Indexed OCR Text
Pages 301-320
حديثةٍ، بدأ يقرع الآذان، وقد كانت ولادتي في أسرة جدّي الإمام حجة الإسلام محمد قاسم النانوتوي رحمه الله، الذي كان محيي العلم والدين في عصره، وكانت حياته مثالاً للبساطة والتوكل والاكتفاء بأقل ما يمكن من الأسباب، والاقتصاد والجدّ والكدّ. وكانت زوجة (جدّي) قد تشبعت مباشرة بتربيته وصحبته المؤثرة، فكانت نسيج وحدها في المجاهدة في العبادة، والسخاء والسماحة، والتمسّك بشعائر الدين، والمحافظة على الصلاة والصيام والأوراد)). عمله أستاذاً ونائب رئيس ثم رئيساً لجامعة دار العلوم ديوبند: وبعد تخرّجه من دار العلوم ديوبند عُيّن أستاذاً فيها، فدرّس كتب شتی العلوم والفنون عن جدارة وأهلية، بما فيها كتب التفسير والحديث والفقه والصرف والنحو والبلاغة والمنطق والفلسفة، وكتاب أسرار الشريعة (حجة الله البالغة) للإمام وليّ الله الدهلوي (المتوفى ١١٧٦ هـ). وبرغم تولّيه بعدئذٍ رئاسة الجامعة لمدة ستين عاماً تقريباً ظل يقوم بالتدريس، ولا سيّما كتاب (حُجة الله البالغة)، وعُيّن رئيساً للجامعة بالنيابة عام ١٣٤١ هـ، وعُيّن رئيساً مساعداً للجامعة لفترة قصيرة بعد وفاة الشيخ حبيب الرحمن العثماني، ثم رئيساً مستقلاً لها في ٢١ شوّال سنة ١٣٤٨ هـ. هذا وقد شهدت الجامعة على عهده تقدماً كبيراً، جديراً بكل نوع من الإشادة والتقدير، بالإضافة إلى أنَّ صيتها طبق الآفاق بشكل غير مسبوق، ٣٠١ وتخرّج في عهده أكبر عدد من دُفعات العلماء والدعاة والمفتين والمفكّرين من هذه الجامعة . دفاعه عن الإسلام والمسلمين: وبالإضافة إلى جانب هذا التقدّم الهائل الذي شهدته الجامعة على عهد رئاسته على كافة الأصعدة البنائية والإدارية والتعليمية وعلى صعيد السُّمعة المطبقة والصيت الذائع، إلى جانب ذلك كان دوره طليعياً في الدفاع عن الإسلام والمسلمين، وذلك انطلاقاً من أسوة مشايخ الجامعة الذين ظلّوا يحاربون الاستعمار الإنكليزي بكافة الأسلحة، ثم ظلّوا في طليعة المحاربين للفرق الضالّة والطوائف المنحرفة، بما فيها القاديانية والبريلوية والحركات المستهدفة للإسلام، من قِبل الإحيائية الهندوسية والتبشير المسيحي. أما بالنسبة للقاديانية فقد شارك مع مشايخه وزملائه في كثير من المناظرات والمقاومات، كما كتب وخطب طويلاً في هذا الموضوع. وأما بالنسبة للبريلوية فقد كان لساناً ناطقاً ضدها بخطاباته التي لا تُحصى، والتي قلّما بقيت مدينة أو قرية في شبه القارة الهندية لم تستمع لها، وكانت معظم خطاباته تدور حول غرس الحقائق الأصيلة للإسلام في قلوب الجماهير. مكانته في الخطابة: لم يُرَ له مثيلٌ في شبه القارة الهندية، في مجال الخطابة، کان یجلس على منصّة الخطابة والوعظ، فيمتلك مشاعر المستمعين وقلوبهم، بغزارة ٣٠٢ علمه، ووفرة اطلاعه، وكثرة محفوظاته، وتعمقه في الكتاب والسنة، وتشبّعه بأسرار الشريعة، وبروعة عرضه للدلائل على حقّية الإسلام وأحكامه وشرائعه، وبعذوبة منطقه، وجمال مظهره، وحسن هندامه، وبديع بيانه، وسلاسة لسانه، كأن عندليباً يغنّي، أو ملكاً يتكلّم، يجري في خطاباته في هدوء، وعلى نسقٍ واحد، كالأنهار الجارية في السهول. هذا وقد اعترف بفضل الشيخ محمد طيب رحمه الله في مجال الخطابة، نوابغ الخطباء وعباقرة اللّسن المعاصرين، وعلى رأسهم الخطيب الإسلامي البليغ الشيخ عطاء الله شاه البخاري، المتوفى ١٣٨١هـ، وأديب الأردية وخطيبها المصقع، وكاتبها الفريد الشيخ أبو الكلام آزاد، وزير التعليم الهندي الأول بعد الاستقلال، المتوفى ١٣٧٧ هـ، الموافق ١٩٥٨ م. مؤلفاته: وإلى جانب ذلك كله كان رحمه الله كاتباً قديراً، باللغة الأردية، وشاعراً مطبوعاً باللغتين الأردية والفارسية، ودبَّجت يراعته مئات من المقالات والبحوث العلمية والفكرية والدعوية، نشرتها شتى المجلاّت الأردية في شبه القارة الهندية وخارجها، كما ألّف رحمه الله كتباً بالأردية في مختلف الموضوعات الإسلامية، ونقل بعضها إلى اللغتين العربية والإنكليزية، ومن أهم مؤلفاته : ١ - التشبّه في الإسلام. ٢ - أسباب تقدّم الأمم وانحطاطها. ٣٠٣ ٣ - الدين والسياسة. ٤ - مبادئ الدعوة الإسلامية. ٥ - المساواة الإسلامية . ٦ - الإسلام والعلم. ٧ - الاجتهاد والتقليد. شمائله: جمع الله فيه إلى جانب روح العمل، لين العريكة، ومرونة الخلق، وكرامة النفس، والمروءة والسماحة، وطلاقة الوجه التي كانت تعلو محيّاه كلّ وقت، فقد ظلّ متوفراً على دراسة كتب الإمام الغزالي، (المتوفى ٥٠٥هـ) والإمام وليّ الله الدهلوي المتوفى ١١٧٦ هـ، وجدّه الإمام محمد قاسم النانوتوي، المتوفى ١٢٩٧ هـ، والعلامة حكيم الأمة الشيخ أشرف علي التهانوي رحمهم الله . وفاته: في الساعة الحادية عشرة والدقيقة الخامسة تماماً من يوم الأحد ٦ شوال ١٤٠٣ هـ الموافق ١٧ تموز يوليو ١٩٨٣م، استأثرت به رحمة الله تعالى، وصُلّي عليه في داخل الحرم الجامعي بعد صلاة العشاء، ودفن في المقبرة القاسمية الملاصقة للجامعة. وكان رحمه الله لدى وفاته في الثماني والثمانين ٣٠٤ من عمره، وفعلت فيه الشيخوخة ما تفعل فيمن يبلغ هذه السنّ، وأنهكته الأمراض التي أصابته في الأيام الأخيرة، إلا أن قواه الفكرية لم تزل على ما هي عليه حتى آخر لحظات حياته(١). (١) من مقدمة الشيخ الأستاذ نور عالم خليل الأميني لكتاب (علماء ديوبند اتجاههم الديني ومزاجهم المذهبي)، للشيخ محمد طيب رحمه الله، ص٢٥ - ٦٩ باختصار وتلخيص وتعدیل. ٣٠٥ الفصل الخامس الأستاذ الشيخ عبد الباري الندوي هو الشيخ عبد الباري بن الحكيم عبد الخالق، أحد العلماء المشهورين بمعرفة الأدب والفلسفة الإسلامية، ولد في ١٤ من ذي الحجة ١٣٠٦ هـ، الموافق آب أغسطس عام ١٨٩٠ م، في قرية (ستركهو) بمديرية (باره بنكي) ثم استوطن والده مدينة (لكنو). كان والده من العلماء المشهورين في عصره، ومن أجلّ خلفاء الشيخ محمد نعيم(١) فرنكي محلي، يصل نسبه الشريف إلى الصحابي الجليل عبد الله الأنصاري رضي الله عنه. اشتغل بالعلم على الشيخ فرنكي محلي، والشيخ توكّل حسين في (١) هو الشيخ الفاضل الكبير محمد نعيم بن عبد الحكيم بن عبد الرب بن ملك العلماء بحر العلوم عبد العلي محمد الأنصاري اللكنوي أحد كبار العلماء، كان عالماً كبيراً فقيهاً أصولياً متكلماً ناصحاً مفيداً مع البر والدين، والتودد والتواضع والحلم والأناة والاستقامة، كان غاية في الزهد والقناعة والتوكل على الله والتبتّل إليه، توفي إلى رحمة الله، لتسع بقينَ من ربيع الثاني سنة ١٣١٨ هـ، بلكنو (نزهة الخواطر: ٤٥٩/٨). ٣٠٦ قريته، وقرأ عليهما الكتب الابتدائية، ثم التحق بدار العلوم التابعة لندوة العلماء لكنو في عام ١٣١٩ هـ، وقرأ بعض الكتب على الشيخ محمد إدريس الندوي، واستفاد منه في شتى العلوم والفنون، وظل عاكفاً على الاستزادة العلمية تحت إشراف ورعاية العلاَّمة شبلي النعماني(١)، رحمه الله، وفي ظلّه الوارف، بندوة العلماء. كما سنحت له فرصة الاستفادة من شيوخ وأساتذة ندوة العلماء الآخرين آنذاك، وعلى رأسهم العلاَّمة السيد سليمان الندوي رحمه الله، والشيخ عبد الحفيظ، والشيخ عبد السلام الندوي، رحمهم الله. كان رحمه الله من باكورة سنّه معجباً بعلوم التاريخ والآداب والفلسفة والعلوم العقلية، ولهذا السبب كان من عُشّاق العلاّمة شبلي النعماني والمعجبين به. تخرج من ندوة العلماء عام ١٩١٠ م ثم توجّه إلى تعلّم اللغة الإنكليزية حتى برع فيها، وترجم عدة كتب في الفلسفة إلى اللغة الأردية، ثم تصدّر للتدريس، (١) هو الشيخ الفاضل العلاّمة شبلي بن حبيب الله البندولي، فريد هذا الزمان، المتفق على جلالته في العلم والشأن، كان قوي الحفظ، سريع الملاحظة يكاد يكشف حجب الضمائر، ويهتك أسرار السرائر، دقيق النظر، قوي الحجة، ذا نفوذ عجيب على جلسائه، كان واسع الاطلاع على تاريخ الإسلام والتمدّن الإسلامي، كثير المحفوظ من الأدب والشعر، كثير المطالعة، لم يفته كتاب في آداب الأمم وفلسفة أخلاقهم إلا طالعه، توفّي إلى رحمة الله في ذي الحجة سنة ١٣٣٢ هـ. (نزهة الخواطر: ١٧٤/٨). و(شبلي النعماني) للدكتور أكرم الندوي، ضمن سلسلة علماء المسلمين الصادرة عن دار القلم بدمشق . ٣٠٧ وعُيّن محاضراً في كلّية (بونا) التابعة لجامعة بومباي - خَلَفاً لأستاذه العلاَّمة السيد سليمان الندوي - رحمه الله - حيث سنحت له الفرصة للدراسة المتواصلة والعميقة، والاستزادة العلمية في مجال الفلسفة والتاريخ، الموضوع المحبّب إليه، والذي أَلِفَه ذهنه وعلق فيه قلبه . الدين والعقلانية: ثم آن الأوان أن تتجلى الموهبة الربّانية، وما أودعه الباري تعالى في عبده من صلاحيات، وعُقد المؤتمر التعليمي لعموم الهند، وشارك فيه كبار الزعماء والساسة، والشخصيات العلمية الموقّرة من جميع أنحاء الهند، وبطلب وإلحاح شديد من الشيخ حبيب الرحمن خان شيرواني، ألقى الشيخ عبد الباري الندوي فيه محاضرته القيّمة الغنية بالمادة العلمية القويمة، والأسلوب الرشيق الحلو الجذّاب حول موضوع (الدين والعقلانية)، وقد استقبلت المحاضرة بالقبول والإعجاب المنقطع النظير لدى الحضور، ونالت شهرة علمية فائقة في أوساط العامة والخاصّة، حتى ازداد إقبال الناس على طلبها، ونشرها وتوزيعها، فتمّت طباعتها باسم (الدين والعلوم العقلية). هذا وقد اطلع عليها أستاذه الروحي ومرشده الديني الشيخ حكيم الأمة العلاَّمة أشرف علي التهانوي رحمه الله، ومدحها وأشاد بمحتواها، وأثنى عليها قائلاً: ((إنّ هذه المحاضرة القيّمة بمثابة القلعة الحديدية للدين الإسلامي))، وهكذا تواصل عطاؤه للأمة الإسلامية، وانتفع به العلماء والعامة. ٣٠٨ رحلاته العلمية والدعوية: ثم سافر الشيخ رحمه الله إلى حيدر آباد (الدكن) حيث التقى هناك بالعلاَّمة الشيخ محمد حسين الحيدر آبادي رحمه الله، وبقي معه يستفيد منه عدة أشهر، ثم غادر (حيدر آباد) متوجهاً إلى دار المصنّفين في (أعظم كره) بدعوة من العلاَّمة السيد سليمان الندوي، وتولّى هناك مسؤوليات علمية، مشتغلاً بأعمال البحث والدراسة والتحقيق، إلى آب أغسطس عام ١٩٢٢ م، وفي شهر أيلول سبتمبر عام ١٩٢٢ م رجع إلى (حيدر آباد) مرة ثانية، حيث عُيّن أستاذاً للفلسفة والأدب والتاريخ في جامعة حيدر آباد بشكل دائم، واستمرّ هناك حوالي ثلاث وعشرين سنة، يفيد آلاف الطّلاب، وانتفع به عدد كبير من عُطْشان العلم ومحبّي المعرفة والباحثين والدارسين في مختلف المجالات(١). يقول سماحة العلامة الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي: ((كان معلِّماً للفلسفة الحديثة في الجامعة العثمانية بحيدر آباد، ومؤلف كتاب (بين الدين والعقليات) المشهور، وعاش في الوسط الديني والعلمي، وتخرج في معهد ديني كبير، وصحب كبار العلماء والمؤلفين والكتّاب في الهند، وعاصر دور العقلية والتنور والحرية الفكرية في هذه البلاد، ودرس الفلسفة الحديثة بتعمّق وتوسّع، ثم مارس التعليم في جامعة من أرقى جامعات الهند، ودرّس طوائف من الشباب الأذكياء والنابغين الفلسفة وعلوم الدين، واجتاز مراحل القلق الفكري، والارتيابية والسوفسطائية، وكان متصلاً بالمدارس الفكرية (١) کاروان تهانوي، ص ٦٣ - ٦٤ . ٣٠٩ الحديثة في أوروبة ... ))(١). علاقته مع حكيم الأمة الشيخ التهانوي ومبايعته له: كان رحمه الله من أجلّ خلفاء حكيم الأمة، والناشرين لدعوته الإصلاحية والتربوية والداعين إليها، وقد بایعه في حزیران یونیو عام ١٩٢٨ م، ومنذ ذلك الوقت تواصلت زياراته لزاوية شيخه (تهانه بهون) وتوطدت العلاقة الروحية إلى درجة أنّ الشيخ عبد الباري لم يكن يرضى أن يضيّع أي فرصة سانحة حتى إجازته الصيفية كان يقضيها في خدمة شيخه، حرصاً منه على ملازمته ومصاحبته لكي تتسنّ له الاستفادة والاستزادة العلمية، ويتمكن من الارتواء من منهله الصافي ومعينه العذب النمير في مجال التربية والإصلاح والتزكية والإحسان(٢). يقول العلامة أبو الحسن علي الندوي متحدثاً عن علاقة الشيخ عبد الباري مع حكيم الأمة: ((ثم ساقه سائق التوفيق إلى شيوخ مخلصين، في مقدمتهم الشيخ أشرف علي التهانوي الذي خصّ الأستاذ بالثقة والعناية، لذكائه وسلامة فهمه، وصدق طلبه حتى حصلت له الإجازة منه، ودامت الصلة بينهما، وازدادت توثيقاً وإحكاماً، ولم تزده الأيام والتجارب إلا إعجاباً بشخصية شيخه وثقة بفهمه واجتهاده، واستمرّ اللقاء والمراسلات حتى استأثرت بالشيخ (١) من مقدمته لكتاب (بين التصوّف والحياة)، للشيخ عبد الباري الندوي، ص١٣ - ١٤. (٢) کاروان تهانوي، ص٦٥ . ٣١٠ رحمة الله عام ١٣٦٢هـ)) (١). وها هو الشيخ عبد الباري يتحدث لنا عن مدى حنينه وشوقه الشدیدین للإقامة مع مرشده، فيقول رحمه الله: ((كانت نفسي تتوق دائماً أن أقيم إقامة دائمةً في (تهانه بهون) لكن كسر سلاسل الوظيفة لم يكن سهلاً ميسوراً، وبالرغم من أنَّ الشيخ التهانوي رحمه الله قد أرسل بنفسه رسالة إلى والي وحاكم حيدر آباد يشفع لي فيها، لكن الجامعة العثمانية رفضت الطلب قائلة بأنها إلى الآن لم تجد من ينوب عني ويتولى مسؤولياتي، فاعتذرت عن قبول استقالتي، وإعفائي من العمل)). ويقول رحمه الله وهو بصدد ذكر عناية حكيم الأمة رحمه الله به وأفضاله عليه : ((إنَّ من جملة الأفضال، وأصناف العنايات التي كنت تمتعت بها من مرشدي حكيم الأمة رحمه الله والتي لم ينلها آخرون إلا قليلاً، هو شرف ضيافته رحمه الله لي، وذلك أني كلّما أتشرّف بالحضور في خدمته من (حیدر آباد) في إجازتي الصيفية، وأمكث عنده حوالي أسبوع أو أسبوعين، يتفضّل علي الشيخ رحمه الله قائلاً: لماذا لا تكون عندي ضيفاً؟ فأسرعت بقبول هذا الشرف العظيم، ولا شك أن هذه كانت عناية كبيرة منه رحمه الله بهذا العاجز)). وأضاف رحمه الله قائلاً: ((إن من أهم الجوانب وأعظم الصفات التي تأثرت بها (١) بين التصوّف والحياة، ص١٤ . ٣١١ في حياة الشيخ رحمه الله هو جانب التقوى والورع، الذي جعله يعتبر الكتاب المبين الشرط الأساس والركن الأصيل والركيزة الحقيقية لهداية المتقين ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِهِ هُدَّى لِلْتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وعندما حضرت في خدمة الشيخ رحمه الله كنت مصاباً بشتى أنواع الأمراض المزمنة والأسقام المهلكة من النواحي الدينية والروحية، فمنّ الله تعالى عليّ إذ أكرمني بحكيم الأمة، فداواني من هذه الأمراض، وكل ما حصل لي من الشفاء، وما تلقيته من العلاج الديني والروحي يرجع فضله بعد الله سبحانه وتعالى، إلى حكيم الأمة رحمه الله» . وكان يقول: ((إن هذا العاجز - كاتب هذه السطور - ليس لديه علم بالشريعة، ولا معرفة بالسلوك والطريقة، ولكني أقول وحُقّ لي أن أعبّر عن هذه الحقيقة الساطعة، وذلك في ضوء ما فهمه ذهني ووعاه قلبي من خدمة هؤلاء المشايخ: من أراد أن تقرّ عينه بمشاهدة أقصى درجات الاتزان، وأعلى مراتب الاعتدال في الجمع بين الشريعة والطريقة فليأت الخانقاه الإمدادي، ليرى فيه العجب العجاب، ويجد فيه بغيته المنشودة وضالّته المتوخّاة))(١). خدمته لمآثر حكيم الأمة العلمية والدعوية والإصلاحية: كان الشيخ عبد الباري الندوي من أولئك العلماء الأفذاذ الذين اختارهم الله تعالى لعرض دعوة حكيم الأمة، ونشر فكره، وقد أنفق رحمه الله کل (١) مصابيح المحافل الأشرفية، ص٢٧٨ -٢٨٣. ٣١٢ طاقاته، وصرف كل ما كان يملكه في مجال نشر هذه اللآلئ، والنوادر الثمينة، والذخائر العلمية والدعوية والإصلاحية القيّمة، وقام بجمع وتدوين عصارة مواعظ حكيم الأمة ومذكّراته وملفوظاته بجدارة فائقة، ووُفّق لتسهيلها أمام الناس، وجعلها في متناول الجميع؛ حتى يعم نفعها، وتتم فائدتها، ويستفيد منها خلق الله في مشارق الأرض ومغاربها . وها هي عصارة ولُبّ لباب التعليمات الأشرفية تتجلّى أمام الناس في أربعة أقسام، منقّحة مهذّبة ومرتبة، وهي: ١ -تجدید إحياءالدین. ٢ - تجديد التصوّف (التزكية والإحسان). ٣- تجديد المعاشرة (الحياة الاجتماعية). ٤ - تجديد التعليم والتبليغ(١) . يقول الشيخ أبو الحسن علي الندوي: ((اختار الله لعرض دعوة حكيم الأمة وفكرته - التي احتوتها آلاف من الصفحات - أستاذَنَا الكبير الشيخ عبد الباري الندوي، أحد تلاميذه الروحيين، وقد كان من أجدر الناس بهذا العمل الجلیل». وقال في موضع آخر: ((وانقطع الشيخ بعد ما أحيل إلى المعاش سنة وُ (١) کاروان تهانوي، ص٦٥ . ٣١٣ ١٩٤٥ م إلى تلخيص مؤلفاته والاقتباس منها، والتقاط الدرر من بحارها، ونظمها في أسلوب كتابي عصري، وعُني بعرض فكرته كفكرة جامعة وصورة کاملة في مؤلفاته»(١). وفاته: وبعد عمر حافل بالخدمات العلمية والدعوية والمآثر الإصلاحية والتربوية استأثرت به رحمة الله ووافته المنية في ٢٨ المحرم الحرام سنة ١٣٩٦ هـ، الموافق ٢٠ كانون الثاني (يناير) عام ١٩٧٦م، إنَّا لله وإنّا إليه راجعون. رحم الله الفقيد رحمةً واسعةً وأسكنه فسيح جنانه . (١) من مقدمته لكتاب (بين التصوّف والحياة)، ص ١٣ - ١٤ . ٣١٤ الفصل السادس الشيخ الأديب الكاتب عبد الماجد الدريابادي ١٣٠٩ - ١٣٩٧هـ = ١٨٩٣ -١٩٧٧ م هو الشيخ الفاضل، الأديب البارع، الكاتب القدير، المفسّر العظيم عبد الماجد الدريابادي، ولد بقرية (درياباد) من أعمال (باره بنكي) (بولاية أترابراديش الهند) في ١٨٩٣م، أخذ العلوم الابتدائية في قريته، ثم سافر إلى لكنو، حيث أكمل هناك دراسته الجامعية، وفي عام ١٩٣٠ م التحق بدار الترجمة التابعة للجامعة العثمانية بحيدر آباد الدكن، ثم عاد إلى لكنو بعد فترة قصيرة، وأنشأ مجلة أسبوعية باسم (الصدق) ثم سمّاها (الصدق الجديد). يقول الشيخ المفتي محمد تقي العثماني حفظه الله تعالى: ((إنّ عبقرية الشيخ عبد الماجد الدريابادي غنية عن التعريف في شبه القارة الهندية، كان رحمه الله أديباً بارعاً، صاحب أسلوب رشيق، صحفياً قديراً، ومؤلفاً متضلعاً كبيراً، ذا كعب عالٍ من العلوم الشرعية، كانت له ملكة نادرة في تفسير القرآن الكريم، وترجمته إلى لغات مختلفة، متقناً لعدة لغات أجنبية . كانت حياته الابتدائية مصابة بأنواع من الانحرافات الفكرية، وواقعة ٣١٥ فريسة الشكوك والشبهات تجاه العقائد الإسلامية، ثم هداه الله تعالى إلى الصراط المستقيم، وتجلّت أمام عينيه الحقائق الربّانية، وساقه التوفيق الإلهي إلى معرفة الحق والصدق، وتحرّر عقله وذهنه من سلاسل الفلسفات الحديثة، وأغلال العقلانية الجامدة، وأسعده الله بفلاح الدارين، حتى سعد بلقاء حكيم الأمة العلاّمة أشرف علي التهانوي، وتشرّف بالمبايعة على يد الشيخ المحدّث السيد حسين أحمد المدني رحمه الله، وقضى فترة طويلة في ظل التربية العالية من حكيم الأمة، ينهل من معينه العذب الثرّ، ويروي غليله من منبعه الفیّاض. كان رحمه الله قد أُودع في روعه عشق حكيم الأمة وحُبّه الشديدين، ويذكره دائماً في كتاباته بـ(المرشد التهانوي) وظلّت هذه العلاقة تربطه بمرشده إلى آخر لحظات حياته. هذا ولم تمنعه هذه العلاقة الوطيدة والصلة الوثيقة من أن يختلف مع شيخه في بعض المسائل، وتتباين وجهة نظره فيها بالنظر إلى تحقيقه وبحثه، إلا أن هذا الخلاف العلمي الذي كان منبثقاً من هدف الوصول إلى الحق أينما كان وحيثما كان، لم يؤثر شيئاً ما على هذه الرابطة القوية التي تربطهما))(١). ويقول الشيخ العلامة محمد يوسف البنّوري: ((كان الشيخ الفقيد عبد الماجد الدريابادي رحمه الله من المفكّرين (١) كاروان تهانوي، ص٢٧٨ -٢٧٩. ٣١٦ الكبار، وأصحاب الفضل وأولي البصيرة، وقد عرف الحقيقة عن كثب، إنه لم يضيّع لحظة واحدة من ستين سنة من أواخر عمره، وشخصيته منقطعة النظير، ولا يوجد له مثيل في غاية الانتظام والانضباط والترتيب المناسب لكل الأمور، وكل ذلك مع الاشتغال بالعلم، والعكوف على البحث والدراسة. كان قد وهبه المَلِك الوهّاب الحظّ الوافر من أفضاله، وأكرمه بالنعم التي لا تعادلها نعمة، كان صاحب أسلوب أدبي فصيح نادر في اللغة الأردية، وكاتباً قديراً بارعاً ممتازاً، يتّسم أسلوبه برزانة علمية، وغزارة مادة، قلما يدانيه كاتب، أو يجاريه مؤلّف، في سهولة أسلوبه، وجمال تحريره، ونباهة فكره، وعُمق نظره، وسُموّ عقله، كان واحداً من الكُتّاب الذين يأتون في رأس القائمة من شبه القارة الهندية . كان رحمه الله موفقاً في استنباط نوادر النكات الإصلاحية، واستخراج الفوائد الدعوية والدقائق التربوية من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة، فاق أقرانه وحاز قصب السبق في هذا المجال على زملائه. لم يكن رحمه الله متخرجاً من مدرسة دينية، ولكنه كان خائضاً في بحار العلم وكنوز المعرفة بكل معنى الكلمة، وفعلاً فإنه استخدم صلاحياته ومواهبه في خدمة العلم الديني، ومؤلفاته القيّمة وكتاباته العلمية والدعوية خير دليل على ما قلناه. وتفسيره الرائع بالأردية وترجمته للقرآن الكريم في ثلاثة مجلدات، نموذج رائع، ومثال حي لذوقه الأدبي الرفيع، ومكانته السامية، وكعبه العالي الراسخ في مجال العلم والأدب والمعرفة، وقد منّ رحمه الله ٣١٧ على طلبة العلم العرب إذ جاء في تفسيره بالعبارات العربية منقولة من التفاسير المشهورة))(١). بعد عمرٍ حافل بالأعمال الدعوية والإصلاحية، وخدمة العلوم الدينية، استأثرت به رحمة الله تعالى في صفر الخير ١٣٩٧ هـ، الموافق شباط (فبراير) عام ١٩٧٧ م، إنا لله وإنا إليه راجعون، رحم الله الفقيد رحمةً واسعةً وأسكنه فسيح جنانه . (١) بصائر وعبر، المجلد الثاني، ص٧١٨؛ وكاروان تهانوي، ص ٢٨٠ . ٣١٨ الفصل السابع المُصلح الشيخ وصي الله الفتحفوري ١٣١٤ - ١٣٨٧هـ هو الشيخ الفاضل العالم الكبير المُصلح المُربِّي وصي الله الفتحفوري، أحد مشاهير العصر، وُلد ونشأ بقرية من أعمال (فتح فور) (أعظم كره) بولاية (أترابراديش) الهند، في عام ١٣١٤ هـ، قرأ الكتب الابتدائية من العربية والفارسية في بيته، وعلى أساتذة وعلماء قريته، وأكمل حفظ القرآن الكريم وهو ابن اثني عشر عاماً، ثم التحق بجامعة دار العلوم بديوبند في سنة ١٣٢٨ هـ، ومكث هناك حوالي سبع سنوات، حتى تخرج فيها في سنة ١٣٣٥ هـ. وقد هيّأ الله سبحانه وتعالى له فرص الاستفادة من جبال العلم في عصره، وكبار الشيوخ، وجهابذة العلماء من المحدّثين والفقهاء والمحققين، وعلى رأسهم المحدّث الكبير، إمام العصر، العلاّمة أنور شاه الكشميري رحمه الله، وشيخ الهند العلامة محمود حسن الديوبندي، والمفسّر الكبير والأديب النابغ الشيخ شبير أحمد العثماني، وشيخ الحديث حسين أحمد المدني، رحمهم الله تعالى. كان رحمه الله منذ سنّه المبكّر دائم الفكر في إصلاح الأعمال، معتنياً بتلقّي التربية الدينية، مهتماً بجانب تزكية النفس، وكان من حسن حظّه رحمه ٣١٩ الله أنه وُفّق للقاء حكيم الأمة الشيخ أشرف علي التهانوي رحمه الله، والاستماع إلى محاضراته ومواعظه، والاستفادة منه بين فينة وأخرى كلما سنحت له الفرصة أثناء دراسته في ديوبند، حتى أصبح من كبار الملازمين له بعد تخرّجه من ديوبند مباشرة، وازدادت حياته رونقاً وبهاءً، وعلماً وعملاً بحُسن صحبة حكيم الأمة، والتظلل بظلّه الوارف، وتربيته الرشيدة. هذا وبعد وفاة حكيم الأمة وانتقاله إلى رحمة الله تعالى، كتب الله لشخصيّة الشيخ وصيّ الله قبولاً عاماً، ونالت إعجاب العامة والخاصة، حتى أصبحت مرجعاً في التربية والإرشاد، وإصلاح النفوس وتهذيب الأخلاق، يقصده الراغبون، ويتوجه إليه المسترشدون من مختلف الأرجاء وشتى الأطراف، ولا سيّما سُكّان منطقة (فتح فور) و(غور كهفور) والقرى المجاورة لها، فإنهم قد استضاؤوا من أنوار علومه، وتربّوا في كنفه، واستفادوا من توجيهاته وإرشاداته . ثم انتقل رحمه الله إلى مدينة (إله آباد) الشهيرة، وأقام هناك حيث كتب الله له القبول، ونالت دعوته وتربيته الإعجاب لدى كل الأوساط، وقصده جمّ غفير من الناس من كل حدب وصوب. من مزايا تربيته وإصلاحه: کان الشيخ وصيّ الله رحمه الله يوصي ويؤكّد على كل من زاره وتتلمذ عليه بتلاوة القرآن الكريم بالتجويد والترتيل، ودائماً يوصيهم بتجنّب مرض النفاق والاستعاذة بالله من هذه الموبقة، ويعلّمهم محاسبة النفس. وكانت ٣٢٠