Indexed OCR Text

Pages 101-120

وقال عبد الحميد الحِمّاني: كنت عند أبي حنيفة فجاءه
رجل، فقال: سمعت سفيان ينال منك ويتكلم فيك، فقال:
غفر الله لنا ولسفيان، لو أن سفيان فُقد في زمن إبراهيم
النخعي لدخل على المسلمين فقده.
وروى الموفق بسنده إلى محمد بن خارجة الصيرفي عن
الإِمام رحمه الله تعالى قوله: إن ابن أبي ليلى استحل مني ما
لم أكن مستحلاً من سنورة وحمارة(١).
٤ - بره بوالديه :
ما رأيت فيما اطلعت عليه من سير الإِمام رحمه الله تعالى
تعرضاً لذكر والد الإِمام رحمه الله تعالى وحياته وصلاته
بالناس وسنة وفاته، وكل ما اطلعت عليه من ذلك أنه كان
بزازاً وكان صالحاً، وأنه حين بلغ ابنه الإِمام السادسة عشر
أخذه معه إلى الحج، وزيارة الرسول وَله، وأنه حين رأى
الإِمام رجلاً يحدِّث في مسجد رسول الله صل﴿ سأل والده عنه،
فأخبره أنه صحابي جليل، وأدناه منه حتى سمعه يحدث
بحديث رسول الله وَل: ((من تفقّه في دين الله كفاه الله ما
أهمّه ورزقه من حيث لا يحتسب)) ويبدو أنه توفي بعد ذلك
بقليل، قبل أن يعظم ذكر ولده في علم الكلام، ثم يتصل
بشيخه الإِمام حماد رحمه الله تعالى.
(١) مناقب الموفق /٢ - ١٣/.
١٠١

لقد كان من بر الإِمام بوالديه أنه كان يدعو لهما ويستغفر
لهما مع شيخه حماد، وكان يتصدّق كل شهر بعشرين ديناراً
عن والديه .
أما بره بأمه التي عاشت بعد أبيه زماناً فهاك نماذج منه:
روى الكردري بسنده إلى حجر بن عبد الجبار الحضرمي،
قال: قال الإِمام: كان في مسجدنا قاصّ يقال له: زُرْعة،
فأرادت أمي أن تستفتي، فسألتني فأجبت، فقالت: لا أرضى
إلّ بجواب زرعة، فجئت بها إليه وقلت له: أمي تستفتيك في
كذا وكذا، فأجاب بما قلته فرضيت.
وذكر الديلمي بسنده إلى محمد بن الحسن قال: إن أم
الإِمام رأت دماً، فأمرت الإِمام أن يسأل عنه عمروبن ذر
فسأله عنه، فقال له: قل لي أنت الجواب وأنا أقول لك
وتحكي أنت عني، ففعل فرضيت به أمه. وذكر الكردري
بسنده إلى يحيى بن عبد الحميد قال: كان الإِمام يخرج كل
يوم من السجن فيضرب ليدخل القضاء فيأبى، فلما ضرب
رأسه وأثر ذلك في وجهه بكى، فقيل له في ذلك فقال: إذا
رأته أمي بكت واغتمت وما عليّ شيء أشد من غم أمي.
وذكر الصيمري بسنده إلى الحسن قال: سمعت الإِمام
يقول: ما من شيء أشدّ عليّ من غم أمي حين ضربت،
فقالت لي: يا نعمان إن علماً أوردك مثل هذا لحري أن تفر
١٠٢

منه، فقلت: قد تعلمت العلم الله لا للدنيا(١).
ويبدو أن أم الإِمام توفيت بعده، رحم الله الإِمام ووالديه
ورضي عنهم.
فضل الله العظيم على الإقام
عقد الفقيه المحدّث محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي
المصري الشافعي تلميذ الإِمام السيوطي رحمهما الله تعالى
في كتابه (عقود الجمان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة
النعمان) فصلاً خاصاً، يذكر فيه فضل الله تعالى على الإِمام
أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وأنا أنقله مختصراً مقتصراً على
ما لا بد منه.
قال رحمه الله تعالى: الفصل التاسع في بعض خصائصه
التي اختص بها عن غيره من الأئمة رضوان الله عليهم
أجمعين، وهي أحد عشر نوعاً.
الأول: أنه ولد في زمن جماعة من الصحابة، لا خلاف
في ذلك، فهو من أهل القرن الذي شهد لهم رسول الله وَالقادر
بالخيرية، ووصفهم بالعدالة. روى الشيخان والترمذي وابن
ماجه عن ابن مسعود، ومسلم عن أبي هريرة، والشيخان وأبو
داود والترمذي والنسائي عن عمران بن حصين، والطبراني
(١) انظر مناقب الموفق المكي ٢ - ٦.
١٠٣

وأبو يعلى عن أبي برزة، وغيرهم أن رسول الله وص له قال:
(خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
الثاني: أنه رأى بعض الصحابة(١) وسمع منهم: روى -
الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل في سباعياته عن أنس،
والخطيب عن علي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم بسند
صحيح عن أبي سعيد، وأبو يعلى وابن أبي عاصم والطبراني
والضياء في صحيحه عن عبد الله بن بُسْر وغيرهم، أن
رسول الله وَير قال: ((طوبى لمن رآني، ولمن رأى من رآني،
ولمن رأى من رأى من رآني)).
الثالث: أنه اجتهد وأفتى في زمن التابعين، رحمهم الله
تعالى: قال الإِمام أبو محمد الحارثي: أخبرنا الحسين بن
معروف، قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا يحيى بن معين،
قال: سمعت ابن مسهر يقول: خرج الأعمش إلى الحج
فشيعه أهل الكوفة، فلما أتى القادسية رأوه مغموماً، فسألوه
عن ذلك، فقال: أعلي ابن مسهر شيَّعنا؟ قالوا: نعم، قال:
فادعوه لي فدعوني، وكانوا يعرفونني بمجالسة الإِمام أبي
حنيفة، فقال لي: ارجع إلى المصر - يعني الكوفة - واسأل أبا
حنيفة أن يكتب لي المناسك، فرجعت فسألته، فأملى عليّ،
ثم أتيت بها الأعمش.
(١) رأى رحمه الله تعالى سبعة من الصحابة وروى عنهم أو بعضهم
وانظر الصحيفة ٦٠ وما بعدها من هذا الكتاب.
١٠٤

روى أبو محمد وأبو القاسم بن كاس عن أبي بكربن
عباس قال: سمعت الإِمام أبا حنيفة يقول: صحبت الشعبي
في السفينة، فقال: لا نذر في معصية ولا كفارة فيه، فقلت
له: بل فيه الكفارة لأن الله عزّ وجلّ قد جعل في الظُّهار
الكفارةَ بعد أن ذكر أنه معصية، فقال: ﴿وإنهم ليقولون
منكراً من القول وزوراً﴾ وقد أوجب الله فيه الكفارة، فلم يحر
جواباً غير أن قال: أقيّاس أنت؟.
وروي أيضاً أن الأعمش قال: إن أبا حنيفة لحسن المعرفة
بمواقع الفقه الدقيقة، وغوامض العلم الخفية. وروي عن
جرير قال: سمعت الأعمش وجاءه رجل فسأله عن مسألة
فقال: عليك بأهل تلك الحلقة، فإنهم إذا وقعت لهم مسألة
لا يزالون يديرونها بينهم حتى يصيبوها. يعني حلقة الإِمام
أبي حنيفة .
فثبت بما ذكرنا أن الإِمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان
مقدَّماً في الفتوى، معظّماً في زمن التابعين رحمهم الله
تعالی .
الرابع: رواية الأئمة الكبار عنه. قال أبو محمد الحارثي :
لو لم يستدل على فضل الإِمام أبي حنيفة إلّ برواية الكبار
عنه كعمروبن دينار وجماعة ذكرتهم في الباب الخامس
لكفى .
الخامس: أنه أخذ عن أربعة آلاف شيخ من التابعين
١٠٥

وغيرهم. روى الخطيب وأبو عبد الله بن خسرو عن الربيع
ابن يونس، قال: دخل أبو حنيفة رحمه الله على أبي جعفر
المنصور وعنده عيسى بن موسى، فقال: يا أمير المؤمنين هذا
أعلم أهل الدنيا اليوم، فقال المنصور: يا نعمان عمن أخذت
العلم؟ فقال: عن أصحاب عمر رضي الله عنه، عنه، وعن
أصحاب علي رضي الله عنه، عنه، وعن أصحاب عبد الله بن
مسعود رضي الله عنه، عنه، وما في وقت عبد الله بن عباس
على وجه الأرض أعلم منه، فقال له المنصور: بخ بخ لقد
استوثقت لنفسك ما شئت !!
السادس: أنه اتفق له من الأصحاب ما لم يتفق لأحد غيره
من الأئمة. وقد سردت أسماءهم في الباب السادس(١).
وروى الخطيب عن ابن كرامة قال: كنت عند وكيع بن
الجراح يوماً، فقال رجل: أخطأ أبو حنيفة، فقال وكيع:
وكيف يقدر أن يخطىء ومعه مثل أبي يوسف وزفر ومحمد في
(١) قلت: الذين ذكرهم في الباب السادس باختصار واقتصار. هم:
قاضي القضاة أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، محمد بن الحسن
الشيباني، الحسن بن زياد اللؤلؤي، وكيع بن الجراح، عبد الله بن
المبارك. داود بن نصر الطائي، حفص بن غياث، محمد بن
زكريا بن أبي زائدة، حماد بن أبي حنيفة، خالد السمتي، عافية بن
زيد العوفي، حبان ومندل ابنا علي، علي بن مسهر، القاسم بن
معن .
١٠٦

قياسهم واجتهادهم، ومثل عيسى بن زكريا بن أبي زائدة
وحفص بن غياث وحبان ومندل ابني علي في حفظهم
الحديثَ ومعرفتهم، ومثل القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن
عبد الله بن مسعود في معرفته باللغة العربية، وداود بن نصر
الطائي والفضيل بن عياض في زهدهما وورعهما، فمن كان
أصحابه هؤلاء وجلساؤه لم يكن ليخطىء، لأنه لو أخطأ ردوه
إلى الحق. ثم قال وكيع: والذي يقول مثل هذا كالأنعام بل
هم أضل سبيلاً. قال الفرزدق:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع
السابع: أنه أول من دَوَّن علم الفقه ورتبه أبواباً، ثم تابعه
مالك بن أنس في ترتيب الموطأ، لم يسبق أبا حنيفة أحد،
لأن الصحابة والتابعين إنما كانوا يعتمدون على قوة حفظهم،
فلما رأى أبو حنيفة العلم منتشراً خاف عليه، فجعله أبواباً
مبوبة وكتباً مرتبة، فبدأ بالطهارة، ثم بالصلاة، ثم بالصوم،
ثم سائر العبادات، ثم المعاملات، ثم ختم بالمواريث؛ لأنها
آخر أحوال الناس، وهو أول من وضع كتاب الفرائض، وأول
من وضع كتاب الشروط(١).
وروى القاضي أبو عبد الله الصيمري عن أبي سليمان
(١) سيأتي لهذا زيادة بيان إن شاء الله تعالى عند الكلام على أولياته
ومؤلفاته رحمه الله تعالی ورضي عنه.
١٠٧

الجوزجاني قال: قال لي أحمد بن عبد الله قاضي البصرة:
نحن أبصر بالشروط من أهل الكوفة، فقلت له: إن الإِنصاف
بالعلماء أحسن، إنما وضع هذا أبو حنيفة وأنتم زدتم ونقصتم
وحسنتم الألفاظ، ولكن هاتوا شروطكم وشروط أهل الكوفة
قبل أبي حنيفة، فسكت ثم قال: التسليم للحق أولى من
المجادلة في الباطل، وهو كما قال المثني :
إمامٌ رَستْ للعلم في كنه صدرهِ
جبالٌ جبالُ الأرض في جنبها قُفُّ
الثامن: انتشار مذهبه في أقاليم ليس فيها غيره، كالهند
والسند والروم، وبلاد ما وراء النهر، وغالب بلاد العجم،
وغير ذلك(١).
التاسع: أنه كان يأكل وينفق على أهل العلم من كسبه
ولم يقبل الجوائز(٢).
العاشر: أنه مات مظلوماً، محبوساً، ساجداً(٣).
الحادي عشر: ما اشتهر وتواتر من كثرة عبادته وزهده،
وكثرة حجه واعتماره رضي الله عنه (٤).
(١) سيأتي لهذا زيادة بيان في موضعه إن شاء الله تعالى.
(٢) مضى الكلام على شيء من هذا أثناء الحديث على جوده وورعه
رحمه الله تعالى.
(٣) سيأتي زيادة بيان لهذا في موضعه إن شاء الله تعالى.
(٤) مضى شيء من هذا في الكلام على عبادته رحمه الله ورضي عنه.
١٠٨

أقوال الأعلام فيه
سبق أثناء الكلام على أخلاق الإِمام رحمه الله تعالى ذكرُ
ثناء بعض الأعلام على أبي حنيفة رحمه الله تعالى، في
العبادة، والخشية من الله تعالى، والورع، وفي حرصه
الشديد على أن يطاع الله تعالى فلا يعصى، وفي كرمه
وسخائه وبره بالمشايخ والعلماء والطلبة وعامة الناس، وفي
عفته وزهده عن مال الحاكم وهديته ووظائفه بل طعامه، وفي
صدقه وإخلاصه مع الله رب العالمين.
ومع ذلك فإنه من الوفاء بالإِمام والأئمة الأعلام رحمهم الله
تعالى؛ أن ننقل بهذه المناسبة بعضاً آخر من أقوالهم فيه، إلّ
إذا دعت ضرورة إلى تكرار ما سبق ذكره من قبل.
روى الكردري بسنده إلى الفضل بن دُكَين قال: كان أبو
حنيفة جميلاً، حسن الثوب، شديد الورع.
وروى العلامة أبو القاسم اليمني بسنده إلى مسعر بن
كدام(١) قال: من جعل أبا حنيفة بينه وبين الله تعالى رجوت
أن لا يخاف، وأن لا يكون قصّر في الاحتياط لنفسه.
وقال الإِمام مالك رحمه الله تعالى وقد سئل عن الإِمام:
رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام
(١) مسعر: عابد زاهد وثقه الذهبي وغيره.
١٠٩

بحجته. وقد مُدِح الإِمام الشافعي بمثل هذا. قال هارون بن
سعيد: لو أن الشافعي ناظر على هذا العمود الذي من حجارة
بأنه من ذهب لغلب، لاقتداره على المناظرة(١).
وروى بسنده إلى الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: ما
طلب أحدٌ الفقه إلّ كان عيالاً على أبي حنيفة. وقال أبو
يوسف: كانوا يقولون: أبو حنيفة زيَّنه الله بالفقه والعلم،
والسخاء والبذل، وأخلاق القرآن التي كانت فيه.
وكان الإِمام أحمد رحمه الله تعالى كثيراً ما يذكره ويترحّم
عليه، ويبكي في زمن محنته، ويتسلّى بضرب أبي حنيفة
على القضاء(٢).
وقال ابن عبد البر، قال أبو داود السجستاني: إن أبا حنيفة
كان إماماً، وإن مالكاً كان إماماً، وإن الشافعي كان إماماً(٣).
وروى الخطيب بسنده إلى محمد بن بشر قال: كنت
أختلف إلى أبي حنيفة وإلى سفيان، فأتي أبا حنيفة فيقول
لي: من أين جئت؟ فأقول: من عند سفيان، فيقول: لقد
جئت من عند رجل لو أن علقمة والأسود حضرا لاحتاجا إلى
(١) مناقب الإمام أبي حنيفة لابن حجر الهيتمي.
(٢) انظر الجواهر المضية في تراجم الحنفية للشيخ عبد القادر القرشي
/١ - ٨/.
(٣) انظر الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء ، ففيه أقوال كثيرة
لأئمة في الثناء على الإِمام رحمه الله تعالى.
١١٠

مثله، فآتي سفيان فيقول: من أين جئت؟ فأقول: من عند
أبي حنيفة فيقول: جئت من عند أفقه أهل الأرض.
وروى القاضي الصيمري بإسناده قال: قال لي المغيرة بنِ
مغنم الضبي: جالس أبا حنيفة؛ فلو كان إبراهيم النخعي حياً
كان محتاجا إلى مجالسته إياه، هو والله يحسن أن يتكلم في
الحلال والحرام. وروى الكردري بسنده إلى عبد الله بن
المبارك قال: كان أبو حنيفة آية، فقيل: في الخير أو في
الشر؟ فقال: اسكت يا هذا !! يقال: غاية في الشر وآية في
٤
الخير، ثم تلا هذه الآية: ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾ .
وروى الهيتمي بإسناده إلى ابن المبارك قال: دخل أبو
حنيفة على مالك فرفعه، ثم قال بعد خروجه: أتدرون من
هذا؟ قالوا: لا - وعرفته أنا - قال: هذا أبو حنيفة النعمان لو
قال: هذه الأسطوانة من ذهب لخرجت كما قال، لقد وُفق له
من الفقه حتى ما عليه كثير مؤنة(١).
وقال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في حقه - رحمه الله
تعالى -: إنه من العلم والورع والزهد وإيثار الآخرة بمحل لا
يدركه أحد، ولقد ضرب بالسياط ليلي للمنصور فلم يفعل.
فرحمة الله عليه ورضوانه(١).
وروى الحارثي بسنده إلى أبي يحيى الحِمَّاني قال: ما
(١) الخيرات الحسان في مناقب أبي حنيفة النعمان لابن حجر الهيتمي.
١١١

ضممت أبا حنيفة إلى أحد من أهل زمانه، ممن لقيتهم وممن
لم ألقهم في كل باب من أبواب الخير؛ إلّ رأيت لأبي حنيفة
الفضل عليهم، وما لقيت أحداً قط أفضل منه ولا أروع منه
ولا أفقه(١).
وروى الموفق بسنده إلى إسحاق بن بهلول قال: سمعت
ابن عيينة - سفيان - يقول: ما مقلت عيني مثل أبي حنيفة.
وروى الموفق بسنده إلى حماد بن زيد قال: قال لي أبو
أيوب السِّختياني: إذا لقيت عالم العراق أبا حنيفة فأقرئه مني
السلام، وقال حماد: إني لأحبه من أجل حب أبي أيوب.
وروى الموفق بسنده إلى أبي الوليد قال: كان شعبة(٢)
حسن الذكر لأبي حنيفة، كثير الدعاء له، ما سمعته قط يذكر
بين يديه إلّ دعا له. وروى الموفق كذلك بسنده إلى عبد الله
ابن معاذ قال: أردت الكوفة، فقلت لشعبة: اكتب لي إلى
بعض إخوانك، فقال: أكتب لرجل وأيّ رجل، فكتب إليه،
فأتيته بكتابه فعظمه - عظم أبو حنيفة كتاب شعبة إليه - وكان
شعبة إذا ذكره أطنب في مدحه، وكان يهدي إليه في كل عام
طرفة، وكان أبو حنيفة يعرف له ذلك(٣).
(١) مناقب الموفق جزء ١ في مواضع.
(٢) شعبة بن الحجاج قال فيه أحمد: شعبة أمة وحده، وقال ابن
معين: إمام المتقين / انظر الخلاصة ١٦٧ /.
(٣) مناقب الموفق جزء ١ مفرقاً. وانظر شرح مقدمة الآثار للأفغاني
/١ - ٤٥/ وما بعد مفرقاً.
١١٢

وروى الموفق بسنده إلى هدبة بن عبد الوهاب قال: قدم
علينا شقيق البلخي بمرو، وكنا نحضر مجلسه، وكان يكثر
ذكر أبي حنيفة ويطريه، فقلنا له: إلى كم تطري أبا حنيفة؟!
كلمنا بما ننتفع به، قال شقيق: هيهات !! ولا ترون ذكر أبي
حنيفة وذكر مناقبه من أفضل الأعمال؟! لو رأيتموه وجالستموه
لم تقولوا هكذا(١).
وروى بسنده إلى بديل بن قريش قال: قال الأعمش لأبي
حنيفة: لو كان الأمر بالطلب واللّقي لكنت أفقه منك؛ ولكنه
عطاء من الله تعالى .
وما أحسن ما قيل فيه:
شهدت لنعمان الأنامُ بسبقه
في العلم والتقوى مدى الأيام
وتألَّبت وتظاهرت في مدحه
فرق الهدى وأئمة الإِسلام
أهل الحجاز مع العراق بأسرهم
مدحوه قبل مديح أهل الشام
بل أهل كل الأرض قد مدحوا الرضا
مدحاً يجدّ على بلى الأيام
نادوا بأن أبا حنيفة للتقى
والعلم صار إمام كل إمام
(١) مناقب الموفق.
١١٣

وروى الموفق بسنده إلى الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى
قال: ما قامت النساء عن رجل أعقل من أبي حنيفة(١).
عرفوه فأحسنوا الكلام فيه :
روى الموفق بسنده إلى عبد الله بن المبارك قال: قدمت
الشام على الأوزاعي فرأيته ببيروت، فقال لي: يا خراساني
من هذا المبتدع الذي خرج بالكوفة يكنى أبا حنيفة؟ فرجعت
إلى بيتي فأقبلت على كتب أبي حنيفة، فأخرجت منها مسائل
من جياد المسائل وبقيت في ذلك ثلاثة أيام، فجثته بعد
الثالث وهو مؤذن مسجدهم وإمامه والكتاب في يدي، فقال:
أي شيء هذا الكتاب؟ فناولته، فنظر في مسألة كتبتُ فيها:
قال النعمان بن ثابت، فما زال قائماً بعد أن أذَّن حتى قرأ
صدراً منه، ثم وضع الكتاب في كمه ثم قام وصلَّى، ثم أتى
عليها، فقال لي: يا خراساني، من النعمان بن ثابت؟ قلت:
شيخ لقيته بالعراق، فقال: هذا نبيل من المشايخ !! اذهب
فاستكثر منه قلت: هذا أبو حنيفة الذي نهيت عنه !!.
وروى ابن أبي حاتم الجرجاني عن ابن المبارك مثله فزاد
في آخره: ثم التقى أبو حنيفة بالأوزاعي بمكة، وكان بينهما
اجتماع، فرأيته يجاري أبا حنيفة في تلك المسائل التي كانت
في الرقعة، فرأيت أبا حنيفة يكشف عن تلك المسائل بأكثر
مما كتبت عنه، فلما افترقا لقيتُ الأوزاعي بعد ذلك، فقال:
غبطت الرجل بكثرة علمه ووفور عقله، وأستغفر الله، لقد
(١) مناقب الموفق.
١١٤

كنت في غلط ظاهر، الزم الرجل فإنه بخلاف ما بلغني
عنه(١).
وروی ابن عبد البر بسنده إلى ابن شبرمة قال: كنت شدید
الإِزراء على أبي حنيفة - وهذه حالة ترى قديماً وحديثاً بين
العلماء المتعاصرين - فحضر الموسم وكنت حاجاً يومئذٍ،
فاجتمع عليه قومه يسألونه، فوقفت من حيث لا يعلم مَنْ أنا،
فجاء رجل خراساني فقال: يا أبا حنيفة، قصدتك أسألك عن
أمر قد أهمني وأزعجني، قال ما هو؟ قال: لي ولد وليس لي
غيره، فإن زوّجته طلّق، وإن سرَّيته أعتق، وقد عجزت عن
هذا فهل من حيلة؟ فقال للوقت، اشتر الجارية التي يرضاها
هو لنفسك ثم زوجها منه، فإن طلّق رجعت مملوكتك، وإن
أعتق أعتق ما لا يملك. قال ابن شبرمة: فعلمت أن الرجل
فقيه، فمن يومئذٍ أمسكت عن ذكره إلّ بخير(٢).
وروى الموفق بسنده إلى إبراهيم بن الأشعث قال: كنت
عند الفضيل بن عياض فجاءه رجل فقال: إن ابن المبارك
قدم حاجاً؛ فقال: أما إني لأرجو لأهل الموقف به، فقال
الرجل إنه يختلف إلى أبي حنيفة، فقال فضيل: لو لم يعلم
أن أبا حنيفة أفضل منه لم يختلف إليه، وقد اخترت لنفسي
ما اختار عبد الله، فقال له الرجل: إنه بلغني أنك تقع في
(١) انظر مقدمة شرح الآثار / ١ - ٥٠ ٪.
(٢) الانتقاء في فضائل الأئمة الفقهاء / ١٥٣ - ١٥٤ /.
١١٥

أبي حنيفة، فقال الفضيل: كان سفيان يقع فيه، فلما جالسه
ندم واستغفر الله. لم يزل العلماء فيما بينهم هكذا ولكن لم
يعلنوا(١).
وروى الموفق بسنده إلى النضر بن شميل قال: لا ترووا
عنا كل ما نقول في أبي حنيفة، فإنا نقول عند الغضب أشياء
ليست لها حقيقة(٢).
وروى الموفق بسند الحارثي إلى علي بن إسحاق، قال:
سمعت شريك بن عبد الله يقول: يا قوم، كانت منا هنات في
أمر أبي حنيفة، كما يكون بين الناس من الزلات، فنسأل الله
العافية(٣).
صِفات الإمام أبي حنيفة
للأستاذ البحَّاثة والشيخ المحقق محمد أبو زهرة كتب
التسعة من الأعلام المسلمين في الفقه والاجتهاد، ألقى
بحوثها على طلاب الدراسات العليا من كلية الحقوق بجامعة
القاهرة، من تلك الكتب كتاب أبي حنيفة، ترجم فيه للإِمام
رحمه الله تعالى: حياة، وفقهاً، وتدريساً، ومذهباً، وأصولاً
لمذهبه - وقد أجاد حفظه الله تعالى ونفع المسلمين به وبعمله
(١) مناقب الموفق ٢ - ١٢ .
(٢) (٣) المصدر السابق وصفحته.
١١٦

وختم له بالحسنى وزيادة - ومن كتابه أقتطف هذا العنوان وما
يدخل تحته طلباً للفائدة. قال حفظه الله تعالى:
اتصف أبو حنيفة بصفات تجعله في الذروة العليا بين
العلماء، فقد اتصف بصفات العالم الحق الثبت الثقة، البعيد
المدى في تفكيره، المتطلع إلى الحقائق، الحاضر البديهة
التي تسارع إليها الأفكار.
١ - لقد كان رضي الله عنه ضابطاً لنفسه، مستولياً على
مشاعره، لا تعبث به الكلمات العارضة، ولا تبعده عن الحق
العبارات النابية. كان مرة يناقش في مسألة أفتى فيها واعظ
العراق وذو المكانة بين أهله الحسن البصري، فقال: أخطأ
الحسن، فقال له رجل: أنت تقول أخطأ الحسن يا ابن
الزانية؟! فما تغير وجهه ولا تلون، ثم قال: إي والله أخطأ
الحسن وأصاب عبد الله بن مسعود، وكان يقول: من ضاق بنا
صدره فإن قلوبنا قد اتسعت له(١).
ولم يكن هدوؤه هذا وسعة صدره صادرين عن شخص
جامد الحسّ، ضعيف الشعور؛ بل كان له قلب شاعر ونفس محسّة.
يروى أنه قال له بعض مناظريه: يا مبتدع، يا زنديق، فقال:
غفر الله لك؛ الله يعلم مني خلاف ذلك، وأني ما عدلت به
أحداً منذ عرفته، ولا أرجو إلّ عفوه، ولا أخاف إلّ عقابه،
(١) تاريخ الخطيب البغدادي ١٣ - ٣٥٢.
١١٧

ثم بكى عند ذكر العقاب، فقال له الرجل: اجعلني في حل
مما قلت، فقال: كل من قال فيَّ شيئاً من أهل الجهل فهو في
حلّ، ومن قال فيَّ شيئاً ممن هو من أهل العلم فهو في
حرج، فإن غيبة العلماء تُبقي شيئاً بصدرهم(١).
فلم يكن هدوء أبي حنيفة هدوء من لا يحس، بل كان
هدوء من علت نفسه وسمت بالتقوى، فلا يحس إلّ بما
يتصل بالله تعالى، ولا تعلق بها أدران الناس، وكأنها صفحة
مجلّة ملساء لا ينطبع فيها شيء من أقوال الناس المؤذية، بل
تنحدر عنها ولا يتصل بها شيء منها، وكان هدوؤه هذا هدوء
الحازم الضابط لنفسه، الصبور المحتمل، الذي لا يطيش
فكره وراء العواصف التي قد تعرض للنفس، ولقد كان ثابت
الجأش رابط الجنان. يروى أن حية سقطت من السقف في
حجره وهو في حلقته بالمسجد، فتفرّق كل من حوله،
ولكنه استمر في حديثه ونحاها(٢).
٢ - وقد أوتي استقلالاً في تفكيره جعله لا يفنى في غيره،
ولاحظ ذلك عليه شيخه حماد بن أبي سليمان، فقد كان
ينازعه النظر في كل قضية، لا يأخذ فكرة من غير أن يعرضها
على عقله. واستقلال فكره هو الذي جعله يرى ما يرى حراً
غير خاضع إلّ لنص من كتاب أو سنة أو فتوى صحابي، أما
(١) مناقب الموفق ١ - ٢٦٨ .
(٢) مناقب الموفق ١ - ٢٦٨ .
١١٨

التابعي فله أن ينظر في قوله ويخطئه ويصوبه؛ لأن رأیه لیس
واجب التقليد ولا من الورع تقليده(١)، فقد كان يعيش في
وسط شيعي وهو الكوفة، والتقى بأئمة الشيعة في عصره:
كزيد بن علي، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق، وعبد الله بن
حسن، واحتفظ برأيه في كبار الصحابة؛ مع عظيم ميله إلي
العترة النبوية ومحبته لهم، واحتماله العذاب في سبيلهم.
جاء في كتاب الانتقاء لابن عبد البر ما نصه: قال سعيد
ابن أبي عروبة: قدمت الكوفة فحضرت مجلس أبي حنيفة،
فذكر يوماً عثمان بن عفان فترحم عليه، فقلت له: وأنت
يرحمك الله، ما سمعت أحداً في هذا البلد يترحم على
عثمان بن عفان غيرك(٢).
هذا هو الفكر المستقل، لا يخضع للعامة ولا يفنى في
الخاصة، ولا يؤثر فيه الحب والبغض.
٣ - وكان عميق الفكرة بعيد الغور في المسائل، لا يكتفي
بالبحث في ظواهر الأمور والنصوص، ولا يقف عند ظاهر
العبارة؛ بل يسير وراء مراميها البعيدة أو القريبة، ولا يكتفي
في الأمر بدرسه كما هو في ظاهر وضعه، بل يسير في البحث
عن علله وغاياته غير متوقف ولا وان، ولعل ذلك العقل
(١) ونضيف: أنه كان تابعياً رأى أكثر من واحد من الصحابة.
(٢) الانتقاء ص ١٣٠.
١١٩

الفلسفي المتعمق هو الذي دفعه لأن يتجه أول حياته إلى
علم الكلام؛ ليرضي تلك النهمة العقلية، وكان يشبع ذلك
النزوع الفكري بالبحث في تلك الأمور.
ولعل ذلك التعمق هو الذي دفعه لأن يدرس الأحاديث
دراسة متعمق، يبحث عن علل ما اشتملت عليه من أحكام،
مستعيناً في ذلك بإشارات الألفاظ ومرامي العبارات
وملابسات الأحوال، والأوصاف المناسبة، حتى إذا استقامت
بين يديه العلة، طرد القياس بها، وفرض الفروض، وصور
الصور، وسار في ذلك شوطاً بعيداً.
٤ - وكان حاضر البديهة، تجيئه أرسال المعاني متدافعة
في وقت الحاجة إليها، فلا تحتبس فكرته، ولا يغلق عليه في
نظر، ولا يفحم في جدال ما دام الحق في جانبه، وعنده من الأدلة
ما يؤيده، وكان واسع الحيلة يعرف كيف ينفذ إلى ما يفحم
خصمه من أيسر سبيل، وله في ذلك غرائب ومدهشات في
معجبات، قد امتلأت بها كتب المناقب والتراجم وكتب
التاريخ التي تصدَّت لبيان حاله، ونذكر من ذلك ثلاث
مناظرات تكشف عن حسن تأتِّيه، ولطف مداخله وإن لم تكن
من أغربها :
أولاها: أنه يروى أن رجلاً مات وأوصى إلى أبي حنيفة
وهو غائب، وارتفع إلى ابن شبرمة فذكر ذلك له وأقام أبو
حنيفة البينة أن فلاناً مات وأوصى إليه، فقال ابن شبرمة: يا
١٢٠