Indexed OCR Text

Pages 281-300

امتثال الدين والاستسلام لشريعة الله، إنهم يقومون بواجباتهم، ويؤدون
مسؤولياتهم على أكمل وجه، وأمثل طريقة، مع احتفاظهم بالامتثال لأوامر الله
واتباع شريعته، تراهم مشغولين في كسب المعاش وحصول الرزق، وابتغاء
فضل الله، دون أي صعوبة تواجههم أو مشكلة تعانيهم، في القيام بواجباتهم
نحو ربهم ودينهم وشريعتهم، وبالتالي فلا يُعذر أحد منكم الآن، بعد اتضاح
الحق وتبيّن الواقع، وستشعرون جيداً بمدى سهولة الدين ويسْره، وكونه قابلاً
للعمل، وملائماً لطبيعة البشرية جمعاء، ومسايراً للركب البشري بكل
مقتضياته ومتطلّباته))(١).
وها نحن نسعد بذكر نخب وصفوة من أولئك الخلفاء الذين تربّوا في
كنف الشيخ التهانوي رحمه الله، ثم قاموا بنشر دعوة مربّيهم في العالم بأسره،
ووقفوا حياتهم في هذا السبيل، وأنفقوا كل طاقاتهم، وصرفوا كل إمكانياتهم
لتحقيق هذا الغرض النبيل.
أجلّ وأشهر خلفائه:
وكما سبق أن ذكرنا أن أعدادهم لا يمكن أن تُحصى بسهولة، ولذا نكتفي
بذكر بعضهم، لِمَا تحوي حياتهم وشخصياتهم من مزايا علمية ودعوية،
وخصائص وصفات قد لا نجدها في غیرهم :
٢٨١

الفصل الأول
العلامة السيّد سليمان الندوي رحمه الله
(١٨٨٤ - ١٩٥٣ م)
هو العلاَّمة النحرير، المفسّر الشهير، المحدّث الفقيه، والكاتب
القدير، النابغة في الإنشاء والأدب والتحرير سليمان بن أبي الحسن بن محمد
شير المعروف بالحكيم محمدي، يصل نسبه الشريف إلى سيدنا علي بن أبي
طالب رضي الله عنه.
ولد هذا الإمام العلامة في أسرة علمية ودينية عريقة حسينية النسب،
شهيرة بالعلم والتقوى والفضل والصلاح، بقرية ديسنة من ولاية (بيهار)
الهند، يوم الجمعة لسبع بقينَ من صفر سنة اثنتين وثلاثمئة وألف من الهجرة،
الموافق الثاني والعشرين من تشرين الثاني نوفمبر سنة أربع وثمانين وثمانمئة
وألف الميلادي.
نشأته: نشأ رحمه الله على حُبّ الاطلاع والعكوف على العلم، كان منذ
نعومة أظفاره ومستهلّ طفولته على دأب نادر في اكتساب العلوم والمعارف،
فکانت تلوح علی جبینه علائم الرشد، وتتجلی فیه بوارق الذكاء، حتی تفرس
بعضُ ذوي البصيرة أنه سيكون له شأن كبير ومكانة عالية رفيعة.
٢٨٢

ترعرع رحمه الله في بيئة علمية وأدبية يسودها جوّ من الصلاح والتقوى،
ونشأ على أيدٍ أمينة ربته على عقيدة صافية زكية لا تشوبها بدع أو خرافات.
طلبه للعلم: تلقى رحمه الله العلوم الابتدائية من حضرة والده وشقيقه
الأكبر السيد أبي حبيب النقشبندي (ت١٩٢٧ م) ثم ارتحل رحلته العلمية
الأولى إلى (فلواري شريف) إحدى ضواحي العاصمة بتنه (Patna)، ومكث
هناك عاماً حيث قرأ على الشيخ محيي الدين المحبّ، وغرس فيه التذوّق
للأدب والشعر، كما أخذ دروس المنطق من العلاَّمة سليمان الفلواروي، ثم
ارتحل إلى المدرسة الإمدادية في مديرية (دربنجه) بولاية بيهار، ودرس هناك
كتاب (الهداية) للمرغيناني في الفقه الحنفي على الشيخ مرتضى حسين
الديوبندي و(شرح التهذيب) في المنطق على الشيخ فدا حسين الآروي.
التحاقه بدار العلوم لندوة العلماء لكنو : التحق بدار العلوم لندوة العلماء
لكنو في عام ١٩٠١ م وارتوى من علوم أهلها ومعارفهم لمدة خمس سنوات،
وكانت ساحة ندوة العلماء إذ ذاك مزدانة مستنيرة بالعلم ، تتلألأ بجهابذة
العلماء الربّانيين، وكبار المشايخ من المحدِّثين والفقهاء والمفسّرين،
فسنحت الفرصة للعلامة الندوي أن ينهل من علومهم، ويرتوي من معارفهم،
ويكسب فيوضهم وبركاتهم، ويروي غليله العلمي في الظل الوارف من هؤلاء
العباقرة، حتى كستْه صحبتُهم علماً غزيراً، وروعة وبهاءً في الأخلاق والآداب
واكتملت ثقافته هناك .
نبوغه وعبقريته ومكانته العلمية: كان رحمه الله عالماً موسوعياً بمعنى
٢٨٣

الكلمة، يحمل في صدره مكتبة واسعة في العلوم والفنون، وكانت ذاكرته
تذخر بأنواع من الدرر واللآلي من جمیع الفنون، فإذا بحثنا عنه في مجال کتاب
الله رأيناه دائم التدبّر فيه، إيماناً منه بأن ثمرة التلاوة التدبّر والتذكّر، مع الاهتمام
الكبير باستنباط المسائل العقدية والفقهية والخلقية والسياسية، من آي القرآن
الكريم، وشرح لطائفه الأدبية، وتحقيق مباحثه التاريخية، وكتابه (أرض القرآن)
خير دليل على ذوقه هذا، بالإضافة إلى ذلك كانت له دروس منتظمة في تفسير
القرآن الكريم تفسيراً علمياً تحقيقياً دقيقاً، كما كانت لديه خطة لتدوين المسائل
القرآنية وترتيبها وفق الأسلوب العصري، وإفراد الآيات القرآنية المتعلقة
بالقضايا والشؤون العقائدية، والأحكام الفقهية، والمباحث الاقتصادية، كل
منها على حدة .
وأما الحديث الشريف فلم يكن نصيبه فيه أقل من الفنون الأخرى، وكان
كثير الاشتغال بكتب الأحاديث والسنن والآثار، ومن حبه للسنن والآثار
والاشتغال بها، كان دائم الحرص على اقتناء كتب السنة والحديث في دار
المصنّفين، حتى أصبحت خزانة دار المصنّفين حافلة بكتب الحديث ورجاله.
وإذا نظرنا إليه كفقيه نجده يتمتع ببصيرة فقهية تامة، وقد توفرت له
وسائل تحقيق المذاهب والاجتهاد، لما آتاه الله تعالى من الملكة في معرفة
اللغة العربية وآدابها، والعلم الواسع الدقيق بالقرآن الكريم وعلومه، والحديث
الشريف، والناسخ والمنسوخ، والاطلاع العميق على مصادر الفقه وأصوله
وقواعده، ومذاهب الأئمة وآراء الفقهاء.
ومن الجدير بالذكر أنَّ الشيخ رحمه الله كان من أول عهده بالبحث
٢٨٤

والتحقيق محققاً في المذهب، لا يتقيد بمذهب، سلفي النزعة في العقائد،
يؤمن كما آمن السلف الصالح، من غير تكييف ولا تعطيل، وما زال يكتب
ويحاضر متشبعاً بهذا المنهج الفكري، إلى أن أربى على الخمسين من عمره،
ثم جعل يميل شيئاً فشيئاً إلى التنسّك والتصوّف، فمن ذلك اليوم بدأت تظهر
فيه آثار التدرّج نحو مذهب الحنفية والمتصوّفة في كثير من المسائل، وكذلك
تغيرت وجهة نظره في كثير من المسائل المستحدثة، والمشاكل الجديدة
المتنوّعة، يقول رحمه الله :
((إني ملتزم بالسنّة، ومتبع للتوحيد الخالص، أرى السنَّة دليلي، وبابَ
الاجتهاد مفتوحاً دائماً للعلماء، ولا أرى الحق منحصراً في أحد من أئمة
السلف)».
ويقول في إحدى خطبه: ((من مفاسد هذا العصر الجمود المشين على
آراء الفقهاء المتأخرين وفتاواهم، كأنهم معصومون عن الأخطاء والزلات،
وعدم الرجوع إلى المرجعين الأصليين، القرآن والسنة، واجتهادات أئمة
السلف في البحث عن الحلول للمشاكل المدنية والقضايا الدينية، والقول
بإغلاق باب الا جتهاد للأبد».
أما التاريخ والاعتناء بالسيرة فكما قال الشيخ أبو الحسن علي الندوي:
((إن السيد سليمان الندوي يستحقّ دون مراء أن يُعدّ مؤرّخ وباحث عصره، وإن
كتبه (الخيّام) و(الصلات بين الهند والعرب) و(الملاحة عند العرب) و(حياة
الإمام مالك) و(سيرة أم المؤمنين السيّدة عائشة رضي الله عنها) خير نموذج
٢٨٥

للكتابة في التاريخ والبحث العلمي، وكتابه (أرض القرآن) لا يزال كتاباً فريداً
لم يُنسج على منواله في موضوعه، وهو ثروة غنية في المواد العلمية))(١).
كما أنه رحمه الله كان ضليعاً بالفلسفة وعلم الكلام، وخير دليل على
ذلك كتابه (سيرة النبي وَّر) فإنه حقق بالسيرة والتاريخ أهدافاً لا تحقق إلا بعلم
الكلام، فأسس علم كلام جديد يفوق علم الكلام القديم في التأثير على الذهن
الجديد وإقناعه، وفي زيادة الثقة بالشخصية النبوية، والشريعة الإسلامية،
وهو أكثر سداداً للحياة العلمية المعاصرة.
أما اللغة العربية فكان رحمه الله من كبار الأدباء، وإنه أتى في حقل
الأدب العربي بالعجائب، وخلّف آثاراً في القول المنظوم والمنثور، مما يعجز
عن مثله نوابغ أدباء الهند وشعرائها .
أهم مآثره العلمية وجلائل أعماله الخالدة:
من أبرز أعماله العلمية، وأرفعها ذكراً، وأسماها مكانة، إكماله لكتاب
(سيرة النبي ◌ّ) الذي كان بدأ تأليفه أستاذُه ومربّيه المحقّق العلاَّمة شبلي
النعماني رحمه الله، وفعلاً كان التلميذ خير مكمِّلٍ لما بدأ به أستاذه، فخرج
الكتاب أمام العالم من عيون ما ألّفه علماء الإسلام منذ قرون، ومن غرر ما أتحف
به علماءُ الهند المكتبة الإسلامية العامةَ، وتفتخر به المكتبات الإسلامية،
والكتاب في سبع مجلدات كبيرة.
(١) شخصيات وكتب، للعلامة السيد أبي الحسن علي الندوي رحمه الله،
ص٧٠ - ٧١.
٢٨٦

وله مصنفات علمية أخرى فريدة من نوعها، ومنها: (أرض القرآن)
وهذا الكتاب بمثابة مقدّمة لكتاب (سيرة النبي 18َّ) وهو في جزأين، وهو كتاب
فريد من نوعه، من أهم مزاياه دراسته لأوضاع العرب السياسية والتاريخية
والحضارية في ضوء القرآن الكريم، مع الاستفادة من المصادر الأجنبية؛ مثلاً
العبرية والإنكليزية والمصادر الإسرائيلية والرومية واليونانية، وقد ترجم
الكتاب إلى اللغة العربية الأستاذ الدكتور محمد أكرم الندوي، وهو قيد الطباعة
في دار القلم بدمشق.
(سيرة أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها) هذا الكتاب العظيم
أولى المحاولات من نوعها بصدد دراسة حياة أم المؤمنين رضي الله عنها دراسة
علمية وافية، وكشف الستار عن مكانة هذه العبقرية الفذة، وقد تم نقل الكتاب
إلى اللغة العربية مع دراسة وتحقيق وتخريج الأحاديث، وطبعته دار القلم
بدمشق.
و(محاضرات مدراس)(١) و(حياة الإمام مالك) و(الملاحة عند العرب)
و(رسالة أهل السنة والجماعة) بالإضافة إلى عشرات المؤلفات التي فاض بها
قلمه السيّال، وهي كلها نافعة تتّسم بأقصى درجة من البحث والنظر والتدقيق
والتحقيق.
(١) وقد نقل الكتاب إلى العربية مع تخريج أحاديثه كاتب هذه السطور تحت عنوان
(الرسالة المحمدية)، وقد طبع في دار القلم بدمشق.
٢٨٧

التربية وإصلاح النفس ومبايعة حكيم الأمة الشيخ أشرف علي
التهانوي:
ولما بلغ رحمه الله ذروته في النبوغ والكمال في العلوم والآداب، وذيوع
الصيت والشهرة في أنحاء الهند، وأكناف العالم، وأصبح ملجأ العلماء
والمثقفين، ومأوى الكُتّاب والباحثين حملته نفسه الطامحة إلى أن يُعنى
بإصلاح باطنه وتزكية نفسه، ليبلغ درجة الإحسان، فاختار أن يصحب العالم
الربّاني والمرشد الديني الكبير الشيخ أشرف علي التهانوي.
يقول سماحة الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي: ((أعتقد أنه لم
يكن في العلماء المعاصرين، وعلى الأقلّ في خرّيجي المدارس الدينية في
الهند من عاش معركة العقل والقلب، والقديم والجديد، والشرق والغرب،
والدين والأدب، أو الدين والفلسفة، مثل ما عاشها أستاذنا العلاَّمة (السيد
سليمان الندوي) الذي كان من خرّيجي دار العلوم لندوة العلماء، ومؤلف سيرة
النبي وَلقر، وسياسياً خبيراً وأديباً بصيراً، تجول في أوروبة، وكان قد سقى
شجرة العلم بنبعه الفيّاض، واستظل بظلها الظليل سنين طوالاً، وتناول
موضوعات التاريخ، وتحدث عن فلسفة مدّ العلم وجزره، وتطوّره
وانحطاطه، ولكن قلبه السليم وروحه الوثّابة كانت تشهد بأنه لم ينهل بعد من
نميره الصافي الفيّاض، وكانت مؤلفاته وخاصة (محاضرات مدراس)، (سيرة
النبي ◌َله)، (سيرة أم المؤمنين السيدة عائشة)، قد أذكت في قلوب آلاف الناس
شعلة الإيمان، فذاقوا حلاوته، ولکن همته البعيدة، وعزمه وطموحه کان يحثه
٢٨٨

على البحث عن تلك المنزلة التي عبّر عنها الحديث الشريف بالإحسان،
والقرآن الكريم بالتزكية، وكان يشعر بحاجة إلى من يرشده إلى دقائق إصلاح
النفس، وكمال الإخلاص والتحقيق، فساقه التوفيق والمناسبة العلمية إلى
مولانا أشرف علي التهانوي، وبايعه في شهر رجب سنة سبع وخمسين
وثلاثمئة وألف، وأذعن له بالثقة والاعتماد، والتفويض والانقياد، ونال عند
شيخه الزلفى في أقل مدة، فأجازه، واستخلفه لعشرٍ خلونَ من شوال سنة
إحدى وستين وثلاثمئة وألف))(١).
وفاته:
بعدما أمضى عمره الحافل بالعمل الدؤوب، والمآثر الخالدة،
والخدمات العلمية والدينية وافاه الأجل بباكستان في غرة شهر ربيع الثاني عام
١٣٧٣ هـ الموافق ٢٢ من تشرين الثاني نوفمبر ١٩٥٣ م، رحمه الله رحمة
واسعة.
(١) انظر: شخصيات وكتب للشيخ أبي الحسن علي الندوي، ص٧٥ - ٧٦؛
ونزهة الخواطر: ١٦٥/٨؛ وكتاب الأستاذ الدكتور محمد أكرم الندوي
(السيد سليمان الندوي، أمير علماء الهند في عصره وشيخ الندويين).
٢٨٩

الفصل الثاني
العلّامة الكبير الشيخ ظفر أحمد العثماني التهانوي
هو العلامة المحقق والبحَاثة المدقق، والثبت الحجة، المفسّر المحدِّث،
الفقيه الأصولي البارع، المؤرِّخ الأديب، والورع الزاهد، ظفر أحمد بن لطيف
العثماني التهانوي.
ولد في ١٣ من شهر ربيع الأول سنة ١٣١٠ هـ، بدار آبائه بقرب دار
العلوم في ديوبند، أعظم مراكز العلم في البلاد الهندية، وتوفيت أمه وهو ابن
ثلاث سنين، فربّته جدته أحسن تربية، وكانت امرأة تقيّة صالحة، فتلقن منها
صلاحها وتقواها، ولما تمّ له من العمر خمس سنوات، شرع في قراءة القرآن
الكريم عند كبار حفظته في ديوبند، ولما أتمّ السابعة شرع في قراءة الكتب
الأردية والفارسية وكتب الحساب والرياضيات عند الشيخ الجليل مولانا محمد
ياسين، وهو والد كبير علماء باكستان العلامة الشيخ محمد شفيع الديوبندي،
المفتي الأعظم في كراتشي ومؤسس دار العلوم الإسلامية فيها، ثم انتقل من
ديوبند إلى مجلس خاله (الشيخ التهانوي) وشرع في قراءة الكتب العربية عند
العلامة المتمكّن مولانا محمد عبد الله الكنكوهي، وسمع من خاله شيئاً من
علم التجويد، ونبذاً من التلخيصات العشر، وأجزاءً من (المثنوي).
٢٩٠

ثم لما اشتغل خاله في تأليف كتابه العظيم (بيان القرآن) بالأردية، ذهب
به إلى (كانفور) وأدخله في مدرسة (جامع العلوم) وفوّض تدريسه وتعليمه إلى
أرشد تلامذته: مولانا محمد إسحاق البردواني، ومولانا محمد رشيد
الكانفوري، فقرأ عندهما كتب الحديث المقررة - الكتب الستة - و(مشكاة
المصابيح)، مع ما يعزز دراستها من كتب المصطلح وعلوم الحديث، كما قرأ
عندهما كتب الفقه والتفسير والأدب المقررة بكاملها .
ولما فاز بسند العلوم الشرعية والنقلية، متميزاً بمواهبه وجِدّه على سواه
من الطلبة النابهين، انتقل إلى سهارنفور، وجلس في مدرسة (مظاهر العلوم)
وحضر دروس الحديث الشريف عند العارف بالله، الإمام المحدّث الفقيه
مولانا خليل أحمد السهار نفوري، مؤلف (بذل المجهود في شرح سنن أبي
داود).
وبعد مدة من ملازمته لهذا المحدِّث الإمام أجازه بالحديث وعلومه
وبسائر العلوم النقلية والعقلية، وفاز بسند الإتمام والفراغ من الدراسات العليا
في سنة ١٣٢٨ هـ، وكانت سنه حينئذٍ ١٨ سنة، وهي سن صغيرة لا يرتقي فيها
إلى ذروة هذه المرتبة إلا الأفذاذ النابغون، ونظراً لمزيد تفوقه، وبالغ ذكائه،
ونبوغه؛ عُيّن مدرساً في المدرسة المذكورة، فدرّس فيها زهاء سبع سنين علم
الفقه والأصول والمنطق، ثم فوّض إليه الشيخ التهانوي تأليف كتاب (إعلاء
السنن) مع الإفتاء والتدريس، فقام بكل ذلك خير قيام، وبقي في تأليفه نحو
عشرين سنة، فألفه في (١٨) مجدداً، ثم أمره الشيخ التهانوي بتأليف (دلائل
٢٩١

القرآن على مسائل النعمان) على منوال (أحكام القرآن) للجصّاص، وقد ألّف
منه مجلدين كبيرين انتهيا بسورة النساء، وألف كتباً عديدة بالأردية منها:
(القول المتين في الإخفاء بآمين) و(شق الغين عن حق رفع اليدين) و(رحمة
القدوس في ترجمة بهجة النفوس) و(فاتحة الكلام في القراءة خلف الإمام).
وأخيراً استقر في دار العلوم الإسلامية في أشرف آباد غربي باكستان،
يدرّس فیھا صحيح البخاري.
كان رحمه الله مع ضعفه ومرضه ملتزماً بالأذكار والنوافل، يشهد جميع
الصلوات في المسجد، ويتحمل لذلك عناءً كبيراً، وكان لسانه في أواخر عمره
رطباً بذكر الله في أكثر الأوقات، وفي شهر رمضان سنة ١٣٩٤ هـ قد منعه
الأطباء من الصيام، لأمراضه المتواردة، ولكنه لم يرضَ بذلك، وقال: إن
عياضاً رضي الله عنه لم يترك الصيام وهو في التسعين من عمره، وكان يلقى من
الصوم شدةً وعناءً، حتى كان يجلس في مرکن من الماء، ولا يرضى بالافتداء،
فکیف أرضی بالفدية؟ !.
وهكذا عاش رحمه الله حتى توفاه الله تعالى في ذي العقدة سنة
١٣٩٤ هـ، أسكنه الله تعالى في رحمته ورضاه (١).
(١) تقدمت هذه الترجمة ضمن فصل أهم تلامذة الشيخ التهانوي، وأعدتها هنا
إتماماً للفائدة.
٢٩٢

الفصل الثالث
العلامة الشيخ المفتي محمد شفيع رحمه الله
المفتي الأعظم بباكستان سابقاً
يعتبر مولانا العلامة الشيخ المفتي محمد شفیع رحمه الله من كبار علماء
الهند وباكستان، الذين حملوا في هذه الديار لواء الدين الحنيف، وبذلوا
لإعلاء كلمته حياتهم وقوتهم، وأناروا في ديوبند - الهند - مصابيح التجديد
الباهرة الشعلة، الساطعة النور، حتى لا تزال قافلة الإسلام تتقدم، مبدّدة
دياجير الكفر والإلحاد، وباعثة للأمل الحي في نفوس أماتها اليأس والقنوط.
ولد الشيخ رحمه الله تعالى في الواحد والعشرين من شعبان المعظّم سنة
١٣١٤ هـ، وترعرع في حجر العلم والعرفان، إذ عكف على تلقّ العلم من
العلماء الكبار منذ نعومة أظفاره، والتزم صحبة العارفين من بداءة عمره.
التحاقه بدار العلوم دیوبند:
قد دخل دار العلوم في ديوبند بعدما قرأ القرآن الكريم في سنة ١٣٢٥ هـ
وهو في ميعة صباه، ولم يزل مشتغلاً بدراسته مدة عشر سنوات، مكباً على
تلقي العلوم من العلماء الأفاضل، الذين سارت بصيتهم الركبان في أنحاء الهند
وخارجها.
٢٩٣

أشهر أساتذته:
(١) - الإمام الحافظ المحدّث العلاَّمة المحقق مولانا الشيخ أنورشاه
الكشميري، وكان بحراً زاخراً بالعلوم والمعارف، نابغة في كل فن، آية من
آيات الله في الحفظ والإتقان، قرأ عليه الشيخ محمد شفيع: (الجامع الصحيح)
للبخاري، و(سنن الترمذي)، وكتاب (الشمائل)، و(العلل)، وكتاب (الفلسفة
الجديدة)، و(شرح النفيسي في الطب)، وهو من تلامذته المبرزين، وكان
حضرة الإمام الكشميري يحبّه حتى جعله من أصحابه الأصفياء، الذين ساعدوه
في مهمة الردّ على (القاديانية) وبأمره ألّف الشيخ رحمه الله كتاب (ختم النبوة)
باللغة الأردية، و(التصريح بما تواتر في نزول المسيح)، و(هدية المهديين في
آيات خاتم النبيين) باللغة العربية .
(٢) - الإمام الفقيه مولانا الشيخ المفتي عزيز الرحمن، وكان من أعلام
العلماء والفقهاء، قرأ عليه الشیخ: (موطأ الإمام مالك) بروایة یحییبن یحیی،
وبرواية الإمام محمد بن حسن الشيباني، و(شرح معاني الآثار) للإمام الطحاوي
و(تفسير الجلالين) للسيوطي والمحلي، و(مشكاة المصابيح) للتبريزي،
و(شرح نخبة الفكر) للحافظ ابن حجر العسقلاني، رحمهم الله تعالى.
(٣) - الإمام الزاهد مولانا الشيخ السيد أصغر حسين الهاشمي الحسني،
وكان رحمه الله من أعيان علماء عصره، فيه أنموذج صالح للأخلاق الإسلامية
الكريمة من التواضع وخشية الله، قرأ عليه الشيخ محمد شفيع: (سنن أبي
داود)، و(السنن الكبرى) للنسائي، وجزءاً من أواخر (سنن الترمذي).
٢٩٤

(٤) - الإمام الداعية الكبير شيخ الإسلام مولانا شبير أحمد العثماني
صاحب (فتح الملهم بشرح صحيح الإمام مسلم)، قرأ عليه الشيخ رحمه الله
(صحيح الإمام مسلم)، وشطراً من كتاب (الهداية).
(٥) - الإمام الفاضل شيخ الأدب والفقه مولانا إعزاز علي، وكان رحمه
الله بارعاً في سائر العلوم، لا سيما العلوم الأدبية، قرأ عليه الشيخ المفتي شفيع
سائر الكتب الأدبية، و(شرح هداية الحكمة) للميبذي، و(شرح العقائد النسفية)
للتفتازاني، و(شرح الوقاية) لصدر الشريعة، وبعض الرسائل الأخرى.
(٦) - الإمام الفيلسوف مولانا الشيخ محمد إبراهيم البلياوي، وقد قرأ
عليه الشيخ كتاب (الصدرا) و(الشمس البازغة)، وفرغ من دراسته في سنة
١٣٣٥ هـ، ولما كان من الطلاب المتفوّقين زمن دراسته اختاره أساتذة دار
العلوم ليكون مدرساً لها، فشرع في التدريس سنة ١٣٣٦ هـ، وسرعان ما اشتهر
تدريسه في أوساط الطلبة، ولم يزل يدرّس الحديث والتفسير والفقه وغيرها
من العلوم الدينية الرائجة مدة ست وعشرين سنة، وتتلمذ عليه في هذه المدة
خلق كثير، واستفادوا من علومه وعرفانه، ونهلوا من معينه العذب النمير.
استرشاده بمشايخ الطريقة ولاسيما الشيخ أشرف علي التهانوي:
كان الشيخ محمد شفيع منذ ميعة صباه في اشتياق شديد نحو الاستفادة من
صحبة أساتذته ومشايخه الكرام، فكان كثيراً ما يحضر مجالس الإمام الداعية
المجاهد الكبير شيخ الهند مولانا محمود الحسن، ويستفيد من بحار عرفانه،
ثم لما اعتقل الشيخ بجزيرة (مالطة) راجع شيخ مشايخ الوقت، حكيم الأمة
٢٩٥

مولانا التهانوي، وبعدما رجع شيخ الهند إلى (ديوبند) بايع على يده بيعة
السلوك في سنة ١٣٣٩ هـ، ولم يزل يلازمه حتى توفاه الله، ثم بعد وفاته رحمه
الله، راجع حكيم الأمة الموصوف مرة ثانية، وجدّد البيعة على يده في سنة
١٣٤٦ هـ، ثم لازمه مدة ست وعشرين سنة، وكان حكيم الأمة يحبّه، ويعتبره
من أصحابه الأصفياء، ويشاوره في كل مهمة دينية، وساعده حضرة الشيخ في
تأليف كثير من الكتب مثل (الحيلة الناجزة للحليلة العاجزة) وهو كتاب قيّم
يحتوي على أحكام زوجة المجنون والمتعنّت والمفقود والعنّين، وكان مذهب
الحنفية فيها ضيقاً فراجعوا علماء المالكية وكتبهم، وأفتوا بمذهبهم، وبالجملة
فقد لازم الشيخ حكيم الأمة التهانوي رحمه الله إلى سنة ١٣٦٢ هـ، وفي سنة
١٣٤٩ هـ أعطاه حكيم الأمة خلافته في هذا الطريق.
عنايته بالإفتاء:
كان الشيخ محمد شفيع رحمه الله يعتني بالفقه والفُتيا اعتناءً بالغاً منذ
زمن تدريسه بدار العلوم ديوبند، فكان كثيراً ما يساعد شيخه المفتي عزيز
الرحمن - رئيس هيئة الإفتاء -ثم لما توفّاه الله تعالى، رشحه الأساتذة لكي يتبوَّأ
منصب رئيس هيئة الإفتاء بدار العلوم، ليملأ الفراغ الناشئ من وفاة الشيخ عزيز
الرحمن، فلم يزل يشغل هذا المنصب الجليل فيما بين الفترة ١٣٥٠هـ -
١٣٦٢ هـ، ثم هاجر رحمه الله إلى باكستان في ١٣٦٧هـ الموافق ١٩٤٨ م
وأسس دار العلوم في كراتشي، وهي جامعة شعبية دينية، وتعتبر الآن من أكبر
مراكز العلوم الدينية في باكستان.
٢٩٦

مؤلفاته:
قد فاض بقلمه السيّال، وفكرته الناضجة ووجهة نظره الدعوية والعلمية
لآلئ منثورة، ودررٌ ثمينة غالية، وألّف رحمه الله في كل فن من الفنون التفسير
والحديث والفقه والتصوّف والأدب والعقائد والآداب الاجتماعية وغيرها،
وفيما يأتي نتطرّق إلى ذكر بعض الأهم منها:
١ - (معارف القرآن): وهو تفسير للقرآن الكريم، ألّفه الشيخ باللغة
الأردية في ثمانية مجلدات، شرح فيه معاني القرآن الكريم بأسلوب سهل
رائع، وتطرّق إلى الأحكام المستنبطة من الآيات، كما أنَّ هذا التفسير يحتوي
على مباحث علمية نادرة أحدثها العصر الحديث، وقد ترجم التفسير إلى عدة
لغات كالفارسية والبنغالية، وقد شرعت جماعة في ترجمته إلى اللغة
الإنكليزية وأخرى إلى اللغة العربية .
٢ - (جواهر الفقه): وهي مجموعة قيّمة لرسائل فقهية حول موضوعات
يكثر التساؤل عنها، وأبحاث علمية نفيسة حول موضوع (رؤية الهلال)
و(مواقيت الإحرام) و(بيع حقوق الطبع) و(الذبح بالمكائن) وما إلى ذلك من
موضوعات تهمّ المسلم المعاصر، وقد بلغت هذه الموضوعات أكثر من
أربعين.
٣ - (ختم النبوّة): وهو كتاب حافل للرد على الدجاجلة القادیانيين.
٤ - (سيرة خاتم الأنبياء): وهو كتاب وجيز جامع لسيرة رسولنا الحبيب
المصطفى اَله .
٢٩٧

٥ - (الآلات الجديدة): رسالة تتحدث عن أحكام المخترعات الحديثة
والنوازل الجديدة .
٦ - (أحكام الأراضي).
٧ - (إمداد المفتين): وهي مجموعة لبعض فتاويه التي أفادها زمن إقامته
بدار العلوم ديوبند، وطبعت في أربعة مجلدات ضخام.
٨ - (التصريح بما تواتر في نزول المسيح): رسالة وجيزة باللغة العربية
ألّفها الشيخ بأمر من أستاذه وشيخه العلاَّمة الإمام الشيخ أنور شاه الكشميري،
جمع فيها الأحاديث الواردة عن المسيح عليه السلام وصفاته .
٩ - (هدية المهديين في آيات خاتم النبيين): رسالة أخرى في الرد على
القادياني الكذّاب، ألّفها رحمه الله بأمر من شيخه العلاّمة الكشميري السابق
الذكر .
وفاته:
توفّاه الله تعالى ليلة الحادي عشر من شوّال سنة ١٣٩٦ هـ، الموافق
تشرين أول أكتوبر عام ١٩٧٦ م، وشهد جنازته نحو خمسين ألف رجل، رحمه
الله رحمة واسعة، وتقبل منه سعيه المشكور، ورفع درجاته في أعلى عليين(١).
(١) انظر ترجمته المفصّلة: في مقدمة (اليانع الجلي في أسانيد الشيخ عبد الغني)
للشيخ محمد تقي العثماني حفظه الله؛ ومقدمة (أحكام القرآن) المجلد
الثالث؛ وکاروان تهانوي، ص١١٣ - ١١٦ .
٢٩٨

الفصل الرابع
الشيخ المقرئ حكيم الإسلام محمد طيب
١٣١٥ - ١٤٠٣ هـ = ١٨٩٧ - ١٩٨٣ م
نسبه ومولده وتعليمه:
هو العالم الهندي الكبير الذي انتهت إليه رئاسة الخطابة الدينية في العهد
الأخير، والذي جمع بين الشرف في النسب الديني، والنسب العائلي معاً،
وتمتّع بالشعبية غير العادية عبر شبه القارة الهندية، فهو حفيد الإمام محمد
قاسم النانوتوي المتوفى ١٢٩٧ هـ = ١٨٨٠ م الذي كان رئيس الطائفة المؤمنة
والكتيبة الربانية التي أسست جامعة ديوبند الشهيرة، والذي ينتهي نسبه إلى
سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو النجل الأكبر للشيخ الحافظ محمد
أحمد بن الإمام النانوتوي المتوفى ١٣٤٧ هـ، الموافق ١٩٢٨ م، الذي رأس
جامعة ديوبند مدة أربعين عاماً في الفترة ما بين ١٣١٣ - ١٣٤٧ هـ.
في هذا البيت العلمي، والوسط الديني ولد الشيخ محمد طيب رحمه الله
في محرم ١٣١٥ هـ الموافق لأيار مايو عام ١٨٩٧ م في مدينة (ديوبند)،
بمديرية (سهارنفور) بولاية (أترابراديش) الهند، وسُلّم للكتّاب وهو ابن سبع
سنين، وانتهى من حفظ القرآن الكريم مع إتقان التجويد والقراءات في ظرف
٢٩٩

سنتين، حتى تخرج منها عالماً متضلعاً عام ١٣٣٧ هـ، الموافق ١٩١٩ م، وهو
ابن نحو (٢٢) سنة فقط .
شيوخه وأساتذته:
وكان من بين الشيوخ الأجلاء الذين قرأ عليهم في جامعة ديوبند، الشيخ
محمود حسن الديوبندي المعروف بـ(شيخ الهند) المتوفى ١٣٣٩هـ، الذي
أسَّس لتحرير الهند من مخالب الاستعمار البريطاني (حركة الرسائل الحريرية)
المعروفة جداً في تاريخ تحرير الهند، والشيخ خليل أحمد السهار نفوري
المدني المتوفى ١٣٤٦ هـ، صاحب (بذل المجهود في حلّ سنن أبي داود)
والمفتي الأكبر بجامعة ديوبند الشيخ عزيز الرحمن العثماني الديوبندي،
المتوفى ١٣٤٧ هـ، والمحدّث الكبير الشيخ العلاَّمة أنور شاه الكشميري،
المتوفى ١٣٥٢ هـ، الذي انتهت إليه رئاسة الحدیث في عصره، والشیخ حبیب
الرحمن العثماني الديوبندي صاحب التفسير الشهير للقرآن الكريم، والعالم
الربّاني الشيخ السيد أصغر حسين، المتوفى ١٣٦٤ هـ، وكثير آخرون.
وتخرج في التزكية والإحسان على الشيخ محمود الحسن الديوبندي،
والشيخ الكبير حكيم الأمة العلاّمة أشرف علي التهانوي رحمهم الله، حيث
بایعه بعد وفاة الشيخ محمود حسن رحمه الله في عام ١٣٥٠ هـ.
يقول رحمه الله متحدثاً عن البيئة التي نشأ فيها: ((قد ولدت في مستهلّ
القرن الرابع عشر الهجري، ومنتهى القرن الثامن عشر الميلادي، في بيئة
شهدت انقلاب موازين الحضارة المتوارثة، وكان وقعُ حضارةٍ جديدةٍ، وثقافة
٣٠٠