Indexed OCR Text

Pages 361-380

ولا تناقض بين هذه العنوانات.
وبالجملة فإن التفنن في التعبير لم يزل دأب البلغاء، وفيه من الدلالة
على رفعة شأن المتكلم ما لا يخفى، والقرآن الكريم مليء، ومن رامَ بيان سر
لكل ما وقع فيه منه، فقد رامَ ما لا سبيل إليه إلا بالكشف الصحيح والعلم
اللدنّي، والله يؤتي فضله من يشاء، وسبحان من لا يحيط بأسرار كتابه إلا هو.
٩ - بيان ربط الآيات من حيث الموضوع: وهذا مبني على اعتبار الارتباط
فيما بين الآيات، والدليل الشافي عليه عندي، أنه لو لم نعتبر المناسبة بينهما
لما اختلف ترتيب التلاوة عن ترتيب النزول، واللازم منتف بالتوفيق كما نصّوا
عليه .
ويؤيده ما في (روح المعاني) تحت آية ﴿ وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُجَعُونَ فِيهِ إِلَى
اللَّهِ﴾، أنه وَ لّ قال: ((اجعلوها بين آية الربا وآية الدين))، وفي رواية أخرى أنه
وَل* قال: ((اجعلوها على رأس مئتين وثمانين آية من البقرة))(١). ونحوه في
التفسير المظهري(٢)، ودلالته على ما أوعينا من التوقف ظاهر، وكذا الارتباط
(١) روح المعاني: ٥٥/٣ .
(٢) وهو للشيخ الإمام الكبير العلامة المحدث ثناء الله الفاني فتي، أحد العلماء
الراسخين في العلم، يرجع نسبه إلى سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولد
ونشأ ببلدة (فاني فت)وحفظ القرآن، وتفقه على الشيخ ولي الله بن عبد الرحيم
الدهلوي، وأخذ الحديث عنه، كان متفرداً في أقرانه في التقوى والديانة،
وكان شديد التعبد، وكان مع صفاء الذهن وجودة القريحة وقوة الفكر وسلامة=
٣٦١

بين السور المرتبة معتبر، لكن لا بالتوقف بل باجتهاد الصحابة، مع إجماعهم
عليه فيما أراه.
والدليل الكافي عليه: ما أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي
وابن حبان والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((قلت لعثمان: ما
حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى البراءة وهي من
المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم)،
ووضعتموها في السبع الطوال؟))(١).
فهذا يدلّ على أن الاجتهاد له دخل في ترتيب السور، وأيضاً وردت
روايات مرفوعة وموقوفة في ترتيب السور، فدلّ على كونه غير توقيفي، تركه
الذهن قد بلغ رتبة الاجتهاد في الفقه والأصول، له مصنفات عظيمة من أشهرها
=
(التفسير المظهري) في (١٢) مجلداً، وكتاب في الفقه في مجلدين، و(السيف
المسلول في الرد على الشيعة)، و(تذكرة الموتى والقبور)، و(تذكرة المعاد)،
ورسالة في حكم الغناء، ورسالة في حرمة المتعة، ورسائل أخرى، توفي رحمه
الله في رجب سنة خمس وعشرين ومئتين وألف. (نزهة الخواطر: ١١٢/٧ -
١١٤).
(١) أخرجه أحمد في مسنده: ٥٧/١، (٣٩٩) و٦٩/١، (٤٩٩)؛ والترمذي في
سننه، كتاب التفسير، باب ومن سورة التوبة برقم (٣٠٨٦)؛ وأبو داود في
سننه، كتاب الصلاة، (٧٨٦)؛ والنسائي في السنن الكبرى: ١٠/٥،
(٨٠٠٧)؛ وابن حبان في صحيحه: ٢٣٠/١، (٤٣)؛ والحاكم في المستدرك
على الصحيحين: ٢٤١/٢، (٢٨٧٥).
٣٦٢

الشارع مسكوتاً عنه ، ثم أجمعوا على هذا الترتيب، والآن لا تجوز مخالفته.
١٠ - ومن البلاغة عند بعض المتأخرين ورود بعض المعاني في صورة
المتشابهات، فإن صاحب التلويح عدّها كفايات، كما قال: وأما عند علماء
البيان فلأن الكناية لفظ قصد بمعناه معنى ثان ملزوم له، أي لفظ استعمل في
معناه الموضوع له، لكن لا يتعلَّق به الإثبات والنفي، ويرجع إليه الصدق
والكذب. بل لينتقلَ منه إلى ملزومه، فيكون هو مناط الإثبات والنفي، ومرجع
الصدق والكذب، كما يقال: فلان طويل النجاد، قصداً بطول النجاد إلى طول
القامة، فيصح الكلام، وإن لم يكن له نجاد قط، وإن استحال المعنى الحقيقي
كما في قوله تعالى: ﴿ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتْ بِيَمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧]، وأمثال
ذلك، فإن هذه كلها كنايات عند المحققين من غير لزوم كذب، لأن استعمال
اللفظ في معناه الحقيقي، وطلب دلالته عليه إنما هو لقصد الانتقال منه إلى
ملزومه، وحينئذٍ لا حاجة إلى ما قيل: إن الكنايات مستعملة في المعنى
الثاني، لكن مع جواز إرادة المعنى الأول، ولو في محل آخر وباستعمال آخر،
بخلاف المجاز، فإنه من حيث إنه مجاز مشروط بقرينة مانعة عن إرادة
الموضوع له.
١١ - الاهتمام ببيان ربط الآيات، والسور بما قبلها، وذلك بأسلوب
سهل ميسّر، كما أنَّ هناك اعتناءً ملموساً بتناول ملخص لكل سورة وبيان فحواها
الحقيقي في بدايتها، يلقي الضوء على ما تتضمنه السورة من الموضوعات
الرئيسة.
١٢ - الاعتناء بوضع عناوين رئيسة للمعاني التي تشير إليها الآية، وهذه
٣٦٣

العناوين تسهّل الطريق للدارسين والباحثين، وتساعدهم في الوصول إلى
غایتھم وهدفهم بأسرع وقت.
١٣ - الآيات التي فسّرت بالأحاديث والآثار، اهتم فيها المؤلف رحمه
الله أن تكون صحيحة، وصريحة في الموضوع، أما الآيات التي لم تُفسّر
بالمأثور، كما أن اللفظ القرآني لم يكن يحتمل ذلك، فقد وقع التسامح في
اشتراط الصحة لآثارها.
١٤ - أما في موضوع الرد على الشبهات، وتفنيد المزاعم الباطلة، فقد
كان جُلّ عناية المؤلف رحمه الله، بالشبهات التي تستند إلى دليل صحيح، أما
الشبهات العقلية والحسيّة التي لا يؤيّدها الدليل، ولا تعتمد على نظر سديد
وفكر صحيح فلم يتعرض لها بتاتاً.
١٥ - لم نقصد إلى الإطالة في الموضوع، والإطناب في التفسير والشرح
بدون حاجة ملحة، أو فائدة علمية نادرة.
١٦ - بما أن كاتب هذه السطور ليس له كثير علم، واطلاع على الكتب
السماوية الأخرى، فقد كان (تفسير الحقاني) هو المعوّل عليه في تفسير
الآيات التي تتعلّق بالكتب السماوية.
١٧ - اقتفيت آثار السلف الصالح في الانتقاء من أقوالهم والأخذ بآرائهم
من دون التطرق لآراء المتأخرين.
١٨ - لم أتطرق لذكر اللطائف والنكات التي لا دخل لها في فهم القرآن،
ولا فائدة منها مرجوّة فيه، وذلك لأن الهدف الأساس، والغرض الأصيل هو
٣٦٤

تفسير القرآن الكريم وفهم معانيه، والاعتبار به.
١٩ - الآيات التي ورد في تفسيرها حديث مرفوع ثابت إلى النبي ولو لم
نلتفت في تفسیرها إلی قول أحد.
ب -أهم مصادر المؤلف في تفسير (بيان القرآن):
· تفسير البيضاوي، للشيخ عبد الله بن عمر بن محمد القاضي ناصر
الدين البيضاوي الشافعي (ت ٧٩١هـ).
· معالم التنزيل، للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي،
المتوفى سنة ٥١٦هـ.
● روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للإمام شهاب
الدين أبي الثناء محمود بن عبد الله الآلوسي، المتوفى سنة ١٢٧٠ هـ.
• الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل،
لمحمود بن عمر بن محمد الزمخشري (ت ٥٣٨هـ).
• تفسير الجلالين، لجلال الدين المحلي (ت ٨٦٤هـ)، وجلال
السيوطي (ت ٩١١هـ).
● مدارك التنزيل وحقائق التأويل، لأبي البركات عبد الله بن أحمد
النسفي (ت ٧١٠هـ).
تفسير القرآن العظيم، للإمام الحافظ عماد الدين أبي الفداء
إسماعيل بن عمر بن کثیر (ت ٧٧٤هـ).
٣٦٥

· الدر المنثور، للإمام جلال الدين عبد الرحمن السيوطي
(ت٩١١هـ).
تفسير الخازن.
• تفسير فتح المنان.
• لباب النقول في أسباب النزول، للسيوطي (ت ٩١١هـ).
• الإتقان في علوم القرآن، للإمام السيوطي.
• تفسير الرحماني.
· القاموس المحيط، للفيروز آبادي.
· تراجم القرآن الكريم، باللغة الأردية.
· كتب الحديث والفقه والسير والتراجم.
جـ- منهج المؤلف في التفسير:
اعتناؤه بالروايات ونماذجه من تفسير الآيات :
قال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّّ (٤) اللَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَىُّ
الْقَيُّومُ (٤) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَنَةَ وَاَلْإِنِيلُ (٢) مِن قَبْلُ
هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١ -٤]:
٣٦٦

((الروايات: في روح المعاني(١) عن ابن جرير عن الربيع قال: إن النصارى
أتوا رسول الله ◌َ ◌ّ فخاصموه في عيسى ابن مريم، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا
على الله تعالى الكذب والبهتان، فقال لهم النبي تلير: ألستم تعلمون أنه لا يكون
ولد إلا وهو يشبه أباه، قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت،
وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى ... وفي رواية: ألست تزعم أن عيسى
كلمة الله تعالی وروح منه ... )).
أخرجه السيوطي في (الدر المنثور) عن ابن أبي حاتم، وابن جرير عن
الربيع، وفي (لباب النقول)(٢) عن ابن أبي حاتم وابن إسحاق، بتخريج
البيهقي في آخر القصة(٣)، وقال في سورة الفاتحة مُعَنْوِناً (الروايات): ((سورة
الفاتحة مكية عند الأكثر، وهو المروي عن علي وابن عباس وقتادة وأكثر
الصحابة» .
وهكذا اختار رحمه الله منهجه في ذكر الروايات، علماً أن معظم هذه
الروايات منقولة من تفسير (روح المعاني).
(١) انظر: روح المعاني، للآلوسي: ٧٥/٣.
(٢) انظر: الدر المنثور، للسيوطي: ١٤٢/٢؛ ولباب النقول، للسيوطي كذلك،
ص٥١، ط: دار إحياء العلوم ببيروت؛ وانظر كذلك: تفسير الإمام ابن جرير
الطبري: ١٦٣/٣، ط: دار الفكر ببيروت ١٤٠٥ هـ.
(٣) بيان القرآن: ٣/٢.
٣٦٧

١ - اللغة والنحو والبلاغة:
كان رحمه الله يعتني اعتناءً بالغاً ببيان اللغة والتحليل اللغوي والنحوي
والبلاغي، ويخوض في بحار الوجوه البلاغية مستنداً في ذلك إلى أقوال
العلماء والمفسّرين، ويختار القول الراجح بين الأقوال، وفيما يأتي نضرب
بعض الأمثلة:
اللغة: يقول رحمه الله في سياق الشرح اللغوي لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ
مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ .... ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
في روح المعاني: الأمة:
١ - الجماعة التي تؤم، أي تقصد لأمر ما.
٢ - وتطلق على أتباع الأنبياء، لاجتماعهم على مقصد واحد.
٣ - وعلى القدوة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أَمَّةً﴾ [النحل:
١٢٠ ].
٤ - وعلى الدين والملّة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابَآَنَا عَلَىَّ أُمَّةٍ﴾
[الزخرف: ٢٣].
٥ - والزمان: ومنه قوله تعالى: ﴿ وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، إلى
غير ذلك من معانیها .
النحو: قوله: ﴿منكم﴾، قيل: ﴿مِن﴾ تبعيضية، لوجوب هذا الأمر
٣٦٨

والنهي على الكفاية، وقيل: بيانية، ولا يعارض وجوبه على الكفاية، لأن
عموم الخطاب لا يقتضي الوجوب على العين، كما أن خطابات الجهاد عامة،
ومع هذا فهو واجب على الكفاية، وأيضاً المخاطب جميع المدنیین، ويدخل
فيهم الأوس والخزرج دخولاً أولياً.
البلاغة: ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ
وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَفَّةِ فُلُوبُهُمْ وَفِي الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَأَبَنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]، أتى في الأصناف الأربعة باللام، وفي الباقية
بـ(في) حرفاً، لعطف ابن السبيل على الأقرب، إما للتفنّن وإما لنكتة، وهي أن
الأربعة المتقدّمة كونهم ملاكاً أظهر من المتأخرة، لأن المتأخرة حاجتهم
منجزة، والغالب صرفها إليهم فوراً، فالمال الذي يصرف في الرقاب إنما
يتناوله السادة، وكذلك الغارمون إنما يصرف نصيبهم لأرباب ديونهم تخليصاً
لهم، وكذا في سبيل الله وابن السبيل يصرفون في العُدّة والزاد فوراً.
وقال رحمه الله وهو يبيّن الوجه البلاغي في تقديم قوله تعالى:
﴿أموالكم﴾ على قوله ﴿أولادكم﴾ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ
فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥].
قلت: قدّم الأموال مع كون الأولاد أحب إلى الإنسان طبعاً، لأن المال
يحتاج إليه كثيراً، ولأن في تحصيله إشغالاً كبيراً، فحق له أن يهتم به)).
٢ - اعتناؤه باستخراج مسائل السلوك من كلام ملك الملوك:
هذه رسالة خاصة بما تضمنه تفسير (بيان القرآن) من مسائل السلوك،
٣٦٩

استنبطها المؤلف رحمه الله واستخرجها من الآيات القرآنية، وقد سمّاها رحمه
الله (مسائل السلوك من كلام ملك الملوك)، علماً أن هذه الرسالة ألّفها الشيخ
باللغة العربية، وإلى القارئ الكريم نماذج من هذه المسائل المستنبطة،
وسوف نتحدث بالتفصيل عن هذه المسائل، والتعريف بهذه الرسالة في مبحث
مستقل إن شاء الله.
١ - قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ تَكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن زَيِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِى
الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧]، دليل على أن في القلوب أمراضاً، وهي أشدّ من
أمراض الأبدان، كالشك والنفاق والحسد والحقد، وأمثال ذلك(١).
٢ - قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَ يْتُمِ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا
وَحَلَلًا﴾ [يونس: ٥٩] فيه ردّ على من حرّم بعض المباحات على نفسه، اعتقاداً
أو عملاً، تقشفاً وتزهداً، ويُخصّ منه من تركه علاجاً(٢).
٣ - قوله تعالى: ﴿﴾ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]،
فيه حمل بليغ للعباد على التوكل في الرزق، ولا يمنع من التوكل مباشرة
الأسباب، والأخذ بها، مع العلم بأنه سبحانه مسبِّب لها، ولا ينبغي أن يعتقد
أنه لا يحصل الرزق بدون مباشرة سبب، وبالجملة ينبغي الوثوق بالله تعالى،
وربط القلب به سبحانه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن(٣).
(١) بيان القرآن: ٢٠/٥.
المصدر السابق: ٢١/٥.
(٢)
(٣) المصدر السابق: ٣٧/٥.
٣٧٠

٣- المسائل الاعتقادية:
كما نبّه رحمه الله في مختلف المواضع، وعند تفسيره للآيات على بعض
المسائل الاعتقادية، وردّ على الفرق التي انحرفت، وحادت عن طريق
الصواب والحق وفسّرت الآيات حسب أهوائها، وأفكارها الزائغة.
يقول رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمِ مَّا أَنزَلَ اَللَّهُ لَكُمْ
مِّن رِّزْقٍ﴾ [يونس: ٥٩]، استدلّ المعتزلة بالآية على أن الحرام ليس
برزق، ولا دليل لهم فيها، إذ المعنى ((ما قُدّر لانتفاعكم)) والمقدّر للانتفاع هو
الحلال، فيكون المذكور هاهنا قسماً من الرزق لا مطلق الرزق الشامل للحلال
والحرام، والكفرة إنما أخطؤوا في جعل بعض الحلال حراماً، ومن جعل أهل
السنة نظيراً لهم في جعلهم الرزق مطلقاً منقسماً إلى قسمين، فقد أعظم
الفرية (١).
وقال في أثناء تفسيره لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَدًا
[التوبة: ٨٤]:
وقد ذكر أستاذي الشيخ محمد يعقوب رحمه الله في وجه حكمة صلاته
وَخ* حكمة أخرى، ولا غرو في تضمن فعله وَله حكماً كثيرة، وهي أنه مَّ بهذا
الفعل كشف القناع عن وجه شرعي عظيم، وهو أنه لا ينفع شيء من التوسّلات
والتبرّكات بدون الإيمان، ألا ترون في نبيٍّ يصلّي والصحابة رضي الله عنهم
(١) بيان القرآن: ٢١/٥.
٣٧١

مقتدون به، فصلوا جميعاً على جنازته، واستغفروا له، وكفن في قميص النبي
وَلّ، ودخل جوفه ريق النبي ◌َّر، ومع ذلك كله هو في الدرك الأسفل من
النار، فلا يغتر أحد بكونه ذا نسبة من مبارك أو مقبول، كما هي هوسات
الجهلاء الذين يسلكون أنفسهم في محبّي الأولياء ومعتقديهم، وأنّى لهم ذلك.
انتھی بمعناه(١).
د - بعض الفوائد العلمية المنتقاة من (بيان القرآن):
١ - موالاة الكفار واتخاذهم أولياء من دون المؤمنين:
قد تحدث الشيخ التهانوي رحمه الله عن هذا الموضوع وتناوله في عدة
مواضع من تفسيره إجمالاً وتفصيلاً، حيث ورد النهي الشديد عن اتخاذ الكفار
أولياء، ومدّيد الموالاة إليهم، ونظراً إلى هذه التصريحات - النهي عن الموالاة
- وقع بعض الطوائف من غير المسلمين فريسة سوء الفهم، بل الفهم الخاطئ،
وظنّوا أن شريعة الإسلام تحرّض أتباعه على فصل كل العلاقات مع غير
المسلمين، حتى الخُلق الحسن، والسلوك الطيب لاحظ لهم فيه من المسلمین،
وصرفوا النظر عن الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية التي تحثُّ المسلمين
على الخلق الطيب الحسن، والسلوك النبيل السامي مع كل الأقوام.
وفي مقابل هؤلاء كانت هناك جماعة من السذّج من المسلمين الذين
اطلعوا على آيات النهي عن الموالاة، ثم شاهدوا ما قام به سيّد البشر الحبيب
(١) بيان القرآن: ١٣٢/٤.
٣٧٢

المصطفى ◌َ﴿ من تقديم نماذج رائعة للخُلق الحسن، والسلوك الطيب النبيل،
مع غير المسلمين، ثم تبعه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين الرعيل الأول
من هذه الأمة، وخلّفوا أمثلة عجزت أقوام العالم عن تقديم شيء منها ... ،
هؤلاء رأوا من ذلك أن هناك تعارضاً بين الآيات القرآنية والأحاديث النبوية،
إلا أنّ كُلاًّ من هذين الفكرين ناتج عن قصر النظر في آيات كتاب الله، وعدم
التأمل - كما هو حقه - في حقائقها وفحواها، ولو أنهم أمعنوا النظر فيها،
وعمّقوا الفكر في معانيها وسعة شموليتها لما وقعوا فريسة هذا الخطأ، ولزالت
تلك الأوهام التي أدتهم إلى القول: بالتعارض بين المصدرين الكتاب والسنّة .
ومن ثَمّ فقد مسّت الحاجة إلى شرح المصطلحات ذات الصلة بهذا
الموضوع، والتي يتبيّن لنا من خلالها المنهيّ عنه من المسموح به في مجال
العلاقات والروابط الفردية والجماعية بين المسلمين وغيرهم، وما هي
الأسباب التي من أجلها جاء النهي، وما إلى ذلك من الأمور.
مقاييس (العلاقة) ومراتبها :
الواقع أنَّ هناك مقاييس ومراتب ينبغي أن ننظر إليها بعين الاعتبار ونزن
بها العلاقة بين شخصين أو جماعتين:
- فمنها: مرتبة (الموالاة والمودّة القلبية)، وهذه المرتبة خاصة
بالمؤمنين ولا تجوز أبداً لغير المؤمنين، في أي حال من الأحوال.
- ومنها: مرتبة (المواساة) وهي الرغبة في الإحسان إلى الآخرين والنفع
لهم، وإيصال الخير إليهم، وهذه جائزة ومسموح بها لغير المسلمين أجمعين،
٣٧٣

إلا لأهل الحرب منهم، الذين يحاربون المسلمين، ويسعون في إضرارهم
وإيذائهم، ويقومون ضدّهم، ويساندون أعداءهم في المعارك، هذا وقد بيّن
الله جلَّ وعلا تفاصيل هذه المرتبة في سورة الممتحنة، إذ قال عزَّ من قائل: ﴿لَّا
يَنْهَنَكُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَدِلُوكُمْ فِ اَلِدِينِ وَلَمْ يُخِجُوكُم ◌ِّن دِيَزِكُمْ أَن تَبَرُوهُ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤) إِنَّمَا يَتَهَنَّكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَئِكُمْ
وَظَهَرُواْ عَلَّ إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَنَوَلَهُمْ فَأَوْلَئِكَ هُمُ النَّكْلِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨-٩].
- ومنها: مرتبة (المداراة) ومعناها التظاهر بالخُلق الحسن، والمعاملة
الطيبة، والسلوك المرضي العالي، وهذا أيضاً جائز مع غير المسلمين، إذا كان
الهدف منه هو الدعوة إلى الدين، أو كانوا ضيوفاً عند المسلمين، أو لتأليف
قلوبهم، أو كان الغرض هو توفير أسباب الأمن باتقاء شرورهم، والأضرار
الناتجة منهم، وهذا هو المقصود في قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَلَّةٌ﴾
[آل عمران: ٢٨]، فنهى عن الموالاة واستثنى منها هذه الحالة، وهي التي
تسمّى بالمداراة.
- ومنها: مرتبة (المعاملات)؛ أي: التعامل معهم في الأمور الدنيوية،
كالتجارة والصناعة ومشاركتهم في الحِرف الأخرى، فهذا جائز مع جميع
الكفار، إلا في حالة واحدة وهي حالة تضرّر المسلمين من هذه المعاملات.
وإن ما قام به سيدنا وحبيبنا رسول الله 3 8 ومن بعده الخلفاء الراشدون
ثم الصحابة أجمعون، خيرُ شاهد، وأصدق دليل وبرهان على ذلك، وما قرّره
الفقهاء من حظر بيع الأسلحة لأهل الحرب من الكفار، والإذن في تجارة
الأشياء الأخرى، إنما هو مبنيّ على هذا الأصل.
٣٧٤

٢ - التشبّة بالأقوام الآخرين:
من هو المتشبة؟
هو من عدل عن حقيقته وشكله الأصلي، وتخلّى عن مميزاته وسيرته
وأخلاقه، واندمج في حقيقة قوم آخرين وتشكل بشكلهم، واختار طريقتهم
وهيئتهم، وانتهج منهجهم، واتبع سلوكهم.
وهكذا نرى أن تعاليم ديننا الحنيف وشرعنا القويم الإسلامي تُلزم أتباعه
أن تكون شخصياتهم متميزة عن الآخرين، حتى في الأشكال الظاهرية والتي
تتمثل في الملبس، أما ما يميزهم من الآخرين في داخل الجسم فهو الاختتان،
واللحية، ولا يمكن التمييز بين المسلمين وغيرهم - في المظهر الخارجي - إلا
بهاتين الميزتين، ومن هنا فقد حثّ الدين الإسلامي على اختيار الملبس الذي
يتفق وقواعد شرع الله، وإن الحفاظ عليه وعلى شعار اللحية من متطلبات
الحميّة الدينية، والغيرة الإسلامية، وليس من قبيل التعصّب أو قصر النظر،
وإنما الغرض الأساسي هو إنقاذ الأمة الإسلامية من تقليد الغير، وتجنيبهم
الوقوع في الالتباس، أو فريسة التشبّه بالأقوام الأخرى، وذلك لأن الأمم التي
لا تحافظ على مميزاتها وخصائصها، ولا تصون شخصياتها من الاندماج في
الأقوام الأخرى فإنها لا تستحق أن يقال لها: أمة مستقلة حرة تتمتع بكل معاني
الحرية والاستقلال.
حکم التشبه بالكفار :
مما لاشك فيه أن التشبّه بالكفار في المعتقدات والعبادات كفر، والتشبه
٣٧٥

بهم في الطقوس والتقاليد الدينية حرام، مثل تقليد النصارى في تعليق رمز
الصليب بالعنق، واستخدام أي نوع من أنواع القلائد التي ترمز إلى الشرائع
الهندوسية، والطقوس الدينية غير الإسلامية فهذا كله حرام؛ لأن اختيار
الشعائر الكفرية والشركية علناً وجهراً دليل على الرضا بها قلباً، وهذا النوع من
التشبّه وإن كان أقل درجة من النوع الأول، لكنه ذريعة إلیه، فلا بد من سدّها
حتى لا يمكن الوصول إليه، فهل يُعقل أو يرضى أحد لنفسه أن يشرب البول -
أعزنا الله وإياكم - بحكم وجود الفرق بين الغائط والبول؟ كلا! بيد أن النهي عن
التشبه بالكفار في العبادات، والطقوس، والتقاليد المذهبية، والأعياد التي
تحمل طابع الدين عندهم، ثابت قطعاً بإشارات من كتاب الله، وأحاديث
صحيحة كثيرة، وسنة رسول الله ◌َّه، وقد فصّل القول فيه شيخ الإسلام
الحافظ ابن تيمية رحمه الله في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة
أصحاب الجحيم) وذكر معظم تلك الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي
تناولت هذا الموضوع.
أما التشبّه بهم في شؤون العشرة الاجتماعية، والعادات القبلية والتقاليد
القومية فهو مكروه تحريماً، مثلاً التزيِّي بالزيِّ الخاص بهم، واستخدام ما يُشير
إلى طائفة خاصة من الملابس، أو يعد مَعْلَماً من معالمهم بحيث يعرفون به،
مثل استعمال الطاقية أو القلنسوة الخاصة بالنصارى، وارتداد الكساء الخاص
الذي يستعمله العُبّاد الهندوس، أو الحذاء الخاص بالنُسّاك والرهبان، هذا وما
يشبهه كله داخل في التشبه بهم.
٣٧٦

هذا وقد يزيد الطين بلة إذا كانت النية من استعمال هذه الأزياء والملابس
هي التباهي بها، والتفاخر بالتظاهر بارتدائها، أو تقليد الإنكليز أو أقوام أخرى
في هذه الأشياء، فلا شك أن الحرمة تزداد، وتشتد الخطورة.
أما إذا قلدهم أحد في طريقة التحدث وأسلوب الكلام حتى يُعدّ من
طائفتهم ويُحسب من زمرتهم فذلك أيضاً محظور عليه، علماً أن تعلّم اللغات
مثل الإنكليزية أو الهندية أو السنسكريتية إذا كانت أداة للمخاطبة ووسيلة
المراسلة والمكاتبة، ولم تصحبها نية التشبه بهم، أو إرادة كسب إعجابهم أو
إثبات حبّ الوطن فهذا لا بأس به، بل قد يصل الأمر إلى الوجوب إذا اقتضت
الحاجة الدعوية، وتطلبت الضرورة الدينية، وكان الغرض فهم كلامهم
للاطلاع على نواياهم، ومعرفة مقاصدهم.
٣ - مخالطة غير المسلمين:
يقول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:
١١٣]، في (روح المعاني): ويشمل النهي حينئذ مداهنتهم، وترك النكير
عليهم مع القدرة، والتزتي بزيهم، وتعظيم ذكرهم، ومجالستهم من غير داع
شرعي، وكذا القيام لهم، ونحو ذلك. قال الحسن: جميع (الذين) في
الآيتين: يعني (لا تطغوا) و(لا تركنوا).
٤ - الزواج بالكتابية:
يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]،
٣٧٧

ظاهر الآية يدل على جواز نكاح الكتابية، وقد حقّق في الموضوع الشيخ
التهانوي رحمه الله، فقال: ((هناك طائفة من الناس يزعمون أنهم من أهل
الكتاب، وأن أزياءهم الظاهرية وأسلوب حياتهم وطريقة عيشهم تُشبه أهل
الكتاب، ولكن يبدو بعد إمعان النظر في عقائدهم، والبحث والتمحيص في
أصول معتقداتهم أنهم ليسوا من أهل الكتاب في شيء، وكل ما يدّعون في هذا
الصدد دعاوى باطلة لا تمت إلى الواقع والصحة بصلة، فلا يجوز نكاح المسلم
لنساء هؤلاء، كما هو الحال في عصرنا هذا، حيث يعتقد بعض الناس أن
الإنكليز هم من النصارى أتباع سيدنا عيسى عليه السلام، والواقع أن عقائدهم
قد تسرّبت إليها أمور إلحادية، وخرافية، وتطرقت إليها أشياء باطلة، لا علاقة
لها بالشريعة العيسوية، وما أنزل الله بها من سلطان، فإنهم لا يؤمنون بنبوة
عيسى عليه السلام ولا بشريعة الإنجيل، وكونه كتاباً سماوياً، وعلى هذا
فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب الذين أحل الله للمسلمين الزواج بنسائهم، وإن
الذين يتزوجون في بلاد أوروبة أو الدول الغربية الأخرى، دون أي تحقيق أو
بحث عن ديانة المرأة ومعتقداتها، يقعون فريسة الخطأ الفادح، ويظلمون
أنفسهم)).
٥ - بعض الفوائد التفسيرية :
- يقول رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿نعبد﴾: إن العبودية
الكاملة هي معراج الإنسانية، ولذلك أكرم الله تعالى جميع الأنبياء بهذه الصفة
المباركة وخاطبهم بـ(عباد الله)، كما وصف خاتم النبيين سيد الأنبياء والمرسلين
محمداً وَ لّر بـ (عبد الله ورسوله) الذي هو خير خلق الله في الأرض.
٣٧٨

- ويقول في تفسير كلمة ﴿الرزق﴾: إن معنى كلمة الرزق وفحواها
واسع النطاق في كتاب الله تعالى، فالرزق يتضمن كل أنواع النعم، وجميع
أصناف الآلاء، سواء كانت ظاهرية أو مادية أو معنوية، فتشتمل دائرة (الرزق)
العلم والحكمة والفهم والفراسة والمحبة والخشية والتقوى والطهارة، وعباد
الله الصالحين يُنفقون كل ما أنعم الله عليهم من النعم في سبيل الحق والدين.
- ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧]:
كانت بنو إسرائيل قد تدفّقت عليهم أصناف من النعم، وأنواع من الثروات
والآلاء، ورغم ذلك كله كان مآلهم أنهم كانوا غارقين في بحار المعاصي
والآثام والبغي والطغيان، وفي هذه الآية دليل صريح على أن أبواب أنعم الله
تعالى وآلائه تظل مفتوحة رغم كثرة المعاصي والآثام، وهذا يسمّى استدراجاً،
وقد زعم بعض الجهلة من المتصوّفة أن كثرة المال، والازدياد في الثروات من
علامات القبول عند الله تعالى، وهذا جهل بحت لا يمتّ إلى الدين بصلة.
- ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِ مِن لَّدُنكَ ذُرِيَّةً طَيِّبَةٌ﴾
[آل عمران: ٣٨]: دلّت الآية الكريمة على ثلاثة أمور:
١ - إن طلب الأولاد من الله والرغبة فيهم لا يعارض التقوى والزهد.
٢ - ينبغي أن يكون نظر الداعي وتوجّهه إلى مسبّب الأسباب، وليس إلى
الأسباب ذاتها .
٣ - ينبغي أن يدعو الإنسان ربه تعالى أن يرزقه الأولاد الصالحين، وليس
مجرّد الأولاد.
٣٧٩

- تفسير قوله تعالى: ﴿ فَلَمَآ أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ
وَجَاءُ و بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]: دلّت الآية الكريمة على أربعة أشياء:
١ - لا ينبغي أن يغترّ الإنسان بالخوارق الصادرة من بعض الناس، لأنها
قد تصدر من أهل الباطل.
٢ - هناك نوع من السحر قد يؤثر على القلب ويتصرف فيه، ويدخل فيه
(عملية التنويم) (Mesmerism).
٣ - إن التأثر بالسحر وعملية التنويم (Mesmerism) لا ينافي الكمال
الباطني، وقد أصيب سيدنا موسى عليه السلام أيضاً بالخوف والرعب.
٤ - ليس من الضروري قدرة أهل الحق على التغلّب على هذه الأشياء أو
إبطالها .
- تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦]:
يقول الشيخ التهانوي رحمه الله: ((إن المعاصي والآثام تزداد سوءاً
وقُبحاً في الأوقات المباركة والساعات المفضّلة، وينبغي أن يقاس على
الأوقات، الأمكنةُ والمقاماتُ المباركةُ، والأسف كل الأسف على أولئك
الجهلة من رعاة شؤون المزارات وضرائح الأولياء والصالحين، الذين يقترفون
أنواع الذنوب والمنكرات، ويرتكبون أصناف المعاصي والآثام، والبدع
والخرافات عند هذه القبور، ويعقدون محافل الموسيقى ومجالس الطرب
والغناء، ويزين لهم الشيطان أعمالهم، ويفتح لهم أبواب الشرّ والفساد والتبرّج
٣٨٠