Indexed OCR Text

Pages 321-340

الباب الثالث والثلاثون
في ذكر ما أنشده من الشعر أو نسب إليه
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد ، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال :
أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ ، قال: حدثنا أبو علي عيسى بن محمد الجُرَيْجِي ،
قال : حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب(١)، قال: كنت أُحب أَن أَرى أَحمد بن
حنبل ، فصرتُ إِليه ، فلما دخلتُ عليه ، قال لي : فيمَ تنظر ؟ فقلت : في النحو
والعربية ، فأنشدني أحمد بن حنبل :
إذا ما خلوتَ الدهرَ يومًّا فلا تَقل: خَلَوْتُ، ولكن قل: عَلَيَّ رقيبُ
ولا تَحْسبِنَّ اللهَ يَغْفِلُ ساعةً ولا أُنَّ ما نُخفي عليه يَغِيبُ
لَهَوْنَا عن الأَيامِ حتى تَتَابعتْ ذُنُوبٌ على آثارِهِنَّ ذُنُوبُ
فياليتَ أَنَّ الله يَغْفِر ما مَضى وَيَأْذِنُ فِي تَوباتِنَا فَنَتوبُ(٢)
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال :
أخبرنا محمد بن إبراهيم بن منصور الشيرازي ، قال : سمعتُ صالح بن أحمد بن
مكرم ، قال : حدثنا أبو الحسين أحمد بن الوليد التميمي ، قال : سمعتُ ثعلبًا
(١) إمام الكوفيين في النحو واللغة في وقته، كان راوية للشعر، محدثًا، مشهورًا بالحفظ والإتقان ، له كتب
عدة منها ((قواعد الشعر)) و((مجالس ثعلب)) و((الفصيح)). توفي ببغداد سنة (٢٩١) هـ .
((الأعلام)) ٢٥٢/١.
(٢) الخبر مع الأبيات في ((حلية الأولياء)) ٢٢٠/٩، و((طبقات الحنابلة؟ ٨٣/١، و((طبقات
الشافعية)) للإسنوي ١٤/١، وقد نسبت فيه للإِمام الشافعي .
٢٨٠

يقول : دخلتُ على أحمد بن حنبل فرأيتُ رجلًا كأَنَّ النار توقد بين عينيه ،
فسلمتُ عليه فردّ وقال : من الرجل ؟ فقلت : ثَعلب ، فقال : ما الذي تطلب
من العلم ؟ قلت : القَوافي والشعر - ووددت أني قلت له غير ذلك - فقال :
اكتب ، ثم أُملى عليَّ :
إِذا ما حَلَوْتَ الدهر يومًا فلاتَقُلْ: حَلَوْتُ، ولكن قل: عَلَيَّ رقيبُ
ولا تَحسبنَّ اللهَ يغفلُ ساعَةً ولا أَنَّ ما نُخفي عليه يَغِيبُ
لَهَوْنًا عن الأعمالِ حتى تَتَابَعَتْ ذنوبٌ على آثارِهِنَّ ذُنُوبُ
فياليتَ أَن الله يَغْفِر ما مَضَى ويأَذَنُ فِي تَوْبَاتِنَا فَتَتوبُ
إِذا ما مَضَى القَرْنُ الذي أَنت فيهمُ وخُلِّفْتَ في قرنٍ (١) فأَنت غريبُ
وبلغني عن علي بن خَشْرَم أَنه سمع أحمد بن حنبل يقول :
تَفْنَى اللَّذَاذَةُ ممن نالَ صَفْوَهَا مِن الحرامِ ، وَيَبْقَى الإِثْمُ والعارُ
تَبقَى عَواقِبُ سوءٍ من مَغَيَّتِهَا لَا خَيْرَ فِي لَّذَّةِ مِن بَعِدِهَا النَّارُ(٢)
أخبرنا ابن ناصر، قال: أَنبأَنا أَبو علي الحسن بن أحمد، قال : أَنشدنا أَبو
الحسن بن محمد بن الحب ، قال : أُنشدني أبو عبد الله الخَياط ، قال: أَنْشدتُ
لأَحمد بن حنبل من قوله في علي بن المديني :
يا ابْنَ المدينيِّ الذي عَرَضَتْ له دُنْيَا، فجادَ بدينِهِ لينالَهَا
مَاذَا دَعَاكَ إِلى انِتِحالِ مَقالة قَدْكُنتَ تَزْعُمُ كافرًا مَنْ قَالَهَا؟
(١) القَرن من الناس : أهل زمان واحد . ( اللسان ).
(٢) البيتان في ((المنهج الأحمد)) ٢٥/١.
٢٨١

أَمْرٌ بَدَا لَكَ رُشْدُهُ فَتَبعتَهُ أَمْ زَهرةُ الدُّنيا أَرْدْتَ نَوالَهَا ؟
ولقد عَهِدتُكَ مَرَّةً مُتَشدِّدًا صَعْبَ المقالة(١) التي تُدْعَى لها
إِن المرزَّأُ مَنْ يُصاب بدينِهِ لا مَنْ يُرِزَّا نَاقَةً وَفِصَالَهَا(٢)
21-17-19 --------
(١) كذا في أصول النسخ، وفي ((تاريخ بغداد)) و((المنهج)): ((المقادة)).
(٢) الأبيات في ((تاريخ بغداد)) ٤٦٩/١١، و((طبقات الشافعية)) ١٤٨/٢، و((المنهج
الأحمد )) ٢٥/١، وهي غير منسوبة لأحد في هذه المصادر .
٢٨٢

البابُ الرابع والثلاثون
في ذکر مُكاتباته
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال :
أخبرنا علي بن محمد المُعَدَّل، قال : أخبرنا دَعْلَج قال : حدثنا أبو الفضل
جعفر بن محمد بن الحسين ، قال : سمعتُ أَبا جعفر أحمد بن سَعيد الدارمي ،
يقول : كتب إِلَّ أَبو عبد الله أحمد بن حنبل : لأبي جعفر ، أكرمه الله من أحمد
ابن حنبل(١).
أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال: أنبأنا أبو القاسم بن البُسري ، عن أَبي
عبد الله بن بَطَّة ، قال: أخبرنا أبو بكر الآجري ، قال : أخبرنا أبو نَصر بن
كردي ، قال : أخبرنا أبو بكر المروذي ، قال : كان أبو عبد الله يكتب عنوان
الكِتاب : إِلى أَبي فُلان ، وقال: هو أَصوب من أن يكتب : لأُبي فلان .
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد
الأنصاري ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد الحافظ ، قال : حدثنا القاسم بن محمد
ابن محمود ، قال : حدثنا أبو غياث الطالقاني ، قال : سمعتُ سعيد بن
يعقوب ، يقول : كتبَ إلَّ أحمد بن حنبل: بسم الله الرحمن الرحيم ، من أحمد
ابن محمد ، إِلى سَعيد بن يعقوب(٢)، أما بعد: فإِنّ الدنيا داءٌ، والسلطان داءٌ ،
والعالم طَبِيبٌ ؛ فإِذا رأيتَ الطبيبَ يَجُّ الداء إِلى نَفسه فاحذَره، والسلامُ
عليكَ(٣) .
(١) ((تاريخ بغداد)) ١٦٨/٤.
(٢) في (ط): ((إلى يعقوب)) وهو خطأ .
(٣) ((طبقات الحنابلة)) ١٦٨/١.
٢٨٣

أُخبرنا إسماعيل بن أحمد ، قال : أخبرنا عمر بن عُبيد الله البقال ، قال :
أخبرنا أبو الحسين بن بِشْران ، قال : أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق ، قال :
حدثنا حنبل ، قال : كانت كتب أبي عبد الله أحمد بن حنبل التي يكتب بها :
إلى فُلان من فلان، فسألته عن ذلك فقال: النبي عَّه كتبَ إِلى كِسرى
وقَيَصر(١)، وكتب كلَّ ما كتب على ذلك، وأَصحاب النَّبِي عَ لَّه، ومُمر رضي
الله عنه كتبَ إِلى عُتبة بن فَرقَد(٢) ، وهذا الذي يكتب اليوم لفلان مُحدث لا
أعرفه ، قلت : فالرجل يبدأ بنفسه ؟ قال: أَمَا الأَّب ، فلا أحبُّ إلا أن تُقدمه
باسمه ، ولا يَبدأ ولد باسمه على والد ، والكبير السن كَذلك تُوقره به ، وغير ذلك
٤
فلا باس .
أخبرنا محمد بن ناصر ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الملك الأسدي ، قال :
أَنبأَنا عُبيد الله بن أحمد بن عثمان ، قال: أخبرنا محمد بن أحمد .
وأخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاري ، قال : أخبرنا عبد الله بن أحمد
(١) بعث رسول الله عَ له عبد الله بن حُذافة السهمي إلى كسرى، ودحية الكلبي إلى قيصر، وكانت
صورة كتابه: (( من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ...... )) وهو
ضمن حديث أبي سفيان الذي أخرجه البخاري ٣٠/١ في بدء الوحي ، وفي الإِيمان ، وفي الشهادات ،
وأماكن أخرى كثيرة ، ومسلم (١٧٧٣) في الجهاد ، والترمذي (٢٧١٨) في الاستئذان : باب ما جاء
كيف يكتب لأهل الشرك، وكان عَ لّم يبدأ في كتبه بالبسملة ثم باسمه ثم اسم صاحب الكتاب ، وانظر في
ذلك (( طبقات ابن سعد)) ٢٥٨/١ - ٢٩٠.
(٢) وذلك لمّا ولاه عمر - رضي الله عنه - على أذربيجان سنة (١٨) هـ. فأرسل له عتبة مع سُحيم مولاه
سَفَطين من خَبيص - وهو نوع من الطعام - فلما ذاقه عمر قال: إن هذا لطيب ، أكُلُّ المهاجرين أكلَ
منه شِيعَه؟ قال: لا . فكتب إليه عمر: من عبد اللّهِ عُمر أمير المؤمنين إلى عُتبة بن فَرِقِد ، أما بعد ؛ فليسَ
من كَلِّك ولا كَدِّ أمك ولا كدِّ أبيك، لا تأكل إلا ما يشبع منه المسلمون في رحالهم . انظر خبر ذلك
مفصلا في (( فتوح البلدان)) البلاذري : ٣٣٥ - ٣٣٦.
٢٨٤

السمرقَنْدِي ، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال : أنبأنا محمد بن
أحمد ــ وهو ابن رزق - قال : حدثنا أبو جعفر محمد بن يوسف الهمداني ،
قال : سمعتُ أَبا القاسم بن مَنيع يقول: أردتُ الخروج إلى سُويد بن سَعيد ،
فقلتُ لأحمد بن حنبل : تَكتب لي إِليه ؟ فَكتبَ : وهذا رجلٌ يكتبُ الحديث .
فقلتُ : يا أبا عبد الله ، خِدمتي لكَ ولزومي ، لو كتبتَ : هذا رجلٌ من
أصحاب الحديث ؟ فقال : صاحبُ الحديث عندنا من يستعمل الحديث .
٢٨٥

البابُ الخامِس والثلاثون
في ذكر صفته وهيئته وسَمْته
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز ، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ،
قال : أخبرني عبد الغفار بن محمد المؤدّب ، قال : حدثنا عمر بن أحمد
الواعظ ، قال : سمعتُ أَحمد بن العباس بن الوليد النحوي ، يقول : سمعتُ أَبي
يقول : رأيتُ أَحمد بن حنبل رَجلًا حسن الوجه ؛ ربعةً من الرجال ، يخضِب
بالحناءِ خِضابًا ليس بالقاني ، في لحيته شَعرات سود، ورأيتُ ثيابه غِلاظًا إِلا أَنها
بيض، ورأيته مُعتَمًّا وعليه إِزار(١).
أخبرنا إسماعيل بن أحمد ، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن
أحمد ، قال: أخبرنا أَبو نُعَيْم أَحمد بن عبد الله ، قال : حدثنا سليمان بن
أَحمد ، قال : سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول : خَضَب أَبي رأسه ولحيته
بالحِناءِ وهو ابن ثلاث وستين سنة .
قال سليمان : وحدثنا أحمد بن محمد القاضي ، قال : سمعتُ أَبا داود
السِّجستاني ، يقول : لم يكن أحمد بن حنبل يَخوض في شيءٍ مما يَخوض فيه
الناس من أمر الدنيا ، فإِذا ذُكر العلم تَكلّم(٢) .
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم ، قالا : أخبرنا حَمْد ،
(١) ((تاريخ بغداد)) ٤١٦/٤.
(٢) ((حلية الأولياء)) ١٦٤/٩.
٢٨٦

قال : أخبرنا أَبو نُعَيْم ، قال : حدثنا أبو بكر بن مالك ، قال : حدثنا أبو
جعفر بن ذَرِيح العُكْبَري ، قال: رأَيتُ أَحمد بن حنبل وكان شيخًا مخضوبًا طُوالًا
أَسمر شديد السُّمرة .
أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال :
أنبأنا إبراهيم بن عمر ، قال : أنبأنا عبد العزيز بن جعفر ، قال : أخبرنا أحمد بن
محمد الخلال ، قال : أخبرنا أبو بكر المَرُّوذي ، قال: رأيت أبا عبد الله إِذا كان
في البيت كان عامة جلوسه متربعًا خاشعًا ، فإذا كان برّا لم يكن يتبين منه شدة
خشوع كما كان داخلًا ، وكنت أُدخل عليه والجزء في يده يقرأ ، فإِذا قعدت ،
أُطبقه ووضعه بين يديه .
أخبرنا ابن ناصر ، قال : أخبرنا المبارك بن عبد الجبار ، قال : أخبرنا علي بن
عُمر القزويني ، قال : أخبرنا أبو عُمر بن حَيّويه ، قال : حدثنا أبو الفضل
جعفر بن محمد الصَّندلي ، قال : حدثنا خطاب بن بشر ، قال : كنتُ قاعدًا
في مسجد أبي عبد الله مع أبي بكر المُّوذِي نتذاكر، فسمع أَبو بكر صوتَ
الباب قد فُتُح ، فوثب فإذا أَبو عبد الله قد فَتح الباب وأخرج رأسه ، فقال لأُبي
بكر : أنظر حسنًا إلى أين دخل ؟ - بُني له صغير - فقلت في نفسي : أقلقَ
الشيخ حتى أزعجه ، وذلك نصف النهار في الصيف ، فدخل أبو بكر في بعض
دور الحاكة ، فأخرجه ، وأخبره بمكاني فقال لي : ادخل ، فدخلت إلى
الدّهليز ، وهو جالس على التراب وخضابه قد نصل ، وأصول الشعر تبين
بياضه ، وعليه إِزار كرابيس(١) صَغير وسخ ، وقميص غليظ قد أصاب عاتقه
التراب ، والعرق قد بان على مُستدير عاتقه ، فسألته عن الوَرع والاكتساب ،
فرأيته قد أُظهر الاغتمام وبانَ عليه في وجهه حينَ سألته عن ذلك ، إزراء على نفسه ،
(١) ثوب من القطن الأبيض، مُعرّب ( القاموس ) .
٢٨٧

واغتمامًا بأمره ، حتى شق عليَّ، فقلت لرجل كان معي حين خرجنا : ما أراه
ينتفع بنفسه أيامًا .
أنبأنا يحيى بن الحسن بن البنّا، قال : أنبأنا أبو يعلى محمد بن الحسين ،
قال : أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الحِنّائي، قال : أخبرنا أَبو محمد
الطرسوسي ، قال : حدثنا أبو العباس البَردعي ، قال: سمعتُ الحسن(١) بن
إسماعيل ، يقول : سمعتُ أَبي يقول : كان يجتمع في مجلس أحمد زُهاء خمسة
آلاف أو يزيدون ، أقل من خمس مئة يكتبون ، والباقون يتعلمون منه حُسن
الأَدب وحُسن السَّمْت(٢) .
أخبرنا محمد بن ناصر ، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار ، وأَبو
طالب بن يوسف ، قالا : أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي ، قال : أخبرنا أبو
عبد الله بن بَطَّة ، قال : سمعتُ أَبا بكر أحمد بن سليمان النجّاد ، يقول :
سَمعت أبا بكر بن المطَّوعي ، يقول : اختلفتُ إلى أَبي عبد الله أحمد بن حنبل ،
ثنتي عشرة سنة وهو يَقرأ ((المسند )) على أُولاده، فما كتبتُ منه حديثًا واحدًا ؛
إنما كنتُ أَنْظر إلى هَديه ؛ وأُخلاقِه ، وآدابه .
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد
الأنصاري ، قال : أخبرنا أبو يعقوب الحافظ ، قال: أخبرنا أبو علي بن أبي بكر
المروذي ، قال : حدثنا أبو عبد الله محمد بن الحسن بن علي البخاري ، قال :
سمعتُ محمد بن إبراهيم البُوشَنْجِي ، يقول: ما رأيتُ أَحمد بن حنبل جالسًا إِلا
القُرْفُصاء إلا أن يكون في الصلاة ، وهذه الجِلْسَة التي تَحكيها قَيْلَةُ(٣) في
(١) في (د): ((الحسين)).
(٢) السمت : حُسن النحو في مذهب الدين ، يقال: إنه لحسَن السمت، أي : حَسن القصد والمذهب
في دينه ودنياه . ( اللسان ) .
(٣) تحرفت في (ط) إلى: ((يحكيها قبله)).
٢٨٨

حديثها : إِني رأَيتُ رسولَ الله عَ لَِّ جالسًا جِلْسة المُتَخشِّعِ القُرْفُصاء(١).
فكانَ أُحمد يتيمم في جلوسه هذه الجِلْسة وهي أولى الجلسات بالخُشوع ،
والقرفصاء ("أن يجلس٢) الرجل على أَلْيَتيه رافعًا رُكبتيه إلى صدره مُفْضًا بأَخْمَص
قدميه إِلى الأَرض - وربما اخْتَبى بيده - ولا جلسةَ أَخشع منها .
أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد بن
يوسف ، قال : أنبأنا إبراهيم بن عمر ، قال : أنبأنا عبد العزيز بن جعفر ،
قال : حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد الخلال ، قال : حدثنا أبو سليمان
الكَلْوَاذي(٣)، قال: حدثنا محمد بن يونس الحمّال، قال: حدثنا حُميد بن
عبد الرحمن الرُّوَّاسِي، قال: كان يقال: لم يكن من أصحابِ رسول الله سعدَ لَّ
أَشبه هَذْيًا ، ولا سمتًا وَلَّ (٤) من عبد الله بن مسعود ، وكان أَشبه الناس بعبد الله
ابن مسعود عَلقمة بن قيس ، وكان أشبه الناس بعلقمة إبراهيم النَّخَعِي ، وكان
أشبه الناس بإبراهيم النخعي منصور بن المعتمر ، وكان أشبه الناس بمنصور بن
(١) أخرجه أبو داود (٤٦٨٠) في الأدب: باب في جلوس الرجل، والترمذي (٢٨١٥) في الأدب : باب
ما جاء في الثوب الأصفر، عن قيلة بنت مخرمة أنها رأت النبي عَ لَّه وهو قاعد القرفصاء، فلما رأيتُ رسول
الله عَلِ المُتَخْشِّع في الجلسة، أُرْعِدتُ من الفَرَق . وهو حديث طويل، أورد البخاري طرفًا منه في
((الأدب المفرد)) في باب القرفصاء، وذكره بطوله الهيثمي في ((المجمع)) ٩/٦ - ١٣، والزمخشري في
((الفائق / ١٨٢/٢.
(٢ - ٢) ساقط من ( ط ) .
(٣) في ( د): ((الكلوذاني)) وكلاهما صحيح ، نسبة إلى كُلْواذي : وهي من قرى بغداد على خمسة فراسخ
منها ، والنسبة إليها : كَلْواذاني، وَكَلْواذِي، وَكَلُوذانى. (الأنساب) ١٣٩/١١.
(٤) الدَّلْ: قريب المعنى من الهَدي، وهما من السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل وغير ذلك. وفي
الحديث أن أصحاب ابن مسعود كانوا يرحلون إلى عمر بن الخطاب فينظرون إلى سَمته وهديه ودَلِّهِ ،
فيتشبهون به . ( اللسان ) .
٢٨٩

المعتمر سفيان الثوري ، وكان أشبه الناس بسفيان الثوري وَكيع بن الجَرّاح . قال
محمد بن يونس : وكان أشبه الناس بوكيع بن الجراح أحمد بن حنبل .
قال الخلال : وحدثنا محمد بن يحيى بن خالد ، قال : حدثنا أحمد بن الحسن
الترمذي ، قال : سمعتُ الحسن بن الربيع يقول : ما شَبَّهت أحمد بن حنبل إِلا
بابن المبارك (١ في سَمته وهَدیه١) .
(١ - ١) ساقط من (ف ) .
٢٩٠

الباب السّادِس والثلاثون
في ذكر هيبته
أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال :
أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي ، قال : حدثنا علي بن مَرْدَك ، قال : حدثنا أبو
محمد بن أبي حاتم ، قال : سمعتُ محمد بن مُسلم ، يقول : كنا نهاب أَن تُرادًّ
أحمد بن حنبل في الشيءٍ أَو نُحاجّه في شيءٍ من الأشياءِ . يعني لجلالته ولهيبةٍ
الإسلام الذي رُزقه .
أخبرنا محمد بن ناصر ، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال: أُنبأَنا أَبو
إسحاق البَرْمَكي ، قال : أنبأنا عبد العزيز بن جعفر ، قال : حدثنا أبو بكر
أحمد بن محمد الخَلّال، قال : أُخبرني محمد بن الحُسين ، قال : حدثنا أبو
بكر المُّوذي ، قال : قال الحسن بن أحمد - والي الجسر ، وكان في جوارنا - :
دخلتُ على إسحاق بن إبراهيم وفُلان وفلانَ ـ ذَكر السلاطين - ما رأَيتُ
أُهيبَ من أحمد بن حنبل ، صرت إليه أُكلمه في شيءٍ فوقعت عَلََّّ الرّعدة حينَ
رأيته من هَيبته(١).
قال المروذي : ولقد طَرقه الكَلْبي صاحب خبر السّ ليلًا فمن هَيبته لم يَقرعوا
عليه بابه وَدَقّوا باب عَمِه . قال أَبو عبد الله : سمعتُ الدَّ فخرجتُ إِليهم .
قال الخلال : وأخبرني محمد بن موسى ، قال : قال جعفر الوراق : قال لي
عبدوس : رآني أبو عبد الله يومًا وأَنا أَضحك، فأنا أستحييه إلى اليوم .
(١) ((المنهج الأحمد) ٢٦/١.
٢٩١

..............
........ m ..... . .
أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال :
أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط ، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن
الخضر ، قال : حدثنا أبو جعفر أحمد بن يعقوب الأصفهاني ، قال : حدثنا أبو
مُزَاحِم موسى بن يَحيى بن عُبيد الله بن خاقان ، قال : حدثني ابن مكرم
الصّفّار ، قال : سمعتُ أَبا ◌ُبيد القاسم بن سَلام يقول : جالستُ أَبا يوسف ،
ومُحمد بن الحسن ، ويَحيى بن سعيد ، وعبد الرحمن بن مَهدي ، فما هبتُ
أحدًا منهم ما هبتُ أَحمد بن حنبل(١) ، ولقد دخلتُ عليه في السجن لأسلّم
عليه ، فسألني رجل عن مَسأَّلة ، فلم أُجبه هيبةً له . قال ابن مكرم : فحدثتُ
بهذا الحديث يعقوب بن شيبة ، فقال لي : لعله فَرِقَ أَن يغلطَ بحضرته .
(١) الخبر إلى هنا في ((حلية الأولياء)) ١٦٦/٩.
٢٩٢٠

الباب السابع والثلاثون
في ذكر نظافته وطهارته
أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال :
أخبرنا إبراهيم بن عُمر ، قال : أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مَرْدَك ، قال :
أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم ، قال : ذكر عبد الله بن أبي عمر البكري ،
قال : سمعتُ عبد الملك بن عَبد الحميد الميموني قال : ما أَعلم أني رأيتُ أُحدًا
أَنْظِفَ ثوبًا ولا أَشدَّ تَعاهدًا لنفسه في شاربه وشَعر رأسه وشَعر بدنه، ولا أَنقى ثَوبًا
وشِدةَ بياضٍ ، من أحمد بن حنبل(١) .
أخبرنا ابن ناصر ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال : أنبأنا
البَرْمَكي ، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر ، قال : حدثنا أحمد بن محمد
الخَّال ، قال : أُخبرني محمد بن الجُنيد ، أَن أَبا بكر المُّوذي حدثهم، قال :
كان أبو عبد الله لا يدخل الحمام ، وكان إذا احتاج إلى النّورة تَنَوَّر في البيت ،
وأصلحتُ له غيرَ مرةِ النّورة ، واشتريتُ له جلدًا ليده ، فكان يُدخل يده فيه
ويُنُوِّر نَفسه(٢) .
قال الخلّال: وأخبرني محمد بن أحمد الصايغ ، قال : سمعتُ أبا العباس
يقول : ضربت لأبي عبد الله نورةً ونَوَّرته ، فلما بلغ عانته وليها هو .
(١) ترجمة الإمام أحمد من ((تاريخ الإسلام)»: ٢٥.
(٢) (( سير أعلام النبلاء)) ٢١٣/١١.
٢٩٣

........
الباب الثامن والثلاثون
في ذكر سهولة أخلاقه وحُسن معاشرته
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد
الأنصاري ، قال : أخبرنا أبو يعقوب الحافظ ، قال : أخبرنا أبو علي بن أبي بكر
المروذي ، قال : حدثنا أبو عبد الله محمد بن الحسن بن علي البخاري ، قال :
سمعتُ محمد بن إبراهيم البُوشَنْجِي ، قال: ما رأيتُ أَحدًا في عصر أَحمد ممن
رأيت أَجمع منه ديانةً وصيانةً وملكًا لنفسه، وطلقًا لها ، وفقهًا وعلمًا، وأَدب
نفس، وكَرم ◌ُخُلق ، وثبات قلب ، وكرم مجالسة ، وأبعد من الثَّماوت .
أَخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقي ، قالا : أخبرنا حَمْد بن
أحمد الحَداد ، قال : أخبرنا أبو نُعَيْم أَحمد بن عبد الله ، قال : حدثنا أبو بكر
ابن مالك ، قال: حدثنا محمد بن يونس الكُدَيْمي . وأُخبرنا عبد الملك بن أبي
القاسم ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري ، قال : أخبرنا أحمد بن
الحسن أَبو الأَشعث ، قال : حدثنا القاسم بن نَصر بن حسان ، قال : حدثنا
أبو داود سليمان بن يَزيد الفامي ، قال : حدثنا محمد بن موسى البصري ، قال :
حدثنا علي بن المَدِيني ، قال : قال لي أحمد بن حنبل . إِني لأُحب أَن أَصحبك
إلى مكة ، وما يمنعني من ذاك إِلا أَني أَخاف أَن أَمَلَّك أَو تَمَّني . قال : فلما
وَدّعته قلت له : يا أبا عبد الله ، توصيني بشيءٍ ؟ قال : نعم ، أَلْزِم التقوى
قلبكَ ، وانصب الآخرة أمامك(١).
(١) الخبر في ((حلية الأولياء) ١٧٣/٩.
٢٩٤

أخبرنا إسماعيل بن أحمد ، قال : أخبرنا عمر بن عبيد الله البقال ، قال :
أخبرنا أبو الحسين بن بِشْران ، قال : أخبرنا عثمان بن أحمد ، قال : حدثنا حنبل
قال : رأَيتُ أَبا عبد الله أحمد بن حنبل إِذا أُراد القيام ، قال لجلسائه : إِذا شئتم.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي ، قال : أنبأنا محمد بن أبي نصر ، قال : أخبرنا
أبو علي إسماعيل بن أحمد البيهقي ، قال : حدثني أبي ، قال : سمعت محمد بن
العباس الشهيد ، يقول : سمعتُ الحسن بن علي (١) الأصبهاني يقول: سمعتُ أَبا
داود السِّجِسْتاني، يقول : كانت مُجالسة أَحمد بن حنبل مجالسة الآخرة ، لا
يُذكر فيها شيءٌ من أَمر الدنيا، ما رأيتُ أَحمد بن حنبل يَذكر الدنيا قط.
بلغني عن أَبي الحُسين بن المنادي ، قال : سمعتُ جدي يقول : كان أحمد
من أحيا الناس ، وأكرمِهم نَفسًا وأُحسنِهم عشرة وأدبًّا، كثير الإِطراق والغَض ،
مُعرضًا عن القَبيح واللَّغو؛ لا يُسمع منه إلا المذاكرة بالحديث ، وذِكر الصالحين
والزّهاد في وَقار وسكون ولفظٍ حسن ؛ وإذا لقيه إنسان بَشَّ به وأقبل عليه ،
وكانَ يتواضع للشيوخ تَواضعًا شديدًا، وكانوا يُكرمونه ويعظمونه ، وكان يفعل
بَيَحيى بن معين ما لم أره يفعل بغيره من التواضع والتبجيل ، وكان يحيى أكبر منه
بنحو من سبع سنين .
أخبرنا ابن ناصر، قال: أُنبأَنا الحسن بن أحمد، قال: أخبرنا أبو الحسن
علي بن أحمد المقرئ ، قال : أخبرنا الخُطَبِي ، قال : حدثنا عبد الله بن
أَحمد(٢) ، قال : كان أبي إذا دخل من المسجد إلى البيت ، يضرب برجله قبل أن
يدخل الدار ، حتى يُسمع ضرب نعله لدخوله إلى الدار ، وربما تَنحنح لَيَعلم من
في الدار بدُخوله(٣) .
(١) ساقطة من ( د ) .
(٢) في (د) و (ف): (( بن حنبل)).
(٣) ((المنهج الأحمد)) : ٢٧/١.
٢٩٥

أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أخبرنا عبد القادر بن محمد ، قال :
أنبأنا إبراهيم بن عمر ، قال : أنبأنا عبد العزيز بن جعفر ، قال : حدثنا أحمد بن
محمد الخَلّال ، قال : حدثنا محمد بن علي ، قال : حدثني مُهَنّا ، قال : رأيتُ
أَبا عبد الله غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس ؛ رأيتُه كثيرًا يُقَبل وجهُه
ورأسُه وخَدُّه ولا يقول شيئًا ، ولا يمتنع من ذلك، ورأيتُ سليمان بن داود
الهاشِمي يُقبل جبهته ورأسَه ؛ ورأيته(١) لا يمتنع من ذلك ولا يكرهه ، ورأيتُ
يعقوب بن إبراهيم بن سَعد يُقبل جَبهته ووجهه .
قال الخَلّال : وقلتُ لُهير بن صالح بن أحمد : هل رأيتَ جدك ؟ قال:
نعم ؛ وكان لي نحوًّا من ثمان سنين ؛ وماتَ وقد دخلتُ في عشر سنين . فقلتُ
له : تَذكر من أخلاقه شيئًا ؟ قال كُنا ندخل إليه في كل يوم جمعة أَنا وإخوانى،
وكان بيننا وبينه بابٌ مفتوح ، فكان يكتبُ لكل واحد مِنَّا حَبَّتين حَبَّتين(٢) من
فِضة في رُقعة إِلى فَامِيٌّ (٣) يعامله، فنأخذ منه الحبتين وَنأخذ للأخوات ، وكان
ربما مررتُ به وهو قاعدٌ في الشمس وظهره مكشوف وأثر الضرب بَيِّنٌ في ظهره ،
وكان لي أَخْ أصغر مني اسمه عليّ ويُكنى أَبا حَفص ، فأراد أَبي أَن يخِتَنَه ، فاتَّخَذ
له طعامًا كثيرًا ودعا قومًا، فلما أراد أن يَختِه وجَّه إلى جدي فدعاه ؛ قال أبي :
قال لي : بلغني ما قد أُحدثتَه لهذا الأمر، وقد بلغني أنك قد أَسرفتَ ، فابدأ
بالفقراءِ والضعفاءِ فأطعمهم ؛ فلما أَن كان من الغد وحضر الحجام وحضر أهلنا ،
دخل أَبي إِلى جدي فأَعلمه أَن الحجامَ قد جاءَ، فجاءَ جدي معه حتى جلس في
الموضع الذي فيه الصبي، ونُخْتِن وهو جالس فَأُخرج صُرَيْرَةً فدفعها إِلى
(١) ساقطة من ( د) و ( ف ) .
(٢) ساقطة من ( ط ) .
(٣) هو من يبيع الفواكه اليابسة، ويقال لبائعها: البقال أيضًا. ((اللسان)).
٢٩٦

الحَجّام ، وصُرَيْرَة إلى الصبي ، وقام فدخل منزله ، فنظر الحجامُ إِلى الصريرة
فإِذا فيها درهم واحد ، ونظرنا إلى صُرّة الصبي فإِذا فيها درهم ، وكنا قد رفعنا
كثيرًا مما قد افتُرِش ، وكان الصبي على منصة مرتفعة على شيءٍ من الثياب
المُصبَّغة ، فلم يُنكر من ذلك شيئًا، قال : فقدم علينا من خُراسان ابنُ خالِةِ
جدّي ، فنزل على أَني ، وكانَ يُكنى بأَبي أحمد ، فلما كان يوم من الأيام وقد
صلينا المغرب ، قال لي أبي: خُذ بيد أبي أحمد فامضٍ به إِلى جدك، فدخلتُ
على جدي وهو قائم يُصلي بعد المغرب فجلست ، فلما فرغ من ركوعه قال لي :
جاءَ أَبو أَحمد ؟ قلت : نعم . قال : قل له يَدخل . فقمت إلى أبي أحمد فدخل
معي فجلس ، فصاح بامرأةٍ كانت تَخدمه مُسِنَّة من سَكَانه(١) ؛ فجاءت بطبق
خِلافٍ وعليه خُبز وَبَقْلٌ وخَلّ ومِلح ، ثم جاءَت بغَضَارة (٢) من هذه الغِلاظ
فوضعتها بين أيدينا ، وإِذا فيها مَصلَيَّة فيها لَحم وسِلقٌ كثير ، فَجعلنا نأكل وهو
يأكل معنا ، ويسأل أَبا أحمد عَمّن بقي من أَهلهم بخُراسان في خلال ما يأكل ،
وكان ربما استَعجم الشيء على أبي أُحمد بالعَربية فيكلّمه جدي بالفارسية ، وكان
في خلال ذلك - ونحن نأكل - يضع القطعة اللحم بين يدي أبي أحمد وبين
يَدي ، ثم رَفَع الغَضارة بيده فوضعها ناحية ، ثم أَخذ طبقًا إلى جنبه فوضعه بين
أيدينا على الطبق ، فإِذا فيه تَمْر بَرْني وجَوز مُكسّر ؛ وجعل يأكل ونأكل ، وفي
ءَ
خلال ذلك يُناول أَبا أحمد ؛ ثم غَسلنا أيدينا كلُّ واحد منا يغسل يَده لنفسه(٣).
قال الخلال : وحدثني محمد بن موسى ، قال : حدثنا إبراهيم - يَعني
الُّهري - قال : حدثني عبدوس العَطار ، قال : وجهتُ بابني مع الجارية يُسلم
(١) قرية من قرى الصُغد. ((معجم البلدان)) ٢٣٠/٣.
(٢) الصَّحفة المتَّخذة من الطين اللازب ((اللسان)).
(٣) ((سير أعلام النبلاء)) ٢١٧/١١ - ٢١٨.
٢٩٧

على أبي عبد الله، فرحَّب به وأجلسه في حجره وساءَله ، وأرسل فاتخذ له
خَبيصًا فجاءَ به فوضعه بين يديه وجعل يبسطه ، وقال للجارية : كُلي معه . ثم
قام إلى بعض الفامِيِّين فجاءَ وفي ثوبه لوز وسكر ، وأخرج منديلاً فشدّه فيه ، ثم
دَفعه إلى الخادم ، وقال للصبي : اقرأ على أَبي مُحمد السلام .
قال الخلال : وأخبرنا أبو بكر المَرُّوذي ، قال: رأيتُ أَبا عبد الله قد ألقى
لخََّّانٍ درهمين في الطَّسْت .
قال الخلال : وأخبرني عبد الملك الميموني، قال : كثيرًا ما كنت أسأل أَبا
عبد الله عن الشيءٍ فيقول : لبيك .
قال الخلال : وأخبرني محمد بن الحسين ، أن أبا بكر المروذي حدثهم قال :
كان أَبو عبد الله لا يجهل ، وإِن جُهِل عليه احتمل وحَلم ، ويقول : يكفي الله .
ولم يكن بالحَقود ولا العَجول ، ولقد وقع بين عمه وجيرانه مُنازعة ؛ فكانوا يَجيئون
إلى أبي عبد الله ، فلا يُظهر لهم ميله مع عمه ، ولا يَغضب لعمه ، ويتلقاهم بما
يعرفون من الكرامة ، وكان كثير التواضع يُحب الفقراء ، لم أر الفقير في مجلس
أُعزّ منه في مجلسه ، مائلًا إليهم مُقصرًا عن أهل الدنيا ، تعلوه السكينة والوقار ،
إذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلّم حتى يُسأل، وإذا خرج إِلى
مسجده(١) لم يتصدّر يقعد حيث انتهى به المجلس ، وكان لا يمد قدمه في المجلس
ويُكرم جليسه ؛ وكان حسن الخلق دائم البشر ليّن الجانب ليس بفظ ولا غَلِيظ ؛
وكان يُحب في الله ويُبغض في الله، وكان إِذا أَحب رجلًا أُحب له ما يحب
لنفسه، وكره له ما يكره لنفسه، ولم يمنعه حبه إياه أن يأخذ على يديه ويكفه عن ظُلم أَو إثم
أو مكروه إن كان منه ، وكان إذا بلغه عن رجل صلاحٌ أو زهد أو قيامٌ بحق
(١) في (ف): ((مجلسه)).
٢٩٨

أَو اتباع للأمر سأَل عنه وأَحبَّ أَن يجري بينه وبينه معرفة ، وأحب أن يعرف
أحواله ، وكان رجلًا فطِنًا إذا كان شيء (١لا يرضاه اضطرب لذلك، يغضب الله
ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها؛ فإذا كان في أمر من الدين اشتد١) له غضبه
حتى كأنه ليس هو ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، وكان حسن الجوار يُؤدی
فَيَصبر ويحتمل الأذى من الجار ؛ ولقد أخبرني بعض جيرانه ، ممن بينه وبينه
حائط قال : كان لي برج فيه حَمام ، وكان يُشرف على أبي عبد الله ، فكنت
أَصعد وأَنا غُلام أشرف عليه ، فمكث على ذلك صابرًا لا ينهاني ؛ فبينا أنا يومًا
إذ صعد عمي فنظر إلى البُرجِ مُشرِفًا على أبي عبد الله فقال : وَيحك ، أَما
تَستحي تؤذي أبا عبد الله ؟! قلت له : فإنه لم يَقل لي شيئًا . قال : فلستُ
أَبرُ حتى تهب لي هذه الطيور ، فما بَرح حتى وهبتُها له فذَبحها وهَدم الْبُرج .
قال الخلال : وحدثنا إبراهيم بن جعفر بن جابر ، قال : حدثنا محمد بن
الحسن بن الجُنيد ، عن هارون بن سُفيان المُسْتملي ، قال : جئتُ إِلى أحمد بن
حنبل حين أراد أن يُفرق الدراهم التي جاءّته من المتوكِّل ، قال : فأعطاني مئتي
درهم ؛ فقلت : لا تكفيني ، قال : ليس هاهنا شيء غيرها ، ولكني أَعمل بك
شيئًا ، أَعطيكَ ثلاثمئة درهم تُفرقها ، قال: فلما أَخذتُها قلت : يا أبا عبد الله ،
ليسَ والله أُعطي أُحدًا منها شيئًا، فتبسم(٢) .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز ، قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ،
قال : حدثني الحسن بن أبي طالب ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن
المطلب ، قال : حدثنا الحسن بن محمد بن سعيد ، قال : حدثني محمد بن
إبراهيم الأَنماطي ، قال : كنتُ عند أحمد بن حنبل وبين يديه مِحبرة ، فذكر أبو
(١ - ١) ساقط من (ش ) .
(٢) «المنهج الأحمد : ٢٧/١.
٢٩٩