Indexed OCR Text

Pages 121-140

أبا حنيفة تحلف أن شهودك شهدوا بحق؟ قال: ليس عليّ
يمين، كنت غائباً ، قال ضلّت مقاييسك !! قال أبو حنيفة: ما
تقول في أعمى شجّ فشهد الشاهدان بذلك؛ أعلى الأعمى
أن يحلف أن شهوده شهدوا بالحق وهو لم ير؟ فحكم له
بالوصية وأمضاها.
ثانيها: أنه دخل الضحاك بن قيس الخارجي - الذي خرج
في عهد الأمويين - مسجد الكوفة، فقال لأبي حنيفة: تب،
فقال ممَّ أتوب؟ قال: من تجويزك التحكيم، فقال أبو حنيفة :
تقتلني أو تناظرني؟ فقال: بل أناظرك، قال: فإن اختلفنا في
شيء مما تناظرنا فيه فمن بيني وبينك؟ قال: اجعل أنت من
شئت، فقال أبو حنيفة لرجل من أصحاب الضحاك: اقعد
فاحكم بيننا فيما نختلف فيه إن اختلفنا، ثم قال للضحاك:
أترضى بهذا بيني وبينك؟ قال: نعم، قال: فأنت جَوَّزت
التحكيم، فانقطع .
ثالثها: أنه يروى أنه كان بالكوفة رجل يقول: عثمان بن
عفان كان يهودياً، ولم يستطع العلماء إقناعه أو حمله على أن
يقول غير مقالته، فأتاه أبو حنيفة، قال: أتيتك خاطباً، قال:
لمن؟ قال لابنتك، رجل شريف، غني بالمال، حافظ
للكتاب، سخي يقوم الليل في ركوع، كثير البكاء من خوف
الله تعالى، فقال: في دون هذا مقنع يا أبا حنيفة، فقال: إلّ
أن فيه خصلة، قال: وما هي؟ قال: يهودي! قال: سبحان
١٢١

الله! أتأمرني أن أزوج بنتي من يهودي؟ قال: ألا تفعل؟
قال: لا، قال: فالنبي 18َّ قد زوج ابنته من يهودي - أي
عثمان رضي الله عنه الذي يزعمه الرجل كذلك - قال:
أستغفر الله إني تائب إلى الله عزّ وجل.
والأخبار مستفيضة بسعة حيلته في المناظرات، وحسن
استخراجه للطائف القول في أشد المواقف حرجاً وضيقاً،
حتى لقد قال له أبو جعفر المنصور: أنت صاحب حيل.
وكان يسهِّل له سبيلَ الجدال قوةُ فراسته وبصره بنفوس
الرجال، وقدرته على فتح مغاليق قلوبهم وخفايا أنفسهم،
فيأتي إليهم من قِبل ما يدركون ويألفون، ويسوَّغ الحق
لهم ويسهِّل قبوله عليهم.
٥ - وكان أبو حنيفة مخلصاً في طلب الحق، وتلك هي صفة
الكمال التي رفعته ونَوَّرت قلبه، وأضاءت بصيرته بالمعرفة
فإن القلب المخلص الذي يخلو من الغرض ودور النفس
والهوى في بحث الأمور وفهم المسائل؛ يقذف الله فيه نور
المعرفة، فتزكو مداركه ويستقيم فكره.
وإن الاتجاه المستقيم في طلب الحقائق، يسهِّل إدراك
العقل لها؛ بخلاف العقل الذي أركسته الشهوات فإنها تقتله،
وما يدري أهو في مهاوي شهواته أم في مدارك عقله.
ولقد خلّص أبو حنيفة نفسه من كل شهوة؛ إلّ الرغبة في
إدراك الصحيح، وعلم أن هذا الفقه دين أو فهم في الدين،
١٢٢

لا يطلبه من غلبت عليه فكرة، ولم يجعل نفسه تسير إلّ وراء
الحق وحده، وما يهدي، وسواء عليه أن يكون غالباً أو
مغلوباً، بل هو الغالب ما دام يصل إلى الحق؛ ولو كان الذي أقنعه
به خصومه في الجدل والمناظرة. وكان الإِخلاصه لا يفرض
في رأيه أنه الحق المطلق الذي لا يُشك فيه، بل كان يقول:
قولنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن
من قولنا فهو أولى بالصواب منا(١).
قيل له: يا أبا حنيفة، هذا الذي تفتي به الحق الذي لا
شك فيه؟ فقال: والله لا أدري لعله الباطل الذي لا شك
فيه، يعني به المسائل الاجتهادية والتي يكون سبيل الحكم
فيها الرأي والنظر. وقال زفر: كنا نختلف إلى أبي حنيفة
ومعنا أبو يوسف ومحمد بن الحسن، فكنا نكتب عنه،
فقال يوماً لأبي يوسف: ويحك يا يعقوب! لا تكتب كل ما
تسمعه مني، فإنه قد أرى اليوم الرأي فأتركه غداً، وأرى
الرأي غداً فأتركه بعد غد. وهذا لا يخالف ما ثبت من أن أبا
يوسف كان يسجل مسائل الإِمام جميعها لأن ذلك كان يكون
بعد تمحيصها واتفاق الآراء من الإِمام وأصحابه عليها. وكان
الإِخلاصه في طلب الحق يرجع عن رأيه إن ذكر له مناظره
حديثاً لم يصح عنده غيره ولا مطعن له فيه، أو ذكرت له
فتوى صحابي كذلك.
(١) تاريخ بغداد / ١٣ - ٣٥٢/.
١٢٣

يروى عن زهير بن معاوية أنه قال: سألت أبا حنيفة عن
أمان العبد، فقال: إن كان لا يقاتل فأمانه باطل، فقلت:
حدَّثني عاصم الأحوال، عن الفضيل بن يزيد الرقاشي، قال:
كنا نحاصر العدو، فرمي إليهم بسهم فيه أمان، فقالوا: قد
أمنتمونا، فقلنا: إنما هو عبد، فقالوا: والله ما نعرف فيكم
العبد من الحر، فكتبنا إلى عمر بذلك، فكتب عمر: أن
أجيزوا أمان العبد، فسكت أبو حنيفة، ثم غبت عن الكوفة
عشر سنين ثم قدمتها، فأتيت أبا حنيفة، فسألته عن أمان
العبد، فأجابني بحديث عاصم ورجع عن قوله، فعلمت أنه
متبع ما سمع. وقيل له - مرة -: أتخالف النبي وَله؟ فقال:
لعن الله من يخالف رسول الله وَله، به أكرمنا الله
واستنقذنا(١).
هذا هو إخلاص أبي حنيفة لفقهه ودينه، فلم يكن من
المتعصبين لآرائهم، بل دفعه الإِخلاص للحق - مع سعة
عقله - لأن يفتح قلبه لغير رأيه من الآراء، وإن التعصب إنما
يكون ممن غلبت مشاعره على أفكاره، أو من ضعفت أعصابه
وضاق نطاق فكره، ولم يكن أبو حنيفة شيئاً من ذلك، بل
كان القويَّ في عقله، المستولي على نفسه وأعصابه،
المخلص في طلب الحق، الخائف من ربه، فقدَّر لنفسه
الخطأ دائماً .
(١) الانتقاء لابن عبد البر ص - ١٤٠ - ١٤١.
١٢٤

٦ - وكان يتوِّج هذه الصفات كلها صفة أخرى لعلها مظهر
لهذه الصفات كلها، أو هي هبة الله لبعض النفوس، تلك
الصفة هي قوة الشخصية والنفوذ والمهابة والتأثير في غيره
بالاستهواء والجاذبية وقوة الروح. کان له تلاميذ كثيرون، ولم
يكن يفرض عليهم رأيه، بل كان يدارسهم ويتعرف آراء
الكبار منهم، ويناقشه مناقشة النظير لا مناقشة الكبير، وكان
هو ينتهي برأي فيصمت الجميع عنده ويسكنون إليه، وقد
يستمر بعضهم على رأيه، وفي الحالين لأبي حنيفة مكانته
وشخصيته. وقد وصف مجلس أبي حنيفة مع أصحابه
معاصره مسعر بن كدام فقال: كانوا يتفرقون في حوائجهم بعد
صلاة الغداة، ثم يجتمعون إليه، فيجلس لهم، فمن سائل، ومن
مناظر، ويرفعون الأصوات لكثرة ما يحتج لهم، إن رجلاً
يسكن الله به هذه الأصوات لعظيم الشأن في الإِسلام(١).
هذه جملة من صفات أبي حنيفة، بعضها فطري، وبعضها
كسبي، راضَ نفسه عليها، وأخذها على سمته، وهي مفتاح
شخصيته، وهي التي جعلته ينتفع بكل غذاء روحي يصل
إليه، فكانت في نفسه كالأجهزة التي يتمثل بها الغذاء في
الأجسام الحية. وكانت بها المجاوبة بينه وبين عصره،
وشيوخه وتجاربه، تتغذى من كل هذه العناصر وتمدها بنوع
جديد من الفكر والرأي، عميق النظر، بعيد الأثر في النفوس
والأجيال.
(١) مناقب الموفق المكي ٢ - ٣٦.
١٢٥

وبهذه الصفات استولى أبو حنيفة على المعجبين به،
ودفعهم إلى الثناء عليه، وأثار حقد الحاسدين، فاندفعوا
إلى الطعن في سيرته (١). اهـ.
(١) أبو حنيفة ص ٥٦ - ٦١ .
١٢٦

الفصل الثالث
فقه الإمام
- أُصول مذهب الإِمام.
- فقه الإِمام.
- نماذج من فقه الإِمام.
- اتجاهات فقه الإِمام.
١٢٧

إسام
فِقرا
أصول مذهب الإقام
الإِسلام قرآن وسنة، واتفاق أئمة المسلمين ومجتهديهم
من الصحابة ومن بعدهم على حكم شرعي، أو فهم أوتيه
بصير بالدين عالم بأصوله ووسائله.
ولقد كان إمامنا رحمه الله تعالى ورضي عنه حافظاً لكتاب
الله تعالى، يقوم به آناء الليل وأطراف النهار، كما كان حافظاً
لحديث رسول الله وَالر، أخذه من حفاظ العراق والحجاز،
وكان حافظاً لأقوال الصحابة رضوان الله عليهم؛ ما اجتمعوا
عليه وما اختلفت فيه آراؤهم، كما آتاه الله تعالى - لما زينه به
من تقوى وصدق وإخلاص - بصراً بالدين، وفهماً قلما يؤتاه
رجل من الناس، ورزقه الله تعالى شيوخاً هم جبال في الحفظ
والفهم والإِقبال على الله تعالى.
١٢٩

ولقد مرّ بنا في البحث السابق بعض أقوال الأئمة الأعلام
في الثناء على الإِمام رحمه الله تعالى في العلم والورع
والفقه .
فما هي الأصول التي بنى عليها الإِمام مذهبه العلمي،
وقد عَمَّ المشارق والمغارب، ويتعبّد لله تعالى على ذلك
المذهب إلى اليوم أكثر من نصف المسلمين؟.
جاء في كتاب الانتقاء أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى قال:
آخذ بكتاب الله تعالى، فإن لم أجد فبسنة رسول اللّه وَلغيره،
فإن لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله والر أخذت
بقول الصحابة؛ آخذ بقول من شئت منهم وأدع قول من
شئت منهم، ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فإذا
انتهى الأمر - أو جاء - إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين
والحسن وعطاء وسعيد بن المسيّب - وعدَّد رجالاً - فقوم
اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا(١).
وجاء في مناقب الإمام أبي حنيفة رحمه الله للموفق المكي
بسنده إلى سهل بن مزاحم قال: كلام أبي حنيفة أخذٌ بالثقة
وفرار من القبح، والنظر في معاملات الناس وما استقاموا عليه
وصلح عليه أمورهم، يمضي الأمور على القياس، فإذا قبح
القياس أمضاها على الاستحسان ما دام يمضي له، فإذا لم
يمض له رجع إلى ما يتعامل المسلمون به، وكان يؤصِّل
(١) الانتقاء لابن عبد البر ومناقب الموفق ١ - ٨٢.
١٣٠

الحديث المعروف الذي قد أجمع عليه، ثم يقيس عليه ما
دام القياس سائغاً، ثم يرجع إلى الاستحسان أيهما كان أوفق
رجع إليه. قال سهل: هذا علم أبي حنيفة رحمه الله تعالى
تعالى عِلم العامة(١).
وجاء في مناقب الموفق بسنده إلى الصيمري، والصيمري
بسنده إلى عبد الله بن يونس، قال: أنبأ الحسن بن صالح
قال: كان أبو حنيفة شديد الفحص عن الناسخ من الحديث
والمنسوخ، فيعمل بالحديث إذا ثبت عنده عن النبي {َ 14 وعن
أصحابه، وكان عارفاً بحديث أهل الكوفة وفقه أهل الكوفة،
شديد الاتباع لما كان عليه الناس ببلده، وقال: كان
يقول: إن لكتاب الله ناسخاً ومنسوخاً، وإن للحديث ناسخاً
ومنسوخاً، وكان حافظاً لفعل رسول الله وَ لّ الأخير الذي قُبض عليه
مما وصل إلى بلده(٢). وبنفس السند إلى الصيمري قال:
أخبرنا عمر بن إبراهيم، أنبأ مكرم، أنبأ أحمد، أنبأ علي
ابن المديني، سمعت عبد الرزاق يقول: كنت عند معمر، فأتاه
ابن المبارك، فسمعنا معمراً يقول: ما أعرف رجلاً يتكلم في
الفقه ويسعه أن يقيس ويستخرج في الفقه أحسن معرفة من
أبي حنيفة، ولا أشفَقَ على نفسه من أن يُدخل في دين الله
شيئاً من الشك من أبي حنيفة .
ونقل ابن عبد البر بسنده إلى محمد بن الحسن رحمه الله
(١) مناقب الموفق ١: ٨٩ - ٩٠.
(٢) المصدر السابق.
١٣١

٦
تعالى قال: العلم على أربعة أوجه: ما كان في كتاب الله
الناطق وما أشبهه، وما كان في سنة رسول الله والله المأثورة
وما أشبهها، وما كان فيما أجمع عليه الصحابة وما أشبهه،
وكذلك ما اختلفوا فيه، لا يُخرج على جميعهم، فإن وقع
الاختيار فيه على قول فهو علم نقيس عليه ما أشبهه، وما
استحسنه فقهاء المسلمين وما أشبهه وكان نظيراً له، ولا
يخرج العلم عن هذه الوجوه الأربعة (١) .
هذه النقول في جملتها تدل على مجموع المصادر الفقهية
عند الإِمام رحمه الله تعالى، فهي القرآن العظيم، والسنة
الشريفة، وما أجمع عليه الصحابة وما اختلفوا فيه لا يخرج
عن أقوالهم - ، والقياس، والاستحسان، والعرف - أي اتباع ما
عليه الناس ببلده ويعني بهم الفقهاء وأهل العلم.
:
١ - القرآن العظيم:
هو كتاب الله تعالى، المنزل على رسول الله وصله بواسطة
ملك الوحي جبريل عليه السلام، المنقول إلينا تواتراً،
والمجموع بين دفتي المصحف، والذي أعجز البشر عن
الإِتيان بأقصر سورة من مثله، ولا يزال يعجزهم ولن يزال
بإذن الله تعالى .
(١) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للدكتور الشيخ مصطفى
السباعي رحمه الله: ص ٣٨، وأصول السرخسي ٣١٨/١،
وجامع بيان العلم /٢ - ٣٦/.
١٣٢
1
أ

القرآن العظيم عند الإِمام رحمه الله تعالى هو المصدر
الأول والأعلى في مسائل الفقه، لأنه الكتاب القطعي
الثبوت، لا يشك في حرف منه وأنه ليس يوازي كلام الله
تعالى، ولا يصل إلى رتبته في الثبوت إلّ الحديث المتواتر،
لذلك لا يرى رحمه الله تعالى نسخ القرآن الكريم بخبر
الآحاد من السنة، وإنما يعمل بها ما أمكن، وإلّ ترك السنة
الظنية للكتاب القطعي. قال الله تعالى: ﴿فاقرأوا ما تيسّر من
القرآن﴾. وقال ومثل: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب))
متفق عليه، فيحكم بأن: أصل قراءة القرآن الكريم في
الصلاة ركن، أما تقسيم القراءة للقرآن الكريم إلى الفاتحة
وبعض ما تيسر من القرآن، فذلك واجب، وبذلك عمل
بالقرآن والسنة معاً.
وبناء على هذا الأصل عنده لا يجعل الطمأنينة فرضاً في
الركوع وغيره، لأن الركوع فرض بنص آية: ﴿اركعوا﴾، أما
الطمأنينة فثابتة بخبر آحاد - وهو حديث المسيء صلاته -؛
ولذلك يجعل الطمأنينة في الركوع الذي هو ركن في
الصلاة واجباً، وهكذا.
٢ - السنة الشريفة:
هي: ما ثبت عن رسول الله وَ له من قول، أو فعل، أو
تقرير، أو صفة خلقية أو خُلُقية، والإِمام رحمه الله تعالى لا
يجعل السنة في رتبة واحدة، بل يقدم - مثلاً - السنة القولية
١٣٣

على الفعلية، لجواز أن يكون الفعل خصوصية له اليد،
ويقدم السنة المتواترة على خبر الآحاد عند التعارض وعدم
إمكان الجمع بينهما، كأدائه ◌َير كل صلاة في وقتها - إلّ
صلاتي العصر والمغرب في عرفة ومزدلفة، فجمع بين الظهر
والعصر في عرفة وقت الظهر، وجمع بين المغرب والعشاء
بمزدلفة في وقت العشاء - فهو أمر متواتر، وجمعه بين بعض
الصلوات في السفر وهو خبر آحاد، فيرى رحمه الله تعالى أن
الجمع بين بعض الصلوات في السفر إنما هو جمع صوري
- عملاً بالحديثين - بمعنى تأخير الصلاة إلى آخر وقتها ثم
صلاتها فيه، فإذا انتهى منها يكون قد دخل وقت الصلاة
الأخرى فيصليها في أول وقتها. وقد نقل الترمذي في جامعه
هذا من فعل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في السفر.
بل إنه رحمه الله تعالى يترك العمل بخبر الآحاد إذا خالف
قاعدة شرعية مأخوذة من نص القرآن أو السنة، كما ترك
العمل بحديث المصراة وهو صحيح بحديث (الخراج
بالضمان) رواه الترمذي(١).
٣ - الإِجماع:
ما أجمع عليه أصحاب رسول الله وسلم وما اختلفوا فيه، لا
(١) قلت: هذا الذي يقال فيه: إن الإِمام يترك خبر الآحاد بالقياس،
وهو يعني هذه القاعدة الشرعية وأمثالها، وسيأتي لهذا زيادة بيان إن
شاء الله تعالى.
١٣٤

يخرج عن أقوالهم إلى أقوال غيرهم، فإن الصحابة هم أولئك
الأخيار الذين صحبوه وَّه، وأخذوا العلم والفتح والفهم من
فمه الشريف وفعله المبارك وخلقه العظيم، ولقد أكرمهم الله
تعالى برتبة لا تنال بفقه وعبادة ولا نفقة، قال وصله: ((لا تسبوا
أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد
ذهباً، ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفَه)). البَرْقاني على
المستخرج، وهو صحيح، والدارقطني في الأفراد.
والإِجماع الذي هو اتفاق الأئمة المجتهدين في عصر من
العصور بعد انتقاله * عن الدنيا على حكم شرعي - ويُعنى
به إجماع الفقهاء في بلدة خاصة - هذا الإِجماع عنده رحمه
الله تعالى حجة معمول به لأن تركه مُشاقّة لله تعالى ولرسوله
وَّة، وقد جاء التهديد في ذلك، قال الله تعالى: ﴿ومن يشاقق
الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبعْ غيرَ سبيل
المؤمنين، نُوَلَّه ما تولّى ونَصْلِه جهنم وسائت مصيراً﴾.
وقال ◌َله: ((إن أمتي لن تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم
اختلافاً، فعليكم بالسواد الأعظم))(١).
٤ - القياس :
هو إلحاق فرع بأصل فيه نص بحكم معين من الوجوب أو
الحرمة، لوجود علة الحكم في الفرع، كما هي في الأصل،
(١) رواه ابن ماجه وغيره وهو صحيح.
١٣٥

ويسمى هذا اجتهاداً مجازاً أيضاً، لأنه ببذل المجهود يحصل
هذا المقصود(١).
ولقد علمنا رسول الله وَّة عن طريق المقايسة، على ما
روي أنه قال لعمر حين سأله عن القُبلة في حالة الصوم:
((أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك))؟ وهذا
تعليم بالمقايسة فإن بالقبلة يفتتح طريق اقتضاء الشهوة، ولا
يحصل بعينه اقتضاء الشهوة، كما أن بإدخال الماء في الفم
يفتتح طريق الشرب ولا يحصل به الشرب (٢).
وقال عليه الصلاة والسلام لمعاذ حين وجهه إلى اليمن
- قاضياً -: ((بم تقضي؟)) قال: بكتاب الله قال: ((فإن لم تجد
في كتاب الله؟)) قال: بسنة رسول الله وصله، قال: ((فإن لم
تجد في سنة رسول الله)) وَالر؟، قال: أجتهد رأيي، قال:
((الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى به رسوله))(٣).
(١) أصول الفقه للإِمام السرخسي /٢ - ١٤٣ /.
(٢) أصول الفقه السرخسي /٢ - ١٣٠ /.
(٣) روى أبو داود بسنده إلى أناس من أهل حمص من أصحاب
معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله وسل ◌ّ لما أراد أن يبعث
معاذاً إلى اليمن قال: ((كيف تقضي إذا عرض لك قضاء»؟ قال:
أقضي بكتاب الله، قال: ((فإن لم تجد في كتاب الله)) قال: بسنة
رسول الله وَلقر، قال: ((فإن لم تجد في سنة رسول الله و ليس ولا في
كتاب الله))؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله وله
صدره وقال: ((الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي =
١٣٦

والإِمام رحمه الله تعالى يقدِّم السنة ولو كان حديثاً مرسلاً
على القياس، لذا قال بنقض الوضوء من الدم السائل من
البدن، وقال بانتقاض وضوء المصلي - وفساد صلاته طبعاً -
في صلاة كاملة إذا ضحك قهقهة في صلاته، والحديثان لهما
مرسلان، ويقدم الحديث الضعيف على القياس.
= رسول الله)) قال الشيخ محمد الحجوي الثعالبي: رواه أبو داود وغيره
وتكلم فيه الجوزقاني، لكن له شاهد عند البيهقي في سننه. وقد
استدل به ابن العربي في الأحكام، وقواه السيوطي في كتاب القضاء
من حاشية أبي داود، وكذلك ابن القيم في إعلام الموقعين، فقد
قال: رواه شعبة، قال: حدثني أبو عوف عن الحارث بن عمرو،
عن ناس من أصحاب معاذ - الحديث، قال: وعدم تسمية أصحاب
معاذ لا تضره، إذ شهرة أصحابه بالدين والعلم والفضل والصدق
بالمحل الذي لا يخفى، ولا يعرف في أصحابه متهم ولا كذاب ولا
مجروح، بل أصحابه من أفاضل المسملين وخيارهم، لا يشك أهل
العلم بالنقل في ذلك؛ بل يدل على شهرة الحديث وأنهم جماعة لا
واحد، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يرويه عن واحد مسمى، كيف
وشعبة حامل لواء الحديث. قال أبو بكر الخطيب: وقد قيل: إن
عبادة بن نُسي رواه عن عبد الرحمن بن غَنْم عن معاذ، وهذا إسناد
متصل ورجاله معروفون بالثقة. على أن أهل العلم قد نقلوه
واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحته عندهم. الفكر السامي /١ -
١١٩ / الخ. وعبادة بن نسي الكندي قاضي طبريا، روى عن أبي
الدرداء وأبي موسى وشداد بن أوس، وثقه ابن معين والنسائي: كذا
في خلاصة تذهيب تهذيب الكمال للخزرجي ص ١٨٨ .
١٣٧

روى الإِمام الشعراني بسنده إلى الإِمام أبي حنيفة رحمه
الله تعالى أنه قال: کذب - والله - وافتری علینا من يقول إننا
نقدم القياس على النص، وهل يحتاج بعد النص إلى
قياس(١)؟! وقال رحمه الله تعالى: نحن لا نقيس إلّ عند
الضرورة الشديدة، وذلك أننا ننظر في دليل المسألة من
الكتاب والسنة أو أقضية الصحابة، فإن لم نجد دليلاً قسنا
مسكوتاً على منطوق. ويروى أن أبا جعفر المنصور كتب
إليه: بلغني أنك تقدم القياس على الحديث، فردّ عليه أبو
حنيفة برسالة جاء فيها: ليس الأمر كما بلغك يا أمير
المؤمنين، إنما أعمل أولاً بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله
وَلر، ثم بأقضية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم بأقضية بقية
الصحابة، ثم أقيس بعد ذلك إذا اختلفوا، وليس بين الله
وبين خلقه قرابة(٢).
وقد ذكر الإِمام أبو بكر بن أحمد بن أبي سهل السرخسي
المتوفى سنة ٤٩٠ أن شروط العمل بالقياس في مذهب الإِمام
رحمه الله تعالى خمسة هي: أحدها أن لا يكون حكم الأصل
مخصوصاً به بنص آخر. والثاني أن لا يكون معدولاً به عن
القياس. والثالث أن لا يكون التعليل للحكم الشرعي الثابت
بالنص بعينه، حتى يتعدى به إلى فرع هو نظيره ولا نص فيه.
(١) الميزان الكبرى ٥١/١.
(٢) أصول السرخسي /٢ : ١٤٩ - ١٥٠/.
١٣٨

والرابع أن يبقى الحكم في المنصوص بعد التعليل على ما
كان قبله. والخامس أن لا يكون التعليل متضمناً إبطال شيء
من ألفاظ المنصوص(١). وقال ابن القيم في إعلام
الموقعين: أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى مجمعون على
أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من
القياس والرأي (٢).
٥ - الاستحسان :
هو: لغة وجود الشيء حسناً، يقول الرجل: استحسنت
كذا أي اعتقدته حسناً على ضد الاستقباح، أو معناه طلب
الأحسن للاتباع الذي هو مأمور به كما قال الله تعالى: ﴿فبشّر
عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحنسه﴾ وهو في لسان
الفقهاء نوعان :
أ - العمل بالاجتهاد وغالب الرأي في تقدير ما جعله الشرع
موكولاً إلى آرائنا، نحو المتعة المذكورة في قوله تعالى:
ومتاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين﴾ أوجب ذلك بحسب
اليسار والعسرة، وشرط أن يكون بالمعروف، فعرفنا أن المراد
ما يُعرف استحسانه بغالب الرأي، وكذلك قول تعالى:
﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ ولا يُظن بأحد
من الفقهاء أن يخالف هذا النوع من الاستحسان.
(١) أصول السرخسي ٢: ١٤٩ - ١٥٠.
(٢) سيأتي لهذا زيادة بيان إن شاء الله تعالى.
١٣٩

ب - والنوع الأخر هو الدليل الذي يكون معارضاً للقياس
الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام، قبل إنعام التأمل فيه، وبعد
إنعام التأمل في حكم الحادثة وأشباهها من الأصول يظهر أن
الذي عارضه فوقه في القوة، فإن العمل به هو الواجب،
فسمّوه بذلك استحساناً للتمييز بين هذا النوع من الدليل وبين
الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام(١).
ثم ضرب رحمه الله مثلاً فقال: إذا قال لامرأته: إذا
حضت فأنت طالق، فقالت: قد حضت، فكذبها الزوج فإنها
لا تصدق في القياس، باعتبار الظاهر وهو أن الحيض شرط
للطلاق كدخولها الدار وكلامها زيداً، وفي الاستحسان تطلّق
لأن الحيض شيء في باطنها لا يقف عليه غيرها، فلا بد من
قبول قولها فيه بمنزلة المحبة والبغض.
لقد بان إذن أن الاستحسان عند الإِمام رحمه الله تعالى
ليس اتباعاً للهوى، ولا حكماً بالغرض، لكنه اختيار أقوى
الدليلين في حادثة معينة، وقد قال الإِمام الشافعي رحمه الله
تعالى في نظائر هذا: أستحب ذلك. وأي فرق بين من يقول
أستحسن كذا وبين من يقول أستحبه؟ بل الاستحسان أفضل
اللغتين وأقرب إلى موافقة عبارة الشرع في هذا المراد
اهـ(٢).
(١) أصول السرخسي /٢: ٢٠١ - ٢٠٢/ .
(٢) أصول السرخسي ٢: ٢٠١ - ٢٠٢
١٤٠