Indexed OCR Text

Pages 201-220

المسلمونَ من لسَانِهِ ويَدِهِ))(١).
وها هو كتابه القيم (آداب المعاشرة) خيرُ دليلٍ على ما كان يحمله الشيخ
رحمه الله من فكر دائم وهمٍّ عميق، نحو إصلاح المعاشرة، وتحلية المجتمع
بالخلق الحسن، وتخليته من مساوئ الأخلاق، والسلوك المنافي الروح
الشريعة الإسلامية .
كان جلّ عنايته رحمه الله تعليم الإحسان إلى خلق الله وعدم مسّهم
بالإهانة والإيذاء.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان رقم (١٠ و١١)؛ وكتاب الرقاق،
(٦٤٨٤)؛ ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، رقم (٤٠، ٤١، ٤٢)؛
والترمذي في سننه، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع (٢٠٥٤)؛ وكتاب
الإيمان، (٢٦٢٨)؛ والنسائي في سننه، كتاب الإيمان وشرائعه، (٤٩٩٩)؛
وأبو داود في سننه، کتاب الجهاد، (٢٤٨١).
٢٠١

الفصل الخامس
تعليم حُسن المعاشرة مقدَّم على تعليم النوافل
إنَّ رأسَ الخُلق الحسن وأساسه أن يهتمَّ الرجل بأن لا يتأذى به أحد،
وهو الذي علّمه النبيِ وَّ بقوله الجامع: ((المسلمُ من سَلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ
ويدِهِ))(١) وكلّ ما كان سبباً لإيذاء أحد، فهو داخل في سوء الخلق، سواء كانت
صورته صورة خدمة أو أدب وتعظيم مما يزعمه الناس حُسْنَ خلق، لأن حقيقة
الخُلق الحسن هي إراحة الغير، وهي مقدمة على الخدمة، فالخدمة بغير
الإراحة قشر بلا لُب، وإن آداب المعاشرة ولو كانت متأخرة عن العقائد
والعبادات من حيث كونُها شعائر للدين، ولكنها مقدمة على العقائد والعبادات
من حيثية أخرى، وهي أن في الإخلال بالعقائد والعبادات ضرراً يقع على
الإنسان نفسه، وفي الإخلال بآداب المعاشرة ضرراً لغيره، وإضرارُ الرجل
بغيره أشدّ من إضراره بنفسه، ومن ثَمَّ قدّم الله تعالى قوله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى
اَلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْسَلَمًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، الذي فيه تعلیم
آداب المعاشرة، على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِتُونَ لِرَبِهِمْ سُجَدًا وَقِيَمًا﴾
[الفرقان: ٦٤]، الذي فيه تعليم العبادات وغيرها .
(١) تقدَّم تخريجه في الفصل السابق.
٢٠٢

فالمعاشرة الحسنة مقدمة على الفرائض من بعض الوجوه، وأما تقدّمها
على النوافل فثابت من جميع الوجوه، وكما ورد في الحديث الشريف الذي
رواه الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه قال: قيل للنبيٍّ وَّ: إن فلانة
تصوم النهارَ، وتقومُ الليل، وتؤذي جيرانها بلسانها؟ فقال: ((لا خيرَ فيها، هي
في النَّار))، قيل: فلانةٌ تصلّي المكتوبة وتصوم رمضان، وتتصدّق بأثوارٍ من
إِقْطٍ ولا تؤذي أحداً بلسانها، قال: ((هي في الجنَّة))(١).
فبيّن النبيُّ ◌َّر أن التي كانت تقوم بواجباتها تجاه ربّها، وتصون لسانها
من إيذاء الآخرين في الجنة، وأما التي كانت تؤذي جيرانها فهي من أهل النار،
حتى لو كانت تصلّي وتقوم الليل، وبهذا اتضح لنا قيمة المعاشرة وأهمية
الاعتناء بها .
(١) رواه أحمد في مسنده رقم (٩٦٧٣)؛ والبخاري في الأدب المفرد: ٥٤/١،
(١١٩)؛ والحاكم في المستدرك واللفظ له: ١٨٤/٤، (٧٣٠٥ - ٧٣٠٤)،
وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، كما رواه ابن حبان في
صحيحه : ١٣/ ٧٧، (٥٧٦٤).
٢٠٣

الفصل السادس
إصلاح العادات والتقاليد غير الإسلامية
كان التهانوي رحمه الله يبذل جهداً كبيراً في إصلاح الرسوم والقضاء
على الطقوس والتقاليد غير الإسلامية السائدة في المجتمع الإنساني نتيجة
إغفال الناس تعاليم الكتاب والسنة، واحتكاكهم المباشر بالمجتمع الهندوسي
الذي يتكون من أساسه بأفكار زائغة، وأوهام خيالية، ومعتقدات واهية لا
أساس لها في الدين والشريعة، فكان التشبه بالهندوس شائعاً في كل الأوساط،
وجميع مجالات الحياة، ولم يكن الأمر مقتصراً على الطقوس العادية، وإنما
بلغ الأمر إلى مشاركتهم حتى في أعياد الهندوس وحفلاتهم التي يغلب عليها
الطابع الديني، بل قد تتضمن نوعاً من أنواع الإشراك بالله، ومعظم تلك العادات
والتقاليد كانت مرتبطة بمناسبات الأفراح والأحزان، وكان منها ما ابتدعه
القبوريون، وكانوا يرون أنَّ فيها أجراً وثواباً، فقيّض الله سبحانه وتعالى الشيخ
رحمه الله لدحض هذه التقاليد الخرافية، وذلك باستخدام شتى الوسائل
ومختلف الأساليب مثل إلقاء الخطب، وعقد مجالس الوعظ، وإعداد النشرات
والكتب، وكان يرشد الناس إلى اتباع السنة، وتجنب البدع، فانتفعت به الأمة
كثيراً، وتخلّصت من أدناس الشرك وأرجاس الخرافات والعادات الجاهلية.
٢٠٤

وها هو كتابه المسمّى (إصلاح الرسوم) (إصلاح التقاليد والعادات)
يسلّط الأضواء على جهوده المباركة في هذا المجال، ورغم صغر حجم الكتاب
فإنه جمع واستوعب كل هذه الأمور، أو معظمها، أو أرشد الناس إلى ما هو
المحبوب المرضيّ عند الله تعالى ورسوله بَلّه، وكذلك كتابه (أغلاط العوام)
و(حفظ الإيمان) و(إصلاح انقلاب الأمة) من الكتب المهمّة، ذات الفوائد
القيّمة النَّادرة.
وقد كانت نقطة انطلاق الشيخ رحمه الله في هذا السبيل هو قوله تعالى:
﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ [هود:
٨٨].
٢٠٥

الفصل السابع
الجهود الإصلاحية في مجال تعليم المرأة المسلمة (١)
أما دور التهانوي في تعليم المرأة، وجهوده الإصلاحية في هذا المجال
فهي تعرف خاصة من كتابه (حلية أهل الجنة) الذي قدم فيه الشيخ صورة
ملخّصة جامعة لمفاهيم القرآن الكريم، والسنة المطهّرة، وتناول فيه معظم
القضايا الخاصة بحياة المرأة اليومية، فهذا الكتاب موسوعة تتضمن مسائل
المرأة المسلمة وأحكامها في الإسلام، ذاع صيتها في الوقت الذي لم يتوفّر في
أي كتاب آخر باللغة الأردية، يحقق متطلبات النساء، فقد بحث فيه المؤلف:
الإيمان، والعبادات، والأخلاق، والمعاملات، وأساليب الحياة إلى جانب
التوجيهات القيّمة الخاصة بشؤون المنزل، والأمور العائلية .
هذا الكتاب يجسّد فعلاً اهتمامه البالغ بتعليم النساء اللاتي ظلّ أغلبيتهن
فريسة للانفلات، وعدم العناية من قبل المجتمع المسلم الهندي في مجال
التعليم، بالرغم من وجود الدلائل القوية، والنصوص الواضحة التي تحثّ
(١) من مقال الأستاذ الدكتور نسيم اختر الندوي (مجلة البعث الإسلامي الصادرة
في لكنو عدد محرم ١٤٢٤ هـ) بتعديل واختصار.
٢٠٦

المسلم والمسلمة على الاهتمام بالعلم سواء بسواء، فقد ظلّت المرأة المسلمة
في الهند متخلّفة عن مسيرة التعليم، فقام الشيخ التهانوي وألقى النظر على
المجتمع الهندي، ووجد الناس منقسمين إلى ثلاث فئات في موضوع تعليم
المرأة:
فالنوع الأول: قد اختار موقفاً حيادياً، لا يؤيد ولا يعارض فكرة تحلية
المرأة بالتعليم.
والنوع الثاني: يعارض تعليم المرأة معارضةً شديدةً.
والنوع الثالث: يستعدّ ويؤيّد ما ينفع المرأة من التعليم والتربية.
كان الشيخ التهانوي يؤمن أن الأفراد من الفئة الأولى منحرفون عن طريق
الصواب، وهم قد فشلوا في تعليم المرأة، وتقدير دورها الملموس، ونشأ هذا
الخطأ عن الفكرة المادية الجامحة، فهم يرون أن المرأة لا تهمّها الوظائف،
وضرورة الأعمال خارج سور البيت، فلا داعي لها لأن تتسلَّحَ بالتعليم،
وتتكلفَ ما لا يفيدها، ولا يفيد أسرتها .
ويعتقد الشيخ التهانوي أن هذا الموقف أبرز مثال على الفجوات الفكرية
بين المسلمين الهنود وخاصة هذه الفئة، ولا يدري هؤلاء الناس أن الإسلام دين
لا يشيد بفكرة ربط التعليم بالعمالة، ولا يعتبر التعليم وسيلة للترف المادي، بل
إنه يشدّد على تلقّي العلم الديني، مؤكداً بأنه تتجلى فيه إمكانية أوسع لتقوية إيمان
الفرد بخالقه عزَّ وجلَّ، وهذا هو التعليم الذي ينشِّط الناسَ في جميع أشغالهم
اليومية، ويرتفع به مستوى سلوك الفرد وأخلاقه في المجتمع.
٢٠٧

ويرى الشيخ التهانوي أن الفئة الثانية التي تعارض تعليم المرأة تعتمد في
فكرتها على الأسباب التالية:
١ - هذه الفئة تؤمن بأن تعليم المرأة مُضِلّ، لأن المرأة المتعلمة تتورّط
سافرة في النطق والكتابة، حول الموضوعات غير الملائمة خلقياً، مما يؤدي
بها إلى الوقوع في الفجور، الذي يقضي على ما تحمله من الحياء والوقار، ولا
يتوقف الأمر ها هنا، بل يتأثر مزاجها النسائي، وتصبح منفتحة في طبيعتها،
فيبدأ الجنس الخشن يستغلّها، وهي تتعرض لما لا يليق بمكانتها، وقد تقع
فريسة الفُحش بسهولة لا يمكن تصورها.
٢ - إن فئة النساء إذا اختلطت بفئة الرجال بهذه الطريقة، توفّرت جميع
الإمكانات لنشوء الانحرافات الخُلقية، ويلاحظ أن المرأة المنفتحة بطبيعتها
تتأخر عن إجابة الرجل البليغة، وفي بعض الأحيان تسكت وتحول طبيعتها
النسائية وفطرتها الأنثوية دون إظهار رضاها وموافقتها، ويظن الرجل سكوتها
رضاً منها، وهذه هي الأشياء التي أباحت لمؤيدي هذه الفكرة أن يذهبوا إلى
الزعم بأن التعليم هو الذي سبّب هذه المشاكل كلها، وأن المرأة لو لم تكن
متعلمة لما ظهرت هذه المشاكل، كما يؤكد هؤلاء أن من معايب المرأة
المتعلمة أنها تقرأ كل شيء مكتوب على الصفحات، سواء أكان من الروايات
الرومانسية، أو الكتب الماجنة، أو قصص الهوى، مما يثير فيها الرغبات
الجنسية والغرائز البشرية، الأمر الذي قد يؤدي إلى افتتانها وإيجاد فضائح
خلقية .
٢٠٨

يقول الشيخ التهانوي: ((إنه من الصعب جحود هذه الإمكانات، ولكننا
إذا تدبرنا في هذا الأمر، وجدنا أن هذه المفاسد ليست ناتجة عن التعليم، وإنما
المسؤول الوحيد فيها هو منهج التعليم، الذي يتسبب بخلق هذه المفاسد
وإنشاء هذه الفتن، والحقيقة أن المرأة لم يتم تثقيفها بوسيلة الكتب النافعة
والمفيدة لدينها ودنياها، ولم تنل حظها من الكتب التي تتناول مسائل الحلال
والحرام، ومباحث الجزاء والعقاب، والآداب والأخلاق، وكذلك الترغيب
والترهيب.
ولا يمكن اعتبارُ شخصٍ يعرف قراءة حروف الهجاء متعلّماً، ولا يعدّ
هذا القدر من المعرفة تعليماً، وكذلك لا يمكن القولُ بأنَّ أحداً يصيرُ متعلماً
بقراءة بعض الروايات أو القصص والمجلات، وأحياناً نجد أن منهج التعليم،
والمقررات الدراسية جيدة ومفيدة، ولكن لا يتم تطبيقها عملياً، وهكذا تظل
غايةُ التعليمِ بعيدةً عن التحقيق.
وأما ما يتعلق باتصال امرأة برجل ما نطقاً أو كتابةً، فيمكن التغلّب على
هذه الظاهرة والقضاء عليها بالمراقبة الشديدة على عملية الاتصال)).
والفئة الثالثة التي تؤيد تعليم المرأة في نطاق ضيق محدود، هي أيضاً
مخطئة في بعض أفكارها، فهي تظنُّ أنَّ مجرد الإلمام بحروف الهجاء علم،
تصوّرها للتعليم محدود جداً، وقلَّما يتضمّن بناء شخصية كاملة للمرأة، وفيه
نقص للمعالجة العملية للتعليم، فهي تجنح لتدريس المرأة جميع مواد التعليم
العصري مهما كانت طبيعتها وتأثيرها، وهي بسبب اتباع المعاصرة غير المعقولة
٢٠٩

تسرف في موقفها، وتطلب من المرأة المسلمة بأن تقتفي آثار الغرب، والحق
أنهم لم يفهموا الفرق بين الغايتين الأساسيتين لتصوّر التعليم عندنا وتصوّر
التعليم عند الغرب، فالتعليم قد يكون عندهم وسيلة للحصول على الوظائف
لإشباع رغباتهم المادية، ولكنَّ التعليم عندنا هو مصدر للهداية، يتشكل به بناء
مجتمع سلیم، وفوق ذلك، فإن التعلیم یسترشد به الناس، ویتوصلون به إلى
الحقيقة المطلقة، وهذه الضرورات لا يمكن تحقيقها إلا عن طريق التعليم
الديني.
ولكن المرأة التي يقع على عاتقها مسؤولية توفير نفقات أطفالها؛
تستطيعُ أن تدرس جميع الموضوعات التي تكون لها في ظروفها القاسية وسيلة
جيدة للدخل، وبإمكان هذه المرأة وأمثالها الحصول على أي تعليم مهني، أو
حرفة يدوية لسدّ حاجاتها المعيشية، ولكن يجب عليها أن لا تنسى قيمها
الدينية، ولا تغفل عن تعاليمها الشرعية ومميزاتها الإسلامية في الملبس
والمظهر، مهما كانت حرفتها أو مهنتها .
يقول الشيخ التهانوي رحمه الله: ((يرسل بعض الناس بناتهم إلى المعلّمات
المنفتحات، المؤمنات بالتقدّمية للحصول على التعليم منهن، ولا شك أن
الدراسة أو تحصيل العلم على أمثال هؤلاء المعلّمات لا يؤثر على المتعلّمات
سلبياً فقط، بل هي تغير نظراتهن إلى الدين، والثقافة الإسلامية، ولا يمكن
لأحد أن ينكر ما للمصاحبة من تأثير عميق، ويلوح أن الطالبات من هذه النوعية
يفتخرن باتباع خطوات معلّماتهن اللاتي قلّما يؤمنّ بالنبل والكرامة، وهن
يسحرن الطالبات، وبالتالي فلا تلبث الطالبات أن تجعلنهن قدوة لهن،
٢١٠

وتتورّطْن في عمل لا أخلاقي، دون أي تردد أو تخوف من أهلهن أو أسرتهن
و مجتمعهن.
إنَّ المرأةَ المسلمةَ تُعرَف بالحياء والوقار، ولكنها في زماننا هذا وقعت
فريسة الانحطاط الخلقي، والانهيار الديني، وذلك لما تتعرض له من الهجمات
الشرسة تجاه دينها وعقيدتها، عند التحاقها بإحدى المدارس أو مراكز التعليم
المسيحية، بدعوى تحصيل التعليم العالي، والاستزادة العلمية وتطوير
الثقافة، بغضّ النظر عن كل ما تواجهه من المشاكل والمصائب في الحفاظ
على شعائر الإسلام، وأصول الدين)).
المنهج الأسلم لتعلّم البنات:
إذاً المنهج الأسلم لتعليم البنات كما يعتقد الشيخ التهانوي هو منهج
يتوفر فيه تعليمهنّ في فصول خاصةٍ بهنّ دون أي اختلاط مع الذكور، وفي
مجموعات صغيرة، كي تقلّ إمكانات وقوعهن في الصحبة السيئة، أو تعرّضهن
لرفقة السوء، وإذا سنحت لهن فرصة الدراسة في بيوتهن على المعلّمات
الصالحات فهذا أحسن وأفضل، كما أنَّ اقتناء الكتب الدينية المفيدة النافعة،
واختيار المقرر الدراسي المناسب من أهم ركائز تعليم النساء.
يقول رحمه الله: ((إنَّ هناك العديد من الكتب النافعة للنساء الراغبات في
الحصول على التعليم الصحيح البنّاء، ويمكن أن ندرسهنّ اللغة العربية إذا
وجدناهن حريصات عليها، كي يفهمن القرآن الكريم والحديث الشريف))،
وكان رحمه الله واثقاً بأن إصلاح المجتمع يجب أن يكون عن طريق تعليم
٢١١

المرأة، وكان غيرَ مقتنع بالمناهج الدراسية السائدة آنذاك، ومتأكداً بأن التعليم
العصري للنساء لا يمكن أن تتم به إزالة المفاسد المتفشية في الأسرة المسلمة»(١)
وقد أيّد الشيخ التهانوي منهجاً يغرس في نفوس البنات التقوى، ويصلح
إيمانهن وسلوكهن، ويقوّي صلتهن بالله العلي العظيم، مع الرغبة في الجنة
والخوف من جهنم، وكان على يقين من أنه إذا نالت هذه المقاصد أولوية
سيتغيّر المجتمع حتماً(٢).
لقد أراد الشيخ التهانوي رحمه الله أن يرى المرأة المسلمة متعلّمة دينياً،
فإن المنهج التعليمي الذي أوصى به الشيخ لا يهدف إلى تدريسهن بعض
الكتب، بل يحث على التعليم الذي يقوم بتربية الأطفال خلقياً، وهذه هي
السمات البارزة لمنهجه التعليمي:
((يلزم أن يكون مستهل تدريس الأطفال -الذكور والإناث - تلقين كلمة:
لا إله إلا الله محمد رسول الله، مع تحفيظها عن ظهر القلب ولو بجزء منها إذا
لم يمكن حفظها كاملاً، وكلّنا يحسب أنَّ هذا شيء بسيط، ولكن الواقع خلاف
ذلك، فإنه بعيد الأثر وعميق التأثير، ويجب توجيه الأطفال أن يتعلَّموا الدعاء،
ويدعوا الله سبحانه وتعالى، كما يجب غرس بذور العقيدة الصافية في أذهانهم
من السنّ المبكّرة، وترسيخ هذه الحقيقة في قلوبهم، وهي أنَّ الله جلَّ وعلا هو
(١) إصلاح النساء، ص٤٩ - ٦١.
(٢) المصدر السابق، ص ١٣٠ .
٢١٢

الخالق والرازق ذو القوة المتين، وهو العليم الخبير الذي بيده ملكوت السماوات
والأرض، وهو على كل شيء قدير، وإذا صدر عن الطفل خطأ فيجب التذكير
بأنَّ العمل الفلاني يُغضِبُ الله تعالى، كما يجب التنويه والإشادة بعملٍ صالحٍ
يقوم به، ويُذكر له أنَّ الله تعالى يحبّه ويرزقه من الآلاء والنّعَم))(١).
وأوصى الشيخ رحمه الله الأم أن تقوم بتعويد الطفل على حفظ قصار
السّور منذ باكورة عمره(٢)، كما يجب تأكيدها على أداء الصلاة إذا بلغ السابعة
من عمره، ومعاقبته على التقصير إذا بلغ العاشرة، ويجب تدريسه القرآن
الكريم بكل الاهتمام وبالاعتناء البالغ .
ومن المعروف لدى الجميع أنَّ الطفل له ذهن حساس، وهو يُجذَب إلى
كل ما يحصل حوله، ونظراً إلى هذا الأمر الطبيعي تتوجب تربيته على خطة
إسلامية، وسلوك نبيل من بداية عمره، وفي هذه المرحلة التي تتسم بالحساسية
القصوى تستطيع الأم أن تمثل دوراً مرموقاً في تربيته، إذا وُفّقت في تربية أول
طفل بنجاح، فلتتوقع أن هذا الطفل سيكون معلماً للآخرين فيما بعد، لأن
الصغار يقلّدون الكبار(٣).
كما نصح الشيخ التهانوي رحمه الله النساء عموماً باجتناب مطالعة
الروايات، والقصص، وكذلك المجلاّت التي أصبحت ظاهرة لا يمكن
(١) إصلاح النساء، ص١٨٨ .
(٢)
المصدر السابق نفسه .
(٣) المصدر السابق، ص ٢٨٢ .
٢١٣

التغلّب عليها، والتي تقدّم في الأسواق كأداة للتسلية والتفكّه، وكذلك الكتب
التي تحتوي على قصص خيالية، أو التي لها طابع غير أخلاقي، وحثّ على
مطالعة الكتب الدينية والعلوم الشرعية، ومواصلة قراءتها .
هذه بعض أفكار الإمام التهانوي رحمه الله حول تعليم المرأة المسلمة،
وتربيتها بمنهج يتفق ومزاج المرأة وطبيعة الدين، وبذلك تكون المرأة جزءاً
أساساً لبناء مجتمع إسلامي سليم.
٢١٤

الفصل الثامن
صيانة المسلمين عن خيانة غير المسلمين
لقد فَطَر الله عزَّ وجلَّ الشيخ التهانوي رحمه الله على الشفقة على الخلق،
والفكر الدائم في إصلاح الأمة، وصرف أقصى المجهودات، وكل أنواع
التضحيات في سبيل إرجاع المسلمين إلی دینهم من جدید، فکان رحمه الله إذا
رأى منكراً يسود المجتمع المسلم، أو فتنة تصيب المسلمين، وتمسّ دينهم
وعقيدتهم، لا يهدأ له بال، ولا يقرّ له قرار حتى يستعدّ لمعالجتها، وينهض
للبحث عن حلها، ويرشد فيها الناس إلى ما فيه صلاح دنياهم وآخرتهم، يقول
الشیخ المفتي محمد شفیع۔کبیر علماء باکستان-رحمه الله :
((كلَّما نزلت نازلة، أو وقعت واقعة على المسلمين، في أي زمان أو
مكان، كان رحمه الله يغتمّ ويصيبه الهمّ والحزن، مثل الأب الحنون المشفق
الذي يتألم ويقلق لما يصيب ابنه الحقيقي))(١).
وبهذا يمكننا أن نقدّر مدى شعوره البالغ، وإحساسه الدائم بمشاكل
(١) الشيخ التهانوي رحمه الله سيرته وخدماته وخصائصه، للشيخ نجم الحسن
التهانوي، ص٢١ .
٢١٥

الأمة، وعنايته الفائقة بشؤونها، فكيف يهنأ له طعام أو يحلو له شراب، أو ترى
عينه النوم؟ ولعلَّ هذه الأوضاع الحرجة، والظروف القاسية التي كان يعاني
منها المسلمون بين فينة وأخرى قد دفعت الشيخ التهانوي إلى النهوض والتشمير
عن ساعد الجدّ، فخطر بباله أن يضع لهم دستوراً، ويقرّر لهم بعض الأصول
الثابتة، المستقاة من منابع الدين الأصيلة، ومصادر الشريعة الغراء الحقيقية،
المتمثلة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله وَطير، والتي إذا عمل بها المسلمون،
وساروا عليها، ونفّذوها في حياتهم الفردية والجماعية تتنزل عليهم رحمة
الباري تعالى، وتغشاهم السكينة، وهذه الأصول بمثابة حل ناجع، ودواء
نافع، لكل المصائب والمشاكل التي تواجه المسلمين، وقد رتبها الشيخ رحمه
الله على شكل موادّ وسمّاها (حياة المسلمين) وكان يفضّل كتابه هذا (مجموع هذه
الأصول) على جميع مؤلفاته، وكان يقول: ((هذه عُصارة جهودي الإصلاحية
والدعوية، ورأس مالي في حياتي، وأرجو الله عزَّ وجلَّ أن ينفعني به في الحياة
الدنيا والآخرة، ويتقبله مني ويجعله في ميزان حسناتي))(١).
وكان شعاره ومبدأ انطلاقه في تأصيل هذه الأصول هو قوله تعالى: ﴿مَنْ
عَمِلَ صَلِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ﴾ [النحل: ٩٧].
ثم قام رحمه الله بوضع نظام عملي، ومنهج منظّم قويم لتطبيق هذه
الأصول وتنفيذها على كل المستويات، وتوسيع نطاق انتشارها بين المسلمين،
وهذا النظام العملي يحتوي على واحد وثلاثين مادة، وقد تمّ إجراؤها في عام
(١) الشيخ أشرف علي التهانوي، سيرته وخدماته وخصائصه، ص٢٢ .
٢١٦

١٣٥١ هـ باسم (صيانة المسلمين عن خيانة غير المسلمين) وهكذا تمكّن الشيخ
رحمه الله من خلال جهوده هذه من جمع شمل المسلمين وتوحيد كلمتهم،
والأخذ بهم إلى رصيف واحد من الحبّ والولاء، وتكوين مجتمع مثالي أفضل،
يعيش فيه الإنسان وهو يتمتع بكافة حقوقه وسائر مزاياه، ملتزماً بأحكام الله
تعالى، خاضعاً مستسلماً لشريعته، متبعاً لسنة رسوله وَالر، ومحافظاً على
مبادئه الدينية، وقيمه الإسلامية.
وفيما يأتي نذكر نبذة يسيرة عن هذا النظام العملي مع ذكر بعض المواد
التي يشتمل عليها هذا النظام:
((أما بعد الحمد والصلاة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبيُّ ◌َل:
((المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله منَ المؤمنِ الضعيفِ وفي كلِّ خيرٌ))(١)، دلّ
الحديث الشريف على وجوب الإعداد، واتخاذ كافة الوسائل الممكنة،
والأسباب اللازمة للدفاع، والمحافظة، وأما الشيء الذي يدافَعُ عنه، أو
يحافظُ عليه فهو أمران:
١ -الدين وهو الأصل.
٢ - الدنيا وتتضمن المال والعرض والنفس.
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه كتاب القدر برقم (٢٦٦٤)؛ وابن حبان في
صحيحه: ٢٨/١٣، (٥٧٢١)؛ والنسائي في السنن الكبرى: ١٦٩/٦،
(١٠٤٥٧)؛ والبيهقي في السنن الكبرى: ٨٩/١٠؛ وابن ماجه في سننه،
كتاب القدر (٧٩)، وباب التوكل واليقين، برقم (٤١٦٨).
٢١٧

وقد ورد النص على المحافظة عليه، والدفاع عنه، كما جاء في قول
الرسول الكريم وَلِ: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فهو شهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دونَ دمِهِ فھو
شهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دونَ دينِهِ فهوَ شهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دونَ أهلِهِ فهو شَهِيدٌ))(١).
ويشهد الواقع في ضوء التجارب أن الدفاع عن الدين، والمحافظة عليه
لكلٍّ من الفرد والمجتمع لا يتحقق إذا تشتت شمل المسلمين، وتفرّق جمعهم،
وعلى هذا مسَّتْ الحاجة إلى جمع شمل المسلمين، وتوحيد كلمتهم، والأخذ
بأيديهم إلى نقطة مركزية موحدة وعلى مستوى واحد، ولتحقيق هذا الغرض
النبيل والغاية العظيمة تم تأسيس هذا المجلس)).
أهم ركائز المجلس وأصوله:
١ - العمل بكافة الأحكام الشرعية، إلاّ ما تعذّر العمل عليه، فيعذر
صاحبه .
٢ - دعوة الآخرين إلى تطبيق سائر القوانين الشرعية، والأحكام الربانية
والمواظبة عليها .
(١) رواه النسائي بهذه الألفاظ، کتاب تحریم الدم، باب من قاتل دون دينه، رقم
(٤٠٩٥)؛ وأبو داود في سننه، كتاب السنة، باب من قتال اللصوص،
(٤٧٧٢)؛ وأحمد في مسنده: ١/ ١٩٠، (١٦٥٢)؛ كما أخرجه الترمذي في
سننه، كتاب الديات برقم (١٤٢١)؛ وأخرجه مختصراً الإمام البخاري في
صحيحه، كتاب المظالم والغصب، برقم (٢٤٨٠)؛ ومسلم في صحيحه
بنحوه، کتاب الإیمان، (١٤١).
٢١٨

٣ - صرف كل الطاقات، وبذل كل الجهود للعمل بالأمور التالية:
تعلّم الدين وتعليمه، تعلّم القرآن وتعليمه، حبّ الله تعالى وحبّ رسوله
وَالر أقصى ما يمكن، الإيمان بالقدر، التوكل على الله، الدعاء من الله تعالى
والاستغاثة به في كل شأن من شؤون الحياة، اختيار الجليس الصالح، الدعاء
للسلف الصالح بالمغفرة والرحمة، دراسة سيرة النبي الكريم وَقَر، شدة
المراعاة لحقوق العباد، أداء حق النفس، الاعتناء الكامل بأركان الإسلام
الخمسة، تعلّم الفروسية وما يقوم مقامها حسب متطلّبات العصر للدفاع عن
النفس وعن حياض الشريعة الغراء.
٤ - البدء في العمل بالنظام في كل مكان، سواء كان العدد قليلاً أو كثيراً.
٥ - لن يقبل أي عمل مخالف للشرع، أو أي رأي يناقض الدين الإسلامي
الحنيف، وإذا تردّد الأمر في شيء يراجَع العلماء وأصحاب الإفتاء للتحقيق
فيه .
٦ - يتم تعيين بعض العلماء كدعاة ومرشدين، يدعون الناس إلى الله،
ويبلِّغونهم سنّة المصطفى بَله، ويطلعونهم على هذا النظام. ويكون من
واجبهم توجيه الدعوة إلى غير المسلمين، وترغيبهم بالدخول في دائرة
الإسلام.
٧ - يتم نشر بعض الرسائل الدعوية والإصلاحية، من قسم النشر
والإعلام للمجلس وذلك حسب المقتضيات والمتطلبات .
٢١٩

٨ - هذا المجلس منهجه ديني إسلامي محض، لا دخل فيه لأمور
السياسة، كما أنَّ المجلس مسؤول عن استرداد الحق إلى ذوي الحقوق، سواء
من الحكومة أم من الأفراد، وهذا لا يسمَّى سياسة، وإنما من باب إعطاء كل
ذي حق حقه، وهذا من صميم الدين وعين الشريعة .
وختم رحمه الله قائلاً: هذه المواد - الأصول - كلُّها متطابقة مع روح
الشريعة الإسلامية، فلا داعي للإطالة في بيان دلائلها، إلا أنَّ تأسيس هذا
المجلس أمر اجتهادي، فلا يُلزَم أحد بالدخول فيه، وإنَّ الذي يرى العمل
بمفرده، وبمنهجه الخاص فله ذلك، وأختم كلماتي بهذا الدعاء: ((اللهمّ اجعل
هذه الجماعة صيانةً وحمايةً للمسلمين عن كلِّ خيانة ونكايةٍ من غير المسلمين)).
كتبه : أشرف علي
٢٤ ربيع الأول الأغر المبجّل ١٣٤٩ هـ
٢٢٠