Indexed OCR Text

Pages 241-260

الفصل الأول
التزكية والإحسان في ميزان الإسلام
التزكية شعبة من شعب الدين:
لو رجعنا إلى كتاب الله تعالى، وسنّة الرسول وَّر، وعصر الصحابة
والتابعين، وتأملنا في الآيات القرآنية، وجدنا القرآن الكريم ينوّه بشعبة من
شعب الدين، ومهمّة من مهمّات النبوّة، يُعبّر عنها بلفظ (التزكية) ويذكرها
كركن من الأركان الأربعة التي بُعث الرسول الأعظم ◌َله لتحقيقها وتكميلها،
يقول المولى عزَّ وجلَّ: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ آلْأُمَّيِّنَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَبَنِهِ،
وَيُزَّكْبِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبَلُ لَفِىِ ضَلَلِ مِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]،
وهذه التزكية التي ذكرها القرآن، هي تزكية النفوس، وتهذيبها، وتخليتها عن
الرذائل، وتحليتها بالفضائل، تلك التزكية التي نرى أمثلتها الرائعة في حياة
الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وإخلاصهم وأخلاقهم، والتي كانت
نتيجتها هذا المجتمع الصالح الفاضل المثالي الذي ليس له نظير في التاريخ،
وتلك الحكومة العادلة الرشيدة التي لا مثيل لها في العالم.
الإحسان في لسان النبوّة:
وها نحن نجد لسان النبوّة يلهج بدرجة هي فوق درجة الإسلام والإيمان،
٢٤١

ويعبّر عنها بلفظ (الإحسان)، ومعناها كيفية من اليقين والاستحضار يجب أن
يعمل لها العاملون، ويتنافس فيها المتنافسون، فَيُسألُ الرسول وَلّ ما الإحسان؟
فيقول: ((أَنْ تعبدَ الله كأنَّكَ تَراهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ))(١).
ما أُثر عن الرسول ◌َلير ينقسم إلى قسمين:
١ - أفعال وهيئات، وأمور محسوسة، کقيام وقعود، وركوع وسجود،
وغيره، وقد تكفّل بها الحديث الشريف رواية وتدويناً، والفقه استخراجاً
واستنباطاً.
٢ - كيفيات باطنة، كانت تصاحب هذه الأفعال والهيئات عند الأداء،
وتلازم الرسول بي ليه قياماً وقعوداً وركوعاً وسجوداً، وفي كل الأحوال، وهي:
الإخلاص والاحتساب والصبر والتوكل والتضرع والابتهال في الدعاء، والزهد
في زخارف الدنيا، وإيثار الآخرة على العاجلة، وغنى القلب، والإيثار،
والسخاء، والحياء، والخشوع في الصلاة، والشوق إلى لقاء الله، إلى غير ذلك
من كيفيات باطنة، هي بمنزلة الروح من الجسد، وتندرج تحت هذه العناوين
التفاصيل والجزئيات، والآداب والأحكام، التي تجعل منها علماً مستقلاً.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، (٥٠)؛ وكتاب تفسير القرآن،
(٤٧٧٧)؛ ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، (٨) و(٩)؛ والترمذي في
سننه، كتاب الإيمان (٢٦١٠)؛ والنسائي في سننه، كتاب الإيمان وشرائعه،
(٤٩٩٠)؛ وأبو داود في سننه، كتاب السنة، (٤٦٩٥)؛ وابن ماجه في سننه،
کتاب المقدمة، (٦٢) و(٦٣).
٢٤٢

فقه الظاهر، وفقه الباطن:
وفي ضوء هذا التفصيل قد سُمّي العلم الذي تكفَّلَ بشرح القسم الأول،
وإيضاحه وتفصيله والدلالة على طرق تحصيله (فقه الظاهر).
وأما القسم الثاني من أحكام الكتاب والسنة، الذي يتعلق بالأعمال
الباطنة التي محلها القلوب والأرواح، فالعلم الذي يتكفل بشرح هذه
الكيفيات، ويدل على طرق الوصول إليها سُمّي (فقه الباطن).
وكان الأجدر بنا أن نسمّي العلم الذي يتكفل بتزكية النفوس وتهذيبها،
وتحليتها بالفضائل الشرعية، وتخليتها عن الرذائل النفسية والخلقية، ويدعو
إلى كمال الدين والإيمان، والحصول على درجة الإحسان، والتخلّق بالأخلاق
النبوية، واتباع الرسول و له في صفاته الباطنة وكيفياته الإيمانية، كان الأجدر
بنا وبالمسلمين أن يسمّوه (التزكية) أو (الإحسان) أو (فقه الباطن).
إذاً فالتزكية والإحسان أو (فقه الباطن)، حقائق شرعية علمية، ومفاهيم
دينية ثابتة من الكتاب والسنة، يُقِرُّ بها المسلمون جميعاً، ويُقرون بأنها روح
الشريعة ولب لباب الدين، وحاجة الحياة، فلا كمال للدّين ولا صلاح للحياة
الاجتماعية إلا بتحقيق هذه الشعبة في الحياة.
حدوث مصطلح (التصوّف) وجنايته على (التزكية والإحسان):
هذه التزكية التي تعتبر شعبة من شعب الإيمان، وهذا الإحسان الذي هو
درجة فوق الإيمان والإسلام، قد اصطلح عليها العلماء في الزمن الأخير
٢٤٣

بالتصوّف، وهذا المصطلح (التصوّف) قد جنى على الحقيقة الدينية الناصعة
جناية عظيمةً، فقد حجبها عن أنظار كثيرة، وصدّ فريقاً كبيراً من الناس عن
سبيلها، والحرص على تحصيلها، ثم جنى على هذه الحقيقة شيء آخر، وهو
أنه دخل فيها دجالون ومحترفون وباطنيّون ومُلحدون، اتخذوها وسيلة
لتحريف الدين، وإضلال المسلمين، وإفساد المجتمع، ونشر الإباحية،
وتزعموا هذا الفن، وحملوا لواءه - وكل ذلك باسم التصوّف ومن وراء ستر
المتصوّفين - فكان ذلك ضغثاً على إبّالة، وزهد فيه ونفر منه أهل الغيرة
الدينية، والمحافظين على الشريعة الإسلامية، وجاءت طائفة أخرى من غير
المحقّقين، لم يعرفوا روح هذه الشعبة وغايتها، ولم يميزوابين الغاية والوسيلة،
فخلطوا بينها، وألحوا على الوسيلة أحياناً وضيّعوا الغاية، أو أدخلوا ما ليس
من هذا الفن في صميم هذا الفنّ وصلبه، وعدّوه من الكمالات، ومن الغايات
المطلوبة، وعقّدوا المسألة، وجعلوا لُبّ الدين لغزاً وفلسفة، ورهبانية، لا
يجرؤ عليها، ولا يطمع فيها إلا من نفض يده من أسباب الحياة، ورفض الدنيا
وما إليها، وهكذا أصبح هذا المصطلح الذي كان يُعبّر عن حقيقة دينية مُهمّة،
ودرجة كبيرة من صميم الشريعة، أصبح يُعبّر عن فساد في الدين، وعن
التحريف فيه، وداعياً إلى الإلحاد وإفساد المجتمع، ونشر الإباحية، وإحداث
مجموعة من البدع والخرافات، والطقوس والتقاليد غير الإسلامية، وتسميتها
الدين والشريعة، ودعوة الناس إليها .
الحاجة إلى المجددين والمصلحين:
ونظراً إلى قلب الموازين وتغيير المقاييس في هذا الموضوع فقد مسّت
٢٤٤

الحاجة إلى مجدّدين ومصلحين ينفون عن هذا الدين تحريف المغالين،
وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ويحرّرون هذه الشعبة المهمّة من شعب
الدين، من أغلال البدع، وشوائب العجمية والفلسفة، وينفخون في الأمة
روحاً جديداً من الإيمان والإحسان، ويجدّدون صلة القلوب بالله، والأجسام
بالأرواح، والمجتمع بالأخلاق، والعلماء بالربّانيّة، ويوجدون في الناس قوة
مقاومة الشهوات، وفتنة المال والولد، وزينة الحياة الدنيا، والجرأة على
الجهر بكلمة حق عند سلطان جائر، والقناعة باليسير، وغيرها من الأوصاف
العالية والأخلاق الفاضلة، وهكذا يُمْكِنُهُم تحقیق ما نادی به الرب ذو الجلال
والإكرام، حيث قال: ﴿ وَلَكِن كُنُواْ رَبِِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ
تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩].
هذا وقد قيّض الله سبحانه وتعالى للقيام بهذا العمل الجليل، وأداء هذه
المسؤولية العظيمة، نحو التجديد في هذا الجانب من الحياة علماء صالحين
متقنين، ونشطت حركة الإصلاح بواسطتهم، فجدّدوا هذا الفن، وسهّلوه لأهل
العصر، ونقّحوه مما التصق به من البدع، والزوائد، واستخلصوا منه خلاصته
توافق نفوس أهل العصر، وطبائعهم، وتقرّب الطريق، وتيسّر الوصول، وعلى
رأسهم الإمام الربّاني الشيخ أحمد السرهندي، مجدّد الألف الثاني، المتوفى
سنة ١٠٣٤ هـ(١)، وشيخ الإسلام الشيخ أحمد بن عبد الرحيم المعروف
(١) هو الإمام أحمد بن عبد الأحد السرهندي الفاروقي، ولد بسرهند عام ٩٧١ هـ،
وتلقى العلوم النقلية والعقلية على أعلام عصره، وأخذ الطريقة النقشبندية، =
٢٤٥

بالشيخ ولي الله الدهلوي(١)، المتوفى سنة ١١٧٦ هـ، والسيد الإمام أحمد بن
عرفان الشهيد، المتوفى سنة ١٢٤٦هـ(٢)، والعالم الربّاني الشيخ رشيد أحمد
=
وصار من أقطابها، مع نصرة السنة والالتزام الكامل بالشريعة، وهو القائل:
((أغنتنا النصوص عن الفصوص، والفتوحات المدنية عن الفتوحات المكية)).
اشتغل بالتدريس والإصلاح، وحقّق نجاحاً كبيراً بفضل الله أولاً، ثم بفضل
حكمته وعلمه وصبره. من مؤلفاته كتاب (المكتوبات)، توفي في سرهند سنة
١٠٣٤ هـ. انظر كتاب: الإمام السرهندي، للعلامة أبي الحسن الندوي - رحمه
الله - وهو الجزء الثالث من سلسلة رجال الفكر والدعوة في الإسلام، طبع دار
القلم بدمشق .
(١) هو الإمام المحدِّث الفقيه العالم المجتهد أحمد بن عبد الرحيم المعروف
بولي الله الدهلوي، ولد في عام ١١١٤ هـ، طلب العلم في بلده ثم رحل إلى
الحجاز عام ١١٤٣ هـ، ورجع إلى الهند عام ١١٤٥هـ، وألّف تأليف نافعة
أفضلها (حجة الله البالغة) نشر أعلام الحديث، وأخفق لواءه، وجدّد معالمه،
حتى سلَّم له الناس أعشار الفضل، وأنه رئيس المحدِّثين ونعم الناصر لسنن
سيد المرسلين، قال الكتاني: وهو ممن ظهر لي أنه يعدّ من حفاظ القرن الثاني
عشر، لأنَّه ممن رحل ورُحل إليه، وروى وصنف واختار ورجّح وغرس غرساً
بالهند أطعم وأثمر وأكل منه خلق، توفي رحمه الله في عام ١١٧٦ هـ، انظر:
فهرس الفهارس: ١١٢٢/٢؛ ونزهة الخواطر.
(٢) هو السيد الإمام حجة الله بين الأنام، قامع الكفرة والمبتدعين، المجاهد
الشهيد أحمد بن عرفان الحسني البريلوي، ولد في صفر سنة ١٢٠١ هـ ببلدة
(راي بريلي) ونشأ في تصون تام وتأله، واقتصاد في الملبس والمأكل، ولم يزل
على ذلك خلفاً صالحاً برّاً تقيّاً ورعاً، تلقى العلم عن الشيخ عبد العزيز بن ولي=
٢٤٦

الكنكوهي، المتوفى سنة ١٣٢٣هـ، وقد كان من خلفائهم المصلح الكبير
حكيم الأمة الشيخ أشرف علي التهانوي، المتوفى سنة ١٣٦٢ هـ(١)، وإن شاء
الله سوف نتحدث عن أعماله التجديدية والإصلاحية في هذا الباب بشيء من
التفصيل.
الشيخ التهانوي المجدّد:
وقد وفّق الله تعالى المصلح الكبير الشيخ أشرف علي التهانوي، فقام
بالتمحيص في هذا الباب، ونقح مثل هذه الأخطاء المختلقة، فكان عمله ذلك
عملاً تجديدياً في باب التزكية والإحسان.
الله الدهلوي، وأخذ عنه الطريقة، وفاق الأقران، وأتى بما يتحير منه أعيان
=
البلدة في العلم والمعرفة، ثم غلب عليه الشوق إلى الجهاد في سبيل الله،
فذهب إلى معسكر الأمیر المجاهد نواب میرخان، ولبث عنده بضع سنين، ثم
رجع إلى دهلي ووقف نفسه لنصرة السنة المحمدية والطريقة السلفية حتى
أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته، ودخل في بيعته كبار
العلماء، وسافر إلى الحجاز، وحصلت له هناك الكشوف والكرامات، وانتفع
به خلق كثيرون، ثم سافر إلى أفغانستان، وحرَّض المؤمنين على الجهاد
فبايعه الناس، ونال درجة الشهادة العليا في معركة (بالاكوت) في الرابع
والعشرين من ذي القعدة سنة ١٢٤٦ هـ واستشهد معه كثيرٌ من أصحابه، (نزهة
الخواطر: ٢٧/٧ - ٣١).
(١) مقتبس من مقدمة سماحة الشيخ أبي الحسن الندوي رحمه الله لكتاب (بين
التصوّف والحياة)، ص٣ - ١٢، بشيء يسير من التعديل والاختصار.
٢٤٧

ولم يقتصر رحمه الله على هذا الجانب السلبي، وإنما أضاف إلى ذلك
الجانب الإيجابي، وهو أنه وُفَق إلى عرض هذا الجانب الديني المهم - جانب
التزكية والإحسان - عرضاً صحيحاً إسلامياً، حتى تحقق أن التصوّف ليس إلا
تعبيراً عن الشريعة الإسلامية وتفسيراًلها .
لم يؤد الشيخ رحمه الله هذا العمل التجديدي نظرياً وعلمياً، بل إنما قام
بإحياء التصوّف عملياً، وحقّقه بوسائل التعليم والتربية في غاية من التحقيق
والاجتهاد، وبعثه بعثاً جديداً، وقام -رحمه الله-نظراً إلى أهمية تجديدالتصوّف،
وضرورة تعليمه، وإبانة حقيقته، بتأليف رسائل كبيرة وصغيرة مفردة لهذا
الموضوع، وغير مفردة، وبمواعظه وملفوظاته، وعرض في مؤلّفاته المختلفة
هذا الموضوع بإيجاز وتفصيل وبعناوين مختلفة ومنوّعة.
يقول الشيخ أبو الحسن علي الندوي - رحمه الله - وهو يسلّط الأضواء على
العمل التجديدي الذي رفع لواءه الشيخ التهانوي -رحمه الله-في هذا الباب:
((كان الشيخ التهانوي من أعظم من انتفعت بهم الهند في إصلاح العقيدة،
والعمل، والرجوع إلى الله، وإصلاح النفس، وانتفع الناس بكتبه انتفاعاً لم
يعرف لعالم آخر في هذا الزمان، وقد شرح الله صدره لتيسير هذه الطريقة - طريقة
التزكية والإحسان - وتقريبها، وتنقيح الغايات من الوسائل، واللباب من
القشور والزوائد، وبلغ فيها درجة الإمامة والاجتهاد، حتى أقرَّله كبار العلماء،
والشيوخ والمربّون بالتفرّد في هذا الباب، والتجديد لهذا الفن، ووفقه الله عن
طريق التربية والتأليف والوعظ لتجلية حقيقة التصوّف، وإقناع الناس بأهميته،
٢٤٨

والحاجة إليه، وتيسيره لكل فرد على حسب طبقته، وأشغاله، وثقافته
وعقليته، حتى سهل مناله، ودنا جناه، وأقبل عليه العلماء والزعماء والمؤلفون
والموظفون وكبار العلماء والمثقفين والمعلّمين في الجامعات، ممن تأثر
بالحضارة الغربية، والفلسفة الحديثة، وتعرض للإلحاد والمروق من الدين،
والعاطلون والمشتغلون، وأهل النبوغ والذكاء، وأهل الحرف والصناعات،
وأصحاب النفوس القوية، وأهل الهمم الضعيفة، على السواء، حتى كان
للتصوّف وإصلاح الباطن مكانة في الطبقة المثقّفة، ودولة في العهد
المادّي))(١).
حقيقة التصوّف عند الشيخ التهانوي:
يقول الشيخ التهانوي رحمه الله وهو يعبّر عن حقيقة التصوّف:
((إن الأعمال التي أمرت الشريعة الإسلامية بإتيانها، أو نهت عنها هي من
نوعين :
بعضها يتعلق بظاهر الجسد، وبالحقائق المعروفة العامة مثل الشهادة
باللسان والصلاة والصيام والحج والزكاة وخدمة الأبوين، وهي تسمّى
(مأمورات) ومثل التكلم بكلمة الكفر، والإتيان بأعمال الشرك والزنى والسرقة
وأكل الربا والارتشاء، وتسمّى (منهيات).
وأمرت بجوارها بأعمال تتعلق بالباطن، وهي الإيمان والتصديق،
(١) مقدمة كتاب (بين التصوّف والحياة) للأستاذ عبد الباري الندوي، ص١٢ -١٣ .
٢٤٩

والعقائد الصالحة والشكر، والتوكّل، والرضا بقضاء الله، والتسليم
والإخلاص له، ومحبّة الله ورسوله وما سواها من الأعمال الحسنة الأخرى،
وهي (مأمورات وفضائل) أيضاً، أما العقائد الباطلة وعدم الصبر، والكفران
والرياء والكبر والعجب وغيره، فهي (المناهي والرذائل) التي نهت عنها
الشريعة الإسلامية، في القرآن الكريم تجد ﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾
[البقرة: ٤٣]، وتجد ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ﴾ [آل عمران:
٢٠٠]، وتجد ﴿وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وكما تجد في مواضع من
القرآن ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ
أَلْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، تجد كذلك في موضع آخر ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾
[المائدة: ٥٤]، ﴿ وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسَذُ حُبَّا لِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وكما تجد في
موضع ﴿ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، تجد في موضع
آخر ﴿يُرَآءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢]، وكما تقرأ لوماً وتقريعاً على تارك
الصلاة، ومانع الزكاة، تقرأ كذلك ذمّاً وإنكاراً على صاحب الكبر والعجب،
وكل ذلك يوجد في الأحاديث النبوية أيضاً، فحينما نرى فيها أبواباً لبيان
الصلاة والصيام، وشرح أحكام البيع والشراء، والزواج والطلاق، نرى أبواباً
أيضاً في ذم الرياء وطلب السُّمعة والكبر وغيره))(١).
الأعمال الظاهرة لم تفرض إلا لتخدم الإنسان في تزكية باطنه:
ولو حققنا النظر في هذا الباب لعلمنا أنَّ الأعمال الظاهرة هي نفسها لم
(١) بين التصوّف والحياة، ص٢٦.
٢٥٠

تفرض إلا لتخدم الإنسان في تزكية باطنه، ولعلمنا أنَّ تزكية الباطن هي غاية في
محلّها، وهي مستوجبة لنجاة الرجل في الآخرة، وأنَّ فساد الباطن وقذارته
يستوجبان الهلاك في الآخرة، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ
زَّكَّنِهَا (٥) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنْهَا﴾ الشمس: ٩ -١٠]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنَفَعُ مَالٌ
وَلَ بَنُونَ (ِهِ) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩].
ومن هنا يتبيّن لنا أنَّ الغاية الوحيدة للإنسان هي تزكية القلوب، وأن
القلب بمثابة الملك بين رعيته وجنوده، والجوارح بمثابة الجنود والعبيد، وإذا
صلح الملك تبعته في صلاحه أتباعه وطاوعوه، وهذا ما يُشير إليه قول الصادق
المصدوق وَله: ((ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةٌ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإِذَا
فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألاَ وهِيَ القَلْبُ))(١).
ومراد ذلك أن صلاح الجسد الظاهري وأفعاله، وفساد أعمال الجسد
الظاهر وأفعاله، إنما يتوقفان على الصلاح القلبي والباطني وفساده، وليس
الغرض من التصوّف أو التزكية أو (فقه الباطن) إلا إصلاح هذا القلب،
وتزيينه، وصيانته من الشر، ومعالجته عند فساده ومرضه(٢) .
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان (٥٢)؛ ومسلم في صحيحه،
كتاب المساقاة، (١٥٩٩)؛ وابن ماجه في سننه، كتاب الفتن (٣٩٨٤)؛
والدارمي في سننه، كتاب البيوع (٢٥٣١).
(٢) بين التصوّف والحياة، ص٢٦ .
٢٥١

التصوّف هو التزكية التي تخضع لأحكام الشريعة الإسلامية
واتباعها والامتثال لها:
يقول الشيخ عبد الباري الندوي رحمه الله، وهو يشرح لنا حقيقة التصوّف
عند الشيخ التهانوي رحمه الله: ((إن من الخطأ والالتباس العظيمين ما وقع فيه
ـعض كبار العلماء، بأن حسبوا طرق التزكية السائدة اليوم هو التصوّف بعينه،
لذلك دخل الإشراقيون على وجه العموم، ورهبان البراهمة على وجه
لخصوص في زمرة المتصوّفة، وهذا الالتباس الخاطئ لم يدخل في عقول
لناس إلا من الكلمة المعروفة الذائعة: ((أن الصوفي لا مذهب له))، فتحرّر
التصوف بذلك من قيد الإسلام، وجاز له أن يتحد إذا شاء مع كل عقيدة، ودين
غير الإسلام.
قال أصحاب هذا الفكر الخاطئ: إن التصوّف هو أسمى وأرفع من أن
تقيد بظواهر الأعمال، وإنه لزعم فاسد لا حقيقة له، ولا نصيب له من الصحة،
وقد استنكره شيخنا الشيخ أشرف علي التهانوي قائلاً: ((ليست كل تزكية
صوفاً، وإنما التصوّف هو التزكية التي تخضع لأحكام الشريعة الإسلامية
تحصل باتباعها والامتثال لها، وإنما هي التي تصلح للمرء أُمرَ آخرته،
يُدخل صاحبها تلك الجنة التي وُعد بها المتقون، إن الله تعالى قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ
مَنْ زَّكَّنْهَا (٥) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّنهَا﴾ [الشمس: ٩ -١٠]، وذلك باتباع الشريعة
لإسلامية، لا بمخالفتها.
أما الرياضات الروحية، والمجاهدات البدنية الكثيرة التي يأتيها رهبان
من البراهمة وغيرهم، فليست من التزكية والتصوّف في شيء، مهما قيل عنها،
٢٥٢

ومهما سُمّيت بأسماء التصوّف، ولن تحمل تلك الأسماء والألقاب معنى، ولا
حقيقة ولا شأن لها بالتصوّف، إنها ألفاظ مجردة ومردودة عند الله غير مقبولة،
وبالتالي لا يمكن لرجل أن يحرز رحمة الله، وينال الفلاح يوم الآخرة، وحياته
متعارضة مع الشريعة الإسلامية))(١).
إنكار الشيخ التهانوي على الجهلة من الصوفية:
ومن هنا جاء إنكار الشيخ التهانوي رحمه الله على الجَهَلةَ من الصّوفية،
الذين غيّروا مفهوم التزكية رأساً على عقب، واختلفوا لها معنى ترضاه أهواؤهم،
وشرحوها شرحاً لا يتفق إلا مع ميولهم ورغباتهم فحسب، ويظنّون أن تزكية
القلب وإن كانت غير خاضعة للشريعة الإسلامية هي أرفع درجة من العبادات،
والأعمال الظاهرة، مثل الصلاة والزكاة وغيرها، وأن هذه الأعمال أحطّ
منزلة، وأقل قيمة من طرق التزكية السائدة المشهورة، فقَنّدَ الشيخ التهانوي
رحمه الله مزاعمهم الباطلة، ودَحَضَ أباطيلهم، وأوضحَ بكل صراحة أن امتثال
الشريعة الإسلامية، واتباع الرسول عليه الصلاة والسلام هما أهم الأعمال
وأوجبها، وأن الذي لا يخضع ولا يستسلم لها، ولا يحافظ على إكمالها، لا
يمكنه أن ينال رضا الله سبحانه وتعالى، ولا أن يحرز ثوابه وجنته، ومما لا شك
فيه أن الجنة ورضا الله سبحانه وتعالى، هما غايتان منشودتان وهدفان جليلان
لكل مسلم، أفليس التصوّف باطلاً إذا تحرر من الخضوع لأحكام الشريعة،
ومن السعي للعمل بها كاملة؟! وكما أن كرامات الأولياء لا تصح ولا تقبل إلا
(١) المصدر السابق نفسه.
٢٥٣

إذا كانت صادرة من رجل ورع تقي بار، كذلك التصوّف لا يصح ولا يقبل عند
الله تعالى إلا إذا كان في رجل ورع تقي، عامل بالشريعة، خاضع لها، ولا بدعَ
في ذلك، فقد كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهم سادة الأولياء وأئمة
الأبرار، يواظبون على جميع العبادات من صلاة وصوم وزكاة وجهاد وتلاوة
القرآن، وأمرٍ بالمعروف ونهي عن المنكر، وغير ذلك من الأعمال الصالحة،
ويداومون عليها، ولذلك كانت قلوبهم صافية، ونفوسهم زاكية، لأنهم قاموا
بهذه الأعمال كلها أحسن قيام، فرضي الله تعالى عنهم، وأثبت هذه الشهادة في
كتابه حيث قال: ﴿رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [البيّنة: ٨].
فثبت أن التصوّف (الحقيقي) ليس إلا تزكية للباطن، مع الامتثال الكامل
للشريعة الإسلامية، والاستسلام لها بكل معنى الكلمة(١).
إزالة سُوء الفهم:
كان الشيخ التهانوي رحمه الله قد جعل نُصب عينيه النظر إلى الغايات
والأهداف دون الوسائل والأسباب، أو إلى الأعمال الظاهرة والقشور الزائفة،
فنراه في مبحث (ذكر الله تعالى) يردّ على أولئك الذين لا يكون همّهم إلا ترديد
كلمة لفظ الجلالة مئة ألف مرة، أو غير ذلك من الأعداد، دون أن يتأملوا في
حقيقة الذكر، ويتعمقوا في الهدف من الذكر والغاية منه.
يقول رحمه الله: ((يظن الناس بعد ترديدهم لكلمة (الله) مئة ألف مرة،
(١) بين التصوّف والحياة باختصار وتعديل، ص٣١ -٣٢.
٢٥٤

أنهم أتوا بالذكر، مع أنهم لم يأتوا بحقيقة الذكر، بل إنما أتوا بصورة الذكر
وبأثر من آثاره، لأنهم لو كانوا أتو بحقيقة الذكر لم تَخْلُ حياتهم من الأعمال
الحسنة الأخرى، بل نجد أنَّ كثيراً من الذين يردّدون كلمة (الله) مئة ألف مرة لا
توجد فيهم الأعمال الأخرى بتاتاً)).
وقال في موضع آخر وهو يبيّن فائدة استقرار ذكر الله في قلب الإنسان
وتمكّنه منه: ((من استقر ذكر الله في قلبه، فيكون رضا الله وعتابه ومحبّته
وجلاله، وعقابه وثوابه نُصب عينيه في أحوال الحياة كلها، من حركات
وسكنات، وبعد ذلك يجب على المرء أن لا يقع في المعاصي، وأن لا يتعمّد
ذنباً، سواء كان صغيراً أو كبيراً، إلا لغفلة بشرية أو عند النسيان)).
وأوضح الشيخ رحمه الله هذه الحقيقة في موعظة له تسمّى (بأكبر
الأعمال)، عدّ الذكر فيها من أكبر الأعمال، يقول فيها: ((إن الذكر حق الذكر
هو ما يحمل على اجتناب جميع المعاصي، ويحضّ على الإتيان بجميع
الأعمال الحسنة))(١).
(١) ينظر كتاب (قصد السبيل إلى المولى الجليل)، للشيخ التهانوي؛ وكذلك
کتاب (بین التصوّف والحياة)، ص٥٧ - ٥٨ .
٢٥٥

الفصل الثاني
تقرير حقيقة الأذكار والأوراد
إصلاح خطأ جسيم في باب الذكر:
وقع كثير من الناس في خطأ جسيم في باب الذكر، إذ حسبوا أن مجرّد
الذكر يكفي لإصلاح جميع الأعمال والأخلاق، وهم أشدّ خطأ حينما يحتجّون
لزعمهم هذا بأنه قيل: ((أنا جليس من ذكرني))(١) فيظنون أن هذا يدل على أن
العبد یتقرب إلى الله بالذکر، فإذا تقرب إلى ربه فکیف یمکنه أن يعصيه، أو یأبی
أوامر ربّه؟! فإذاً لا حاجة إلى وسائل أخرى لإصلاحه، وقد عمّت هذه الفكرة
الخاطئة حتى عند المشايخ العظام، فإذا أخذوا البيعة ولقّنوا عدة أذكار فكأنهم
انتهوا من عملهم، فلا صدّ لفساد الأعمال والأخلاق ولا عتاب ولا استجواب،
ولا مداواة ولا تدبير، بل إذا عرض الطالب على شيخ من هؤلاء المشايخ
(١) رواه ابن أبي شيبة في المصنف: ١٠٨/١، (١٢٢٤) عن كعب قال: ((قال
موسى: أي رب، أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك؟ قال: يا موسى أنا
جليس من ذكرني .. )). ونحوه في: ٧/ ٧٣، (٣٤٢٨٧)؛ والبيهقي في شعب
الإيمان: ٤٥١/١، (٦٨٠)؛ وابن أبي عاصم في الزهد، ص٦٨؛ وأحمد بن
حنبل في الزهد، ص٥٧؛ وأبو نعيم في حلية الأولياء: ٣٧/٦ - ٤٢؛ وذكر
طرقه بالتفصيل الإمام العجلوني في كشف الخفاء: ٢٣٢/١، (٦١١).
٢٥٦

مرضه، وطلب منه علاجه، يقترح عليه ذكراً أو ورداً.
أما الشيخ المجدّد التهانوي رحمه الله فمختلف عن هؤلاء في هذه
الناحية، إذ قام بتغيير جليل في كيان التصوّف السائد، ولذا نعدّ ذلك مجهوداً
كبيراً، له قيمة ومكانة كبيرة، فقد جعل المؤاخذة والمداواة في الأعمال
والأخلاق في الدرجة الأولى، بالنسبة إلى الأذكار المعروفة، والأعمال والأوراد
السائدة، وجعل هذه الأذكار وما إليها في الدرجة الثانية، بل الثالثة، فلم يكن
الحديث عنها يأتي في مجلسه إلا نادراً.
أما النقد للأعمال والأخلاق، فقد کان کثیراً ما يقول رحمه الله وهو يردّ
على القائلين بأن الذكر هو كل شيء ولا حاجة إلى إصلاح الأعمال: ((وهذا
خطأ فاحش، لأن وسائل الإصلاح داخلة في كلمة (ذكرني)، فلا يثبت (ذِكرُ
اللهِ) بدون معالجة الأمراض ومداراتها، اقرأ (الحصن الحصین) تجد فیه (بل
كل مطيع لله ذاكر) فمعنى الذكر التذكير، والتذكير يأتي من طرق مختلفة، لا أن
ينطق باسم شيء، ويردده فقط! أفيعد ذكراً أن لا يكاتب ولا يراسل، ولا يكلم
ولا يزور، ولا يمتثل الأوامر؟! كلا؛ إنه ليس من الذكر في شيء، أما الذكر
الذي لا يصحبه الإصلاح فليس إلا مثل هذا».
وقال رحمه الله في مناسبة من المناسبات: ((إن مجرد الورد لا يكفي
أبداً، أحلف بالله أن شيوخ الأوراد المجرّدة لا يوجد لديهم الإصلاح،
والإصلاح لا يأتي إلا باختيار طرق الإصلاح)).
وقال: ((إن الناس في هذه الأيام يغرمون بالأوراد، ولا يقبلون على
الشيء الأصيل، وهو الدعاء، مع أنه روح ولب لجميع العبادات)).
٢٥٧

ثم يردّ على الجهلة من المتصوّفين قائلاً: ((وهكذا تجد كثيراً من الجهلة
يحسبون الأذكار والأشغال والمراقبات والرياضات أو الأحوال، غايات
ومنشودات أصيلة للتصوّف والولاية، وهذه جهالة خالصة، لأن المقصود هو
أعمال الظاهر والباطن لا غير، أما بقية الأذكار والأشغال المتعارفة أو الرياضات
والمراقبات، فليست إلا تدابير ووسائل لإصلاح الأعمال، وأما الأحوال فهي
الثمرات التي ليست بلازمة، أي الثمرات التي لا يلزم أن تظهر، وليس
تحصيلها بواجب ولا منشود)»(١).
مبدآن أساسيّان للتجديد في مجال التصوّف:
يقول الشيخ عبد الباري الندوي رحمه الله: «أما أساس تصوّف شيخنا
رحمه الله الذي يعدّ بحق تجديداً وإصلاحاً عظيماً في التصوّف فهو مبدآن،
يجب التجنب فيهما في جميع الأوقات لأمرين :
أحدهما: الغفلة، وعلاجها الذكر .
ثانيهما : المعصية .
ويرى عامة أهل الدين، وأصحاب العلم الظاهري أنَّ المعاصي هي
الكبائر من الذنوب، وما تقترفه جوارح الرجل، أما صغائر الذنوب وما يخصّ
القلب والباطن منها، فلا يكترثون لها كثيراً.
(١) بين التصوّف والحياة، ص١٩٤ -٢١٩.
٢٥٨

يقول الشيخ التهانوي رحمه الله: ((الغفلة تجرف النورانية والإشراق من
القلب، والمعصية تضيف إلى ذلك، بأن تزيده في السقوط عن التقرب،
والقبول عند الله، فلا شك أن هذه خسارة كبيرة)) .
ولأجل ذلك ألحّ الشيخ على العناية الفائقة في ذلك، وأنه يجب على
المرء إذا بدرت منه هفوة أو معصية، سواء كانت قولية أم فعلية بسبب من
غفلته، أو خبث من نفسه، فعليه أن يستغفر ربه بكل ضراعة، ویندم على فعله،
ويتوب إلى الله، بيد أن بعض المعاصي أعظم ضرراً وأكبر خطراً، فيجب على
الطالب في صددها أن يكثر حذره واحتياطه فيها، وتجد من هذه المعاصي
الرياء والاستكبار، ويتولد منها أحياناً الفخر، سواء كان هذا الفخر على فضيلة
دنيوية أو فضيلة دينية، وتجد من هذه المعاصي الغيبة والوشاية والنقد والطعن
والاعتراض، وكثيراً ما يرزأ الهجر من الكلام وفضوله صاحبه، ويسلب شيئاً
كثيراً من نور قلبه، ولذلك يحسن بطالب الحق أن يجتنب إكثار مخالطة
الناس، والتآلف معهم، إلا إذا مسّت الحاجة إلى ذلك.
ومن هذه المعاصي التفات الرجل إلى موضع لا يجوز له الالتفات إليه
برغبة أو شهوة، سواء كان هذا الالتفات بالنظر أم بخاطر يخطر بالقلب.
ومن هذه المعاصي تجاوز الحد المشروع في الغضب، أو إتيانه
بالغضب في غير موضعه، أو تعرضه لأحد بغلظة أو قسوة (١).
(١) بين التصوّف والحياة، ص٧٨ - ٨١.
٢٥٩

الفصل الثالث
تقرير حقيقة المجاهدة
وتفنيد مزاعم الجهلة من المتصوفة المتعسّفين
إن حقيقة المجاهدة هي التدريب على إنكار الذات ومخالفة النفس،
ليمكن التغلّب على الشهوات، وعلى ميل النفس إلى الرغائب، من نعمة
الجسد، ووفرة المال، واكتساب الجاه، وقد عبّر عنه القرآن بالجهاد بالأنفس
والأموال، ووعد بالهداية والرشد على هذه المجاهدة ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِنَا
لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَئًا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، ونجدُ عند الشیخ التهانوي رحمه الله تقریر
هذه المجاهدة وتجديدها بقوله: ((مطالب النفس اثنتان: أحدهما: الحقوق،
وآخرهما: الحظوظ، أما الحقوق فلا يقوى الجسم إلا بها، ولا تكون بدونها،
وأما الحظوظ فهي فاضلة عليها، وتأتي بعدها، فغاية المجاهدة هي أن تبقى
الحقوق وتفنى الحظوظ))(١).
لا إفراط ولا تفريط:
وكما أفرط الناس في جانب ترفيه النفس، حيث يقتصرون حياتهم كلها
(١) التكشف بمعرفة أحاديث التصوّف، ص٦٤؛ وانظر: أشرف الطريقة في
الشريعة والحقيقة، ص٧٥.
٢٦٠