Indexed OCR Text

Pages 261-280

على هذا الجانب، من إمتاع النفس، واقتناص الملذّات، فكذا أفرط غيرهم
ممن كانوا على عكسهم، في التقصير في الاستجابة لمطالب النفس الحقيقية،
التي لا يمكن أن تستقيم الحياة بدونها، فإنهم يحرمون النفس حقوقها، والكفاف
من قوتها، كاليوغا والإشراقيين، وحسبوا أن المجاهدة هي أن تبخس حقوق
النفس، وتمحق مطالبها جمعاء، ويحسبون ذلك طريقاً إلى نجاة الروح
وفلاحها .
يقول الشيخ رحمه الله وهو يردّ على الفكرة الصوفية الخاطئة:
((فأصبح الصوفية يزعمون أيضاً أن رضا الله لا يحصل إلا بمخالفة
النفس، وكلما كانت هذه المخالفة أشد، كان رضا الله أعظم وأقوى، ولو
كانت هذه المخالفة لا تتفق مع الشريعة الإسلامية، حتى إنه قد يبدو لبعضهم،
فيحرّمون على أنفسهم اللحم، فلا يأكلونه، ويمتنعون عن البارد من الماء فلا
يشربونه، ومنهم من يجتنب الفراش الوثير فلا يضطجع فيه، وغلت طائفة ممن
حرمت نعمة الإسلام، فتجاوزت إلى حدّ أنهم قد يجفّفون جوارحهم
ويميتونها ... )).
فهذه كلها أعمال أحرى بها أن تنسب إلى الجهالة العمياء، ولا تجد
الاعتدال والقصد إلا في أولئك الذين جاهدوا مجاهدة في تقويم النفس
وإصلاحها، محتفظين بالأوامر الشرعية، فلا يتعدون حدود الإباحة، ولا
يباشرون هذه المجاهدة إلا بصفتها علاجاً ومداواةً، وأنها أسباب التقرب إلى
الله، ولا يدع أحدهم طعاماً إلا إذا رأى فيه ضرراً طبياً، وما أشبه ذلك، وإذا
٢٦١

تركوه فلا يعدون تركهم له شيئاً من التحنث، وأما إذا تركوه ظانين أن تركه
عبادة ونسك، ورجوا من هذا العمل جزاءً ومثوبة، فقد أذنبوا؛ لأنهم أضافوا
بذلك إلى الشريعة الإسلامية حكماً لم يكن فيها من قبل، وهذا هو السرّ في
فساد البدعة وقبحها، فهؤلاء إذا هجروا شيئاً لا يهجرونه إلا للوقاية من مرض
أو للاحتراز من ضرر مادي، أما أولئك الناس فلا يتركونه إلا لأنهم يحسبون
هذا العمل عبادة وذريعة إلى التقرب إلى الله، ووسيلة من وسائل المثوبة.
فعلى كلٍّ إنَّ منحَ الجسد قسطه من الراحة، وحظُّه من الترفيه، وبهجة
النفس وتأدية ما لها من حقوق، لا يسع أحداً إنكاره، ولذلك وضعت الشريعة
الغراء لكل شيء حداً ينتهي إليه، فكان سيدنا أبو الدرداء يطيل السهر بالليل،
فنهاه سلمان الفارسي رضي الله عنه عن ذلك حتى بلغ ذلك الرسول وليه فقال:
(صدق سلمان))، وقال: ((إنَّ لنفسكَ عليك حقاً))(١).
المتصوّفة الجهلة المتعسّفون زيّفوا التصوّف وأفسدوه:
يقول رحمه الله: ((أسفاً لهؤلاء المتصوّفة المتعسّفين الجهلة، فقد زيّفوا
التصوّف وأفسدوه، وجعلوه مُخيفاً موحشاً، يقترحون الاعتكاف الصوفي،
ويشيرون بتطليق الأزواج، وينصحون بالتبتّل عنهن، وإقصاء الأهل والأولاد،
(١) انظر: أشرف الطريقة في الشريعة والحقيقة، ص٢٣٦ -٢٣٨؛ وكذلك تقليل
الطعام، ص٤٩ - ٦٢؛ والحديث رواه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم
(١٩٦٨)؛ وكتاب الأدب، (٦١٣٩)؛ والترمذي في سننه، كتاب الزهد،
(٢٤١٣).
٢٦٢

وكانت تؤخذ أربعون حبة حمص، فلا يتناول منها إلا حبة كل يوم، وقالوا: إن
الولاية والوصول إلى الله لا تتأتى بغير هذا، أما أنا فأقول بكل صراحة: إن
الولاية تحصل حتى على البسط الناعمة والوسائد اللينة، وفي الإمارة، ومع
اللذائذ من الأطعمة، لكن يشترط أن يكون الطالب خارج البيت وفي خدمة
شيخ كامل))، وقال رحمه الله: ((إن السالك لا يحتاج إلى كساء غليظ وثوب
مرقع، بل تحصل له المشيخة إذا أراد في الخلع الفاخرة، والملابس الناعمة،
وفي الملوكية كذلك، لكن بشرط أن يكون طلبها بطريقها)).
وقال في موضع آخر: «فليس الإقلال من الأكل زهداً، وليس غاية
منشودة؛ لأننا إذا زهدنا في شيء، لم نستطع أن نزيد في خزائن الله شيئاً، مع
أنه يجب أن لا يأكل الرجل إلى أن يتخم أو يتألم من بطنه، أما الشيخ إمداد الله
رحمه الله فكان من رأيه أن يمتع الرجل نفسه، ويلبّ رغبته، ثم يستخدمها في
أعمال الخير ويجهدها، وحقاً إذا عرف الرجل أنه قد أعد له طعام شهي، فإن
نفسه تنشط لإكمال العمل وإتقانه، وتسرّ لتدرك هذا الطعام الشهيّ، فلا بد
للنفس من حافز ... .
لذلك تجد صيانة الصحة والمحافظة عليها من أوجب الأمور، وذلك
بترفيه الدماغ والقلب، وتقويتهما بمداومة تغذيتهما ومداواتهما، فلا يحسن
الزهد في الغذاء، حتى يسري الوهن، ويتولد اليُبس في الدماغ، كما يجب
أيضاً أن لا يفرط الرجل في تناول الغذاء، فتختل قوة الهضم، فإذاً من اللائق به
أن لا يتناول طعاماً إلا إذا كانت عنده شهية صادقة، کما علیه أن ينصرف عنه،
وفي النفس رغبة إلى لقمة أو لقمتين، ويجب عليه أيضاً أن يسلك مثل ذلك
٢٦٣

الاعتدال في النوم، فلا يفرط فيه، لئلا يكسل ولا يقصر فيه كذلك، لئلا يطرأ
على قواه الجفاف والتخدير))(١).
(١) يراجع: أشرف الطريقة في الشريعة والحقيقة، ص٧٦ - ٨٥؛ وكذلك بين
التصوّف والحياة، ص٨٦ -٩٢.
٢٦٤

الفصل الرابع
الكشوفات الصوفية لا قيمة لها في التقرب إلى الله
يقول الشيخ التهانوي رحمه الله: ((إنَّ الناس يعدّون الكشف من أجلّ
الكمالات، مع أنه لا قيمة له في التقرّب إلى الله، وتتفق طبائع بعض الناس مع
الكشف دون غيرهم، كما أنَّ عيون بعض الناس نافذة بعيدة النظر، في الوقت
الذي لا يُبصر الآخرون إلا الشيء القريب))، وقال مشيراً إلى فسقية المسجد:
((هَبُوا أن امرأ لا يجاوز بصره هذه الفسقية، مع أن بصر رجل آخر غيره
يجاوزها إلى الشارع في الخارج! أفبهذا يُعدّ الرجل الذي يبلغ نظره إلى الشارع
من المتقربين إلى الله؟ كلا! بل إن هذا نوع من البصر لا علاقة له بالقربات،
وأحلف بالله أنه مهما حصل لامرئ ما من ألوف الكشوف، أو أكثر من ذلك،
فإنه إذا رجع إلى وجدانه لشعر أنه لم يكسب في التقدم ولو قدراً يسيراً، غير أنه
إذا سبّح الله ثلاث مرات، ثم رجع إلى وجدانه أحسّ أنه قد تقدم في القرب إلى
الله، فليختبر هذا من شاء من أهل الذوق وأصحاب الوجدان)).
وهاهو الشيخ عبد الباري الندوي أحد تلامذة الشيخ التهانوي رحمهما الله
ينقل لنا ملخص كلام شيخه: «كيف يكون الكشف من علائم القرب والولاية
إذا لم يشترط فيه كون المرء مؤمناً؟! فإنه يحصل للمؤمن والكافر والملحد
٢٦٥

ولغيرهم على السواء، فالحقيقة أن الكشف ليس بشيء عظيم؛ لأن الكافر أيضاً
إذا جاهد وتروّض حصل له، ويحصل للمجانين أيضاً، والكشوف إذا كانت
موافقة للقواعد الشرعية صح العمل بها، وإلا وجب تركها))(١).
(١) بين التصوّف والحياة، ص١٠٧ - ١٠٨.
٢٦٦

الفصل الخامس
الكرامة هي التي تظهر من متبع كامل في التقوى
لقد تكلّم الشيخ رحمه الله عن الكرامات، وبيّن حقيقتها، وردّ مزاعم
الجهلة في هذا الصّدد، فقال:
(«الكرامة هي التي تظهر من متبع كامل، ولا تطّرد اطّراداً، لأنها إن
اطردت لم تعد كرامة، وإن لم تخضع الكرامة التي ظهرت منه بشريعة نبي من
الأنبياء، لم تعد كرامة، مثل (اليوغا) و(السحرة) الذين تصدر عنهم مثل هذه
الأحوال، ولو كان يدّعي ويقول: إنه متّع نبيّ، لأن عمله يخالف شريعة
الأنبياء، وسواء كان الاختلاف في الأصول كأهل البدع، أو كان في الفروع،
كالفاسقين والفجّار، والكرامة من هؤلاء لن تسمّى إلا استدراجاً، ولا يسمّى
كرامة إلا ما يصدر من متبع كامل في التقوى .
وأصبح الحال في عصرنا أن الناس يلقّبون كل رجل تظهر منه كرامة قطباً
وغوثاً، أياً ما كانت عقيدته وأعماله، وقد صرّح السلف بأنك إذا رأيت أحداً
يحلّق في الفضاء أو يجري على الماء، ولا يحافظ على الشريعة فلا تحسب له
حساباً، وقال الصلحاء: إنّ ستر الكرامة واجب على المرء، إلا إذا كان
محتاجاً إلى إظهارها)).
٢٦٧

وقال في موضع آخر: ((الولاية لا تفتقر إلى خوارق، ولم تظهر الخوارق
من بعض الصحابة، ولو مرة واحدة في حياتهم، والخوارق تظهر في أكثر
الأحيان من (اليوغا) وهي من نتائج الرياضة، ودرجة خرق العادة أقل من الذكر
القلبي، وقد كتب صاحب (العوارف) عن الذين لا تصدر منهم الخوارق أنهم
أفضل من أهل الخوارق، إن من أكبر كرامات العارفين أن يستقيموا على جادة
الشريعة، ومن أعظم كشوفهم أن يتبيّنوا استعداد الطالبين، ثم يربّوهم وفق
ذلك))(١).
وقدردّ الشيخ رحمه الله على مزاعم بعض المهووسين في هذا الباب فقال:
((وبعض الناس يظنون أنهم سيرون أنواراً وسطعات إذا ما ذكروا واشتغلوا. أو
أنهم سيسمعون أصواتاً، فليس هذا كله إلا هوساً وبلاهة، إنه لا يجوز أولاً: أن
تحصل تلك الآثار على الذكر والشغل، ولا يحتاجان إلى ذلك، وثانياً: لا تكون
تلك الأنوار والأصوات في بعض الأحيان إلا وليدة ذهنه، وليست شيئاً آتياً من
عالم الغيب، وثالثاً: لو انكشفت أشياء ذلك العالم، فأية فائدة من ذلك؟ إذ لا
يزداد التقرب بتكشف عالم، إنما خلق الله للتقرب إليه الطاعات، قد يرى
الشياطين الملائكة في بعض الأحيان، ولا يزال هؤلاء الشياطين شياطين، ثم
ستنكشف حقائق ذلك العالم بعد الموت، للمؤمن والكافر على السواء،
أفيحصل بذلك القرب المقصود لكل أحد؟!)).
(١) انظر: الكرامات الإمدادية، للشيخ التهانوي رحمه الله.
٢٦٨

الفصل السادس
تقرير حقيقة البيعة
الإفراط والتفريط في فهم حقيقة (البيعة):
لقد وقع الناس فريسة إفراط وتفريط في فهم العلاقة بين الشيخ ومريده،
نجد في جانب أنَّ الناس عدُّوها حدثاً في الدين، وفي جانب آخر اتخذها الناس
طقساً من الطقوس بأن اكتفوا بأن يقبّلوا اليد والرجل، ولا يرغبوا في عمل أو
فهم، ولا يحتاجون إليه، وإن كانت العلاقة بين الشيخ ومريده لا تُجدي نفعاً،
ولا ينفع الإنسانَ إِلا عَمَلُه.
وليست حقيقة (البيعة) سوى اختيار رفيق أو دليل عارف للوصول إلى
الهدف والغاية، وفي لفظ آخر يمكن أن يقال: إنها تفويض النفس وتسليمها ليد
رجل أعلم منه وأمهر، ومربّ ومرشد، كما يسلم البائع ماله لمشتريه، أو كما
يفوّض مريض نفسه إلى طبيب، ولا يعمل إلا بما يوصيه الطبيب به، أو يقترح
به عليه، عملاً كاملاً، قد كان ذلك أمراً واضحاً بيناً وعادياً، ولم يكن في حاجة
إلى هذا الإفهام والتمثيل الضافيين، إلا أنَّ السلفية الجافة، والصوفيّة التقليدية
كانتا على طرفي نقيض في التصوّف في ماض من الزمن، فالطائفة الأولى رأت
البيعة من المحرّمات والمبتدعات المحضة، والفريق الآخر أوجب البيعة،
وبالأخص طقوسه وتقاليده بعينها .
٢٦٩

هذا وقد عبّر الشيخ التهانوي رحمه الله عن هذا بعقّدٍ عهدٍ بين الشيخ
والتلميذ، أو المرشد والمريد، يتعهد فيه الشيخ بالإصلاح والإرشاد،
والطالب بالاتباع والتقليد، وإن البيعة التقليدية ليست من الواجبات في شيء،
وکان رحمه الله يقول مراراً:
((إني لا أعرف من دخل في بيعتي، وإني لا أحفل ولا أرى إلا الذي له
صلة بالعمل والجُهد))، وكان يطرح على المبايع تلك الأسئلة الشديدة التي
تكشف حقيقة البيعة وغايتها؛ لأنه ليس في أذهان الناس من أهداف البيعة إلا
ملخّصها، بعضهم يبغون أن يصبحوا من أصحاب الكشوف والكرامات، فإنها
لا تلزم حتى للمرشد، فكيف يحسن بالمريد أن يحرص عليها؟! وبعضهم
يظنون أن الشيوخ سيكفلون ويشفعون، مع أن رسول الله وَ ل﴾ نفسه قال لفاطمة
رضي الله عنها: ((يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أغني عنك من الله
شيئاً))(١)، فكيف يمكن أن ينقذ شيخٌ مريدَه، إذا لم يرضَ المريد بذلك)).
وكان يقول: ((ويظن بعض الناس أنَّ الشيخ سينقل مريده في نظرة واحدة
إلى الكمال، فلو كان الأمر هكذا، لما احتاج الصحابة رضوان الله عليهم
أجمعين إلى أي جهد، إذ لم يكن في الناس أكمل نظراً، وأعظم تأثيراً من
الرسول عليه الصلاة والسلام، ولو وقع ذلك حيناً ما خرقاً للعادة، فلا يقع
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، (٢٠٤)؛ والبخاري في
صحيحه، كتاب الوصايا، (٢٧٥٣)؛ والترمذي في سننه، كتاب تفسير
القرآن، (٣١٨٥)؛ والنسائي في سننه، كتاب الوصايا، (٣٦٤٤).
٢٧٠

مراراً، فإن الخوارق ليست دائمة لازمة، ومن الخطأ العظيم أن يتكل عليه
الإنسان».
لا لزوم لصورة البيعة التقليدية:
أما أخذ اليد حسب العادة والتقليد، أو تناول يد مرشد، وبالأخصّ يد
شيخ بالاسم، فهو أقرب إلى الهزل منه إلى الجدّ، وقد تحدث الشيخ رحمه الله
عن ذلك في حماسة وقوة فقال:
((لا طائل تحت هذا التعلّق الفارغ، ولا تحت هذه البيعة الاسمية الرسمية،
ولا لزوم لصورة البيعة، الأصل هو روح البيعة، أي الاتباع، ولا حاجة أن يدخل
الإنسان في إرادة شيخ، ابدأ عملك بتوجيه المرشد، وقد تحققت العلاقة بينك
وبينه، وستجد حتماً ذلك النفع الذي تعتقده في (البيعة) و(الإرادة)، وإني
لأعجب للناس أنهم لا يعملون إذا أُمروا بالعمل، ولا يريدون إلا اسم البيعة،
لذلك ترى أن المرشدين الذين يأخذون البيعة ولا ينصحون بعمل تجد مريديهم
أعظم سروراً بذلك، لأن العمل شاق على النفوس، والبيعة التي لا تكلف شيئاً
ترغب فيها الطباع، أما أنا فلا أبايع بل أنصح بالعمل فيُسخطهم ذلك))(١).
يقول الشيخ عبد الباري الندوي وهو يشرح وجهة نظر الشيخ التهانوي
رحمه الله حول البيعة التقليدية :
((وكثير من الناس حسبوا (الإرادة) و(الشياخة) و(البيعة) لازمة للتصوّف،
(١) بين التصوّف والحياة، ص١٢٦ .
٢٧١

أو حسبوا البيعة الصرفة كافية، وهي جهالة خالصة، أما الغرض الحقيقي من
الشياخة والإرادة فهو إصلاح الأعمال الظاهرة والباطنة، وعلى الأخصّ علاج
الأمراض النفسية، ولو كان الشيخ والمريد معنيّين بالإصلاح والعلاج عناية
تامة، فالبيعة التقليدية الصرفة ليست بواجبة إذاً، غير أن الإنسان كما يلتمس
لأمراضه الجسدية طبيباً نظامياً أعلم من يوجد، ثم يراجعه في مشاكله الصحية،
كذلك يجب الاعتناء بذلك في طبيب الباطن الذي يداوي الأسقام النفسية))(١).
(١) المصدر السابق، ص٢١٩.
٢٧٢

الفصل السابع
الهدف الأصيل هو العبودية
التي هي كمال العمل والطاعة
خلاصة التصوّف والهدف الأساس منه:
والمقصد العظيم، والهدف الجليل من هذه العناوين والتعبيرات
والاصطلاحات هو إبانة العلاقة بين العبد والربّ بالعبادة والعبودية والتفاني
والتسليم، والذي يفهم من قوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[الذاريات: ٥٦]، وهو إظهار لذلك، وإدماج في الحياة العملية، لتكون
علاقتنا بالله تعالى علاقة العبد الرقيق الخاضع، الذي يظل مشمّراً ومستعداً
لطاعة سيّده في كل وقت، وكذلك تتحصل صبغة من (الإحسان) من معرفة
الذات والصفات والإحاطة والمعية، والقرب والأقربية التي نفهمهما من قوله
وَهُ: ((فإنْ لَمْ تَكُنْ تراهُ فإنَّهُ يَرَاكَ)(١).
(١) قطعة من حديث جبريل المشهور؛ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الإيمان، (٥٠)؛ وكتاب تفسير القرآن، (٤٧٧٧)؛ ومسلم في صحيحه،
كتاب الإيمان، (٨) و(٩) و(١٠)؛ والترمذي في سننه، كتاب الإيمان
(٢٦١٠)؛ والنسائي في سننه، كتاب الإيمان وشرائعه، (٤٩٩٠) و(٤٩٩١)؛
وأبو داود في سننه، كتاب السنة، (٤٦٩٥)؛ وابن ماجه في سننه، كتاب
المقدمة، (٦٣ و٦٤).
٢٧٣

إن الكمال المقصود للشريعة والطريقة كلتيهما هي العبودية التي قيل عنها
فيما سبق: إنها قرب الرضا، وهو أن يُذيب العبدُ مرضياتِ نفسه في مرضيات
ربه، وأن يجعل أعماله كلها تبعاً لأ وامر الله سبحانه وتعالى كلياً، ولذلك لا يمكن
حصول هذا القرب والوصول إلا بطريق الإسلام، لأن معرفة أوامر الله سبحانه
وتعالى ومرضياته الصحيحة الموثوق بها لا توجد إلا في دين الإسلام، وإذا
حصل القرب والوصول بدون اتباعها، فمثلها مثل اللص والثائر، إذا دخل على
الملك في مخدعه من طريق خلفية غير عادية، ثم حسب نفسه من مقرّبي الملك.
كانت هذه هي الموضوعات الرئيسة، والعناوين المهمّة في باب خلاصة
ما قام به الشيخ التهانوي رحمه الله من التجديد والإصلاح والتحقيق في هذا
الموضوع، وعصارة جهوده رحمه الله في هذا الصدد(١).
(١) معظم موضوعات هذا الباب مستفادة ومستقاة من كتاب الأستاذ الكبير عبد
الباري الندوي رحمه الله (بين التصوّف والحياة)، الذي ألفه رحمه الله لبيان
جهود حكيم الأمة التهانوي التجديدية والإصلاحية في مجال التصوّف
والتزكية والإحسان، وذلك بمراجعة كتب الشيخ رحمه الله المؤلفة في هذا
الموضوع، لا سيما كتابه (أشرف الطريقة في الشريعة والحقيقة)، و(قصد
السبيل إلى المولى الجليل)، و(الكرامات الإمدادية)، ومعروف أن الأستاذ
عبد الباري الندوي رحمه الله كان من كبار تلاميذ وأجلّ خلفاء الشيخ التهانوي
رحمه الله، والمستفيدين منه، وإن شاء الله سوف نتحدث عن ترجمته وسيرته
بالتفصيل ضمن باب (أشهر خلفائه).
٢٧٤

الْبَابُ الْخَامِسْ
نبْزة عن مشاهير
خُلفَاءِ التَّهَانَوَي
تمهيد: الميزة الخاصّة.
الفصل الأول : العلاّمة السيد سليمان الندوي.
الفصل الثاني : العلاَّمة ظفر أحمد العثماني التهانوي.
الفصل الثالث : العلامة المفتي محمد شفيع .
الفصل الرابع : الشيخ المقرئ محمد طيب .
الفصل الخامس : الأستاذ الشيخ عبد الباري الندوي.
الفصل السادس : الشيخ عبد الماجد الدريابادي.
الفصل السابع : الشيخ وصي الله الفتحفوري.

الفصل الثامن : الشيخ عبد الحي السهار نفوري.
الفصل التاسع : الشيخ عبد الغني الفولفوري.
الفصل العاشر : الشيخ محمد يوسف البنوري.

تمهيد
إن استيعابَ أولئك الذين نهلوا من معين التهانوي العلمي والروحي،
وتلقوا التربية الدينية، وقطعوا مفاوز السلوك عليه، واستقَوا من بحار علمه
وصلاحه، وارتووا من عيون فيوضه وأنهار بركاته، وإحصاءَ مآثرِهم ليس أمراً
ميسوراً، فقد بلغ عددُهم الآلاف، وتفرقوا في أقطار العالم، يحملون هذه
الدعوة، وينشرون هذه الحركة - حركة الإصلاح والتجديد - التي حمل لواءها
الشيخ التهانوي رحمه الله.
ويمكننا أن نقدّر ذلك القبول العظيم، والانتشار الواسع الذي أحرزته
طريقة الشيخ التهانوي، وكيف أثمرت جهوده الإصلاحية والتجديدية، وآتت
أكلها يانعة شهية - بأن معظم - كبار العلماء، وأصحاب الفضل، والشرف
والكمال من شبه القارة الهندية - الهند وباكستان وبنجلاديش ينتمون إلى الشيخ
التهانوي وطريقته، وينتهجون نهجه.
أما المستفيدون من دعوته، وتربيته وإصلاحه وإرشاده - عامة - فهم
منتشرون في كل أنحاء العالم، ولكن هناك عدد كبير من خلفائه الذين اعتمد
عليهم الشيخ رحمه الله للتربية والإرشاد، واختارهم للقيام بهذه الخدمة
العظيمة الجليلة، فقاموا بكل ما ألقي عليهم من المسؤوليات خير قيام، في
مجال التربية والإصلاح، وأسسوا المراكز الروحية التربوية، واستفاد منهم
العلماء والعامة من فوائد العلم والتزكية، ولا يمكن كل ذلك إلا بالتأييد
٢٧٧

الربّاني، والإرادة الإلهية، والقبول من الله سبحانه وتعالى، وغاية الإخلاص
والصفاء، واتباع السنة النبوية والشريعة الغرّاء.
وهكذا تغلغل صدى التوحيد في كل الأوساط والمجتمعات، وأضاءت
شموع الدين في محافل المسلمين.
يقول الشيخ أبو الحسن علي الندوي رحمه الله: ((وصار مرجعاً في
التربية والإرشاد، وإصلاح النفوس وتهذيب الأخلاق، يشدّ إليه الرحال،
ويقصده الراغبون في ذلك من أقاصي البلاد وأدانيها، وانتهت إليه الرئاسة في
تربية المريدين وإرشاد الطالبين، والاطلاع على غوائل النفوس ومداخل
الشيطان، ومعالجة الأدواء الباطنة والأسقام النفسية)).
وقال في موضع آخر :
((وقد كان من كبار العلماء الربانيين الذي نفع الله بمواعظهم ومؤلفاتهم،
وقد بلغ عدد مجالس وعظه التي دُوّنت في الرسائل، وجُمعت في المجامع إلى
أربعمئة مجلس، وقد كان نفع كتبه ومجالس وعظه كثيراً في إصلاح العقيدة
والعمل، واستفاد منه ألوف من المسلمين، ورفض عدد لا يُحصيه إلا الله
العادات والتقاليد الجاهلية ... ))(١).
هذا ولم يكن المستضيؤون بأنوار علومه وبركات فيوضه، والمستفيدون
(١) من تعليقه على كتاب (نزهة الخواطر) ضمن ترجمة الشيخ التهانوي رحمه الله،
ص٥٨، المجلد الثامن.
٢٧٨

من دعوته وإرشاده أشخاصاً من طبقة خاصة أو طائفة محدّدة، وإنما سادت
أشعة دعوته، وأنوار إصلاحه كل الطبقات البشرية والكتل الإنسانية، وعمّت
كل المستويات، وها هو سماحة العلامة أبو الحسن علي الندوي يسلّط
الأضواء على المستفیدین منه رحمه الله، فيقول :
((وأقبل عليه العلماء، والزعماء، والمؤلفون والموظفون، وكبار
المثقّفين والمعلّمين في الجامعات، وممن تأثر بالحضارة الغربية والفلسفة
الحديثة، وتعرض للإلحاد والمروق من الدين، والعاطلون والمشتغلون.
وأهل النبوغ والذكاء، وأهل الحرف والصناعات، وأصحاب النفوس القوية،
وأهل الهمم الضعيفة على السواء. حتى كان للتصوّف وإصلاح الباطن مكانة
في الطبقة المثقّفة، ودولة في العهد المادّي))(١).
الميزة الخاصة:
إنَّ من أهم مميّزات دعوة الشيخ التهانوي رحمه الله، وتربيته وإصلاحه،
أنه قد اجتمع حوله نخب من كل الطوائف، وصفوة من شتى الجماعات،
فربّاهم خير تربية، وسعى في إصلاح باطنهم، وقام بذلك خير قيام، فلم يأمر
رحمه الله الأغنياء الأثرياء أن يتجرّدوا مما رزقهم الله تعالى من الخيرات
والأموال، وما منحهم من عيش هنيء رغيد، ولم يأمرهم أن يعزلوا أنفسهم عن
الناس، وينقطعوا عن الدنيا، ويتخذوا لهم زاوية خاصة يحبسون أنفسهم فيها،
ولم ينصح بعزل الأولاد والأزواج، والتنخي عن الأقارب والأصدقاء، بل نفخ
(١) من مقدمته لكتاب (بين التصوّف الحياة)، ص١٣ .
٢٧٩

فيهم روح العبادة لله وحده، واتّباع السنة النبوية، واختيار منهج السلف
الصالح، مع البقاء والاستمرار في نعم الله، والتمتع بما وهبهم الله تعالى من
خير الدنيا، وهكذا جمع رحمه الله بين الحسنيين، وقدّم نموذجاً رائعاً ومثالاً
حيّاً لنيل أعلى درجات التقرّب إلى الله، والوصول إلى أسمى مكانة من الصّلاح
والسعادة والشرف، وذلك للمسلمين أجمعين دون أي تمييز أو تفرقة، أياً
كانت حرفهم ومهنهم، سواء كانوا من طبقة العلماء، أو من جماعة التجّار، أو
من أصحاب الفكر والفلسفة، أو المعجبين بالثقافات الغربية، إنَّ ميّزة الجمع
والشمول هذه قد لا نجدها عند غيره من المصلحين والمربّين المرشدين.
ولقد قال رحمه الله وصرّح بهذه الحقيقة في مناسبة من المناسبات، أثناء
ذكره لمن نالوا شرف التربية في ظلّه وحازوا المكانة العلياء في مدرسته
الإصلاحية والتربوية، بالكلمات الآتية :
((انظروا إلى كل من تلقى عندنا دروس الإصلاح، ونال التربية الدينية،
تجدون فيهم كل الطوائف، وسائر الجماعات، فيهم من هو موظف في الدولة،
وفيهم من هم من العلماء والمدرّسين، والأطباء والدكاترة، ورجال القانون
والمحاماة، والمهندسين والتجّار، وتشاهدون آثار هذه التربية في الأغنياء
وأصحاب الثروات والموسرين، والفقراء والمعسرين، إنكم لا تعيشون عصراً
أشد فتنة وأعظم محنة من هذا العصر، فلا تصدّنّكم هذه الفتنة العمياء عن اتّباع
دینکم، استمسكوابه وعضّوا عليه بالنواجذ» .
وأضاف قائلاً: ((إن الدين سهل ميسّر، وكل هؤلاء الناس الذين ينتمون
إلى مختلف الطبقات وشتى المهن يشتغلون في وظائفهم ولا يمنعهم مانع من
٢٨٠