Indexed OCR Text
Pages 101-120
وبعد مدة من ملازمته لهذا المحدِّث الإمام أجازه بالحديث وعلومه وبسائر العلوم النقلية والعقلية، وفاز بسند الإتمام والفراغ من الدراسات العليا في سنة ١٣٢٨هـ، وكانت سنه حينئذٍ ١٨ سنة، وهي سن صغيرة لا يرتقي فيها = العلماء في المدرسة العربية بدیوبند، وفي مظاهر العلوم بسهارنفور، و کان قد درس الحديث دراسة إتقان وتدبر، وحصلت له الإجازة عن كبار المشايخ والمسندين، كالشيخ محمد مظهر النانوتوي، والشيخ عبد القيوم البرهانوي، والشيخ أحمد دحلان مفتي الشافعية وغيرهم، وعني بالحديث عناية عظيمة تدريساً وتأليفاً ومطالعةً وتحقيقاً، وكان من أعظم أمانيه أن يشرح سنن أبي داود فبدأ في تأليفه سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة وألف، يساعده في ذلك تلميذه البار الشيخ محمد زكريا بن يحيى الكاندهلوي، وانتهى منه في شعبان ١٣٤٥ هـ في المدينة المنورة، وقد صبّ فيه الشيخ مهجة نفسه، وعصارة علمه، وحصيلة دراسته، وقد أجهد قواه، وأرهق نفسه في المطالعة والتأليف. كانت له الملكة القوية والمشاركة الجيدة في الفقه والحديث، واليد الطولى في الجدل والخلاف، والرسوخ التام في علوم الدين والمعرفة واليقين، نفع الله به خلقاً كثيراً، وخرّج على يديه جمعاً من العلماء والمشايخ، من أجلّهم المُصلح الكبير الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي، والمحدِّث الجليل الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي صاحب (أوجز المسالك) و(لامع الدراري)، له من المصنّفات: (المهند على المفند) (إتمام النعم على تبويب الحكم) (مطرقة الكرامة على مرآة الإمامة) (هدايات الرشيد إلى إفحام العنيد) (بذل المجهود في شرح سنن أبي داود). توفي بعد العصر يوم الأربعاء ١٦ من شهر ربيع الآخر سنة ١٣٤٦ هـ في المدينة المنوّرة ودفن بالبقيع لدى مدفن أهل البيت. (نزهة الخواطر: ١٣٣/٨ باختصار شديد). ١٠١ إلى ذروة هذه المرتبة إلا الأفذاذ النابغون، ونظراً لمزيد تفوقه، وبالغ ذكائه، ونبوغه؛ عُيّن مدرساً في المدرسة المذكورة، فدرّس فيها زهاء سبع سنين علم الفقه والأصول والمنطق، ثم فوّض إليه الشيخ التهانوي تأليف كتاب (إعلاء السنن) مع الإفتاء والتدريس، فقام بكل ذلك خير قيام، وبقي في تأليفه نحو عشرين سنة، فألفه في (١٨) مجدداً، ثم أمره الشيخ التهانوي بتأليف (دلائل القرآن على مسائل النعمان) على منوال (أحكام القرآن) للجصّاص(١)، وقد ألّف منه مجلدين كبيرين انتهيا بسورة النساء، وألف كتباً عديدة بالأردية منها: (القول المتين في الإخفاء بآمين) و(شق الغين عن حق رفع اليدين) و(رحمة القدوس في ترجمة بهجة النفوس) و(فاتحة الكلام في القراءة خلف الإمام). وأخيراً استقر في دار العلوم الإسلامية في أشرف آباد غربي باكستان، يدرّس فيها( صحيح البخاري). (١) هو الإمام الهمام، المحقق النابغ، المحدِّث الفقيه الأصولي، أحمد بن علي الرازي الحنفي، المعروف بالجصاص، أبوبكر، فقيه مجتهد، وهو تلميذ أبي الحسن الكرخي، وقد انتهت إليه رئاسة الحنفية في وقته، وهو من المجتهدین المبرزين في المذهب، رحل إليه الطلبة من الآفاق، من أهم مصنفاته: كتاب (أحكام القرآن) (شرح مختصر الكرخي) (شرح الجامع لمحمد بن الحسن) (شرح الأسماء الحسنى) (شرح مختصر الطحاوي). ولد في بغداد سنة خمس وثلاثمئة هجرية، وتوفي في ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمئة هجرية. (الجواهر المضيئة: ٢٢٠/١؛ تاريخ بغداد: ٣١٤/٤؛ تذكرة الحفاظ: ٩٥٩/٣؛ البداية والنهاية: ٢٩٧/١١؛ الطبقات السنية: ٤٧٧/١). ١٠٢ كان رحمه الله مع ضعفه ومرضه ملتزماً بالأذكار والنوافل، يشهد جميع الصلوات في المسجد، ويتحمل لذلك عناءً كبيراً، وكان لسانه في أواخر عمره رطباً بذكر الله في أكثر الأوقات، وفي شهر رمضان سنة ١٣٩٤ هـ قد منعه الأطباء من الصيام، لأمراضه المتواردة، ولكنه لم يرضَ بذلك، وقال: إن عياضاً رضي الله عنه لم يترك الصيام وهو في التسعين من عمره، وكان يلقى من الصوم شدةً وعناءً، حتى كان يجلس في مركن من الماء، ولا يرضى بالافتداء، فکیف أرضی بالفدیة؟! وهكذا عاش رحمه الله حتى توفاه الله تعالى في ذي العقدة سنة ١٣٩٤ هـ، أسكنه الله تعالی في رحمته ورضاه(١). ٢ - الشيخ العالم الفقيه إسحاق بن لطيف الهدى الحنفي البردواني، أحد العلماء المشهورين، ولد في قرية (كيتن) من أعمال (بردوان) من أرض بنغالة سنة ثلاث وثمانين ومئتين بعد الألف، وقرأ المختصرات على أساتذة بلاده ثم دخل (آره) وقرأ على المولوي محمد حنيف الآروي، ثم سار إلى (كانفور) وقرأ سائر الكتب الدراسية على مولانا عبد الغفار اللكنوي(٢)، ومولانا أشرف (١) قمنا بتلخيص هذه الترجمة مما كتبه العلامة المحقق المحدِّث الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، رحمه الله، في مقدمة تحقيقه لكتاب (قواعد في علوم الحديث) للشيخ ظفر أحمد العثماني، رحمه الله، ص٨ - ١٠، ط: دار السلام القاهرة. (٢) هو الشيخ العالم الفقيه عبد الغفار بن عالم علي اللكنوي ثم الكانفوري أحد الفقهاء الحنفية، ولد في ١٢٤٧ هـ بمدينة لكنو، واشتغل بالعلم على مولانا= ١٠٣ علي التهانوي، ثم ولي التدريس بالمدرسة العالية بكلكته، ومنحته الحكومة لقب (شمس العلماء) ثم رقي إلى درجة (المعلم) في مدرسة حكومية في (داكة) (عاصمة بنغلاديش) وأحيل إلى المعاش، وعين معلماً في قسم الإسلاميات في جامعة (داكة). توفي رحمه الله في سنة سبع وخمسين وثلاثمئة وألف في كلكته في حادثة اصطدام، وقد جاء إلى زيارة موطنه، فنقلت جثته إلى قريته (كيتن) ودفن بها(١). ٣ - الشيخ الفاضل أحمد علي بن أمجد علي الفتحفوري، أحد العلماء المدرّسين الأفاضل، ولد في شهر ربيع الثاني سنة اثنتين وتسعين ومئتين وألف بفتحفور قرية جامعة من أعمال (باره بنكي) قرب مدينة لكنو، وقرأ المختصرات على مولانا عابد حسين الفتحفوري(٢) وعلى غيره من العلماء، ثم سافر إلى محمد علي بن عبد العزيز اللكنوي، وحفظ القرآن الكريم، ودرس وأفاد بلكنو = مدة من الزمن، ثم ذهب إلى كانفور وبقي في المطبعة النظامية مدة عمره، كان حسن الأخلاق، كثير الصمت، مديم الاشتغال بالدرس والإفادة، شديد التعبد، له (هداية العباد إلى آداب محفل الميلاد) و(بدر الكمال)، و(الفتاوى) و(منظومة في الدعاء) مات في ذي الحجة سنة ١٣١٢ هـ ببلدة كانفور. (نزهة الخواطر: ٢٦٨/٨). (١) نزهة الخواطر: ٨/ ٥٢. (٢) هو الشيخ العالم الصالح عابد حسين بن محمد حسين الحنفي اللكنوي ثم الفتحفوري، كان من العلماء المتورّعين، ولد ونشأ ببلدة لكنو وانتقل مع = ١٠٤ كانفور ودخل بـ(جامع العلوم) المدرسة الكبيرة فيها، وقرأ الكتب الدرسية على مولانا أشرف علي التهانوي، ولازمه مدة من الزمان، ثم ولي التدريس بتلك المدرسة، ودرس بها زماناً، وكان من أوائل من أجازهم الشيخ أشرف علي التهانوي، وكانت له مناسبة تامة بالفقه، توفي رحمه الله قبل شيخه أشرف علي التهانوي بعدة سنوات(١). ٤ - الشيخ العالم الصادق صادق اليقين بن سراج اليقين الحنفي الكرسوي، أحد العلماء المبرزين في الفقه والحديث، ولد ونشأ بكرسي - بضم الكاف ــ قرية جامعة من أعمال لكنو، حفظ القرآن، وقرأ المختصرات في بلاده، ثم سافر إلى ديوبند وقرأ الكتب الدرسية على مولانا محمود حسن الديوبندي، وعلى غيره من العلماء، ثم دخل كنكوه، وأخذ الحديث عن الشيخ رشيد أحمد الحنفي(٢) الكنكوهي، وقرأ عليه أياماً، ثم سافر إلى والده إلى فتحفور، واشتغل بالعلم على مولانا نذير علي اللكنوي، فقرأ عليه = الكتب المدرسية، ثم تصدی للدرس والإفادة في حياة شیخه، وصار من أکابر العلماء، كان شيخاً منوراً، وقوراً متواضعاً، حسن الشكل، حسن الأخلاق، حلو المنطق، مات يوم عرفة من ذي الحجة سنة خمس وأربعين وثلاثمئة وألف، ودفن بفناء مسجده بفتحفور. (نزهة الخواطر: ٢٠٨/٨). (١) نزهة الخواطر : ٨/ ٤٦ . (٢) هو الشيخ الإمام العلاَّمة المحدِّث رشيد أحمد الكنكوهي الحنفي، أحد العلماء المحققين والفضلاء المدققين، لم يكن مثله في زمانه في الصدق والعفاف والتوكل والثقة والشهامة، والإقدام على المخاطر، والصلابة في الدين، ولد في ذي القعدة سنة ١٢٤٤ هـ، كان آية باهرة ونعمة ظاهرة في = ١٠٥ الحجاز للحج والزيارة مع والده سنة ثلاث وعشرين وثلاثمئة وألف، فحجّ وابتلي بالزّحير - استطلاق البطن - بمكة المكرمة، ومات بها في ثالث المحرم سنة أربع وعشرين وثلاثمئة وألف، فدفن بالمعلاة، وكان على قدم السلف الصالح في الزهد والعفاف، والصدق والإخلاص، وعلوّ الهمّة في المجاهدة والعبادات، شديد الحب لشيخه، عظيم الأدب معه(١). ٥ - الشيخ العالم الطبيب الحاذق محمد مصطفى البجنوري، كان من كبار العلماء الصالحين المشهورين بالحذق والنبوغ في فن الطبّ ومهنته، نشأ وترعرع في أسرة ثرية وعائلة غنية في ظلّ والده السيد مروان علي، كان متقناً للّغة العربية وآدابها، وذلك لأن والده اهتم منذ صباه بتعليمه اللغة العربية، درس على الشيخ أشرف علي التهانوي جميع المقرّرات الدراسية، وبرع فيها، وهو أول من بدأ في جمع وتدوين مواعظ الشيخ التهانوي وترتيبها، وكان التقوى واتباع السنة النبوية والعمل بالعزيمة، والاستقامة على الشريعة، = ورفض البدع ومحدثات الأمور، ومحاربتها بكل الطرق، والحرص على نشر السنة وإعلاء شعائر الإسلام. من أهم مؤلفاته: (تصفية القلوب)، (هداية المعتدي)، (سبيل الرشاد)، وأماليه على سنن الترمذي، وكذلك صحيح البخاري. توفي رحمه الله يوم الجمعة في جمادى الآخرة سنة ١٣٢٣ هـ. (نزهة الخواطر: ١٤٨/٨، مقال الدكتور سعيد الأعظمي الندوي في جريدة الداعي، عدد جمادى الأولى ١٤٠٠ هـ) . (١) نزهة الخواطر: ١٨٦/٨. ١٠٦ يكتب ما يلقيه الشيخ التهانوي باللغة العربية بعبارات فصيحة مختصرة ومفيدة، ثم ينقلها إلى اللغة الأردية لإفادة الناس عامة، تلك المواعظ التي استفادت منها الأمة الهندية - الإسلامية، ونفع الله بها آلاف العباد، كما قام رحمه الله تعالى بنقل بعض مؤلفات الشيخ التهانوي المستقلّة إلى اللغة الأردية مثل رسالة (الانتباهات المفيدة عن الاشتباهات الجديدة)، وتسهيل وتيسير البعض الآخر منها، مثل: رسالة (الشوق إلى الوطن) و(مجالس الحكمة) و(أمثال العبر). كان مثالاً رائعاً لاتباع السنة النبوية، وتقوى الله، والعبودية الخالصة لله، والصدق والإخلاص والتواضع، محباً للخير والبرّ والإحسان إلى الفقراء والمساكين. حفظ القرآن الكريم وهو كبير السنّ، كان يتمتع بلطافة الطبع وذكاء الحس، شعاره الانقياد والاستسلام لأحكام الشريعة . كان أستاذه الشيخ التهانوي رحمه الله دائماً يذكره بالخير ويمدحه ويثني عليه، وكان يقول: ((إن الحكيم (الطبيب) مصطفى فقيه النفس، وله نظر عميق في مكايد النفس وغوائلها)) وكان يحبه ويوقّره، رحمهم الله تعالى ورفع درجاتهم في أعلى عليين(١). (١) كاروان تهانوي (من قوافل التهانوي) للشيخ الحافظ محمد أكبر شاه البخاري، ص١٢٤ - ١٢٥. وانظر: المصابيح الأشرفية، للأستاذ أحمد سعيد، ص١٧٣ . ١٠٧ الفصل الثالث الكتابة والتأليف كان الشيخ التهانوي رحمه الله أكثر الناس تأليفاً في عصره، ولا يوجد في هذا القرن من يجاريه أو يدانيه في كثرة المؤلفات، فإنّه قد ترك خلفه نحو ألف كتاب مطبوع، ما بين صغير وكبير، ولا يوجد موضوع ديني أو شرعي أو دعوي، يحتاج إليه المسلمون في هذا العصر، إلا وله فيه كتاب أو رسالة أو موعظة مطبوعة، وقد شهد بعبقريته ونبوغه في هذا المجال كبار المؤلفين وجهابذة المحققين، والنُّقّاد والباحثين، أمثال الشيخ العلامة المحدِّث الناقد البصير الإمام محمد زاهد الكوثري، والشيخ المحقّق المحدّث الفقيه عبد الفتاح أبي غدّة، وسماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي وغيرهم. يقول الشيخ زاهد بن حسن الكوثري رحمه الله أثناء حديثه عن جهود علماء الهند وباكستان ومآثرهم العلمية والحديثية والفقهية: ((وكذلك عني بهذا الأمر، العلامة الأوحد والحبر المفرد، شيخ المشايخ في البلاد الهندية، المحدث الكبير، والجهبذ الناقد، مولانا حكيم الأمة محمد أشرف علي التهانوي، صاحب المؤلفات، البالغ عددها نحو خمسمئة مؤلف، ما بين صغير وكبير، بل قد زادت مؤلفاته على ألف عند وفاته ... ))(١). (١) مقالات الكوثري، ص٧٥. ١٠٨ ويقول الشيخ أبو الحسن الندوي: ((كان لأحد أبناء دار العلوم ديوبند وهو الشيخ أشرف علي التهانوي سهم كبير في نشر العقيدة الصحيحة، وإصلاح النفوس، وتهذيب الأخلاق، والدعوة إلى الله، وقد عمل وحده عمل مجمع علمي كبير، وألّف كتباً ورسائل تربو على ثمانمئة، وقد انتشرت انتشاراً كبيراً، وأثّرت في المجتمع الهندي الإسلامي تأثيراً عظيماً)(١). هذا وقد ألّف رحمه الله في كل فن وفي كل موضوع، وتتميز مؤلفاته بالأصالة والإتقان، مع سعة العلم، ودقة البحث، وتنوّع المقاصد، ويغلب الطابع الإصلاحي والدعوي على مؤلفاته جميعها. إيجاد جيل من المؤلفين النابغين: ولم يقتصر عمل الشيخ التهانوي التأليفي على هذه الكتب التي نجدها اليوم بين أيدينا مطبوعة منشورة في سائر بقاع شبه القارة الهندية وخارجها، منتشرة في الأوساط العلمية والمجامع الإصلاحية والدينية والدعوية، وإنما هناك جهود مباركة ومساعي حثيثة قام بها الشیخ التهانوي رحمه الله، وذلك عن طريق إرشاد أجَلّ تلاميذه وكبار مسترشديه إلى إنجاز مشاريع علمية في مجال التأليف والتصنيف، وبالتالي إيجاد مكتبة علمية متكاملة تبقى مرجع الطلاب والدارسين والباحثين، وتخدم العلماء والمحققين بكل ما يحتاجونه في سبيل تحقيق أهدافها، ويتطلبه العصر الحديث، مع المراعاة التامة لأصول البحث وضوابط التحقيق. (١) الدعوة الإسلامية في الهند وتطوراتها، ص ٣٢. ١٠٩ وفعلاً أثمرت هذه الجهود المباركة ثماراً يانعة، وتحقق حلم الشيخ التهانوي رحمه الله، وظهر كبار العلماء والمحققين، والمؤلفين النابغين، أمثال الشيخ ظفر أحمد العثماني التهانوي، والشيخ العلامة المفتي محمد شفيع الديوبندي، والشيخ حبيب أحمد كيرانوي، والشيخ محمد إدريس الكاندهلوي وغيرهم من الذين قاموا بتنفيذ خطة الشيخ التهانوي رحمه الله العلمية المباركة السعيدة، وخلّفوا للأمة الإسلامية عموماً ولمسلمي شبه القارة الهندية خصوصاً تراثاً علمياً ضخماً، ومكتبة تحقيقية ذات أصالة وبحث وعمق وإتقان، عامرة بكل أنواع العلوم والفنون، قد لا يمكن للمجمّعات الإسلامية تقديمها، وإنّ كتاب (إعلاء السنن) و(إمداد الفتاوى) و(بیان القرآن) و(أحكام القرآن)، وغيرها من الكتب، بل الموسوعات العلمية - إذا صحّ التعبير - شاهد عدل على ما قلناه. ويجدر بنا أن ننقل هنا ما أعرب به الشيخ التهانوي رحمه الله عن انطباعه حول كتاب (إعلاء السنن) حيث قال: ((الحمد لله قد ظهر بالخانقاه الإمدادية (تهانه بهون) عمل عظيم، لم يوجد نظيره في أكبر مراكز العلم الدينية بالهند، وهو جمع الأحاديث المؤيدة للإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه، في مسائل الخلاف من كل باب ... فبتأليف هذا الكتاب القيّم (إعلاء السنن) ظهر للناس عامة، وللعلماء خاصة أن ليس مسألة من مسائل أبي حنيفة رحمه الله تعالى مخالفة للكتاب والسنة، والحمد لله حمداً كثيراً))(١)، وقال: ((لو لم (١) مقدمة كتاب (قواعد في علوم الحديث)، ص١١ - ١٢، للشيخ ظفر أحمد العثماني، تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبي غدة. ١١٠ يكن بالخانقاه الإمدادي إلا تأليف (إعلاء السنن) لكفى به كرامة وفضلاً، فإنه عدیم النظير في بابه)). هذا ولنا حديث مفصّل إن شاء الله تعالى عن مؤلفات الشيخ التهانوي رحمه الله، مع التناول بأبرز العناوين، وأهم الموضوعات التي تتضمنها هذه المؤلفات، ودراسة لبعضٍ منها دراسة علمية وافية، وذكر نماذج من كتاباته العربية، كل ذلك ضمن فصول الباب السادس (الآثار الخالدة لحكيم الأمة). وبالله التوفيق. ١١١ الفصل الرابع المواعظ الحسنة مما لا شك فيه أن الوعظ والنصيحة أو بتعبير أصح القيام بأعمال الدعوة والإرشاد من أهمّ وأجلّ ما قام به الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام، وبما أنَّ العلماء الربّانيين هم ورثة الأنبياء الحقيقيين، فكان من الطبيعي أن يرزقهم الله تعالى هذه الموهبة، ويكرمهم بهذه الصلاحية بأكمل وجه وأتم طريقة. وانطلاقاً من مبدأ هذه السنّة الإلهية نرى أنَّ الشيخ التهانوي رحمه الله منذ زمن دراسته بجامعة ديوبند، كان يتمرن على الوعظ والخطابة، ويعقد كل ليلة جمعة حفلة يجتمع فيها الطلاب، ويلقون كلماتهم مرة بعد أخرى، وكان الشيخ رحمه الله من سبّاقي هذه الحلبة، ومبرّزي هذا الميدان، حتى أصبح بعد إكمال دراسته من أشهر الخطباء والوعاظ في عصره، وكلما زار مدينة، أو أقام في بلد لم يغفل قط عن أداء هذه المسؤولية العظيمة . كان رحمه الله يعظ الناس ويدعوهم إلى الخير، وتعقد له الحفلات في كل ناحية من نواحي البلاد، بل في كل بلدة من بلاد الهند، واشتهرت مواعظه في جميع أنحاء البلاد، حتى أصبحت لها جولة وصولة، كان الناس يقصدون إليها من أداني البلاد وأقاصيها، ويتجشّمون من أجلها المشاقَّ، ويتحملون ١١٢ المتاعب، ويقطعون المسافات البعيدة، وحقّاً كانت مواعظه كالبحر الذي لا يُرى له ساحل، والعين التي لا تجفّ أبداً، والمنهل العذب الفيّاض الذي يروي غليل الباحثين عن الحق، وطالبي المعرفة، بقطوف دانية، فيها من العلم والحكمة والأمثال والنوادر واللطائف العلمية، والغرائب الدعوية ما لا تحمله الأسفار، وفيها من بدائع التفسير والحديث والفقه، ومعاني التزكية والإحسان، ما لا يوجد في الكتب المتداولة، كان الشيخ رحمه الله ينثر فيها من لآلئ عرفانه ما يجلو القلوب وينوّر الأذهان. يقول العلاَّمة عبد الحيّ الحسني رحمه الله في (نزهة الخواطر): ((وقد كان من كبار العلماء الربانيين الذين نفع الله بمواعظهم ومؤلفاتهم، وقد بلغ عدد مجالس وعظه التي دوّنت في الرسائل، وجمعت في المجاميع أربعمئة مجلس، وقد كان نفع كتبه ومجالس وعظه عظيماً في إصلاح العقيدة والعمل، واستفاد منها ألوف من المسلمين، ورفض عدد لا يحصيه إلا الله العادات والتقاليد الجاهلية، والرسوم والبدع التي دخلت في حياة المسلمين، في بيوتهم وأفراحهم وأحزانهم، بسبب الاختلاط الطويل بالكفار وأهل البدع والأهواء)). وفعلاً فقد كان لمواعظه من التأثير في إصلاح النفوس، وتقويم الأفكار ما لا يوجد له نظير في هذا العصر، فكم من رجلٍ كفّ بعد سماعها عما اعتاد من المعاصي، وكم من ضالٌّ قد تاب بها عن البدع والأهواء، وكم من متخبّط في الشكوك، قد اهتدى بها إلى الإيمان واليقين، والذين قد أحدثت هذه ١١٣ المواعظ انقلاباً في حياتهم، قد يجاوز عددهم الآلاف من الرجال والنساء. هذا وقد وفق الله تعالى بعض تلاميذه الذين قاموا بتحرير هذه المواعظ، وجمعها وترتيبها، ثم نشرها في حلّةٍ قَشيبةٍ وطباعة فاخرة، بحيث يتمكن الجميع من الاستفادة منها بكل سهولة، وقد طُبع منها نحو عشرين مجلداً، كل مجلد منها يحتوي على ستمئة صفحة على الأقل . يقول الأستاذ نجم الحسن التهانوي: ((لقد جال الشيخ أشرف علي التهانوي رحمه الله في كل بقعة من بقاع الهند المترامية الأرجاء، وألقى فيها خُطَباً ومواعظ، أمام جموع حاشدة من المسلمين، وأحياناً تستمر هذه الخطب، وحلقات الوعظ والدعوة والإرشاد إلى حوالي خمس ساعات متواليات، ويستمع إليها الحضور الكامل بهدوء منقطع النظير، وآذان صاغية وقلوب واعية وكل هذه المواعظ كانت تدور حول الركائز الخمسة والأصول الأساسية للدين الحنيف، مدعمة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، وأقوال السلف الصالح، والعبر والأمثال من حياتهم المجيدة وماضيهم المشرق الباهر)) (١). منهجه وطريقته في الوعظ: ١ - كان رحمه الله يركّز في مواعظه على جانب الترغيب، بدل الترهيب، وكان يقول: ((قد جرّبتُ طباع الناس في هذا العصر، فوجدتهم ينتفعون بما يشوّقهم ويرغبهم أكثر من انتفاعهم بما يُرهّبهم ويُخوّفهم، ولذلك أرى من (١) الشيخ أشرف علي التهانوي، سيرته وخدماته ودعوته، ص١٣ . ١١٤ المناسب التركيز على جانب الترغيب، والتقليل من جانب الترهيب))(١)، والحثّ على المبشّرات دون التحدث عن شيء يبعث على اليأس والقنوط في الأمة. ٢ - كان رحمه الله يبتهل إلى الباري تعالى ويدعوه قبل البدء في الوعظ، أن يوفقه لبيان ما يحتاج إليه الحاضرون والمستمعون، وما يكون في صالحهم، ويصلح أحوالهم(٢) . ٣ - إنه كان دائماً يستهلّ الوعظ بالخطبة المأثورة، ويتبعها بتلاوة آيات من القرآن الكريم، وحديث من أحاديث الرسول الكريم وَله. ٤ - كان لا يضيّع وقته في انتقاء العبارات المسجوعة، واستخدام الجمل والكلمات الموزونة، مثل عامّة القُصّاص والوعّاظ المحترفين، وإنما يسرد كلامه سرداً بأسلوب سهل رشيق، وفي غاية من البلاغة والفصاحة، وكان يستخدم بعض الأبيات الشعرية من العربية والفارسية خلال خطاباته بما يناسب المقام ويقتضيه الحال(٣). ٥ - كان لا يتعرض في مواعظه المسائل الخلافية فيما بين العلماء والأئمة الفقهاء، إلا إذا جاءت مسألة خلافية أثناء كلامه، فيشرحها شرحاً (١) سيرة أشرف، ص٣٧، نقلاً عن وعظ الباطن، ص ١٣٧ . (٢) ذم النسيان، ص١٥ . (٣) أشرف السوائح: ٦٦/١. ١١٥ وافياً، برفقٍ ولينٍ ولطف، وحكمة ونصيحة، ولا يغلظ الكلام على مخالفيه، ولا يبالغ في التشنيع عليهم، وإنما يتأسَّى بالأنبياء عليهم السلام في قول لين وموعظة حسنة. ٦ - كان رحمه الله دائم الاعتناء، وشديد الاهتمام بالمسائل العقدية، والرد على البدع، وإصلاح ذات البين، وكان يقول: «إنّي على يقين كامل أن من صلحت عقائده، وطَهُرَ قلبه من أسقام الشبهات، وأدناس الأفكار الزائغة، أدّاه ذلك إلى صلاح الأعمال إن شاء الله تعالى)). ٧ - كان من عادته رحمه الله أنه لم يكن يحدّد الموضوع للوعظ بطلب من أحد، وإنَّما كان يختار الموضوع المناسب حسبما كان يقتضيه الوقت وتتطلبه الحاجة والظروف الراهنة، وبما فيه صالح الإسلام والمسلمين(١). ٨ - كان يتناول شرح بعض الأحاديث الشريفة في مختلف المجالس، ولمرات عديدة، ولكن لا يتكرر منه نفس الكلام الذي سبق أن تناوله في المجلس الماضي، وإنَّما كان يتجدّد الموضوع في كل مرة (٢). ٩ - كان من عادته رحمه الله أنه لم يكن يَقبَلُ على الوعظ أي عوض مالي، حتى لو أهدى إليه رجل بعد الوعظ شيئاً مما يجعله كالعوض - في الظاهر - لم يقبله أبداً. (١) أشرف السوانح: ١/ ٧٢. (٢) المصدر السابق: ٨٣/١. ١١٦ وبالجملة فقد كانت مواعظه رحمه الله مصداقاً كاملاً بكل ما يحتويه من المعاني لقوله جلَّ وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥]. ١١٧ الفصل الخامس مذكراته اليومية (مجموعة ملفوظاته)(١) كان من عادة السلف الصالح رحمهم الله تعالى أنهم كانوا يهتمون بعقد جلسات علمية ومجالس دينية ودعوية يومياً، يتناولون فيها موضوعات مختلفة، ويعبّرون فيها عما يجول في خواطرهم، وما يُلقي الله تعالى في روعهم من كلمات الحكمة والمواعظ الحسنة، وقصص الصالحين، وحكايات العلماء الربّانيين، وقد قام تلاميذهم بجمع وترتيب هذه الملفوظات والمذكّرات اليومية، واشتهرت فيما بعد بمجالسهم، وتراثنا الإسلامي الثري غنيٌّ بمثل هذه المجالس؛ التي نُسبت إلى كبار العلماء والزهاد والصالحين. كان حكيم الأمة التهانوي رحمه الله ممن اصطفاهم الله تعالى واختارهم للقيام بمهمة الدعوة، والنهوض بالأمة إلى قمة الرقي والازدهار في مجال توطيد علاقة العباد بالرب تعالى، والتحلّي بحلي الإيمان والإحسان، وإصلاح الباطن، وتطهير المجتمع من البدع والمنكرات، فكان همّه الأول والآخر هو (١) الملفوظات: نوع من كتب المتأخرين يجمعون فيها كلمات شيوخهم وفوائدهم المنثورة. ١١٨ القيام بهذا الواجب الديني والدعوي، مستخدماً في تحقيق هذا الهدف كل الوسائل الممكنة والإمكانيات المتاحة لديه، وفعلاً فإن هذه المجالس التي اشتهرت من السلف الصالح كانت تحتل مكانة مرموقة، ولها من التأثير الكبير ما لا یعزب عن أحد. «فكان رحمه الله يعقد كل يوم بعد الظهر مجلساً عاماً في (الخانقاه الإمدادي) يجتمع فيه تلاميذه ومسترشدوه وعامة الناس، فكان يعظهم، ويجيب على أسئلتهم المتفرقة، ويحدثهم بما بدا له من غير اقتصار على موضوع دون موضوع، وكان بعض الحاضرين في هذه المجالس يدوّن كلامه، وما يلقي فيه من إفادات، فطبع كلامه باسم (الملفوظات) في أكثر من عشرين مجلداً، وتشتمل هذه الملفوظات على نوادر من علم وحكمة، ولطائف وظرائف، وقصص وأخبار، وموعظة وعبرة، وإصلاح وإرشاد، وأدب وخلق، وردّ ونقد، وقد جرّب علماء هذه الديار أنّ هذه الملفوظات لها أثرٌ بالغٌ في تكوين المذاق الديني السليم، والتشجيع على الأعمال الصالحة))(١). هذا وقد بلغ عدد أولئك الذين نهلوا من منهل الشيخ الصافي، واستقوا من معينه العذب الحلو الآلاف، يمثّلون كل أصناف الناس وطبقاتهم، فمنهم الأولياء والصالحون والعلماء والجهابذة الكبار، والمحدِّثون والفقهاء، والمثقّفون والأدباء، والحكماء والأطبّاء، وأصحاب الحرف والمهن المختلفة، ولم يقتصر ذلك على (الخانقاه الإمدادي) فقط، بل كانت هذه (١) من مقدمة الشيخ تقي العثماني لكتاب (إعلاء السنن): ١٤/١. ١١٩ عادته في حلّه وترحاله، وسفره وحضره، وها هو سماحة العلامة الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله، الداعية الكبير، والمفكر الإسلامي العظيم، رائد الأدب الدعوي، وصاحب المؤلفات النافعة، قد سنحت له فرصة الاستفادة من مجالس حكيم الأمة التهانوي رحمه الله، عدة مرات، ويسعدني أن أتحف القرّاء الكرام بما كتبه العلاَّمة الندوي في هذا الصدد، ولا شك أن كلامه هذا صورة رائعة ومشرقة لمعرفة مدى العلاقة القوية، والصلة الوطيدة التي تربطه بحكيم الأمة، واستفادته من مجالسه ومواعظه، يقول رحمه الله وهو يحكي لنا قصة نزول حكيم الأمة في مدينة لكنو واستفادة العامة والخاصة من مجالسه: ((وبالجملة فقد قدم الشيخ إلى لكنو، في أغسطس عام ١٩٣٨ م واتخذ بيت مسترشده وتلميذه القديم المولوي محمد حسن الکاکوروي، مدیر (أنوار المطابع) منزلاً له، ودامت إقامته أربعين يوماً، وهي مدة لها قيمتها، وأهميتها في مجال التربية والإصلاح والتزكية، خصّ وقت ما بين الظهر والعصر للقائه برجال مخصوصين، وكان ضابط ذلك أن يعرف الشيخ القادمين شخصياً، أو يُعرّفهم رجلٌ ثقة من حَضَرة مجلسه، كي لا يحدث أمراً لا يليق به ویؤذيه . طار الخبر المفاجئ بقدوم الشيخ في أرجاء الهند، ولا سيما في المديريات الشرقية، برغم جميع التحفظات والتأكيدات، فلم يسمح بالزيارة إلا لأهل العلاقة الخاصة، كما تشرّف بزيارته، واستفاد من مجالسه العلمية والإصلاحية، عدد كبير من أعيان البلد، بما فيهم علماء (فرنكي محل) وأساتذة (دار العلوم ندوة العلماء)، وطائفة لا يستهان بها من المتدينين في البلد. ١٢٠