Indexed OCR Text
Pages 441-460
ولله در شيخنا، فقد بالغ في التحقيق والتنقير، وبذل جهده في التسهيل على الأمة المظلومة والتيسير، جعل الله هذا السعي مشكوراً، وهذا العمل مقبولاً ومبروراً، وصلّى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين». کتبه ظفر أحمد التهانوي تغمده الله بالغفران والرضوان وقال الشيخ عاشق إلهي الميرتهي: (( ... وقد تشرفت بمطالعة هذه الرسالة الفائقة، والضميمة اللاحقة والخلاصة الرائقة بإمعان النظر وحسن الفكر، فوجدت الأجوبة كلها صحيحة بلا ارتياب، والمجيب أجاد فيما أجاب، وبذل الجهد في تخليص العاجزة فأصاب، وما هي بأول بركة منه، فإنه للأمة طبيب، وشفقة الطبيب على المريض ليس بعجيب، فجزاه الله عنا أحسن جزائه، ومتعنا بطول عمره وبقائه، وعلى الأمة أن يراعوا بالقيود والشرائط حق المراعاة، ويعضّوا عليها بالنواجذ، فإنها من أهم المهمّات، ويجتنبوا عن الحرية في الدين، واتباع الهوى كما هو ديدن الزمان لأنه من الموبقات ... )). (عاشق إلهي الميرتهي) ٤٤١ ٦ - حلية أهل الجنة (بهشتي زيور) هذا الكتاب المفصّل الجامع لأحكام النساء يُعَدُّ من الإنجازات العلمية الكبيرة في مجال تعليم المرأة المسلمة، واطلاعهن على ما فرض الله سبحانه وتعالى لهن من الحقوق، وعليهن من الواجبات، وقد سدّ هذا الكتاب ثغراً كبيراً كان قد طرأ على المجتمع النسائي، وجاء ملبياً لمتطلباتهن، ومغطّياً حوائجهن، في كل مجال من مجالات الحياة الدينية والدنيوية، وبسبب ذلك تلقى بالقبول العام المنقطع النظير في كل الأوساط العلمية، ونال إعجاب القرّاء من الذكور والإناث على السواء، وقد أشاد به كبار العلماء، والمشايخ العظام وأثنوا عليه، ثناءً حارّاً. يقول سماحة العلامة الشيخ أبو الحسن علي الندوي رحمه الله: (وقع الاسم الكريم للشيخ أشرف علي التهانوي في سمعي مقروناً بكل أدب واحترام منذ الصغر، وذلك لمَّا كان كتابه (بهشتي زيور) (حلية أهل الجنة) يحظى بالقبول المدهش، والتجاوب الحار، فقد كان كتابه بمثابة مفت مطاع، ومشرف ديني، في الأسر التي كانت بعيدة عن البدع، والتقاليد الجاهلية، والعقائد الفاسدة، ولعلّه أوّل كتاب تعرَّفت به من بين كتبه))(١). (١) مقال الشيخ الندوي رحمه الله المنشور في مجلة (ثقافة الهند) الصادرة من دهلي، المجلد (٤٢)، العدد (٣)، عام ١٩٩١ م، حول عنوان (حكيم الأمة = ٤٤٢ ويقول رحمه الله في موضع آخر: ((وقد كان لكتابه (بهشتي زيور) (حلية أهل الجنة) الذي ألفه أصلاً لتعليم البنات، وضمّنه المسائل الفقهية التي تشتد إليها الحاجة، رواج وذيوع، فلما بلغهما كتاب آخر من الكتب الدينية في هذا العصر، وطبع مراراً كثيرة يصعب إحصاؤها))(١). ويقول الشيخ محمد تقي العثماني: ((وله أيضاً كتاب (بهشتي زيور) (حلية أهل الجنة) وهو في سبعمئة صفحة تقريباً من القطع الكبير، وقد جمع فيه مسائل جميع أبواب الفقه والعقائد والتصوّف، وصنّفه في الأصل لتعليم النساء، فجمع فيه علاوة على المسائل الدينية، جميع ما تحتاج إليه النساء في حياتهن الأسرية، وساعده في تأليف هذا الكتاب جماعة من العلماء. وهذا الكتاب وإن كان قصد به إفادة النساء، فقد انتفع به الرجال كثيراً، ولم يجد العلماء عنه غنّى، وترجم إلى عدة لغات محلية))(٢). ويقول عنه الدکتور نسیم اختر الندوي: («قدم فيه الشيخ التهانوي صورة ملخصة جامعة لمفاهيم القرآن الكريم والسنّة المطهّرة، وتناول فيه معظم القضايا الخاصة بحياة المرأة اليومية، فهذا أشرف علي التهانوي)، تعريب الأستاذ آفتاب عالم الندوي. = من تعليقاته على كتاب (نزهة الخواطر) ترجمة الشيخ أشرف علي التهانوي: (١) ٥٩/٨. (٢) من مقدمته لكتاب (إعلاء السنن): ١/ ١٢. ٤٤٣ الكتاب بمثابة موسوعة ذاع صيتها في الوقت الذي لم يكن يتوفر فيه أي كتاب من نوعه باللغة الأردية، يحقق متطلّبات النساء، فقد بحث فيه المؤلف الإيمان والعبادات والأخلاق والمعاملات، وأساليب الحياة، إلى جانب التوجيهات القيّمة الخاصة بشؤون المنزل، والأمور العائلية . ومما لا شك فيه أنَّ هذا الجهد العلمي يجسّد فعلاً اهتمامه البالغ بتعليم النساء اللاتي ظلّت أغلبيتهن فريسة للانفلات، وعدم العناية من قبل المجتمع المسلم الهندي في مجال التعليم، بالرغم من وجود الدلائل القوية، والنصوص الواضحة التي تحثّ المسلم والمسلمة على الاهتمام بالعلم سواء بسواء))(١). هذا وقد احتوى الكتاب على أحد عشر قسماً: القسم الأول: يتناول بيان العقائد، والأصول التي عليها مدار الإيمان، وأحكام الطهارة. الثاني: يتضمن جميع أحكام الصلاة بكل تفاصيلها . الثالث: يتحدث عن أحكام الصيام والحج والأيمان والنذور واللقطة والأوقاف. (١) (حكيم الأمة أشرف علي التهانوي ومساهمته في تعليم المرأة)، مقال منشور في مجلة (البعث الإسلامي)، الصادرة في لكنو، عدد المحرم - صفر، ١٤٢٤ هـ. ٤٤٤ الرابع: يشتمل على أحكام النكاح والطلاق، والأمور المتعلّقة بحضانة الأولاد وتربيتهم. الخامس: يحتوي على مسائل من المعاملات. السادس: يتحدَّث عن جملة من التقاليد، والطقوس والعادات الرائجة المتغلغلة في مجتمعات المسلمين، وبيان طرق إصلاحها في ضوء الكتاب والسنة . السابع: يحتوي على جملة من الآداب الشرعية، والأخلاق الإسلامية، والأعمال التي تستوجب الثواب أو العقاب. الثامن: يتضمن سير وتراجم الأزواج المطهرات (أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن أجمعين) والتي قد خلّفت آثاراً عميقة، ومآثر دينية قيّمة وأسوة حسنة مباركة للمرأة المسلمة، كما أنه يحتوي على قصص رائعة ومؤثرة منتقاة من حياتهن، تدلّ على ما قمن به من التضحيات الجليلة والعظيمة في سبيل هذا الدين وإعلاء كلمة الحق المبين، والدفاع عن حياض الشريعة الإسلامية الغرّاء. التاسع: يشتمل على أصول حفظ الصحة، والتداوي والعلاج، في ضوء ما ثبت من السنة في كتاب الطب والرقى الشرعي المباح. العاشر: فيه بيان للأمور المنزلية، والصناعات والحرف اليدوية، وتوجيه مهم للنساء وإرشادهن إلى ما ينبغي لهن من مطالعة الكتب الدينية، وقراءتها والإلمام لها. ٤٤٥ الحادي عشر: فيه بيان أحكام الطهارة والعبادة للرجال، وأصول الاحتفاظ بالصحة الجيدة، ومعه ملحق خاص بحقوق الوالدين. ملاحظة: لقد خرجت على منصّة الشهود طبعات كثيرة للكتاب، يبلغ عددها أكثر من خمسين طبعة تقريباً، كما ترجم الكتاب إلى عدة لغات محلّية، ومن أهم مميزاته أنَّ الشيخ التهانوي رحمه الله حاول أن يذكر فيه كل مسألة مقترنة بأدلتها من الكتاب والسنة، كما نقل عبارات الفقهاء العربية ضمن جزئيات وفروع فقهية، حتى إذا أشكل الأمر على أهل العلم راجعوها وتحققوا منها . وخلاصة القول: إن هذا الكتاب بمثابة موسوعة موجزة، وهي متوفّرة موجودة في كل مناطق الهند، وهدية علمية مباركة يتحف بها كل الآباء والأمهات بناتهم عند الزواج. ٤٤٦ ٧ - تعليم الدّين مع تكميل اليقين هذا الكتاب من أهم مؤلفات الشيخ التهانوي رحمه الله، وأشملها لفروع الدين وأجزائه من العقائد والأعمال والعبادات والمعاملات، والسياسة والمعاشرة، والآداب والأخلاق. وقد تحدَّث المؤلف بنفسه عن سبب تأليف الكتاب، ومحتوياته، بما فيه كفاية وغنى عن أي إضافة أو تفصيل، وفيما يأتي نصّ كلام المؤلف رحمه الله بعد التعريب : مقدمة المؤلف : ((﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ الْمَلِكِ اَلْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِىِ الْأُمَّيِّئِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَِهِ، وَيُزَّكْبِهِمْ وَيُعَلِمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوْ مِن قَبَلُ لَفِىِ ضٍَ مُبِينٍ (٢) وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ذَلِكَ فَضْلُ اَلَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ١ -٤]. يرى معظم الناس في عصرنا هذا أن الإسلام اسم لبعض العبادات، وأداء عدد من الشعائر الدينية، والإيمان بالغيب، والحشر، والجنة وما فيها من النعيم والحور العين، والنار وما فيها من أنواع العذاب والعقاب، وأنه لا يتعرض لأحوال الإنسان الظاهرة والباطنة، كما أنهم يعتقدون أن الإنسان حر ٤٤٧ في فهمه لله تعالى ورسوله مطهر، يتعامل مع الناس كيفما يشاء، يكسب المعاش بأي طريقة يختارها، ويأكل ويشرب ويلبس كما تهوى نفسه، يعيش حياته الفردية والجماعية متبعاً هواه، وجرياً وراء شهواته، ليس هناك حاجز يحجزه، ولا رادع يردعه، حتى ولو حاول المشي مع الأصول والضوابط في شؤونه التجارية فيقّد في ذلك غير المسلمين، ويقلّد في نمط الحياة، ومنهج الحياة والعشرة والاجتماع، الفلاسفة القدامى أو حديثي العهد. أما في مجال السلوك والتزكية والإحسان، فيجعل من جَهَلة الناس المجرّدين عن العلم والمعرفة، أسوةً وقدوةً. وبالجملة فهؤلاء لا يمتّون بصلة إلى العقائد الإسلامية الحقة، ولا إلى أمور الرسالة، ولا إلى الآداب والأخلاق الدينية، ولا إلمام لهم بأصول المعاملات، وقواعد الشؤون التجارية، ولا اطلاع لهم ولا معرفة بدينهم وشريعتهم، وثقافتهم الإسلامية الراقية، وحضارتهم العريقة، الأمر الذي وقعوا بسببه فريسة سوء الظن بالإسلام، والفهم الخاطئ تجاه تعاليمه، وظلوا يظنون - معاذ الله - أن الشريعة الإسلامية، والدين الإسلامي، تنقصه التعاليم وفق المتطلبات الراهنة، والأصول والقوانين حسب مقتضيات العصر الحديث، ولا سيما طبقة الشباب الحديثي العهد وطُلّب المدارس العصرية، فقد ترسّخ في ذهنهم هذا الفهم الخاطئ، ورأوا أنفسهم محتاجين إلى حضارة الغير، وثقافة الآخرين، ونتج من ذلك تلقائياً أنهم بدؤوا يفضّلون الطرق الأخرى على طريق الإسلام قلباً أو قالباً، ويسخرون من معظم عقائد الإسلام. أما عامة الناس فقد أصابهم هذا المرض من نواحٍ أخرى، فإنهم كانوا ٤٤٨ يُلزمون أنفسَهم مراجعة علماء الدين في شؤون العبادات فقط، أما المعاملات فأطلقوا فيها العنان لأنفسهم، يحكمون بما تهوى به أنفسهم، دون أن يراجعوا علماءهم، وهكذا كان الأمر في مجال العقائد، وتفاصيل التوحيد والشرك والكفر، فما شعروا بأي حاجة إلى مراجعة العلماء في هذا الشأن. أما طبقة العلماء ورجال الدين فقد كان ديدنهم أنهم حبسوا أنفسهم في مذاكرة مسائل الأعمال والعبادات، وانشغلوا عن التحقيق في المعاملات، والخوض في بحار البحث والتنقيح والنظر والتأمل لما يواجه العامة من القضايا والمستجدّات، وحسبوا أن ما هم عليه الآن هو أعلى مكانة وأرقى درجة، حتى إن فكرتهم تلك قد تؤديهم إلى حدوث الأمراض الباطنة والأسقام الروحية فيهم مثل العُجب والكبر وحُبّ الدنيا، والطمع في زخارفها . وأما طبقة الزهّاد وأصحاب التصوّف والسلوك، فكانوا قد وقعوا فريسة زلّة كبيرة، وخطأ فادح، بحيث إنهم زعموا أن الشريعة تباين الطريقة، وهما شيئان مختلفان، وظنّوا الطريقة الغاية الأصيلة والهدف الحقيقي، والشريعة قانوناً للتنظيم فقط، وقلبوا الحقيقة رأساً على عقب، وابتعدوا عن العلماء وحفَظَة الدين، وزعموا الأوهام وكل ما يطرأ على البال من التخيّلات، مكاشفات، واعتقدوها أموراً حتمية بل فوق اليقينيات، دون أن يقيسوها بمقیاس الشرع، ویزنوها بمیزان الدین. وبالجملة فقد تأثرت كل طبقة من الطبقات بهذه الفكرة الزائفة الزائغة - إنا لله وإنا إليه راجعون-، ولو أنهم صرفوا أدنى جهد في معرفة الكتاب والسنة، ٤٤٩ وتأملوا فيها لوجدوا ضالتهم هناك، ونالوا بغيتهم، ويتجلّى لهم هذا الواقع كالشمس في رابعة النّهار، أن تعاليم الشريعة الإسلامية، وقوانينها الأبدية، ودستورها الربّاني، هو الكافي الشافي الوافي، للبشرية جمعاء، في كل شأن من شؤونها، وأن هذه هي الشريعة التي أنزلها الله تعالى من فوق سبع سماوات، صالحة لمواكبة الركب البشري، وكافلة لتلبية جميع حوائجه ومتطلباته في كل زمان ومكان. وفيها ما يغني البشرية عن تعاليم الشرائع الأخرى وقوانينها التي صنعتها أيدي الناس وصاغتها الأذهان البشرية، ولو لم يكن الأمر كما أسلفنا لَمَا قال المولى عزَّ وجلَّ في كتابه العزيز: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَلِنَا وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١]، ﴿اَلْيَوْمَ أَ كَمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. ولما قال الرسول ◌َ ليل ردّاً على من سأله من بعض الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فيما رواه أحمد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، عن النبيِّ وَّه: أن عمر أتاه فقال: إنا نسمع أحاديث من اليهود فتعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: ((أمتهوِّكونَ أنتم كما تهوَّكت اليهودُ والنَّصارى، لقد جِثْتُكُم بها بيضاءَ نقيَّة))(١). (١) رواه الإمام أحمد في مسنده: ٣٨٧/٣، (١٥١٩٥) (باختلاف يسير في اللفظ)؛ والمقدسي في الأحاديث المختارة نحوه: ٢١٦/١، (١١٥)؛ وابن أبي شيبة في المصنف: ٣١٢/٥، (٢٦٤٢١)؛ والبيهقي في شعب الإيمان : = ٤٥٠ وإنَّ القرآن الذي جاء فيه قوله تعالى: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ، وَيُقِيمُونَ الصَّلَوْةَ وَمِنَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] هو الذي جاء فيه: ﴿فَنْكِحُواْمَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَلِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعٌ﴾ [النساء: ٣]، وقوله تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرّبَؤْ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ﴿وَإِذَا حُبِيِثُم ◌ِنَحِيَّةٍ فَحَيُواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةٌ يَكُن لَُّ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَن يَشْفَعْ .. ﴾ شَفَعَةُ سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، ﴿ وَوَضَيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيٍّ. [العنكبوت: ٨]، ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، ﴿وَءَاتِ ذَا اَلْقُرْبَ حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ [الفرقان: ٦٧]، ﴿إِنََّا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، ﴿لَا يَسْخَّرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ ... ﴾ [الحجرات: ١١]، وغيرها من آيات المعاملات والشؤون الاجتماعية . وهكذا شأن كتب الحديث الشريف، إن تأمل أحدٌ في فهارسها وجد كتاب الإيمان، وكتاب الصلاة، وكتاب الزكاة، ... كما وجد تحته كتاب البيوع، وكتاب النكاح والطلاق والآداب، وكتاب الرقاق، ومِنْ ثَمَّ فلا يبقى مجال لأحد أن يزعم أو يدّعي أنَّ الإسلام لم يتطرّق إلى بيان المعاملات، وشؤون العشرة والأمور الأسرية، وفضائل الأخلاق، والآداب والتزكية ٢٠٠/١، (١٧٧)؛ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد: ٢٦٢/٨. ٤٥١ والإحسان، وإنما ركّز على العقائد والأعمال [التعبدية] فقط، بل إن كل مُنصف وعادل يشهد شهادة حق أن دين الإسلام تولّى شرح وبيان كل هذه الأنواع الخمسة بكل تفصيل، ولم يَدَعنا نحتاج إلى أحد، أو نمدّيد الاستنجاد إلى ملة أخرى، حتى إن المنصفين من غير المسلمين لم يلبثوا إلا أن يعترفوا بكمال هذا الدين الحنيف، وشموله وجامعيته، ومسايرته الركب البشري في سائر حوائجه وجميع متطلباته (١). سبب تأليف الكتاب: ونظراً إلى حاجة الناس إلى التوعية والنصح، وترشيد الصحوة الإسلامية، وإيقاظ الوعي الإسلامي فيهم، خاصة من هذا المنطلق الفكري الذي وقعوا فيه فريسة الفهم الخاطئ، رأيتُ من المناسب أن تكون هناك رسالة تقوم بسدّ هذا الفراغ الهائل - الناتج عن الإغفال والجهالة وعدم المعرفة - وتحتوي على هذه الموضوعات الخمسة باختصار، مقتبسة من أنوار الكتاب والسنة وفي ضوء هدي النبي الكريم ◌َله. منهج المؤلف في الكتاب: وقد قسّمتها إلى خمسة أقسام: (١) وقد ألّف الشيخ التهانوي رحمه الله كتاباً مستقلاً حول هذا الموضوع سمّاه (شهادة الأقوام على صدق الإسلام) جمع فيه ثناء الكفار على الإسلام وتعاليمه. ٤٥٢ ١ - العقائد والتصديقات. ٢ - الأعمال والعبادات. ٣ - المعاملات والسياسة. ٤ - الآداب والمعاشرة. ٥ - التزكية والإحسان والسلوك. والله العظيم أسأل العون والنصر، وتجنّب الخطأ والزّلات، إنه تعالى هو الموفق والمعين، وهو على كل شيء قدير، آمين وبه نستعين))(١). أهم موضوعات الكتاب ومحتوياته: الفصل الأول: في بیان العقائد : لقد ذكر المؤلف رحمه الله في هذا القسم جملة من العقائد الإسلامية، محلّة بالأدلة من الكتاب والسنة، وهذه الأدلة مذكورة على الهامش. الفصل الثاني : الشرك وأقسامه: لقد بدأ المؤلف هذا الفصل بآية كريمة من كتاب الله العزيز وهي: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ اُلْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَّى (١) ملاحظة: يقع الكتاب في ١٦٦ صفحة، بالقطع المتوسط، وقد تولَّت نشره وتوزيعه مكتبة فريد للطباعة والنشر، دهلي الهند ١٩٩٩ م. ٤٥٣ وَنُصْلِهِ، جَهَتَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا (١٦) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَأَ بَعِيدًا (١) إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، إِلَّ إِنَثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّ شَيْطَنَّا مَرِيدًا (٢) لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (٢) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِيَنَّهُمْ وَلَا مُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِكُنَّ ءَاذَانَ الْأَنْعَمِ وَلَمُرَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَنَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا قُّبِينًا (٤) يَعِدُهُمْ وَيُعَنِّيِهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١١٥ - ١٢٠]. ثم ذكر أقسام الإشراك، وجملة من البدع وما إلى ذلك من الأمور وهي: ١ - الإشراك في العلم: قال الله تعالى: ﴿﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]. ٢ - الإشراك في التصرّف: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ مُجِيرُ سَيَقُولُونَ لِلَّهَّ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴾ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [المؤمنون: ٨٨-٨٩]. ٣ - الإشراك في العبادة: ﴿لَّا تَعْبُدُوْاْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [هود: ٢٦]. ٤ - الإشراك في العادة: ﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَاً مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَّكَبِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآيِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَابِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ () وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ مَا ٤٥٤ فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٦) وَقَالُواْ هَذِهِةَ أَنْعَهٌ وَحَرْثُ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَمُ حُرِمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَهٌلَّا يَذْكُرُونَ أَسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهَا أَفْتِرَآءُ عَلَيّةٍ وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ اُلْأَنْعَمِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ وَ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَزَّمُ عَلَىّ أَزْوَجِنَاً وَإِن يَكُنْ قَيْنَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٦) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْمَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أَفْتِرَاءُ عَلَى اَللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (١) وَهُوَ الَّذِىّ أَنْشَأَ جَنَتٍ مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعُْوشَتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْخَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَِةٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَُّ E يَوْمَ حَصَادِهِ، وَلَا تُشْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤) وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُوْلَةٌ وَفَرْشَأْ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِّ ◌ِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُّبِينٌ (٢٤) ثَمَنِيَةَ أَزْوَجِ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِّ قُلْء آلذَّكَرَيْنِ حَزَّمَ أَمِ الْأَنْنَيَيْنِ أَمَّا أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِّ نَبِعُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ( !! ) وَمِنَ الْإِبِلِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ اُلْأُنثَبَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْوَصَّدِكُمُ اللهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٦ - ١٤٤]. ٥ - بيان البدع المحدثة على القبور وضرائح الصالحين؛ قال النبي وَل: «لا تجعلوا قبري وثناً بعدي))(١). (١) رواه أحمد ومالك. ٤٥٥ ٦ - البدع المرتكبة في مختلف الطقوس والعادات والتقاليد: ﴿وَإِذَا قِيْلَ لَهُ أَشَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اَللَّهُ قَالُواْبَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠]. ٧ - ذكر بعض الكبائر من الذنوب. ٨-ذکر شعب الإيمان. ٩ - بعض الأضرار الدنيوية للمعاصي والذنوب. ١٠ - بعض المنافع الدنيوية للطاعات. الفصل الثالث: الأعمال والعبادات : وفي آخر الكتاب ذكر فصلاً مستقلاً تناول فيه إصلاح بعض الأخطاء في باب التزكية والإحسان، وردّ على الجهلة من المتصوّفين، ونقل أقوال كبار العلماء والزهّاد أمثال الشيخ بايزيد والشيخ الجنيد رحمهم الله في الحث على اتباع الطريقة المحمديّة واقتفاء السنّة النبوية، والتحذير من اتباع الهوى وما يخالف الشريعة الإسلامية، ومن تلك الأقوال: ((كلُّ حقيقةٍ على خلاف الشريعة زندقةٌ باطلةٌ)) . ((ما لنا طريق إلى الله إلا على الوجه المشروع، لا طريق لنا إلى الله إلا ما شرعه، ومن قال: إنَّ ثَمَّ طريقاً إلى الله خلاف ما شرع، فقوله زور)). ((ولو نظرتم إلى رجل عالٍ في الكرامات حتى إنه يرتقي في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة)). ٤٥٦ ((الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر رسول الله وَ ظله)). ((اللهمَّ اختم لنا بالخير والسعادة)). ٤٥٧ ٨ - المصالح العقلية للأحكام النقلية مقدمة المؤلف: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، يقول العبد الفقير إلى الله: مما لا شك فيه أن مدار الأحكام الشرعية الفرعية هو النصوص الشرعية المتمثلة في كتاب الله وسنة رسوله اليه، والذي لا يمتثل لهذه النصوص، ويمتنع عن العمل بها بحجة البحث عن حِكَم وعلل تلك الأحكام وأسرارها ومصالحها، فإنه يُعد عاصياً ومُذنباً. وبالرغم من ذلك فإنه لا ينكر أحدٌ أنَّ هناك مصالحَ وحكماً وأسراراً لمشروعية تلك الأحكام التي فرضها الله تعالى على عباده، ومع أن العبد غير مكلّف بالبحث عن تلك الأسرار، لكن من طبيعة البشر أنه إذا عرفها واطلع عليها فإن هذه المعرفة قد تزيد في إيمانه بتلك الأحكام وإذعانه لها، إلا أن الراسخين في العلم، وأصحاب اليقين الكامل لا حاجة لهم إلى ذلك، لكن فيها تقوية قلب وجبر خاطر لبعض الضعفاء من أهل الإيمان الذين يمتاز بهم عصرنا هذا. ولذلك نرى في كتب السلف الصالح أمثال الغزالي(١) (١) هو محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي أبو حامد، حجة الإسلام، = ٤٥٨ والخطّابي(١) والعزّ ابن عبد السلام (٢) وغيرهم رحمهم الله أنهم يتطرقون إلى هذه المعاني، ويتعرضون لهذه اللطائف في كتبهم. كما أن ما تسبّب به المنهج التعليمي الحديث من خلق الحرية في الطبائع والنفوس البشرية، أدى ذلك إلى ازدياد رغبة الناس في معرفة هذه المصالح والحِكَم، حتى بدأ بعض أهل العلم بذكرها شيئاً فشيئاً في خطبهم وكتاباتهم صاحب التصانيف المفيدة في الفنون العديدة، كالمستصفى والمنخول في = أصول الفقه، والوسيط والبسيط والوجيز والخلاصة في الفقه، وإحياء علوم الدين، وتهافت الفلاسفة، ومعيار العلم، والمنقذ من الضلال، توفّي سنة ٥٠٥هـ، (انظر: طبقات الشافعية للسبكي: ١٩١/٦؛ وفيات الأعيان: ٣٥٣/٣). (١) هو أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطّاب أبو سليمان البستي المعروف بالخطّابي، كان رأساً في علم العربية والحديث والفقه والأدب وغير ذلك، وصنّف التصانيف النافعة المشهورة منها (معالم السنن) و(أعلام السنن) و(غريب الحديث) و(شرح أسماء الله الحسنى) و(كتاب العزلة) و(كتاب الغنية عن الكلام) توفّى سنة ثمان وثمانين وثلاثمئة)). (انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: ١٥٧/٢؛ وسير أعلام النبلاء: ٢٣/١٧). (٢) هو عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي الشافعي أبو محمد شيخ الإسلام، وأحد الأئمة الأعلام الملقب بسلطان العلماء، أشهر كتبه (القواعد الكبرى) و(مجاز القرآن) و(شجرة المعارف) توفي سنة ستمئة وستين للهجرة. (انظر: طبقات الشافعية للسبكي: ٢٠٩/٨؛ وفوات الوفيات: ٥٩٤/١؛ وشذرات الذهب: ٣٠١/٥). ٤٥٩ وذلك تسهيلاً للطامة وتيسيراً على العامة، ولو أن هؤلاء العلماء قاموا بمراعاة الحدود الشرعية في بيان هذه الأسرار والحِكَم لقلنا: إنَّ ما كتبوه فيه كفاية، ولكن كما هو المعروف أنَّ الباحثين عن الحق قليلون، والمتبعين حقاً للشريعة عزيزون نادرون، فكان مصير هؤلاء أنهم حادوا عن سواء الصراط، وتجاوزوا الحدود بسبب شيوع الآراء الفاسدة، وذيوع المختلقات والإشاعات الكاذبة، واتباع الأهواء، وملؤوا كتابهم بالغث والسمين والرطب واليابس. فخطر على بالي أنَّ مطالعة مثل هذه الكتب لعامة الناس تضرّهم أكثر من أن تنفعهم في الدين والدنيا، كما أن منعهم عنها صار أمراً مستحيلاً، ولذا فقد اقتضت الحاجة إلى تأليف كتاب جامع في هذا الموضوع، خالٍ عن المفاسد السابقة الذكر، حتى يتمكن الباحث عن أسرار الشريعة والراغب في معرفتها من تحقيق حلمه، والوصول إلى غايته بعد قراءة الكتاب. هذا وقد حاولت أن أتناول في هذا الكتاب ذكر الأسرار والمصالح التي تكون قريبة من الأصول الشرعية، وملائمة لأفهام العامّة، إلا أنَّ جميع هذه المصالح ليست مما نصّ عليه الكتاب أو السنة، ولا هي كلها مدار الأحكام، ولا حصر فيها، وإنما هي بمثابة الأمثلة والنماذج، وقد سبق أن ألف في هذا الموضوع علماء جهابذة في المتقدّمين، ومنهم العلامة الشاطبي، والمحدِّث العلاّمة ولي الله الدهلوي، وكتابه (حجة الله البالغة) أشهر من أن يُعرّف، كما ألّف متأخراً أحد المعاصرين الأفاضل الأستاذ إبراهيم أفندي علي من مصر، وسمّاه (أسرار الشريعة)، وطُبع الكتاب في مصر عام١٣٢٨ هـ، وقبله رسالة ٤٦٠