّان(٢) ليحيى: يا أَبا زكريا، لم أُسوّد وجهك ولا وجوه
أصحابك - يعني بذلك: أَني لم أُجب - فقال له : فكيفَ كان ؟ قال :
دعاني إسحاق بن إبراهيم ، فلما دخلت عليه ، قرأً علي الكتاب الذي كتب به
المأمون من أرض الجزيرة إلى الرقّة، فإِذا فيه : امتحِنْ عفان ، وادعه إلى أن يقول :
القرآن كذا وكذا ، فإن قال ذلك فأَقْره على أمره ، وإن لم يُجبك إِلى ما كتبتُ به
إليك فاقطع عنه الذي يجري عليه . وكان المأمون يُجري على عفّان خمس مئة
درهم كل شهر ، قال عفان : فلما قرأً على الكتاب ، قال لي إسحاق بن
إبراهيم : ما تقول؟ فقرأتُ عليه: ﴿ قُل هُو الله أَحَد * اللهُ الصمد﴾(٢) حتى
ختمتُها ، فقلت : أَمخلوق هذا؟ فقال لي إسحاق(٤): يا شيخ، إِن أُمير المؤمنين
يقول : إِن لم تُجبه إلى الذي يدعوك إليه يَقطع عنك ما يجري عليك ، وإِن قطع
عنك أمير المؤمنين قَطعنا عنك نحن أيضًا، فقلت له: يقول الله تعالى: ﴿وَفِي
السَّمَاءِ رِزْقُكُم وما تُوعَدُون﴾(٥) ، فسكت عني إِسحاق وانصرفت(٤) ، فَسُرَّ
بذلك أبو عبد الله ومن حضر من أصحابنا(٦) .
(١) ساقطة من ( ط ) .
(٢) تحرف في (ف) إلى: ((عثمان)).
(٣) سورة الإخلاص: ١ - ٢.
(٤) ساقطة من ( ط ) .
(٥) سورة الذاريات : ٢٢ .
(٦) ((تاريخ بغداد)) ٢٧١/١٢.
٥٣١

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد ، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال :
أخبرنا أبو منصور بن محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز ، قال : حدثنا أبو
الفضل صالح بن أحمد التميمي ، قال : سمعتُ القاسم بن أبي صالح ، قال : سمعت
إبراهيم - يعني ابن الحسين بن دَيْزِيل(١) - يقول: لما دُعي عفان للمِحنة ،
كنت آخذ بلجام حماره ، فلما حضر عرض عليه القَول ، فامتنع أن يُجيب ،
فقيل له : يُحبس عطاؤك، قال : - وكان يُعطى في كل شهر ألف
درهم - فقال: ﴿ وَفي السماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدون﴾(٢) قال: فلما رجع إِلى
داره عَذله نساؤه ومن في داره، قال : وكان في داره نحو أربعين إِنسانًا ، قال :
فدقّ عليه داق البابَ ، فدخل عليه رَجل شَبهتُه بسمّان أو زَيّات ومعه كيس فيه
ألف درهم، فقال: يا أَبا عثمان، ثَبَّتَك الله كما ثَبَّتَّ الدِّينَ ، وهذا لك في كل
شهر (٣) .
أبو نُعيم الفَضل بن ذُكَين
أخبرنا أبو البركات بن علي البزاز ، قال : أخبرنا أحمد بن علي الطُّرَيْئِيني،
قال : أخبرنا هِبَة الله بن الحسن الطبري ، قال : ذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم ،
قال : حدثنا محمد بن أحمد بن عمر(٤) بن عيسى ، قال : سمعتُ أَبي يقول: ما
رأَيتُ مَجلسًا يجتمع فيه المشايخ أنبل من مشايخ اجتمعوا في مسجد جامع الكوفة
في وقت الامتحان ، فقُرى عليهم الكِتاب الذي فيه المحنة ، فقال أبو نُعيم :
أدركتُ ثمان مئة شَيخ ونيفًا وسبعين شيخًا ، منهم الأَعمش فمَن دونه ، فما رأيتُ
(١) تحرف في (د) إلى: ((يزدريل)).
(٢) سورة الذاريات : ٢٢ .
(٣) ((تاريخ بغداد)) ٢٧١/١٢ - ٢٧٢.
(٤) في ( ف ) و ( هـ) : ((عمرو).
٥٣٢

خلقًّا يقول بهذه المقالة - يعني بخلق القرآن - ولا تكلم أحد بهذه المقالة إلا رُمي
بالزَّندقة ، فقام أحمد بن يونس فقبل رأسٌ أَبي نُعيم وقال : جزاكَ الله عن الإِسلام
خَیرًا .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز ، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ،
قال : قرأتُ على البَرْقاني، عن أبي إسحاق المُزَكّي (١)، قال: أخبرنا محمد بن
إسحاق الثقفي ، قال : سمعتُ محمد بن يونس ، قال : لما أُدخل أَبو نعيم على
الوالى ليَمتحنه ، قال: أدركتُ الكوفة وبها أكثر من سبع مئة شيخ ، الأعمش(٢)
فَمَن دونه ؛ يقولون : القُرآن كلام الله ، وعُنقي أهون عندي من زِرّي هذا . فقام
إليه أحمد بن يونس فَقبل رأسه ، وكان بينهما شحناء ؛ وقال : جزاك الله من شيخ
حيًا(٣) .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد ، قال: أخبرنا أحمد بن علي ، قال : أخبرنا
محمد بن أحمد بن أبي طاهر ، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن سليمان
النَّجاد(٤)، قال : حدثنا محمد بن يونس الكُدَيْمي ، قال : سمعت أبا بكر بن
أَبِي شَيْئَة ، يقول: لما أَن جاءَت المِحنة إلى الكوفة ، قال لي أحمد بن يونس :
القَ أَبا نعيم فقل له ، فلقيتُ أَبا نعيم ، فقلت له ، فقال: إنما هو ضَرب
الأُسياط ، («وأَخذ زِرّ فقطعه، وقال: رأسي أُهون عليَّ من زرّيْ) .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد (٦) ، قال: أخبرنا أحمد بن علي ، قال : أخبرنا
(١) تحرف في (ط) إلى: ((البرمكي)).
(٢) ساقطة من ( فى ) .
(٣) (( تاريخ بغداد)) ٣٤٩/١٢.
(٤) تحرف في (ف) إلى: ((النجار)).
(٥ - ٥) ساقط من (ط)، والخبر في ((تاريخ بغداد)) ٣٤٩/١٢.
(٦) ساقطة من ( فى ) .
٥٣٣

ابن رزق ، قال : أخبرنا عثمان بن أحمد ، قال : حدثنا حنبل بن إسحاق ،
قال : سمعتُ أَبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - يقول: شيخان قاما لله بأمر
لم يقم به أُحد - أُو كثير أُحد - مثل ما قاما به : عُفان، وأَبو نُعيم (١) - يعني
امتناعهما من الإجابة - .
نعيم بن حماد
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز ، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ،
قال : أخبرني الأزهري ، قال : حدثنا محمد بن العباس ، قال : حدثنا أحمد بن
معروف الخَّشّاب ، قال : حدثنا الحسين بن قَهم ، قال : حدثنا محمد بن
سَعد ، قال : نُعيم بن حماد ، كان من أَهل مَرْوَ ، طلبَ الحديث طلبًا كثيرًا
بالعراق والحجاز ، ثم نزل مصر ، فلم يزل بها حتى أُشخص منها في خلافة أبي
إسحاق بن هارون ، وسُئل عن القرآن ، فَأَبِى أَن يُجيب فيه بشيءٍ(٢) مما أرادوه
عليه(٢) ، فحُبس بسامًا (٣) ، فلم يزل مَحبوسًا بها حتى مات في السجن سنة
ثمان وعشرين ومئتين (٤) .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد ، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال :
أخبرني الأزهري ، قال : أخبرنا أحمد بن إبراهيم ، قال : أخبرنا إبراهيم بن
محمد(٥) بن عرفة ، قال: سَنة تسع وعشرين ومئتين ، فيها مات نُعيم بن حَمّاد،
وكان مُقيدًا مَحبوسًا لامتناعه من القول بخلق القرآن ، فجُرّ بأقياده فأُلقي في
(١) ((تاريخ بغداد)) ٣٤٨/١٢.
(٢) ساقطة من ( ط ) .
(٣) وهي لغة في سُرّ من رأى، وقد مرَّ ذكرها في الصفحة (٤١) .
(٤) ((تاريخ بغداد) ٣١٣/١٣ - ٣١٤,
(٥) ساقطة من ( ط ) .
٥٣٤

◌ُفرة، ولم يُكفّن ولم يُصلّ عليه ، فعل ذلك به صاحب ابن أبي دُؤَاد(١).
أبو يعقوب يوسف بن يحيى البُونطي
حُمِل في أيام المحنة ، وأُريد على القول بخلق القرآن فامتنع ، فحُبس ببغداد ولم
يزل في الحبس إلى أن مات فيه ، وكان فَقيهًا زاهدًا .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد ، قال : أخبرنا أحمد بن علي الحافظ ، قال :
أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز ، قال : حدثنا
عبد الرحمن بن أحمد الأَنماطي ، قال : حدثنا محمد بن حمدان الطََّائِفِي،
قال : حدثنا الربيع بن سُليمان ، قال : رأيتُ الْبُوَيْطي على بَغل في عنقه غُلُّ وفي
رجليه قَيد(٢)، وبين الغُلّ والقَيد سلسلة حَديد فيها طوبَة وزنها أربعون رطلًا وهو
يقول : إنما خلق الله الخلقَ بِكُنْ ، فإذا كانت كُنْ مَخلوقة ، فكأَنَّ مخلوقًا خَلق
مخلوقًا ، والله لأُموتنَّ في حديدي هذا حتى يأتي من بَعدي قوم يعلمون أنه قد
ماتَ في هذا الشأن قوم في حَديدهم ، وَلئن أُدخلتُ عليه لأَصدُفتّه - يعني
الواثق(٣) - .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد(٤)، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب ، قال :
أخبرنا العَتِيقي ، قال : أخبرنا علي بن عبد الرحمن بن أحمد المصري ، قال :
حدثنا أبي ، قال : كان البُوْطِي مُتقشفًا، حُمل من مصر أَيام المحنة إلى العراق ،
وأرادوه على المحنة فامتنع، فسُجن ببغداد وقُيّد، فتوفي في السجن والقيد سَنة
اثنتين وثلاثين ومئتين(٥) .
(١) ((تاريخ بغداد)» ٣١٤/١٣.
(٢) في ( ط ): (( في عنقه سلسلة حديد وقيد)).
(٣) ((تاريخ بغداد) ٣٠٢/١٤.
(٤) ساقطة من ( ط ) .
(٥) ((تاريخ بغداد) ٣٠٣/١٤.
٥٣٥