Indexed OCR Text
Pages 221-240
والحاصل أنه إذا علم بالقرائن المقالية أو الحالية أن الجارح طعن على أحد بسبب تعصب منه عليه، لا يقبل منه ذلك الجرح، وإن عُلم أنه ذو تعصب على جمع من الأكابر ارتفع الأمان عن جرحه، وعُدّ من أصحاب القرح(١). ٤ - شبهة: قيل: إن بعض رجال الحديث تكلم في الإِمام رحمه الله تعالى؛ مثل النسائي (٢) والدارقطني والعُقيلي، وقولهم حجة. كشفها: إن الرعيل الأول من علماء الرجال، والذين بدأوا الكلام في جرح الرواة وتعديلهم. وعاصروا الإِمام رحمهم الله تعالى قد أثنوا عليه، كابن المديني، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين، وشعبة بن الحجاج وقالوا: صدوق ثقة هذا يحيى بن معين (وهو ممن أخذ عن خاصة أصحاب أبي حنيفة وخالطهم وصاحبهم فعرفه منهم حق المعرفة بالصحبة الطويلة لهم وهو شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وأحمد بن حنبل وأبي حاتم ... وهو إمام الجرح والتعديل، هذا الإِمام هو الذي يزكي أبا حنيفة ويوثقه في الحديث ويثني (١) الرفع والتكميل /ص ٦٢ - ٦٤ /. (٢) قال نعمان بن ثابت أبو حنيفة ليس بالقوي في الحديث. وهذا كما ترى جرح مبهم فلا يُقبل بإزاء تعديل من عدّله ووثقه. انظر شرح شرح النخبة للقاري ص ١١٢، ومقدمة التعليق الممجد ص ٣٢، وأبو حنيفة وأصحابه المحدثون ص ٢٤ . ٢٢١ على حفظه فيقول: لا يحدث إلّ بما يحفظه ولا يحدث بما لا يحفظ. ويقول أيضاً: ما سمعت أحداً ضعفه هذا شعبة بن الحجاج يكتب إليه أن يحدث ويأمره، وشعبة شعبة. وقال ابن عبد البر في ((جامع بيان العالم)) له قيل لابن معين يا أبا زكريا أبو حنيفة كان يصدق في الحديث؛ قال: [نعم صدوق] وقال: [كان شعبة حسن الرأي فيه] اهـ. وقال أحمد في شعبة: [كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن] يعني في الرجال وبصره بالحديث وتثبته وتنقيته للرجال. وقال ابن إدريس [ما جعلت بينك وبين الرجال مثل شعبة]. فابن معين أدرى بأبي حنيفة وأعلم به من غيره لقربه منه زماناً ومكاناً. ولكثرة مخالطته لأصحاب أبي حنيفة وأخذه عنهم. فقول ابن معين في توثيق أبي حنيفة هو المتبع. لا قول البخاري أو من تابعه ممن ولد بعد وفاة أبي حنيفة بدهر أو دهور، ونقل له عنه نقلٌ مشوّه، أو داخله تعصّب عليه، فإذا تكلم يحيى بن معين سكت مثل البخاري ومسلم والنسائي، وابن عدي، والدارقطني ومن دونهم، سكت كل هؤلاء مسلّمين له، ومن شهدوا له بتفرده وبمعرفة الرجال عامة، وأذعنوا الإِمامته بذلك. فنبز بعض الشانئين، في هذا الزمن المتأخر - الإِمام الأئمة ومقدم الأمة أبي حنيفة رضي الله عنه المجمع على جلالته وإمامته في الاجتهاد والعلم بقوله: (ضعفوا حديثه من جهة حفظه) مناف للأمانة العلمية؛ لأنه إن كان اعتمد في ذلك ٢٢٢ على قول البخاري ومن تابعه فهو قول مدخول لا يصح الاعتماد عليه اهـ. وقال الإِمام الكشميري في كتابه العظيم ((فيض الباري على صحيح البخاري)) في كتاب العلم / ١ - ١٦٩ / قال رحمه الله تعالى ويحيى هذا هو يحيى بن سعيد القطان إمام الجرح والتعديل وأول من صنف فيه. قاله الذهبي. وكان يُفتي بمذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وتلميذه وكيع بن الجراح تلميذ للثوري، وهو حنفي أيضاً. ونقل ابن معين أن يحيى القطان سئل عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى فقال: ما رأينا أحسن منه رأياً] ونقل عن ابن معين [إني لم أسمع أحداً يجرح أبا حنيفة رحمه الله تعالى]. فعلم أن الإِمام الهمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى لم يكن مجروحاً إلى زمن ابن معين رحمه الله تعالى، ثم وقعت وقعة الإِمام أحمد رحمه الله تعالى مسألة خلق القرآن وشاع ما شاع وصارت جماعة المحدثين فيه فرقاً، وإلّ فقبل تلك الوقعة توجد في السلف جماعة تفتي بمذهبه اهـ. عن تعليقات الشيخ عبد الفتاح أبو غدة على /قواعد في علوم الحديث/ للمحدث الفقيه ظفر أحمد العثماني رحمه الله تعالى، وهو المقدمة الأولى من المقدمات الثلاث على كتابه النافع ((إعلاء السنن)) ويقع في /١٨ / جزءاً ص ١٩٤، ١٩٠. ٢٢٣ وكثير ممن تكلم في الرجال من علماء الحديث يحتاجون إلى من يوثقهم، فكيف يقبل توثيقهم أو تضعيفهم لغيرهم. ثم هناك التحامل على بعض العلماء للخلاف في المذهب والعصبية، والرأي، والجهل، والحسد، فحري أن لا يقبل ثَمَّة الجرحُ بحال. وهناك تحامل لا يقبل من صاحبه ولو كان من كبار رجال الحديث، لأن الشواهد تشهد على خلاف قوله، لقد قال ابن معين في الشافعي: (ليس بثقة)، وقال مسلم في البخاري أو شيخه علي بن المديني: (إنه منتحل الحديث سيء الرواية)(١) وقال بعضهم في البخاري: (تركه أبو زرعة وأبو حاتم من أجل مسألة اللفظ) وقال مالك في عبد الرحمن بن أبي ذئب وعبد الرحمن بن أبي ذئب في مالك ما قالا، وذكر العقيلي، عليّ بن المديني والبخاري، وعبد الرزاق (صاحب المصنف) وعثمان بن أبي شيبة، وإبراهيم بن سعد، وعفان بن مسلم الأنصاري، وأبان العطار وأزهر السمان، وبهز بن أسد، وثابت البناني، وجرير بن عبد الحميد في الضعفاء !! قال الذهبي بعد أن أورد الأسماء التي سردت: لو ترك حديث علي بن المديني إلخ لغلقنا الباب، وانقطع (١) وقد رُدَّ هذا القول فيه. انظر النووي في شرح مسلم عند تلك الجملة / ١ - ١٢٨/. وانظر لزاماً ((قاعدة في الجرح والتعديل)) للإِمام السبكي تحقيق الشيخ عبد الفتاح. ٢٢٤ الخطاب، ولماتت الآثار، واستولت الزنادقة، ولخرج الدجالون، أفمالك عقل يا عُقيلي، أتدري فيمن تتكلم(١) !!. وقال مالك في محمد بن إسحاق إنه: ((دجال من الدجاجلة))، ولا يقبل قدح النسائي في أحمد بن صالح المصري، وقدح أحمد في الحارث المحاسبي. وقد ذكر الشيخ عبد الحي اللكنوي: أن العلماء لم يقبلوا جرحَ هؤلاء العلماء الأجلاء، خاصة مثل ابن المديني والبخاري ومالك، وحملوا كلام بعضهم في بعض إلى معاصرة وجهالة، وخلاف في العقيدة والمذهب، والحسد. ذلك لأن الإِمام أحمد مثلاً حين تكلم في الحارث المحاسبي، إنما فعل ذلك لأنه كان يكره من يتكلم في علم الكلام، وما كان في الحارث ما يُجرح به في خلق ودين، وهو العابد الزاهد، الفقيه المحدِّث رحمه الله تعالى. قال الإِمام تاج الدين السبكي: اعلم أن الإِمام أحمد رضي الله عنه كان شديد النكير على من يتكلم في علم الكلام؛ خوفاً أن يجر ذلك إلى ما لا ينبغي، ولا شك أن السكوت عنه ما لم تدُعْ إليه الحاجة أولى، والكلام فيه عند فقد الحاجة بدعة، وكان الحارث المحاسبي قد تكلم في شيء من مسائل (١) الرفع والتكميل للشيخ اللكنوي ص ٢٥٧ . ٢٢٥ الكلام، قال أبو القاسم النصر آبادي: بلغني أن أحمد بن حنبل هجره بهذا السبب(١). أقول: لذا رُجح عدم صحة نسبة كتاب /الرد على الزنادقة / إلى أحمد بن حنبل رحمه الله. والله أعلم. وقد تكلم الإِمام أحمد في الحسن بن علي بن يزيد الكرابيسي صاحب الإِمام الشافعي وحامل علمه، لأنه كان يقول: القرآن غير مخلوق ولفظي به مخلوق، حتى إنه لما بلغ الأخير كلامُ الإِمام أحمد فيه، قال: ما ندري ما أيش نعمل بهذا الفتى إن قلنا مخلوق قال بدعة وإن قلنا غير مخلوق قال بدعة. فلا يقبل كلام الإِمام أحمد فيهما إِذن لأن الخلاف خلاف رأي، والكلام كان بسببه. وقد تكلم عبد الرحمن بن أبي ذئب في الإِمام مالك وقال: يستتاب مالك، فإن تاب وإلّ ضربت عنقه؛ لأنه قيل له: إن مالكاً يقول: ليس البيِّعان بالخيار، وهو إنما قال هذا حين بلغه أن مالكاً ردّ الحديث، ولكن مالكاً ما ترك الحديث هكذا، بل لأنه خبر آحاد قوبل بعمل أهل المدينة، وخبر أهل المدينة مقدَّم عنده على خبر الآحاد. قال شيخه ربيعة الرأي : ألف عن ألف، أحب إليّ من واحد عن واحد(٢). (١) انظر مقدمة رسالة المسترشدين للمحاسبي تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في طبعته الثانية /ص ٢١ /. (٢) انظر كتاب العلل لأحمد بن حنبل /١: ١٩٣/. وانظر تعليق = ٢٢٦ فلا يقبل كلام ابن أبي ذئب في إمام دار الهجرة رحمه الله ١ تعالی ورضي عنه. لقد أخرج الدارقطني حديث أبي حنيفة: ((من كان له إمام فقراءة الإِمام له. قراءة)) في سننه، ثم تعقّبه بقوله: هذا الحديث لم يسنده عن جابر بن عبد الله غير أبي حنيفة والحسن بن عمارة وهما ضعيفان. ولا يقبل قول الدارقطني في الإِمام بعد قول يحيى بن معين فيه: أبو حنيفة ثقة، ما سمعت أحداً ضعّفه. هذا شعبة يكتب إليه أن يحدِّث بأمره، وشعبة شعبة ((أمير المؤمنين في الحديث))(١). وقال الإِمام الحاكم بعد رواية ذلك الحديث: ((من صلى خلف إمام فإن قراءته له قراءة)): عبد الله بن شداد هو نفسه أبو الوليد بيَّنه علي بن المديني، قال الحاكم: ومن تهاون بمعرفة الأسامي أورثه مثل هذا الوهم اهـ، ذكره محشَي شرح النخبة عن علي القاري في شرح الشرح له ((ص ١١٢)) قالوا: فقد نسب الحاكم أبا حنيفة إلى الوهم وعدم معرفته بأسامي الرجال، قلت: إن أراد الحاكم ذلك، فهو يدل على عدم معرفته هو بطريق الروايات وقلّة تتبعه لها، فإن الرواية = الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في الرفع والتكميل، وقد أطال بما يرفع كل ظنة عن الإِمام مالك النجم الثاقب في إمامة الحديث. (١) انظر إنجاء الوطن ص ٢٢ . ٢٢٧ الصحيحة عن الإِمام ما أخرجه محمد في ((موطأه)): أخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا أبو الحسن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن جابربن عبد الله مرفوعاً الحديث ((ص ٩٦)) وليس فيه أبو الوليد، وأخرجه أبو محمد الحارثي ((البخاري))(١) عن عبد الصمد بن الفضل وحمدان بن ذي النون وإسماعيل بن بشر، قالوا: حدثنا مكي بن إبراهيم عن أبي حنيفة، عن أبي الحسن موسى بن أبي عائشة، عن أبي الوليد عبد الله بن شداد، عن جابر بن عبد الله مرفوعاً الحديث. كذا في ((جامع المسانيد /١ : ٣٣٨/ وليس فيه عبد الله بن شداد عن أبي الوليد كما رواه الحاكم؛ بل فيه أبي الوليد عبد الله بن شداد عن جابر على الصحيح الصواب الذي قاله ابن المديني. فتبين بذلك أن أبا حنيفة لم يَهمْ، فإن الثقات من أصحابه يروون ذلك عنه على الصواب، وإنما الوهم ممن هو تحت أبي حنيفة، فرواه عن عبد الله بن شداد عن أبي الوليد بزيادة لفظة ((عن)) والعجب من البيهقي كيف اغتر برواية من رواه هكذا بالوهم وأسقط الاحتجاج به لجهالة أبي الوليد. وقال في جزء القراءة له: وأما القصة التي فيها: فإن قراءته له (١) قال فيه السمعاني: كان كثير الحديث وكان معروفاً بالأستاذ. كذا في الفوائد البهية ص ٢٤٤ وفي اللسان ٣٤٩/٣ أكثر عنه أبو عبد الله بن منده وروى عنه ابن عقدة والجعابي وأبو بكر بن دارم وآخرون. ٢٢٨ قراءة؛ فإن أبا حنيفة إنما رواها عن موسى بن أبي عائشة من عبد الله بن شداد عن أبي الوليد عن جابر، وهو رجل مجهول، كما قال الدار قطني رحمه الله تعالى ولا تقوم به حجة اهـ ((ص ١٠٣)). ولو رأى البيهقي والدارقطني أو سمعا رواية مكي بن إبراهيم عن أبي حنيفة، عن أبي الحسن موسى، عن أبي الوليد عبد الله بن شداد، عن جابر لاستحييا من قولهما بأن أبا الوليد مجهول، وعرفا أن زيادة لفظة ((عن)) في روايتهما عن بعض الواهمين من شيوخهما النازلين عن الإِمام. ولا يبعد أن يكون الحاكم هو الذي وهم؛ لأنه كان كثير الوهم، يضعف جماعة في كتاب الضعفاء له، ويقطع بترك الرواية عنهم، ويمنع من الاحتجاج بحديثهم، ثم يخرِّج أحاديث بعضهم في مستدركه، ويصححها كما قاله الحافظ في اللسان /٥: ٢٣٣ / ولا يخفى ذلك على من طالع تلخيص المستدرك للذهبي. والله أعلم(١). ولا يقبل - فضلاً عن بطلان السند - ما ذكره البخاري في تاريخه الصغير، قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال: حدثنا الفزاري، قال: كنت عند سفيان، فنعي النعمان، فقال: الحمد لله، كان ينقض الإِسلام عروة عروة، ما ولد في الإِسلام أشأم منه ((ص ١٧٣)) قال مؤلف (إنجاء الوطن): كبرت كلمة تخرج من أفواههم، إن يقولون إلّ كذباً فوالله (١) إنجاء الوطن ص ٣٤ - ٣٠. ٢٢٩ لم يولد في الإِسلام بعد النبي 18َّ وأصحابه أيمن وأسعد من النعمان أبي حنيفة، ودليل ذلك ما هو مشاهد من اندراس مذاهب الطاعنين عليه وانتشار مذهب أبي حنيفة، وازدياده وانتشاره ليلاً ونهاراً، ويأبى الله والمؤمنون إلّ أبا حنيفة. وهذه الرواية لا أتهم فيها البخاري، فإنه حدَّث كما سمع، ولكني أتهم شيخه نعيم بن حماد(١) فإنه وإن كان حافظاً للأحاديث وثقه بعضهم؛ ولكن قال الحافظ أبو بشر الدولابي: نعيم يروي عن ابن المبارك، قال النسائي : ضعيف، وقال غيره: كان يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات مزورة في ثلب أبي حنيفة كلها كذب، كذا في تهذيب التهذيب / ١٠ - ٤٦٣ - ٤٦٤ / ١ هـ(٢). قلت: وقد سبق أن ذكرنا ثناء سفيان الثوري على الإِمام رحمهما الله تعالى وروايته عنه، ثم إن في تلك الرواية مخالفة للشريعة فإن الشؤم موضوع في الإِسلام بمثل حديث رسول الله وَلّر ((لا طِيرَة ولا هامة ولا صَفَر))(٣)، ((إن يكن الشؤم ففي ثلاث: المرأة، والبيت، والفرس)) فبعيد بعيد أن (١) قال: ابن حجر في هدي الساري عند ترجمة (نعيم بن حماد): إنه كان شديداً على أهل الرأي /٢ - ١٦٨ /. وقال العباس بن مصعب في تاريخه: وضع نعيم بن حماد كتباً في الرد على الحنفية. ميزان الاعتدال /٣ - ٢٣٨ /. (٢) إنجاء الوطن ص ٣٥، وانظر تأنيب الخطيب. (٣) كان العرب يتشاءمون من شهر صفر فأبطل الإِسلام ذلك. ٢٣٠ يخالف سفيان ثناءه على الإِمام، ويجانب الحديث الشريف، ويقول ذلك القول دون حجة أو أثارة من علم. معاذ الله !!. ٥ - شبهة: قيل: إن الإِمام رحمه الله تعالى كان يقدّم القياس على النصوص. كشفها: تقدم عند ذكر أصول الإِمام رحمه الله تعالى نَقُول من الإِمام محمد بن يوسف الصالحي والكوثري وأبو زهرة وغيرهم؛ ما يبين بطلان هذه الشبهة، وتقدَّم كذلك قول ابن حزم وابن القيم: إن الإِمام يقدِّم الحديث الضعيف على القياس؛ فكيف يُدَّعى أنه يقدم القياس على النص؟ !. نقل الإِمام الشعراني بسنده إلى الإِمام رحمه الله تعالى أنه قال: كذب - والله - وافترى علينا من يقول: إننا نقدم القياس على النص !! وهل يحتاج بعد النص إلى قياس؟ ونقل عنه أيضاً قوله: نحن لا نقيس إلّ عند الضرورة الشديدة، وذلك أننا ننظر في دليل المسألة من الكتاب والسنة أو أقضية الصحابة؛ فإن لم نجد دليلاً قسنا حينئذٍ مسكوتاً على منطوق به. وذكر عنه أيضاً قوله: ما جاء عن رسول الله اَلر فعلى الرأس والعين، بأبي وأمي، وليس لنا مخالفته، وما جاء عن الصحابة تخيَّرنا، وما جاء عن غيرهم فهم رجال ونحن رجال(١). نعم إن الإِمام رحمه الله تعالى يرجح الرواية بفقه الراوي (١) الميزان للشعراني / ١ - ٥١ وما بعد/. ٢٣١ على راويةٍ مقابلةٍ راويها غير فقيه، لأن شأن الفقيه أن يدرك ويفهم ما قد لا يدركه غير الفقيه، خاصة وأن الحديث قد يروى بالمعنى، وقد جاء هذا على لسان أبي حنيفة رحمه الله تعالى في مناقشته الإِمام عبد الرحمن الأوزاعي كما جاء في الأخبار. روى سفيان بن عيينة قال: اجتمع أبو حنيفة والأوزاعي رحمهما الله تعالى في دار الخياطين بمكة، فقال الأوزاعي لأبي حنيفة: ما لكم لا ترفعون أيديكم في الركوع وعند الرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: لأجل أنه لم يصح عن رسول الله وَليه أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع(١)، قال: كيف وقد حدثني الزهري، عن سالم عن أبيه، عن رسول اللّه وَل ير: أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع؟! فقال أبو حنيفة: حدثنا حماد عن إبراهيم عن علقمة، والأسود عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله و طيور ((كان يرفع يديه عند افتتاح الصلاة ثم لا يعود إلى شيء من ذلك)). قال الأوزاعي أحدِّثك عن الزهري وسالم عن أبيه، وتقول حدثنا حماد عن إبراهيم؟!، فقال أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون ابن عمر، وإن كان لابن عمر صحبة، فالأسود له فضل كبير. ورويت الرواية الأخيرة، (١) تقدم سابقاً أنه رحمه الله كان أحفظ الناس بآخر عمله وله، وإلّ فالإِمام يحفظ أحاديث الرفع ولكن يراها منسوخة. ٢٣٢ بعبارة أخرى وهي: إبراهيم أفقه من سالم، ولولا فضل الصحبة لقلت: علقمة أفقه من عبد الله بن عمر، وعبد الله - يعني ابن مسعود - هو عبد الله (١). فانظر - رعاك الله - كيف لم يعارض الأوزاعي الإِمام في أصله هذا. رحمهما الله تعالی . فحاشى لله أن يرد الإِمام الحديث بقياس الرأي أو ميل الهوى والغرض !!. ٦ - شبهة: قيل: إن الإِمام أبا حنيفة كان يقول بالرأي، بل هو إمام أهل الرأي، وقد ورد في ذم الرأي نصوص كثيرة. كشفها: تقدم عند ذكر أصول مذهب الإِمام رحمه الله تعالى أن الأصل الرابع عنده هو القياس والاجتهاد والرأي، وذكرت هناك أدلة على اعتبار القياس والاجتهاد والرأي. ومن المقرر أن الأخذ بالقياس والرأي هو رأي الأئمة الأربعة والمذاهب المعتبرة، ولا عبرة بمن شذّ عن ذلك من الظاهرية وأشباههم، فجاؤوا في المسائل التي لا نص فيها بالعجائب، فنفوا الاجتهاد في فهم النصوص فوقعوا في مضحكات، قالوا مثلاً في شرح حديث ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ فيه)): لو بال الإِنسان في وعاء، ثم رمى البول في الماء الدائم، إن ذلك لا بأس فيه !!. لقد تقدم أن الإِمام رحمه الله تعالى لا يقول بالرأي ولا (١) حجة الله البالغة للإِمام الدهلوي / ١ - ٢٣١ /. ٢٣٣ يلجأ إليه إلاّ إذا عدم النص في القضية. قال ابن القيم الحنبلي في إعلام الموقعين: أصحاب أبي حنيفة مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي، وعلى ذلك بنى مذهبه، كما قدَّم حديث القهقهة مع ضعفه - في رأيه - على القياس والرأي، وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر مع ضعفه - في رأي ابن القيم كذلك - على الرأي والقياس، ومنع قطع السارق بأقل من عشرة دراهم، والحديث فيه ضعيف، وجعل أكثر الحيض عشرة أيام والحديث فيه ضعيف، وشرط في إقامة الجمعة المصر والحديث فيه كذلك، وترك القياس المحض في مسائل الآبار لآثار فيها غير مرفوعة، فتقديم الحديث الضعيف وآثار الصحابة على القياس والرأي قوله وقول أحمد بن حنبل، وليس المراد بالضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين، بل ما يسميه المتأخرون حسناً قد يسميه المتقدمون ضعيفاً اهـ. وعقب الدكتور الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله على هذه الجملة بقوله(١): قلت: ولا يلزم من أن تكون الأحاديث التي ذهب إليها أبو حنيفة ضعيفة عند المحدثين، ولو بالمعنى الذي أراده السلف أن تكون كذلك عند أبي حنيفة، بل لا بد أن (١) إعلام الموقعين / ١: ٧٧ / والسنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص ٣٨٠ - ٣٨١، وينظر فتح القدير الكمال بن الهمام لبيان صحة الأحاديث التي أخذ بها الإِمام رحمه الله تعالى وضعفها ابن القيم. ٢٣٤ تكون صحيحة عنده بناء على أصوله العامة. والأنظار في هذا قد تختلف، وما يصححه إمام قد لا يكون كذلك عند إمام آخر اهـ. وقال ابن حزم الظاهري: جميع أصحاب أبي حنيفة مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة: أن ضعيف الحديث أولى عنده من القياس والرأي(١). وذكر الخطيب البغدادي في كتابه ((الفقيه والمتفقه)) عن كبار الصحابة وكرامهم الاجتهاد والرأي في المسائل التي لا نص فيها، فنقل ذلك عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم، وذكر مسائلهم، ثم ذكر بعض التابعين مثل إبراهيم النخعي، وذكر مسائلهم، فليس أبو حنيفة أول من قال بالرأي ولا آخر من قال ويقول به. ليس الرأي الذي كان عليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى ردّ النصوص، لكن اعتبارها وفهمها والفهم عنها، وقد كان في هذا الباب البطل الذي لا يُجارى، ولعل بعضهم حسده لهذا فقال فيه ما قال، أو تخيل أنه يقدم الرأي على النص - لفهمه الدقيق فيه - فزعم في حقه ما زعم، لقد قال رحمه الله تعالى في الذي أكل أو شرب ناسياً في نهار رمضان: لولا الأثر لقلت بالقياس أي أنه يفطر، ذلك لوجود صورة الإِفطار منه لا قصده. قال ابن عبد البر: والذين تكلموا فيه من أهل (١) ملخص إبطال القياس / ص ٦٨/. ٢٣٥ الحديث أكثر ما عابوا عليه الإِغراق في الرأي والقياس(١). وقال ابن حجر في مقدمة الفتح: ومن ثَمَّ لم يقبل جرح الجارحين في الإِمام أبي حنيفة حيث جرحه بعضهم بكثرة القياس (٢) اهـ. وقال الإِمام أبو بكر الرازي في ((الفصول)) بعد أن سرد ما كان عليه فقهاء الصحابة والتابعين من القول بالرأي: إلى أن نشأ قوم ذوو جهل بالفقه وأصوله، لا معرفة لهم بطريقة السلف ولا توقي للإِقدام على الجهالة، واتباع الأهواء البشعة التي خالفوا بها الصحابة ومن بعدهم من أخلافهم، فكان أول من نفى القياس والاجتهاد في أحكام الحوادث إبراهيم النظام(٣)، وطعن على الصحابة من أجل قولهم بالقياس، ونسبهم إلى ما لا يليق بهم، وإلى ضد ما وصفهم الله به (١) إنجاء الوطن ص ٢٢ . (٢) المصدر نفسه. (٣) قال فيه الإِمام أبو منصور البغدادي في (الفرق بين الفرق): عاشر في شبابه قوماً من الثنوية وقوماً من السمنية القائلين بتكافؤ الأدلة، وخالط بعد كبره من ملحدة الفلاسفة، ثم دون مذاهب الثنوية وبدع الفلاسفة وشبه الملحدة في دين الإِسلام. أنكر إعجاز القرآن في نظمه، وأنكر ما روي من معجزات نبينا مصر من انشقاق القمر وتسبيح الحصى في يده وغيرها، كفره من المعتزلة أبو هذيل المعتزلي - خاله - والجبائي، ومن أهل السنة أبو الحسن الأشعري والباقلاني، وله في بيان فضائحه وكفرياته ((إكفار المتأولين)) اهـ من تعليق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة على فقه أهل العراق مختصراً / ١٥ /. ٢٣٦ وأثنى به عليهم، بتهوره وقلة علمه بهذا الشأن. ثم تبعه على هذا القول نفر من المتكلمين البغداديين، إلا أنهم لم يطعنوا على السلف كطعنه، ولم يعيبوهم، ولكنهم ارتكبوا من المكابرة وجحد الضرورة أمراً بشعاً فراراً من الطعن على السلف في قولهم بالاجتهاد والقياس، وذلك أنهم زعموا أن قول الصحابة في الحوادث كان على وجه التوسط والصلح بين الخصوم. لا على وجه قطع الحكم وإبرام القول، فكأنهم قد حسّنوا مذهبهم بمثل هذه الجهالة، وتخلصوا من الشناعة التي لحقت بالنظام بتخطئة السلف، ثم تبعهم رجل من الحشو جهول - يريد داود بن علي رأس الظاهرية - لم يدرِ ما قال هؤلاء ولا ما قال هؤلاء، وأخذ طرفاً من كلام النظام وطرفاً من كلام متكلمي بغداد من نفاة القياس، فاحتج به في نفي القياس والاجتهاد، مع جهله بما تكلم به الفريقان من مثبتي القياس ومبطليه. وقد كان مع ذلك ينفي حجج العقول، ويزعم أن العقل لا حظّ له في إدراك شيء من علوم الدين، فأنزل نفسه منزلة البهيمة بل هو أضل منها. اهـ. وأبو بكر الرازي أطال النفس جداً في إقامة الحجة على حجية الرأي والقياس، بحيث لا يدع أي مجال للتشغيب ضد حجيته. فالرأي بهذا وصف مدح، ما يوصف به كل فقيه، ينبىء عن دقة الفهم وكمال الغوص، ولذلك نجد ابن قتيبة يذكر في كتاب ((المعارف)) الفقهاء بعنوان ((أصحاب الرأي)) ويعدُّ فيهم الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس رضي ٢٣٧ الله عنهم، وكذلك تجد الحافظ محمد بن الحارث الخشني يذكر أصحاب مالك في ((قضاة قرطبة)) باسم ((أصحاب الرأي)) وهكذا يفعل أيضاً الحافظ أبو الوليد الفَرَضي في ((تاريخ علماء الأندلس)). وكذلك الحافظ أبو الوليد الباجي في كتابه المنتقى /٧: ٣٠٠/ في شرح حديث الداء العضال من ((الموطأ)) في صدد الرد على ما يرويه النقلة عن مالك في تفسير الداء العضال. وقال ابن عبد البر: ولم يرو مثل ذلك عن مالك أحد من ((أهل الرأي)) من أصحابه، يعني أهل الفقه من أصحاب مالك إلى غير ذلك مما لا حاجة إلى استقصائه هنا . وبهذا يتبين أن تنزيل الآثار الواردة في ذم ((الرأي عن هوى)) في فقه الفقهاء، وفي ردهم النوازل التي لا تنتهي إلى انتهاء تاريخ البشر إلى المنصوص من كتاب الله وسنة رسوله؛ إنما هو هوى بشع تنبذه حجج الشرع. وأما تخصيص الحنفية بهذا الاسم (أهل الرأي) فلا يصح إلا بمعنى البراعة البالغة في الاستنباط، فالفقه حيثما كان يصحبه الرأي، سواء أكان في المدينة أو في العراق، وطوائف الفقهاء كلهم إنما يختلفون في شروط الاجتهاد بما لاح لهم من الدليل، وهم متفقون في الأخذ بالكتاب والسنة والإِجماع والقياس ولا يقتصرون على واحد منها. وأما أهل الحديث فهم الرواة النقلة وهم الصيادلة، كما أن ٢٣٨ الفقهاء هم الأطباء، كما قال الأعمش، فإذا اجترأ على الإِفتاء أحد الرواة الذين لم يتفقهوا يقع في مهزلة، كما نص (الرامهُرُمُزي)) في ((المحدِّث الفاصل)) وابن الجوزي في ((التلبيس)) و ((أخبار الحمقى))، والخطيبُ البغدادي في ((الفقيه والمتفقه)) على نماذج من ذلك(١) فذكر مدرسة الحديث هنا مما لا معنى له (٢). قال سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي في شرح ((مختصر الروضة)) في أصول الحنابلة: واعلم أن أصحاب . الرأي بحسب الإِضافة هم كل من تصرف في الأحكام بالرأي، فيتناول جميع علماء الإِسلام، لأن كل واحد من المجتهدين لا يستغني في اجتهاده عن نظر ورأي، ولو بتحقيق المناط وتنقيحه الذي لا نزاع في صحته. وقال الشهاب ابن حجر المكي في الخيرات الحسان : يتعين عليك أن لا تفهم من أقوال العلماء - أي المتأخرين من أهل مذهبه - عن أبي حنيفة وأصحابه: أنهم أصحاب الرأي، (١) تلبيس إبليس فصل (ذكر تلبيس إبليس على أصحاب الحديث) /ص ١١١ - ١١٣ / ومن أخبار الحمقى والمغفلين الباب الحادي عشر / ١١٥ - ١٢٧ / ومن (الفقيه والمتفقه) /٢ - ٨١ - ٨٤ /. (٢) تنبيه على رد ما قاله بعض أهل العصر في كتبه. قاله الشيخ محمد يوسف البنوري. من ((فقه أهل العراق وحديثهم)) للإِمام الكوثري /١٤ / تحت عنوان الرأي والاجتهاد (ص ٢٩). ٢٣٩ أن مرادهم بذلك تنقيصهم، ولا نسبتهم إلى أنهم يقدِّمون رأيهم على سنة رسول الله وَله، ولا على قول أصحابه، لأنهم برآء من ذلك اهـ. ثم بسط ما كان عليه الإِمام أبو حنيفة وأصحابه في الفقه من الأخذ بالكتاب، ثم بسنة رسول الله 105، ثم بأقوال الصحابة، رداً على من توهم خلاف ذلك. ولا أنكر أن هناك أناساً من الرواة الصالحين يخصون أبا حنيفة وأصحابه بالوقيعة بين الفقهاء، وذلك حيث لا ينتبهون إلى العلل القادحة في الأخبار التي تركها أبو حنيفة وأصحابه، فيظنون بهم أنهم تركوا الحديث إلى الرأي. وكثيراً ما يعلو على مداركهم وجه استنباط هؤلاء الحكم من الدليل؛ لدقة مداركهم وجمود قرائح النقلة، فيطعنون في الفقهاء: أنهم تركوا الحديث إلى الرأي، وهذا النبز منهم لا يؤذي سوى أنفسهم(١) . ٧ - شبهة: قيل: كيف لا يكون الإِمام أبو حنيفة ضعيفاً وقد ذكر له ابن عدي ثلاثمائة حديث، وقال: إنها ضعيفة، وكذا العُقيلي، بل عده الذهبي من الضعفاء في ميزان الاعتدال . کشفها: ١ - أما ابن عدي، فیحتاج إلی من یعدّله ویحسن. القول فيه، وما أدري بم يحكم عليه في هذا الموضوع وهو (١) فقه أهل العراق / ٢١/. ٢٤٠