Indexed OCR Text

Pages 461-480

أخرى باسم (الرسالة المحمدية).
وأسمّي كتابي هذا (المصالح العقلية للأحكام النقلية) سائلاً المولى عزَّ
وجلَّ أن يجعله نافعاً ومفيداً للبشرية، ودافعاً للشكوك والشبهات تجاه الأحكام
الشرعية .
کتبه
أشرف علي
شهر رجب ١٣٢٤ هـ
وفيما يأتي نلفت نظر القارئ الكريم إلى أهم الموضوعات التي حواها
الكتاب:
• حُكم تعدّد حِكَم ومصالح الأحكام الشرعية.
· الحِكَم والأسرار المتعلقة بالوضوء، هناك عشرة حكم وأسرار ذكرها
المؤلف رحمه الله في باب الوضوء، وأتبعها بِحِكَم أخرى، مثلاً: الحكمة في
دعاء التوبة بعد الانتهاء من الوضوء. الحكمة في ندب الترتيب في الوضوء،
حكمة تجديد الماء في مسح الرأس والأذنين، حكمة مشروعية الطهارة من
الماء والتراب، حكمة تخصيص الأعضاء السبعة في الوضوء.
● حكمة السواك في الإسلام.
· نظرة عامة على الطهارة المعنوية .
· طهارة الأعضاء والجوارح.
٤٦١

· حكمة كون التيمّم ينوب مناب الوضوء والغسل.
· الحكمة في عدم التفريق بين تيمّم الغسل والوضوء.
· الحكمة في منع الحائض والجنب من دخول المسجد.
· الحكمة في غسل الكافر عند اعتناقه الإسلام.
· الحكمة في وجوب الغسل بعد الطهارة من الحيض.
· الحكمة في منع الجنب والحائض من الصلاة وقراءة القرآن .
وهكذا تتابع ذكر الحِكَم، وبيان الأسرار والمصالح لمعظم الفروع
والجزئيات الفقهية، المتعلّقة بكتاب الطهارة والصلاة، وإلى هنا ينتهي الجزء
الأول من الكتاب.
أما الجزء الثاني: فهو يشتمل على حكم وأسرار الأبواب التالية:
كتاب الزكاة، كتاب الصوم، باب العيدين، كتاب الأضاحي، كتاب
الحج، كتاب النكاح، كتاب الطلاق.
والجزء الثالث: من الكتاب يتضمن مباحث :
كتاب البيوع، والمعاملات، والفرائض، والمواريث، وحكم وأسرار
متعلِّقة بالقبر ونعيمه وعذابه، وحقيقة الصراط .
كما ضمَّن رحمه الله نهاية الكتاب بعض المباحث المهمة المتعلقة بحياة
البرزخ، والثواب والعقاب، والجنة والنار، ومنها:
٤٦٢

- أجوبة الإمام ابن القيم رحمه الله على الأسئلة الواردة حول عذاب القبر
ونعيمه.
- حقيقة الصراط الأخروي في كلام ابن العربي.
- حقيقة الصراط المستقيم في كتابات الإمام الغزالي.
- حقيقة القيامة في ضوء ما كتبه الإمام محمد قاسم النانوتوي.
- حقيقة المكافآت على الأعمال الإنسانية.
- حقيقة الجنة والنار .
- لا يُغلق باب التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها.
- أرضى الأقوال في عرض الأعمال من مقال العارف الجلال (الرومي).
ومما يلفت النظر أنَّ المؤلف رحمه الله قد انتقى في معظم المباحث من
كلام الإمام ابن القيم رحمه الله، كما نلاحظ ذلك في بيان حكمة عدم تفرقة
تيمّم الوضوء والغسل :
قال رحمه الله: يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: ((وأما كون تيمم الجنب
كتيمم المُحدث، فلما سقط مسح الرأس والرجلين بالتراب عن المُحدث سقط
مسح البدن كله بالتراب عنه بالطريق الأولى، إذ في ذلك من المشقة والحرج
والعسر ما يناقض رخصة التيمّم، ويدخل أكرم المخلوقات على الله في شعبة
البهائم إذا تمرّغ في التراب، فالذي جاءت به الشريعة، لا مزيد في الحسن
٤٦٣

والحكمة والعدل عليه، ولله الحمد)). وكذلك في حكمة مشروعية مسح الرأس
في التيمم، وبيان حكمة القراءة جهراً في الجمعة والعيدين، وحكمة قضاء
الصيام على الحائض دون الصلاة، وحكمة وجوب الشاتين في عقيقة الغلام،
والشاة الواحدة في عقيقة البنت.
ومن الجدير بالذكر أن الكتاب قد تُرجم إلى اللغة الإنكليزية، ونالت
هذه الطبعة قبولاً وإعجاباً لدى أوساط المثقّفين والمقيمين في أوروبة والبلاد
الغربية، وأشادوا بالكتاب وأثنوا عليه.
٤٦٤

٩ - نهاية الإدراك في أقسام الإشراك
هذه رسالة صغيرة الحجم، كثيرة المعاني، وهي في أصلها جواب
السؤال موجّه إلى حكيم الأمة التهانوي رحمه الله حول بيان مراتب الإشراك
بالله، وما هو الشرك المراد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ،﴾
[النساء: ٤٨].
وهل توجد هناك مرتبة أو درجة من الشرك يكون فيها إشراك البعض من
غير الله منافياً للنجاة، وإشراك البعض الآخر معه غير مناف للنجاة؟ مثلاً:
السجود أمام قبور الصالحين بنية خاصة، أو بقصد طلب الحوائج منهم - كما
يفعله المبتدعة -، وفي مقابله السجود أمام الأصنام والأشجار، والنذر لهم
بنفس النية السابقة .
فهل يمكن أن يكون السجود أمام قبور الصالحين - بما لهم عند الله من
مكانة وقبول خاص - غير منافٍ للنجاة؟ بينما يكون السجود أمام الأصنام
والأشجار منافياً لها؟.
وإذا كان الجواب بلا، فما هو سبب التفريق بينهما؟ ومعلوم أن مشركي
مكة أيضاً كانوا يعتقدون أنَّ الأصنام أقل مكانة وأصغر درجة من الله، بل كانوا
يعتبرونها وسيلةً للتقرّب إلى الله، كما حكى الله عزَّ وجلّ عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣]. إذن ما هي حقيقة الشرك؟ بيِّنوا تؤجروا.
٤٦٥

كانت هذه هي القضية الأساسية التي وُجّهت إلى الشيخ رحمه الله،
فأجاب عليها بجواب يشفي العليل ويُروي الغليل، وذلك في ضوء الكتاب
والسنّة وأقوال سلف الأمة، مستفيداً في ذلك من مصادر ومراجع علمية موثوق
بها، معتمد عليها لدى أصحاب هذا الشأن وأهل هذا الفن، وعوَّل كثيراً على
كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه النجيب الإمام ابن القيم رحمهم الله،
أمثال كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) لابن تيمية،
وكتاب (إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان) لابن القيم، وكتاب (مدارج
السالكين شرح منازل السائرين) له أيضاً. وسمَّى هذه الرسالة بـ(نهاية الإدراك
في أقسام الإشراك)، ومما يجدر بالذكر أنَّ العلاّمة ظفر أحمد العثماني
(صاحب إعلاء السنن) كان قد تفضّل مشكوراً بإضافة بعض التعليقات النافعة
والهوامش المفيدة عليها، فازدادت قيمة وعلماً وتحقيقاً.
ولعلَّ ملخّص الكلام في هذا الموضوع هو ما ذكره العلاَّمة ظفر أحمد
العثماني في هامش الرسالة إذ قال: قلت: فتلخّص لنا من هذا التفصيل أنَّ
أسباب الشرك متعددة :
الأول: اعتقاد كون الشيء شريكاً لله تعالى في الألوهية والوجوب، ولا
قائل به سوی الوثنية .
الثاني: اعتقاد كون الشيء مدبِّراً في العالم، واسطة بينه وبين الله تعالى،
مؤثِّراً في العالم بالذات، أي بإرادته من غير احتياج إلى إرادة الله، وذلك
لتفويض الله ذلك إليه، كما هو اعتقاد عبدة الكواكب، وبعض عبدة الأوثان.
٤٦٦

وأما اعتقاد كونه مُدبِّراً مؤثراً محتاجاً في تدبيره وتأثيره إلى مشيئة الله
تعالى وإرادته فليس ذلك بشرك، لقوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبَِّتِ أَمْرًا﴾ [النازعات:
٥] وكذا اعتقاده كونه واسطة بينه وبين الله تعالى، كذلك ليس بشرك، لكون
الملائكة والرسل وسائط بين العباد والخالق في المعرفة والأحكام، وكون
بعض الملائكة وسائط في الأمور التكوينية لا يخفى على من طالع النصوص
والأحاديث.
الثالث: السجود لشيء مع تسميته إلهاً، من غير اعتقاد كونه مؤثراً
ومدبّراً بالذات، كما هو شأن بعض من عبدة الأوثان.
الرابع: اعتقاد كون الله تعالى جسماً وفي مكان، ودخل فيه اعتقاد الولد
والصاحبة لكونه من خواصّ الجسم.
الخامس: اعتقاد كون الشيء سوى الله تعالى نافعاً وضاراً بالذات، أي
من غير احتياجه إلى إذن الله تعالى في ذلك، كما هو اعتقاد أصحاب الطلاسم.
السادس : اعتقاد حلول الرب في شيء.
السابع: اعتقاد كون الشيء شفيعاً له عند الله تعالى، وفيه تفصيل سيأتي.
فالعبادة هي إظهار غلبة الذل والخشوع لشيء، مع اعتقاد من تلك
الاعتقادات فيه، مرجعه إلى ما ذكرناه من قبل، أن العبادة غاية الحب بغاية
الذلّ والخضوع، مع الشعور بأن للمعبود سلطةً غيبية فوق الأسباب، يقدر بها
على النفع والضر، وليس السجود لشيء عبادة مطلقاً، لكون الملائكة سجدوا
٤٦٧

لآدم، ولكون إخوة يوسف وأبويه خرّوا له سُجّداً.
والظاهر الأصحّ أنّ هذا السجود (سجود إخوة يوسف وأبویه له) كان
بوضع الجبهة على الأرض، كما هو المتبادر منه لغةً، لكنه لم يكن مقترناً
باعتقاد من الاعتقادات المذكورة، بل كان لمحض التحية والإكرام، وكان ذلك
جائزاً قبل، ثم نُسخ في شرعنا، ولذا قال العلماء: إن سجود التحية حرام،
وسجود العبادة لغير الله كفر .
وبعد ذلك فلنتأمّل في أحوال ساجدي القبور، إنهم بأي فريق من
المشركين يتشبهون؟ فالظاهر من أحوالهم كونهم مشابهين للذين إذا مات منهم
رجل صالح يعتقدون فيه أنه مستجاب الدعوة، ومقبول الشفاعة عند الله
تعالى، اتخذوا له صنماً على صورته، وعبدوها على اعتقاد أن ذلك الإنسان
يكون شفيعاً لهم يوم القيامة عند الله تعالى، ويقولون: هؤلاء شفعاء عند الله،
غير أن ساجدي القبور لا يتّخذون صنماً على صورة بخلاف المشركين .
نعم كلاهما يشتركان في السجود لهذا الرجل ظاهراً، وفي اعتقاد كونه
شفيعاً باطناً، وقد مرَّ آنفاً أن السجود ليس بشرك مطلقاً، ولو كان من أكبر
الكبائر.
اعتقاد الشفاعة في أحد هل هو شرك مطلقاً أم فيه تفصيل؟:
فلا يخفى لمن طالع النصوص، ومارس الأحاديث أن اعتقاد الشفاعة في
أحد ليس بشرك مطلقاً، لثبوت الشفاعة للأنبياء، ولحَمَلَة القرآن، والأولياء،
يوم القيامة بعد إذنه تعالى في ذلك.
٤٦٨

ثم علَّق رحمه الله على كلام الإمام ابن القيم رحمه الله (حول موضوع
الشفاعة وما أثبته الله تعالى منها وما نفاه وأبطله)(١) فقال:
قلت: وبعد ذلك فلا يجوز الحكم على ساجد القبور بالكفر والشرك
الأكبر بمجرد اعتقادهم في أصحاب القبور، أنهم شفعاؤهم عند الله تعالى، ما
لم يُستَفْسَروا عن كيفية اعتقادهم ذلك، وأما قبل الاستفسار فيلزم العمل بما
قاله العلماء: إن قول القائل: ((أنبت الربيع البقل)) محمول على الإسناد الحقيقي
إن كان دهرياً، وعلى الإسناد العقلي المجازي إن كان موحِّداً، فكذا القول:
((بأنهم شفعاؤنا عند الله)) يحمل على الشفاعة الشركية إن كان القائل غير مسلم،
وعلى الشفاعة الشرعية إن كان مسلماً.
وكذا القول بأن فلاناً يضرّ وينفع، يُحمل على الضر والنفع بالذات إن
كان كافراً جهاراً، وعلى الضر والنفع بإذن الله للكرامة التي أعطاه إياها إن كان
مؤمناً موحِّداً مُقرّاً بالإسلام، هكذا ينبغي أن يفهم المقام، والحمد لله الملك
المِنعام.
لعلَّك عرفت بالتفصيل الذي ذكره العلاَّمة ابن القيم أنَّ مرجعه ما قاله
الشيخ في بيان الفرق في اعتقاد التأثير وعدمه، فالمشرك يعتقد شفاعةَ معبودِه
مؤثرة، لما له من القدرة المستقلّة في زعمه، والموحِّد المعظِّم للقبور لا يعتقدها
مؤثرة، ولا يعتقد الشافع ضاراً ولا نافعاً، وإنما يعتقد عدم التخلف في شفاعته
(١) انظر كلام العلامة ابن القيم رحمه الله في (إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان):
١/ ٢٢٠، تحقيق الشيخ محمد حامد الفقي، دار المعرفة - بيروت.
٤٦٩

للكرامة التي هي له عند الله، وهذا ليس بشرك، وإن كان معصية، فافهم(١).
أما كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الذي أشار إليه المؤلف في
الموضوع قائلاً: يراجع ذلك في كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم)(٢) ، فإنه
ذكر موضوع تعظيم القبور، واتخاذ القبور مساجد في غاية التشديد والتهديد،
إلا أنه لم يحكم عليهم بالكفر والشرك، بل شبَّههم بالمشركين، وقد ورد في
الحديث الشريف: ((لعن الله أقواماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))(٣)، وكذلك
قوله ◌َالقرى: ((اللهمَّ لا تجعل قبري وثناً يُعْبَد))(٤).
(١) هامش إمداد الفتاوى: ٨٨/٦ -٩٠.
(٢) انظر: (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم): ٣٣٢/١،
تحقيق: الدكتور ناصر العقل، ط. دار العاصمة، المملكة العربية السعودية -
الرياض.
(٣) رواه النسائي في سننه، كتاب الجنائز، برقم (٢٠١٩)، بلفظ: ((قوماً))؛
وأخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، (٤٣٦)، بلفظ: ((لعنة الله
على اليهود والنصارى ... )) الحديث؛ وكتاب الجنائز، برقم (١٣٩٠)؛
وكتاب الأنبياء، برقم (٣٤٥٤)، ونحوه؛ مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة،
(٥٢٩) و(٥٣٠).
(٤) رواه الإمام مالك في الموطأ: ١/ ١٧٢، (٤١٤)؛ وابن أبي شيبة في المصنّف:
١٥٠/٢، (٧٥٤٤)، ٣٠/٣، (١١٨١٩)؛ وعبد الرزاق في المصنّف:
٤٠٦/١، (١٥٨٧).
٤٧٠

١٠ - إصلاح الرسوم
إنَّ إصلاح المجتمع، وتطهيره من أنجاس البدع، وتنقيته من أرجاس
التقاليد الجاهلية والعادات والطقوس غير الإسلامية كان الشغل الشاغل لحكيم
الأمة التهانوي رحمه الله، وهمّه الأول والآخر، كيف لا؟ وقد أكرمه الله تعالى
واصطفاه لكي يقوم بين الناس رافعاً لواء التجديد، مصلحاً، ربّانياً، باذلاً كل
جهده، ومنفقاً جميع طاقاته في سبيل إحياء الدين، والسنة النبوية، وإماتة
البدع، واستئصال جذور الخرافات والعقائد الفاسدة.
إنَّ هذه الرسالة - إصلاح الرسوم - التي نعرّف بها القراء الكرام في هذه
الأسطر القليلة، تأتي في إطار تلك الخدمات الإصلاحية، والجهود الدعوية
التي قام بها الشيخ التهانوي، فإن نطاق جهوده هذه لا يقتصر على صنع
الرجال، وتهذيب النفوس، وإيجاد جيل من المصلحين الداعين العاملين في
مجال إيقاظ الوعي الديني، وترشيد الصحوة الإسلامية، وإنما يشمل كذلك
تأليف الرسائل الدعوية، وكتابات المقالات والبحوث في هذا الباب، وكتابه
(إصلاح الرسوم) ليس إلا جهداً ملموساً ودرّةً ذهبية من هذه السلسلة
المباركة، وعنوان الكتاب خير دليل على محتوياته، ولنترك القرّاء مع مقدّمة
المؤلف :
٤٧١

يقول رحمه الله: ((إننا نشاهد بأم أعيننا أنَّ معظم المسلمين في عصرنا
الراهن ألزموا أنفسهم المواظبة على العادات والتقاليد والطقوس التي اخترعوها
بأنفسهم أو ورثوها عن آبائهم وتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، أكثر بكثير
مما فرض الله تعالى عليهم من الفرائض والواجبات، وما شرع لهم نبيّهم ◌َلـ
من السنن والمندوبات، وقد وصلت شدة تمسكهم بالعادات والتقاليد إلى
درجة أنهم إذا فاتتهم فرائض الله لا يهمهم شيئاً ولا يحرّك فيهم ساكناً، لكنهم
لن يرضوا أن يقع أي نوع من النقصان في القيام بتلك العادات والتقاليد، وهذا
هو السبب الرئيس لمعاناتهم شتى أنواع المصائب، وأصناف المشكلات،
وخسرانهم في الدنيا والآخرة، ولم يقتصر الأمر على ما ذكرنا، بل إنهم غرقوا
في حُبِّ هذه العادات عُمياً وصُمّاً وبُكماً، دون أن يخطر على بالهم شفاعتها
ومفاسدها، بل بالعكس بدؤوا يعتقدون أنها أعمال ثواب وخير .
ونظراً إلى هذه الأوضاع السيئة لعامة المسلمين الذين أسرتهم أواصر
التقاليد العمياء، وربطتهم أغلال العادات والطقوس، ومست الحاجة إلى
النهوض براية الإصلاح، ورفع عَلَم الدعوة والإرشاد، فبدأتُ في تأليف هذه
الرسالة - عسى الله أن ينفع بها العباد - وقسّمتها إلى ثلاثة أبواب، وكلّ باب
يحتوي على عدة فصول؛ وها أنا أسمّيها (إصلاح الرسوم) وأبدؤها متوكّلاً
على واهب العلوم)).
أهم المباحث والأبواب التي تضمّنتها الرسالة:
١ - الرقص والطرب والموسيقى، وجملة من المعاصي والعادات
٤٧٢

الجاهلية التي تعوّد عليها عامة المسلمين في مختلف مناسبات الفرح والأعياد،
مثل الزواج وغيره.
يقول المؤلف رحمه الله: (إنَّ الاهتمام بحفلات الرقص والغناء في
حفلات الزواج يؤدي إلى ارتكاب عدد من الأشياء المحظورة، منها:
- النظر إلى غير المحارم؛ وهذا يعني: زنى العين.
- السماع إلى الأغاني المحرّمة؛ وهذا يعني: زنى الأذن.
- التحدّث إلى غير المحارم؛ وهذا يعني: زنى اللسان.
- ميلان القلب إلى غير المحارم؛ وهذا يعني: زنى القلب.
-لمسهن والاختلاط بهن؛ وهذا يعني: زنی الید.
وقد ورد هذا المضمون في الحديث الشريف بكل صراحة، كما رواه
البخاري في صحيحه (١)، عن سمرة بن جندب رضي الله عنه في حديث طويل،
وفيه: ((وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنّور فإنهم الزناة
والزواني ... )) الحديث.
- إشراك الآخرين في أعمال المعصية، والعادات المستوجبة للفسق
وأنواع من الذنوب والآثام، وذلك عن طريق توجيه الدعوة إليهم للمشاركة في
مثل هذه الاحتفالات.
(١) صحيح البخاري، كتاب التعبير، باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، (٧٠٤٧).
٤٧٣

- إيذاء الجيران بأصوات المزامير والمعازف، وآلات اللهو والطرب،
وقد يسبب ذلك تضييع الفرائض عن أوقاتها المكتوبة، والإخلال في صلواتهم
وعباداتهم.
- إذا اعتاد القلب على مثل هذه المعاصي فإنه بدل أن يشعر بشيء من
الخجل أو الندم على اقترافها، يظل ينبسط على ذلك ويشعر بالفرح والسرور
منه، وتزول منه مهابة المعاصي، وما يترتب عليها من العذاب والعاقبة الوخيمة
وسوء المصير، ولا شك أنَّ هذا أمر خطير للغاية.
- إن بعض الناس يتباهون بارتكاب هذه المعاصي، ويفتخرون بها،
ويعتقدون أنهم كلما ازدادت فيهم هذه الأنواع من الذنوب والمعاصي ارتقت
درجاتهم، وسمت مكانتهم وارتفع شأنهم، ومما لا شك فيه أنَّ هذا من قبیل
الاستخفاف بالمعاصي، بل استحسانها، الأمر الذي يوجب زوال الإيمان،
كما قرّره العلماء.
- ارتكاب معصية (الإسراف) والتعاون على الإثم والعدوان.
- إنَّ الذين لا يشاركون في هذه المحافل مباشرة، لكنهم يرسلون إلى
أصحابها والقائمين عليها برسائل التبريك والتهاني، فهم يشاركونهم في الإثم
والوزر. روى الإمام أبو داود في (سننه) عن العرس بن عميرة الكندي عن النبي
وَ* قال: ((إذا عُمِلَت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها - وقال مرة:
أنكرها-؛ كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها؛ كان كمن شهدها))(١).
(١) رواه أبو داود في سننه، كتاب الملاحم، (٤٣٤٥)؛ وصحّحه السيوطي في =
٤٧٤

٢ - لعب الشطرنج والزجل والجري وراء الحمام، والتحريش بين
البهائم، والأحاديث الواردة في التحذير منها. ((عن أبي هريرة رضي الله عنه:
أن النبي وَل﴿ رأى رجلاً يتبع حمامة، فقال: شيطان يتبع شيطانة))(١).
وقال الحجر: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ... وفيه: ولا ينتهب
نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن))(٢).
٣ - الاشتغال بالألعاب النارية وتضييع المال فيها، وجعل الأنفس عرضة
للخطر وإلقاؤها في التهلكة.
٤ - حلق اللحية أو قصّها إلى أقل من قبضة، وإعفاء الشارب، وبيان
الأحاديث الواردة في ذلك، وكذلك تشبّه النساء بالرجال، والعكس، وتغيير
الجامع الصغير، (٧٦٦)؛ وأورده المتقي الهندي في كنز العمال برقم
=
(٥٥٣٧).
(١) رواه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، (٤٩٤٠)؛ والبيهقي في السنن
الكبرى: ١٩/١٠ و٢١٣/١٠؛ وفي شعب الإيمان: ٢٤٤/٥، (٦٥٣٤)؛
وابن ماجه في سننه، باب اللعب بالحمام (٣٧٦٥)؛ وأحمد في مسنده:
٣٤٥/٢، (٨٥٢٤).
(٢) صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، (٢٤٧٥)، وكتاب الأشربة،
(٥٥٧٨)، كتاب الحدود، (٦٧٧٢)؛ ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
(٥٧)؛ والنسائي في سننه، كتاب قطع يد السارق، (٤٨٧٠)، وكتاب
الأشربة : (٥٦٥٩ و٥٦٦٠)؛ وابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، (٣٩٣٦).
٤٧٥

خلق الله، واستخدام الخضاب الأسود.
٥ - القزع والإسبال، والأحاديث الواردة في الموضوع.
٦ - تعليق صور الحيوان في البيت، ورعي الكلاب دون حاجة شرعية.
٧ - البدع المرتكبة بمناسبة (العقيقة) و(الختان) و(الخِطبة) و(الزواج)،
وقد أسهب المؤلف رحمه الله في هذا الموضوع، وفصّل تفصيلاً مفيداً،
واستعرض كل ما يقوم به الناس عموماً في شبه القارة الهندية، تاركين السنة،
عاضّين على التقاليد والطقوس غير الإسلامية بالنواجذ، وحذّر منها تحذيراً
شديداً.
٨ - الاحتفال بمولد النبي ونَ﴾، وقد قسّمه المؤلف إلى ثلاثة أقسام مع
بیان حکم کل واحد على حدة، وإلی القارئ الکریم ملخّص ما قاله رحمه الله :
القسم الأول: الاحتفال الذي يكون مطلقاً عن القيود الشائعة المتعارفة
بين الناس، مثلاً: لم يكن هناك دعوة خاصة موجّهة إلى الناس بهذا الخصوص،
بل إنهم اجتمعوا مصادفة،، أو لغرض آخر، ثم قام البعض منهم بذكر سيرة
النبي الكريم ولو العطرة المباركة، ومحاسن أخلاقه الطيبة وشيئاً من شمائله
ومعجزاته، وتخلل ذلك التواصي بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
فهذا النوع من الحفل جائز ومباح دون أي نكير، فإن النبيّ وَّ قد تحدَّث إلى
الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين عن أحواله وأخلاقه، وتتابع
الصحابة رضي الله عنهم بروايتها لمن جاء بعدهم، وما زالت هذه الطريقة
مستمرة بین المحدّثین.
٤٧٦

القسم الثاني: الاحتفال المقيّد بقيود غير مشروعة، وهذه القيود في حدٍّ
ذاتها إما قبيحة أو معصية، مثلاً: ذكر الروايات الموضوعة والمختلقة على
النبي لة أو الاهتمام بإنشاد القصائد الغزلية وغيرها، يُنشدها المُرد والفتيان
والأحداث من ذوي الألحان والأصوات الحسنة، أو إنفاق المال الحرام فيه،
والاعتناء البالغ بالمظاهر وأمور التباهي والتفاخر؛ مثل: الإكثار من الأضواء،
واستخدام أرقى أنواع الزخارف، والفرش الرائعة، أو يؤدّي ذلك إلى فوات
الصلاة أو صلاة الجماعة، أو غلبة الظن في ذلك، أو تكون نيّة مدير الاحتفال
والقائم به أو المسؤول عنه هي كسب الشهرة والصيت بين الأنام، أو يعتقد أن
الرسول ولم يحضر الحفل بنفسه، أو يعتقد أي أمر يخالف الشرع الإسلامي
والقواعد التي يقوم عليها ديننا الحنيف، فهذا النوع من الاحتفال حرام شرعاً،
و ذنبٌ عظيم ومعصية كبيرة، يعاقب عليها صاحبه .
يقول الرسول ◌َلي: ((من كذبَ عليَّ متعمّداً فليتبوأ مقعده من النار))(١).
القسم الثالث: الاحتفال الذي يكون بين القسمين السابقين، فلا يكون
مطلقاً عن القيود كلياً، ولا يكون مقيداً بالقيود المحرّمة، والأعمال المحظورة
شرعاً، بل يكون مُطهَّراً من المعتقدات الباطلة، بعيداً عن المنكرات
والخرافات.
(١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، (١٠٧)؛ وكتاب الجنائز،
(١٢٠٩)؛ ومسلم في صحيحه، كتاب المقدمة، (٤ و٥)، وكتاب الزهد
والرقائق، (٥٣٢٦).
٤٧٧

فمثل هذا النوع من الاحتفال إن کان یلزم منه وقوع فساد أو ضرر ديني
فيكون محظوراً، وإن لم يلزم منه وقوع أي فساد أو ضرر ديني فيبقى مباحاً
جائزاً، وثمة خمس قواعد وأصول لا بدّ من معرفتها والتركيز عليها، وفي
ضوئها يتبيَّن لنا حكم النوع الثالث من الاحتفال.
القاعدة الأولى: ((تنزيل عمل ما منزلة الفرائض والواجبات أو فوقها)).
فإن اعتقد شخص أن عملاً فلانياً من الأعمال المهمة والمؤكّد عليها في الدين،
وظلّ يواظب عليه بشكل دائم مثل الفرائض والواجبات الشرعية أو أكثر منها،
ويعتقد أن تركه أمر مذموم يستحق تاركه اللوم والعتاب، فهذا أمرٌ ممنوع
ومحظور عليه، لأنه يؤدّي إلى معارضة الحكم الشرعي، وتجاوز حدوده.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ((لا يجعل أحدكم للشيطان
شيئاً من صلاته، يرى أنَّ حقاً عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيتُ النبيَّ
﴿ كثيراً ينصرفُ عن يسارِهِ))(١).
يقول الشيخ الطيبي شارح (المشكاة): «قد دلَّ الحديث على أنَّ أحداً،
لو أصرّ على أمر مندوب ومستحبّ، واعتقده عزيمة ومؤكدة، ولم يعمل
بالرخصة، فإن الشيطان ينال منه حظّه من الإضلال، فما بالك بالشخص الذي
يصرّ على بدعة، أو يواظب على أمر منكر مخالف للشرع)).
(١) صحيح البخاري، كتاب الأذان، (٨٥٢)؛ ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين، (٧٠٧)؛ وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، (١٠٤٢) وغيرهم.
٤٧٨

وقال صاحب (المجمع): ((يُستنبط من الحديث أن المندوب يصل إلى
درجة الكراهة إذا خيف من أنه سوف يُنزَّل منزلة الواجب أو المؤكد)) وعلى هذا
منع الحنفية من تعيين سورة خاصة في الصلوات، وهذا ما يدل عليه ما رواه
مسلم في (صحيحه) عن الرسول وَله: ((لا تختصّوا ليلة الجمعة بقيام من بين
الليالي، ولا تخصّوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم
يصومه أحدكم)»(١).
القاعدة الثانية: ((العمل المباح بل المستحب قد يتحول إلى منهي عنه
وغير مشروع لاقترانه بعمل غير مشروع)) مثلاً: الذهاب إلى الولائم: أمرٌ
مندوب ومسنون، ولكن يمنع عن الذهاب إليها إذا كانت هذه الدعوة تتضمن
أعمالاً غير مشروعة مخالفة للشرع، ومعارضة للدين، كما ورد في الأحاديث،
وكذلك صلاة النوافل: أمر مندوب ومستحب، ولكنّها تتحول إلى غير مشروع
في الأوقات المكروهة.
القاعدة الثالثة: ((العمل المباح والمندوب الصادر من الخواصّ إذا
تسبب في إفساد عقيدة العامة فإنه يتحول إلى مكروه وغير مرغوب فيه في حق
الخواص كذلك)». وذلك لأن تجنّب عامة المسلمين من الوقوع في الضرر
واجب ديني وأمر ضروري، وينبغي للخواص أن يتركوه ويتنحّوا عنه.
(١) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الصيام، (١١٤٤)؛ ورواه البخاري في
صحیحه باختصار، کتاب الصوم، (١٩٨٥).
٤٧٩

والدليل عليه ما ورد عن النبي ◌َّة في قصة إدخال الحطيم داخل بناء بيت
الله (الكعبة المشرّفة)، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سألتُ النبيَّ وَّ عن
الحِجْر، أَمِن البيت هو؟ قال: ((نعم))، قلت: فما لهم لم يُدخلوه في البيت؟
قال: ((إنَّ قومَكَ قصَّرت بهم النفقة))، قلت: فما شأن بابه مرتفعاً؟ قال: ((فعل
ذلك قومك ليُدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومكِ حديثٌ
عهدُهم بالجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الحِجْر في البيت، وأن
ألصق بابه بالأرض))(١).
وما ورد عن عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما قوله بخصوص صنع
الطعام لأهل الميت، كان سنّة، لكن لما بدأ الناس يعتبرونه عادة تُرك، قال
رضي الله عنه: فما زالت سنّة حتى كان حديثاً فتُرك(٢) .
كذلك الحال في سجدة الشكر، فإنه عمل مباح، وقد ورد ذكرها في
الأحاديث، ولكن كرهها بعض الفقهاء الأحناف، كما ذكره العلامة ابن عابدين
الشامي رحمه الله، مخافة أن يظنّها عامة الناس سنة مقصودة.
القاعدة الرابعة: ((المسألة التي تكون فيها الكراهة عارضة ومؤقتة قد
يتغير حكمها باختلاف الزمان والمكان)»، واختلاف تجارب ومشاهدة أصحاب
الإفتاء، بمعنى أنه يمكن أن يحكم بإباحة شيء في زمن ما لانعدام أسباب
(١) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها، (١٥٨٤)؛ ونحوه
في صحيح الإمام مسلم، كتاب الحج، (١٣٣٣).
(٢) سنن ابن ماجه، كتاب ما جاء في الجنائز، (١٦١١).
٤٨٠