Indexed OCR Text
Pages 41-60
يستعين به في بعض أعماله، فقال له حماد: کم يؤمل صاحبك من أبي الزناد؟ قال: ألف درهم. قال: فقد أمرت لك بخمسة آلاف درهم، ولا أبذل وجهي له، فقال له الرجل: جزاك الله خيراً. وكان جواداً كريماً يكافىء ويحسن. قال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى: لا أزال أحب حماد بن أبي سليمان لشيء بلغني: إنه كان راكباً فانقطع زره، فمر على خياط فأراد أن ينزل إليه ليسوِّي زره، فقال: والله لا نزلت، فقام الخياط إليه وسوّى زره، فأدخل حماد يده في جيبه وأخرج صرة فيها دنانير فناولها الخياط، ثم اعتذر إليه من قلّتها، وحلف أنه لا يملك غيرها(١). ولي أمر التدريس حين طلب ذلك منه أصحابه بعد وفاة شيخهم إبراهيم. أخرج ابن عدي في الكامل، بسنده إلى عبد الملك بن إياس الشيباني، أنه قال: قلت لإِبراهيم: من نسأل بعدك؟ قال: حماداً. وروى العُقيلي بسنده إلى إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن سليمان الأصبهاني، قال: لما مات إبراهيم اجتمع خمسة من أهل الكوفة، فيهم عمرو بن قيس، فجمعوا أربعين ألف درهم، وجاؤوا إلى الحكم بن عتيبة، فقالوا: إنا (١) حياة الإِمام أبي حنيفة للسيد عفيفي ص ٢٧ . ٤١ قد جمعنا أربعين ألف درهم نأتيك بها وتكون رئيسنا؟ فأبى عليهم الحكم، فأتوا حماد بن أبي سليمان فقالوا، فأجابهم. جاء في المغني: حماد بن أبي سليمان هو أبو إسماعيل، كوفي، يعد تابعياً، سمع أنساً والنخعي، وكان أعلمهم برأي النخعي، روى عنه المنصور والحكم وشعبة والثوري. مات سنة عشرين ومائة. قال ابن معين: حماد ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال العِجلي : كوفي ثقة، كان أفقه أصحاب إبراهيم . وفي (الكاشف) للذهبي: مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، الكوفي، أبو إسماعيل، عن أنس وابن المسيِّب وإبراهيم، وعنه إسماعيل ومسعر وأبو حنيفة وشعبة، وكان ثقة إماماً مجتهداً، كريماً جواداً، واستشهد به البخاري تعليقاً في صحيحه، فقال: قال حماد، عن إبراهيم: إن كان عليهم إزار فسلِّم وإلّ فلا تسلّم(١). روى عنه أبو حنيفة رحمه الله تعالى ألفي حديث من أحاديث الأحكام، وأكثر من ثلث أحاديث الإِمام في مسنده، الذي جمعه الحَصْكَفي، هي براوية الإِمام عنه، عن (١) ترتيب مسند الإمام الأعظم للشيخ محمد عابد السندي، وحاشية تنسيق النظام في مسند الإمام الأعلم ٤٩/ ٥٠. ٤٢ إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنهم (١). على هذا الإِمام العظيم تفقّه إمامنا العظيم أبو حنيفة وانفرد به ثمانية عشر عاماً؛ بعد أن أخذ عن سبعة من الصحابة وثلاثة وتسعين من التابعين وكثير من أتباعهم، حتى بلغوا أربعة آلاف رجل؛ كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالی . وهذا أوان الشروع في عرض سيرة إمامنا أبي حنيفة النعمان إمام الأئمة الفقهاء،، رحمه الله تعالى ورضي عنه، نستعين بالله تعالى على تمام عرضها، في حكمة وصدق، وتحري نواحي النفع والإِفادة، ونسأله سبحانه: أن يجعل فيها نفعاً لقارئها في العلم، ومعرفة الرجال الأبرار، وتخير القدوة في صالح الأعمال والأحوال، وأن يجعل لي ثواباً جزيلاً: نوراً يسعى بين يدي ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلّ من أتى الله بقلب سليم﴾. ﴿ومن لم يجعل الله له نوراً فما له نور). والله الموفق الهادي . (١) المرجع السابق ص ٥٠. ٤٣ الفصل الاول طلب العلم .. شيوخه .. تلامذته - اسمه ونسبه. - نشأته العلمية وتقلبه في العلوم. - ملازمته لشيخه حماد وطلبه الفقه عليه وأدبه معه. - شيوخ الإِمام. - تصدیه للتدریس. - طريقته في تقرير مسائل الاجتهاد وتدوينها. - تلامذته الأعلام. - إكرامه لطلابه وحضه على طلب العلم. - من رآى أبو حنيفة من الصحابة رضي الله عنهم. ٤٥ طلب العلم .. شيوخ .. تلامذته اسمه ونسبه : هو النعمان بن ثابت بن المرزُبان، من أبناء فارس الأحرار، ينتسب إلى أسرة شريفة في قومه، أصله من كابل - عاصمة أفغانستان اليوم - أسلم جده المرزبان أيام عمر رضي الله عنه، وتحول إلى الكوفة،، واتخذها سكناً. وُلد أبو حنيفة رحمه الله تعالى بالكوفة سنة ثمانين على القول الراجح، في أيام الخليفة عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى. روى الخطيب بسنده إلى إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة أنه قال: أخبرنا إسماعيل بن حماد، بن النعمان، بن ثابت، بن المرزبان، من أبناء فارس الأحرار: والله ما وقع علينا رقّ قط، ولد جدي سنة ثمانين، وذهب ٤٧ ثابت إلى علي بن أبي طالب، وهو صغير فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ونحن نرجو من الله تعالى أن يكون قد استجاب ذلك لعلي بن أبي طالب(١). قال أبو عبد الله بن أحمد بن كِدام: وقد استجاب الله دعاءه، حيث جعل خلفاء الأرض، وملوك الآفاق، وأكثر أهل الإِسلام تبعاً له في الدين، وعالة عليه في الفقه(٢). أقول: وردت تسمية جد أبي حنيفة رحمه الله تعالى بالنعمان في رواية، والمرزبان في رواية ثانية، وزوطى بن ماه في رواية ثالثة، وقد جمع مؤلف مقدمة التعليم بين هذه الروايات جمعاً لطيفاً، فقال: معنى المرزبان: الرئيس، فيحتمل أن يكون النعمان وماه اسمان أو أحدهما اسماً والآخر لقباً، ويكون معنى زوطى بالعربية النعمان ومعنى ماه المرزبان. والله أعلم. نشأته العلمية وتقلبه في العلوم: ١ - نشأ رحمه الله تعالى بالكوفة، في أسرة مسلمة صالحة غنية كريمة، ويبدو أنه كان وحيد أبويه، وكان أبوه خزازاً، يبيع الأثواب في دكان له بالكوفة، ولقد خلف أبو (١) تاريخ بغداد ٣٢٦/١٣. (٢) كتاب مقدمة التعليم للمحدث الفقيه مسعود بن شيبة السندي، من مخطوطات مكتبة شيخ الإِسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة ق ١٦. ٤٨ حنيفة أباه بعد ذلك فيه. حفظ القرآن الكريم في صغره، شأن أمثاله من ذوي النباهة والصلاح، ويبدو أنه لم يعلق بسماع دروس العلماء وحضور حلقاتهم، بل كان يكون مع والده في دكانه إلى أن وافق لقاء بينه وبين الشعبي، كان فاتحة خير عظيم في حياة الإِمام رحمهما الله تعالى. روى أبو محمد الحارثي بسنده إلى الإِمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، قال: مررت يوماً على الشعبي وهو جالس، فدعاني وقال: إلام تختلف؟ فقلت: أختلف إلى فلان؛ قال: لم أعن إلى السوق، عنيتُ الاختلاف إلى العلماء، فقلت له: أنا قليل الاختلاف إليهم، فقال: لا تفعل، وعليك بالنظر في العلم، ومجالسة العلماء؛ فإني أرى فيك يقظة وحركة. قال: فوقع في قلبي من قوله، فتركت الاختلاف - أي إلى السوق - وأخذت في العلم، فنفعني الله تعالى بقوله(١). ٢ - وحين بلغ السادسة عشر من عمره خرج به أبوه لأداء فريضة الحج وزيارة النبي وَيهر ومسجده. ذكر الإِمام الكردري في كتابه (مناقب الإمام أبي حنيفة) من كتاب (الانتصار) (١) عقود الجُمان في مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان، للمحدث المؤرخ محمد بن يوسف بن علي بن يوسف الدمشقي، مخطوط، وهو صاحب السيرة الشامية، في أربع مجلدات كبار، وقد جمعه من أكثر من ثلاثمائة كتاب، وأتى فيه بالعجب العجاب، وزادت أبوابه على سبعمائة باب، وتوجد منه نسخة كاملة بمكتبة الحرم المكي. فيا حبذا طبع هذا الكتاب. ٤٩ بسنده إلى الجُعابي قال: حدثني أبو يعلى عبد الله بن جعفر الرازي من كتاب فيه حديث أبي حنيفة، حدثني أبي عن محمد بن سماعة الحافظ الثقة، عن أبي يوسف، قال: سمعت أبا حنيفة يقول: حججت مع أبي سنة ست وتسعين ولي ست عشرة سنة، فإذا أنا بشيخ قد اجتمع عليه الناس، فقلت لأبي: من هذا الشيخ؟ قال: هذا رجل قد صحب النبي ◌َّ، يقال له عبد الله بن الحارث بن جَزء الزبيدي، فقلت لأبي: أي شيء عنده؟ قال: أحاديث سمعها من النبي وَلّ، قلت: قدمني إليه، فتقدّم بين يدي، فجعل يفرج عني الناس حتى دنوت منه، فسمعت منه: قال رسول الله وليقول : ((من تفقه في دين الله كفاه همه، ورزقه من حيث لا يحتسب)) . قال الحافظ الجُعابي: ومات عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي سنة سبع وتسعين، وسمعت هذا الحديث من طريق الصيمري على هذا السياق. ٣ - وكان أول ما اتجه إليه من العلوم علم أصول الدين ومناقشة أهل الإلحاد والضلال، ولقد دخل البصرة أكثر من سبع وعشرين مرّة، يناقش ثمة، ويجادل ويرد الشبهات عن الشريعة، ويدفع عنها ما يريد إلصاقه بها أهلُ الضلال، فناقش جهم بن صفوان حتى أسكته، وجادل الملاحدة حتى أقرهم على الشريعة، كما ناظر المعتزلة والخوارج فألزمهم ٥٠ الحجة، وجادل غلاة الشيعة فأقنعهم. وهو مع قضائه زمناً يجادل ويناظر في أصول الدين كما ذكرنا، كان ينهى أصحابه - بعد - والمقربين إليه عن الجدل، رأى رحمه اللّه تعالى ولده حماداً - الذي أصبح بعدُ قاضياً فاضلاً وعابداً ورعاً - يناظر في الكلام، فنهاه، فقال حماد: رأيناك تناظر فيه وتنهانا عنه؟! فقال رحمه الله تعالى: كنا نناظر وكأنَّ على رؤوسنا الطير، مخافة أن يزل صاحبنا، وأنتم تناظرون وتريدون زلة صاحبكم، ومن أراد أن يزل صاحبه فقد أراد أن یکفر صاحبه، ومن أراد أن يكفر صاحبه فقد كفر قبل أن يكفر صاحبه(١). مضى رحمه الله تعالى في هذه السبيل من علم الكلام وأصول الدين، ومجادلة الزائغين وأهل الضلال، حتى أصبح عَلماً يشار إليه بالبنان، وهو ما يزال في العشرين من عمره، وقد اتخذ حلقة خاصة له في مسجد الكوفة، يجلس إليه فيها طُلاب هذا النوع من العلوم. ٤ - ولقد أراد الله به - رحمه الله تعالى - وبالمسلمين الخير الكثير والنفع العميم، فاستجيبت فيه دعوة علي رضي الله تعالى عنه لجده ولذريته، ورجاء الشعبي له خاصة فاتجه إلى الفقه . (١) مناقب الإمام أبي حنيفة لابن البزازي ١٢١/١. ٥١ والفقه زبدة القرآن الكريم والسنة المطهرة، ففي الفقه تفسير لآيات الأحكام من القرآن الكريم ودلالتها، وفيه معرفة معانيها ومقاصدها، وفي الفقه كذلك شرح السنة المطهرة ودلالتها، وفيه معرفة معانيها ومقاصدها؛ ذلك لأن الفقه هو الفهم في الدين، وهل الفهم فيه إلّ معرفة أصوله ومقاصده، وإحالاته ودلالاته وإشاراته. عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((من يرد به خيراً يفقهه في الدين)). رواه البخاري . ولقد تكون الآية الكريمة عند القارىء، والحديث الشريف عند الحافظ، ولا يعرف كلّ تمام مقصد ومعنى ما عنده، حتى يأتي الفقيه فبين معاني الآية ويشرح معاني الحديث. كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى في زيارة شيخه الأعمش يوماً، فجاء إلى الأعمش رجل يسأله عن مسألة في العلم، فقال لأبي حنيفة رحمهما الله: أجبه، فأجاب، فقال له: ومن أين لك هذا؟ قال: من حديث حدثتنيه هو كذا وكذا، فقال الأعمش: حسبك، ما حدثتك به في سنة تحدث به في ساعة !! أنتم الأطباء ونحن الصيادلة. وكان سبب توجهه إلى الفقه ما روى زُفَر عنه رحمهما الله تعالى، قال: سمعت أبا حنيفة يقول: كنت أنظر في الكلام حتى بلغت فيه مبلغاً يشار إليَّ فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان، فجاءتني امرأة يوماً ٥٢ فقالت: رجل له امرأة أراد أن يطلقها للسنة، كم يطلقها؟ فأمرتها أن تسأل حماداً ثم ترجع فتخبرني، فسألت حماداً فقال: يطلقها وهي طاهرة من الحيض والجماع تطليقة، ثم يتركها حتى تحيض حيضتين - بعد الحيضة الأولى فهي ثلاث حِيَض - فإذا اغتسلت فقد حلت للأزواج، فرجعت فأخبرتني فقلت: لا حاجة لي في الكلام، وأخذت نعلي فجلست إلى حماد أسمع مسائله، فأحفظ قوله، ثم يعيدها من الغد فأحفظ ويخطىء أصحابه، فقال: لا يجلس في صدر الحلقة بحذائي غير أبي حنيفة(١). وروى الموفق المكي بسنده إلى يحيى بن شيبان، قال: قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: كنت رجلاً أعطيت جدلاً في الكلام، فمضى دهر فيه أتردد، وبه أخاصم، وعنه أناضل، وكان أصحاب الخصومات والجدل أكثرها بالبصرة، فدخلت البصرة نيِّفاً وعشرين مرة، منها ما أقيم السنة وأقل وأكثر، وكنت قد نازعت طبقات الخوارج من الإِباضية والصفرية، وطبقات الحشو ... وساق الحديث إلى أن قال: وكنت أعد الكلام أفضل العلوم، وكنت أقول: هذا الكلام من أصل الدين، فراجعت نفسي بعد ما مضى لي فيه عمر وتدبرت، فقلت: إن المتقدمين من أصحاب النبي ◌َّلة والتابعين - (١) الخيرات الحسان لابن حجر الهيتمي الشافعي ص ٢٥ و(مناقب الإِمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه وأكرم) للموفق المكي. ٥٣ وأتباعهم لم يكن يفوتهم شيء مما ندركه نحن، وكانوا عليه أقدر وبه أعرف وأعلم بحقائق الأمور؛ ثم لم ينتصبوا فيه منازعين ولا مجادلين ولم يخوضوا فيه، بل أمسكوا عن ذلك ونهوا عنه أشد النهي، ورأيت خوضهم في الشرائع وأبواب الفقه وكلامهم فيه، عليه تجالسوا، وإليه وبه خصوا، كانوا يعلمون الناس ويدعونهم إلى العلم، ويرغبونهم فيه، وكانوا يطلِّقون الكلام والمنازعة فيه، ويتناظرون عليه، ويفتون فيما يستفتون، على ذلك مضى الصدر الأول من السابقين وتبعهم التابعون عليه، فلما ظهر لنا من أمرهم هذا الذي وصفنا تركنا المنازعة والمجادلة والخوض في الكلام، واكتفينا بمعرفته، ورجعنا إلى ما كان عليه السلف، وأخذنا فيما كانوا فيه، وشرعنا فيما شرعوا فيه وجالسنا أهل المعرفة بذلك. ومع ذلك فإني رأيت من ينتحل الكلام ويجادل فيه، قوم ليس سيماهم سيما المتقدمين ولا منهاجهم منهاج الصالحين، رأيتهم قاسية قلوبهم، غليظة أفئدتهم، لا يبالون مخالفة الكتاب والسنة والسلف الصالح، ولم یکن لھم ورع ولا تقى، فعلمت أن لو كان في ذلك خير لتعاطاه السلف الصالح، ولم يتعاطه الأنذال، فهجرته ولله الحمد(١). ويبدو أن سؤال المرأة كان السبب القريب لتحوله رحمه الله تعالى إلى الفقه، والحمد لله . (١) مناقب الموفق المكي ٦٠/١. ٥٤ ملازمته لشيخه حماد وطلبه الفقه عليه وأدبه معه : انتقل أبو حنيفة رحمه الله تعالى بكليته إلى شيخه حماد، وعلمه في الفقه حتى بزَّ أقرانه وتجاوز أمثاله وسابقيه في حلقة شيخه لحفظه وأدبه، حتى أدناه منه شيخه فجعله في صدر حلقته. وكان أدبه مع شيخه موضع العجب، فلقد كان يقصده في بيته، ينتظره عند الباب حتى يخرج لصلاته وحاجته، فيسأله ويصحبه، وكان إذا احتاج شيخه إلى شيء قام هو على خدمته، وكان إذا جلس في بيته لا يمدّ رجليه جهة بیت شیخه حماد، وکان إذا صلّی دعا لشيخه حماد مع والديه . واستمر على هذه الحال من الصحبة والملازمة ثماني عشرة سنة، حتى مات حماد رحمه الله تعالى، واتفق أصحاب حلقة الدرس على أن يخلفه أبو حنيفة في الدرس، فكان خير خَلَف لخير سلف. أخرج أبو الشيخ ابن حيان في طبقات محدّثي أصبهان، عن عاتکة أخت حماد بسنده إليها، قالت: كان النعمان ببابنا يندف قطننا، ويشتري لبننا وبقلنا، وما أشبه ذلك، فكان إذا جاءه الرجل يسأله عن المسألة قال له: ما مسألتك؟ قال: كذا وكذا، قال: الجواب فيها كذا. ثم يقول: على رِسْلك، فيدخل إلى حماد، فيقول له: جاء رجل فسأل عن كذا وكذا فأجبته بكذا، فما تقول أنت؟ قال: حدثونا بكذا، وقال ٥٥ أصحابنا كذا، وقال إبراهيم كذا، فيقول: فأروي عنك؟ فيقول: نعم، قال حماد كذا، وهكذا كان شأنه معه ملازمة وخدمة متوارثين(١). روى الموفق المكي بسنده إلى محمد بن الحسن بن أبي بشير، قال: سمعت أبا حنيفة رحمه الله تعالى يقول: ما صليت صلاة منذ مات حماد إلّ استغفرت له مع والديّ وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علماً أو علّمته علماً. وروى عنه أنه قال: ما مددت رجلي نحو دار حماد إجلالاً له، وکان بین داري وداره سبع سكك، ثم قال الموفق: نعمانُ كان أبرَّ الناس كلهم بوالديه وبالأستاذ حماد قد كان يدعو له ما عاش مجتهداً شائي بذا كل محمود وحماد وكان يفتح بالحماد دعوته وأولاد لآباء يحابي ولا أبو الإِفادة أولى بالبداية من أبي الولادة عند الواحد الهادي (١) حاشية الإِمام الكوثري على الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة لابن قتيبة. ٥٦ ما مدّ رجليه يوماً نحو منزله ودونه سكك سبع كأطراد (١) شيوخ الإِمام رحمه الله تعالى : أشرنا سابقاً إلى أن شيوخ الإِمام رحمه الله تعالى بلغوا أربعة آلاف شيخ، فيهم سبعة من الصحابة، وثلاثة وتسعون من التابعين، والباقي من أتباعهم. ولا غرابة في هذا ولا عجب، فقد عاش رحمه الله تعالى سبعين سنة، وحج خمساً وخمسين مرة، وموسم الحج يجمع علماء العالم الإِسلامي في الحرمين الشريفين، وأقام بمكة رحمه الله تعالى، حين ضربه ابن هبيرة على تولي القضاء بالكوفة ثم هرب منه ست سنين. وكانت الكوفة مركز علم وحديث، تعج بكبار العلماء (٢)، فإذا كان الإِمام حريصاً - وقد كان كذلك - على اللقيّ والاستفادة من العلم وأهله؛ تيسر له في خمس وخمسين سنة أن يلتقي بأربعة آلاف شيخ، وأن يأخذ عنهم، ما بين مكثر منه ومقل ولو حديثاً أو مسألة، قال الإِمام أبو حفص الكبير بعد أن ذكر عدد شيوخ الإِمام رحمه الله: وقد صنف في ذلك جماعة من (١) مناقب الموفق ٦/٢ - ٧. (٢) قال الإِمام البخاري: ولا أحصي ما دخلت الكوفة في طلب الحدیث. ٥٧ العلماء، ورتبوهم على ترتيب حروف المعجم، وجُعلوا في مجلد . وقال مؤلف قلائد عقود العقيان: فلا ينكر هذا العدد إلّ مكابر أو جاهل أو حاسد؛ ألا يرى إلى ما روي عن الفَربري أنه قال: سمع الصحيح من البخاري سبعون ألف رجل، فما بقي أحد يرويه غيري . قال الشيخ محمد السنبهلي: فصل في تراجم شيوخ الإِمام بلا واسطة: اعلم أن عامة شيوخه في هذا المسند - مسند الحصكفي - من أجلّ رجال الصحيحين: كمنصور بن المعتمر، ومجاهد بن جبر، والحكم بن عتيبة، ونافع ... ثم قال: وليس في عامة شيوخه ورجال مسنده من اتفق على كذبه أو وضعه أو ضعفه؛ نعم ضعَّف بعض النقاد بعضهم كابن لهيعة، ومحمد بن السائب الكلبي، ومسلم بن كيسان - وذكر أسماء - لكن لا مضايقة فيه، لأن أحاديثهم لا تنزل من أن تعدّ متابعات وشواهد على الصحاح، ثم عدَّد الأسماء التي أوردنا تراجم بعضهم باختصار. فمنهم(١): ١ - إبراهيم بن محمد المنتشر الكوفي، ثقة من الخامسة - كذا في التقريب لابن حجر - روى عنه الإِمام، وأبو (١) انظر في ترجمة هؤلاء إلى ثلاثة وثمانين رجلاً من شيوخ الإمام = ٥٨ عَوانة، والثوري، ومِسْعَر، وابن عيينة وغيرهم. ٢ - إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي، ثقة، إلّ أنه كان يرسل كثيراً - كذا في التقريب لابن حجر - وكان عجباً في الورع والخير، متوقياً للشهرة. ذكره ابن حبان في ثقات التابعين . ٣ - إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان الكوفي، صدوق من الثامنة - كذا في التقريب لابن حجر - قال النووي في مقدمته على شرح مسلم: وهو تابعي مشهور، رآى أنس بن مالك وسلمة بن الأكوع، وسمع عبد الله بن أبي أوفى وعمرو بن حريث وقيس بن عابد وأبا جحيفة. ٤ - أيوب السِّختياني البصري، ثقة، حجة من كبار الفقهاء العباد من الخامسة. قال فيه شعبة: ما رأيت مثله! كان سيد الفقهاء. خرّج له الأئمة الستة. ٥ - الحارث بن عبد الرحمن الهمذاني الكوفي أبو هند، مقبول، من السابعة - كذا في التقريب - خرّج له البخاري في الأدب المفرد، والنسائي في مسند علي. ٦ - ربيعة بن عبد الرحمن المدني المعروف بربيعة الرأي، ثقة فقيه مشهور، قال فيه أحمد: ثقة. = بأوسع مما أوردناه هنا: كتاب ((تنسيق النظام في مسند الإِمام)) للشيخ محمد بن حسن السنبهلي ص ٤٣ وما بعد. ٥٩ ٧ - سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتاً عابداً فاضلاً، كان يشبَّه بأبيه في الهدي والسَّمْت. من كبار الطبقة الثالثة، خرّج له الستة. ٨ - سعيد بن مسروق والد سفيان الثوري، ثقة من السادسة، ذكره ابن حبان في ثقات أتباع التابعين. ٩ - سليمان بن يسار الهلالي المدني، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، يروي عن أنس وغيره. خرَّج له الستة. ١٠ - عاصم بن كليب بن شهاب الكوفي، صدوق، خرّج له مسلم والأربعة. ١١ - عبد الرحمن بن هُرْمز الأعرج المدني، ثقة ثّبْت عالم. خرَّج له الستة. ١٢ - عطاء بن يسار الهلالي المدني مولى ميمونة، رقم عليه في التقريب علامة الستة، ثقة مكثر. ١٣ - عمرو بن دينار المكي، ثقة ثّبْت. خرَّج له الستة، وذكره ابن حبان في الثقات. ١٤ - القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ثقة عابد، خرَّج له البخاري، والأربعة. ١٥ - عبد الكريم بن أبي المخارق البصري نزيل مكة، خرَّج له البخاري تعليقاً، وابن ماجه في التفسير. ٦٠