Indexed OCR Text

Pages 1041-1060

حكاها أنها اتَّفَقَتْ له أو للبدر البشْتَكي أو لمن تقدَّم.
ثم رأيتُها في ترجمة محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن منصور بن
الخاضِبَة من («ذيل تاريخ بغداد))، قال: كنتُ ليلةً أنسخُ وأنا في ضيقٍ، وبعد
مُضيِّ قطعةٍ مِنَ الليل، خرجت فأرةٌ ثمَّ أخرى، فكانا يمرحان ويلعبان، ودنت
إحداهما منّي، فألقيتُ عليها طاسةً، فجاءت صاحبتُها، فجعلت تشمُّ الطَّاسة
وتضرِبُ نفسَها عليها إلى أن أعيت، فذهبت [فدخلت سِرْبَها](١)، ثم رجعت
بعد ساعة وفي فمها دينارٌ، فألقته ومكثت ساعةً تنظرُ إليَّ، وأنا مُتشاغِلٌ عنها
بالنَّسخ، ثم ذهبت إلى مكانها أيضاً وجاءت بدينارٍ آخر، إلى أن أحضرت
خمسة أو أربعةً، وفي الآخر أطالت المُكْثَ والنَّظَرَ إليَّ وأنا متشاغِلُ عنها، ثم
ذهبت إلى سِرْبها أيضاً، ثمَّ رجعت وفي فمِها جُلَيْدَةٌ، فوضعتها فوقَ الدَّنانير،
ففهِمْتُ أنَّه لم يَبْقَ عندها شيءٌ، فرفَعْتُ الطَّاسة، فقفزا ودخلا السِّرْبَ، فقُمْتُ
وأخذتُ الدَّنانیز فأنفقْتُها. وكانت زِنَة كل واحدٍ دينار وربع.
ويُروى أنَّ المقدادَ ذهب لحاجته ببقيع الخَبْخَبَة، فإذا جُرذٌ يُخْرِجُ مِنْ
جُخرٍ ديناراً، ثمَّ لم يزل يُخْرِجُ ديناراً ديناراً حتى أخرج سبعة عشر، ثمَّ
أخرج خِرقةً حمراء وفيها دينار آخر. فقدِمْتُ بها إلى النَّبِيِّ وَلَّه فقال له
النّبِيُّ وَّرَ: ((هل خرَّبت الجحر))؟ قال: لا، فقال: ((باركَ الله لك فيها))(٢).
وكذا حكى لنا قضية البراغيث وجَعْلِها في وعاء مختوم عليه في
انقلابهم تُراباً، ثم براغيث، وما تحقّقْت الحكاية على وجهها أيضاً.
وحكى لي العلاَّمةُ الشِّهاب الحجازي، قال: كنتُ أقرأُ بشبّاك الخانقاه
البيبرسية في وظيفتي مع الجماعة على العادة، فصادَفَ اجتياز صاحب التّرجمة
وابن يعقُوب في خدمته عند قراءتنا: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ اْأَحَادِيثِ وَيُنْذُ نِعْمَتَهُ
عَلَيْكَ وَعَلَى ءَالِ يَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٦] فحرَّك رأسَه، ثم إنَّنِي لقيتُه بعد ذلك،
فسألني: هل كان ذلك قصداً أو اتِّفاقاً؟ قال: فحلفتُ له بالطّلاق أنَّه اتّفاقاً.
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (أ).
(٢) انظر: سنن أبي داود رقم (٣٠٨٧)، وسنن ابن ماجه رقم (٢٥٠٨).
١٠٤١

وقد أشرتُ إلى هذه الاتفاقية في أواخر الباب الرابع(١).
وحكى لنا، قال: كان شيخُنا القاضي صدرُ الدِّينِ المناوي كثيراً ما
يجمعُ الطّلبة ونحوهم على الطّعام الفاخر. فاتَّفق أنَّه أَحضِرَتْ له جارية
ليختبِرَها فيما وُصِفَتْ عنده به من إتقان الطَّبخ حتى يشترِيَها، فأمرها بطبخ
ألوانٍ عُيْنَتْ لها بعد أن أحضر لها جميعَ احتياجاتها على الهيئة المرضيَّة،
بحيث لا يختلُ بشيءٍ. ولمَّا انتهت مِنْ تهيئتها، ورأت الجاريةُ التي كانت
قبلَها مِنْ ذلك ما حسدتها مِنْ أجله، أخذت صبراً، ودارت على القدور
فأشعلتها عن آخرها، والطِّبَّاخَةُ غافلةُ عَنْ صنيعها، ووصل عِلْمُ ذلك
للقاضي، فتغيَّر لطول مُكْثِ الجماعة بين يديه لانتظار الاستواء، فدبَّ نقيبُه
الأمرَ بمد السِّماط، وحين ينتهي وضع تلك الأطعمة يخير الجماعة بين
التَّقدُّم للأكل أو النظر لأمر غريب، وهو إحضارُ شخصٍ واحدٍ يأكُلُ
الجميع، ففعل ذلك، فاختاروا التفرُّج، وقدَّمُوه على الأكل، ففي الجال
أُخْضِرَ شخصٌ يسمَّى سرحان، فجلس في ذيل السَّماطِ، وشرع في الأكل
حتَّى أتى على آخره، وما تمَّ ذلك حتَّى أمر القاضي بإحضار شواءٍ مِنَ
السّوق يكفي بجماعة فأكلوه، وتعجَّب كلَّ منهم لصنيع سرحان.
قلت: وقد ترجم شيخُنا سرحان هذا في سنة اثنتين وتسعين من
(إنبائه))(٢)، وقال: إنَّه كان مالكياً عارفاً بمذهبه، أكولاً مهشوراً بذلك. انتهى.
وهو ممَّن أخذ عنه البدر بن الأمانة الفرائض، وأظنُّه كان إمام المالكية
بالصَّالحية، وأحدَ سُكَّانها.
[رغبته في العلم:]
وأما شدَّة رغبته في العلم ومحبَّتُه في المذاكرة به والمباحثةُ فيه، فوراء
العقل، مع كثرة الإنصاف ولو على نفسه، وعدم استنكاف سماع الفائدة ولو
مِنْ صغار آحاد طلبته، بل يستحسِنُها ويأمرُ الحاضرين بسماعها، حتَّى رأيتُه
(١) ص ٦٥١.
(٢) إنباء الغمر ٣٩/٣.
١٠٤٢

مرَّةً يقول، وقد (١) تكلّم شابٍّ بشيءٍ وهو خارجُ الحلقة: اسمعُوا ما يقولُ
الشَّابُّ، فإنَّه يقول جيداً. وطال ما يقول: مقالة هذا هي الصواب، مع كونه
كان قرَّرَ خلافها رجوعاً منه إلى الحق، وإنصافاً وعدم محاباة.
وحكى لي شيخنا العلامة مفخرُ العصر تقي الدين الشُّمُنِّي، وهو مِنْ
تلامذته، قال: كنتُ أحضُرُ عنده بعد أن اشتغلْتُ وفهمت العِلْمَ فيكرِمُني،
وأفهم أنَّ سببَ ذلك كونُ والدي مِنْ جماعته، لا لكوني طالبَ علم، لأنه
لم يكن اطّلع على ذلك، إلى أن حضرتُ بين يديه مرَّةً على العادة في
المحمودية، وقارىءٌ يقرأ عليه حديث ((فليَخْلُقوا ذرَّةً وليخْلُقُوا حبَّةً أو
شعيرةً))، فوقع السُّؤال عَنِ الحكمة في التّرقِي، كذلك قال: فأجبتُ بأن
صُنْعَ(٢) الأشياء الدَّقيقة فيه صعوبةٌ، والأمر لمعنى التَّعجيز، فناسَبَ التَّرقِّي
مِنَ الأعلى للأدنى. قال: فأعجبه ذلك، وأقبل عليَّ، وصار يلحظُني ويُكرمني
ويُصغي لمقالي. رحمه الله.
[أدبه مع العلماء:]
وأمَّا كثرة أدبه مع العلماء المتقدِّمين منهُم والمتأخّرين، فمشهورٌ بحيث
كان إذا تعقّب النَّوويَّ رحمه الله بشيءٍ يقول: وعجبتُ للشّيخ مع سَعَةٍ علمه
كيف قال كذا، أو ما أشبه ذلك مِنَ العبارات.
وسمعت أنَّه توجّه مرَّةً هو وقاضي الحنفيَّة الزَّين التَّفهني لإسماع
تصنيفه في ((مناقب اللَّيث)) عند ضريحه، فحصل الابتداءُ بزيارة الإمام
الشّافعي رضي الله عنه، ثم التّوجُّه بعد ذلك ألى ضريح اللَّيث رضي الله
عنه، فقرأ شيخُنا ابنُ خضر ((المناقب)»، ثم رجعوا، فقال صاحبُ التّرجمة:
أحبُّ أن يكونَ آخر عهدي بالإمام كما ابتدأتُ بزيارته، ففارقه التّفهني مِنْ
تلك الجهة، واستمر عند الباب الآخر ينتظر شيخَنا حتَّى فرغ مِنَ الزيارة،
وأنكر بعضُهم سرّاً على التَّفَهْني صنيعه، وكانت مدته بعد قريبه رحمة الله
(١) في (أ): ((ولو))، خطأ.
(٢) (صنع)) ساقطة من (أ).
١٠٤٣

عليهم. ولكونه كان بهذه المثابة، عُتِبَ عليه حين استقرَّ في تدريس
الشّافعي، إذ بدأ بالدّخول لمحل الدّرس مع اعتذاره عن عدم الابتداء
بالزيارة، بخشية الإطالة على الجماعة الذين قصدوا الموافاة، والزيارةُ تحصُلُ
بعدَ الفراغ من القصد الذِي جِيءَ بسببه، والأعمالُ بالنِّيَّات.
[تهجده:]
وأما تهجّده، فما كان يتركُه، بل أخبرني غيرُ واحد ممن رافقه في
السّفر أنَّه كان يقومُ اللَّيل في السَّفر أيضاً، وكذا لم يتركه في ضعف موته
قائماً، بل ربَّما توكأ على ولده إلى أن أعيى، وذلك قبل وفاته بأربعة أيام.
وأما أنا، فبتُ معه عقِبَ وفاة ابنة أخت أم أولاده بتربتهم بجامع
المارداني، فصلَّينا معه العشاء بالجامع المذكور، ورجعنا فنام والتفّ في لحاف
حتَّى مضى مِنَ اللَّيل النّصْفُ فيما أظنُّ، ثم استيقظ والجماعة كلَّهم نائمون،
واتَّفق أنّني كنت مستيقظاً، فهممتُ لأقوم معه، فمنعني وهو في سكون زائد
ورشاقة، خوفاً مِنَ استيقاظ أحدٍ، فدخل الخلاء، ثم توضأ وضوءاً خفيفاً جداً
في تمام على جاري عادته، واستقبل المحراب، فصلَّى إلى أن غلبني النّومُ،
وكان يطيل القيام وكأنَّه كان يقرأ راتباً مِنَ القرآن في تهجّده، ثم استيقظتُ
فأجده نائماً، وأظنّه استمرَّ كذلك إلى أن قام لصلاة الصبح، وقمنا معه،
فصلينا بالجامع المارداني أيضاً، ورجع كلِّ إلى محلّه(١).
[صومه:]
وأما صومه، فكان رحمه الله يسرُدُ الصَّوم أوَّلاً، ثم صار يصومُ يوماً
ويفطِرُ يوماً، مع الحِرْصِ على صوم تاسوعاء وعاشوراء، وعرَفَة وستَّة شوال،
ويأكُلُ وقتِ الفِطْرِ يسيراً، ثُمَّ يتسخّر بشيءٍ يسير كذلك قريب الفجر جداً.
وأظنُّه كما كان يقصِدُ في الصَّوم صومَ داود عليه السَّلام، كذلك كان
(١) في هامش (ح) بخط المصنف: ثم بلغ الشيخ عبدالعزيز بن فهد نفع الله به، قراءة
علي في ٢٤ والجماعة سماعاً ..
١٠٤٤

يتحرَّى طريقته في الصَّلاة، ينام نصف الليل الأوَّل، ويقوم ثُلُثَه، وينام
سُدُسَه، لأَنَّه ورد في الصَّحيح عَنْ نبيّنا عليه أفضلُ الصَّلاة والسلام أنَّ ذلك
أحبُّ الصلاة إلى الله تعالى، كما صحَّ أنَّ صومه أحبُّ الصِّيام إلى الله.
[تلاوته للقرآن:]
وأما تلاوته، فكان يُكثر منه - لا سيما في حال ركوبُه، وعقِبَ صلاة
الضّبح - بتدبُّرٍ وتأنٌّ وسكون، إذا مرَّ بآية رحمة سأل، أو عذاب تعوَّذ.
ولقد صلَّيتُ معه المغرب، فقرأ في الركعتين بغالب سُورة
الأعراف، وكان شَرَعَ فيها بناءً على قراءة السُّورة بتمامها، فإنَّه استأذن
الجماعة، وكنّا أربعةً أو ثلاثة، فقرأ ما يقتضي التَّخفيف.
وبتشاغله بالتلاوة في حال الرُّكوب كان يمتنع مِنَ السَّلام على كثير
مِمَّن يراه، والأعمال بالنِّيَّات.
[عيادته المرضى:]
وأما عيادتُه للمرضى وشهودُ الجنائز، فكان حريصاً على ذلك، لا
سيَّما مَن يلوذُ به. ومَنْ لم يتيسَّر له عيادتُه منهم، تفقَّده بشيءٍ مِنَ الدُّنيا.
ولقد توعَّكتُ مرَّةً، فأرسل نقيبَه القاضي شهاب الدين بن يعقوب إليَّ
ومعه مبرَّةٌ، ثم صار كلَّ يوم يسأل من الوالد عَقِبَ صلاة الصبح - إذ كان
ملازماً للصلاة معه - عنّ، حتى إنَّ الوالد اشتدَّ خوفُه عليَّ، وازدادت محبَّته
فيَّ، لما رأى من كثرة سُؤال هذا العظيم المقدار عَنْ أقلُ خُدَّامه.
وهكذا كان دأبُه رحمه الله مع أتباعه، طال ما عاد عبد الغني العطّار
الذي كان جابياً عنده، وغير ذلك ممَّا هو معدود عند العارف بالسُّنَّة العامل
بها، في مناقبه ومفاخره.
نعم، لم يكن شديدَ الاستقصاء في تتبّع ذلك؛ لعدم اتساع أوقاته له، ولقد
أشار هو إلى ذلك، حيث قيل له عن القاضي بدر الدين البغدادي ومبالغته في التّردّد
للأعيان وشبههم بسبب ذلك ونحوه، فقال: كلّ ميسَّرٌ لما خلق له، أو كما قال.
١٠٤٥

[محبته للصالحين:]
وأما اعتقاده في الصالحين، ومن يثبُتُ عنده انجذابه منهم، فمعلوم.
قد زارَ جماعةً منهم، بل وبرَّهم، وعادت بركتُهم عليه، ورأينا يحضُرُ عندَه
في مجلس الإملاء ممَّنْ يُنْسَبُ إلى الخير شخص يقال له الشّيخ عوضٍ،
يأكل مِنْ صنعة الحياكة، فكان يشتري منه غالباً شيئاً من صنعته، ويلبس منه.
قصداً لحصول البركة، وبراً منه له، وكان المذكور ظريفاً، طال ما كان يقول:
له: يا ابني يا أحمد افعل كذا وما أشبه ذلك، ومرَّة غاب المستملي الشّيخ
رضوان، فقال لشيخنا: انَّخذ لك رضوانين ثلاثة. كل ذلك وشيخُنا يُجِلَّه.
ويتوسَّم البركة فيه، وناداه مرَّةً: يا شيخ عوض، فأبشع في حقٌّ مَنْ سِمَّاه
بذلك، فقال له صاحبُ التَّرجمة: إنما سمَّاك أبوك وأمُّك.
إلى غير ذلك مما يُستدل بدونه على حُسْنِ الاعتقاد والميل لمن(١) لم
يخرج عن (٢) الكتاب والسنة، بل أنشد المذكور شعراً بحضرته، فقال
لصاحبنا النجم بن فهد: اكتُب هذا عن الشّيخ، فما اتَّفق أنَّه كان معه دواة.
وكان يقول عن الشيخ محمد بن صالح المجذوب كان: إنه فقيرٌ
ظريف، وبرَّه غير مرَّة.
وزار في سنة ست وثلاثين العلامة العارف بالله تعالى الشهاب ابن
رسلان صاحب التصانيف والأحوال المرضية بالرملة.
وحضر إليه الشّيخ مدين رحمهما الله بسبب استرضائه على الولوي
البلقيني، فرأيتُ شيخنا أكثرَ مِنَ التَّأْدُّب معه.
وكذا سيأتي في أول الباب التاسع(٣) ذكرُ شيءٍ مِنْ صنيعه مع الكمال
: المجذوب.
وجاءه الشيخ أبو العباس أحمد ابن الشيخ محمد الغمري نزيل المحلّة
(١) ((لمن)) ساقطة من (أ، ح).
(٢) في (أ): (من)).
(٣) ص ١١٨٥.
١٠٤٦

وهو صغيرٌ، فقام إليه، واحتضنه قائلاً له: المؤمن محفوظً في ولده وولدٍ
ولدِه، وأجلسه بجانبه.
وكان يرسل لبعض الفُقراء المعتقدين الكسوة وغيرها، وربَّما قدِمَ عليه
بعضُهم ويدفع إليه الشّيء اليسير من المأكول كالحمص ونحوه، فيأخذه منه
تبرُكاً، ومرة أرسل لعياله مِنْ ذلك، وممَّن فعل معه ذلك الشيخ مُبارك، بل
حكى لي السَّيدُ جلال الدين الجرواني النقيب أنَّ السَّبب كان في اعتقاده إياه
أنه حضر إليه مرَّةً، فلم يلتفت شيخُنا إليه، بل أعرض عنه، فخرج وفهم منه
شيخُنا التغيُّر. قال: وقدّر أنَّه عزل بعد يسير، فأمر السيِّد أن يتلافى خاطر
المشار إليه، فلم يزل يتبَّعُه حتى أحضره إليه، فاستدرك شيخُنا ما كان فاته
مِنَّ الإحسان إليه، واعتذر عَنْ فعلِه السَّابق، حتى رضي ودعا ثم انصرف.
وبالجملة، فكان في ذلك متوسط الحال، غير مُفْرِطٍ ولا مُفَرِّطٍ. نعم،
كان ينكر على كثيرٍ مِنْ مكشوفي العورات المتضمِّخين في النَّجاسات،
الناهبين البضائع مِنَ الطَّرقات، المتلذذين بالشّهوات ممِّن لم يُعْلَمْ صلاحه
قبل هذه الحالات، ويقول: نصَّ أهلُ العِرفان مِنْ عُلماء الشأن على أنَّ مَنْ
كان قبل طُروءٍ مثل هذا على الكتاب والسُّنَّة، فهو واردٌ ربَّاني، وإلاَّ فهو
شيطانيُّ. ومَنْ يقدِرْ يُنازع في هذا. نسأل الله التوفيق. قال سيد الطائفة أبو
القاسم الجنيد فيما رويناه عنه: طريقُنا مضبوطٌ بالكتاب والسُّنَّة، من لم
يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، ولا يتفقَّه، لا يُقتدى به .
ونقل صاحبُ ((مجمع الأحباب))، وهو الشّريف الواسطي، عن الموفق
ابن قدامة أنَّه سُئل عَنْ هؤلاء المعتوهين الذين تمرُّ بهم أوقات الصلوات ولا
يُصلُّون، فقال: هؤلاء قومٌ سلبهُمُ الله ما سلبَ، ووهب لهم ما وهبَ،
فأسقط عنهم ما وجبَ لمَّا سلب.
وكذا كان يجهر بالإنكار على ابن عربي ومَنْ نحا نحوه، ويحكي مقالته
الشَّنيعة في تفسير قوله تعالى: ﴿مِّمَا خَطِيَِهِمْ(١) أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُ مِن
دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ [نوح: ٢٥] ومذهبه القبيح في تفضيل الوليِّ على التَّبيِّ إذ يقول:
(١) في الأصول: ((خطاياهم))، وهي قراءة أبي عمرو بن العلاء.
١٠٤٧

٠
مقامُ النّبُوَّة فِي برزخ فُوَيْقَ الرَّسول ودُون الولي:
ويتعجّبُ مِنّ الإقدام على مثل هذا، ويُبالغِ في الحطُّ على مَنْ يعتقدُه
أو ينظر في مقالته، ويمقتُه بسبب ذلك لفظاً وخطَّاً، ويتوقّفُ في الرِّوايةِ عَنِ
الدَّاعية منهم.
واتفق أنَّه قبل القرن باهلَ شخصاً متجوِّهاً مِنْ معتقديه، فما تمَّت السَّنَّةُ حتَّى
هلك ذاك، وكفى الله شرَّه، كما بيَّنَتْ القصّة في ((تصنيفي)) المتعلق بابن عربي،
بل وفي أوائل هذا الباب أيضاً (١)، أهلك الله تعالى أتباعه ومَنْ يعتقدُ مقالته.
وحكى لنا صاحبُ الترجمة، وأثبتهُ في ((اللسان))(٢) مِنْ تصانيفه: أنَّه
سأل شيخَ الإسلامِ السِّراجِ البُلقيني عن ابن العربي، فبادر الجواب بأنه كافرٌ،
وسأله عَنِ ابن الفارض، فقال: لا أحبُّ أن أتكلّم فيه. قال: فقلت: فما
الفرقُ بينهما والموضعُ واحدٌ، وأنشدتُه من التائية، فقطع عليَّ بعد إنشادِ عدَّة
أبياتٍ بقوله: هذا كفر هذا كفر! انتهى.
وقد بلغني عَنْ بعض الثّقات ممِّن أخذ عَنْ شيخنا أنَّه سمع صاحبَ
التَّرجمة يقول: ثلاثةٌ أُلينُّ لهم النَّظم كما أُلين لداود الحديد، وهم: الشَّاطِيُّ
وابن الوردي وابن الفارض. انتهى ..
وسمعتُه مراراً يقول عن ابن الوردي مما أثبته في ترجمته(٣): أقسم
بالله لم ينظمْ أحدٌ بعده الفقه إلاَّ وقصر دونه.
وكذا سمعته يحكي ما رُزِقَّهُ الشَّاطبيُّ مِنَ القَبُولِ في ((لاميَّته)) بحيث إنَّ
أبا حيَّان رام مزاحمته في ذلك، فعمل قصيدةً سماها ((عقد اللآلي في:
القرآآت السبع العوالي)) فصرَّح فيها بالقُرَّاءِ مِنْ غير رمزٍ، والتمس مِنْ ولدِه
حفظها، فما أجابَ لذلك، وحفظ ((الشّاطبية)).
(١) ص ١٠٠١ - ١٠٠٢.
(٢) ٣١٨/٤.
(٣) في الدرر الكامنة ١٩٥/٣.
١٠٤٨

[اتباعه السنَّة:]
وأما اتباعه للسنة في جميع أحواله، فشيءٌ لا يُسألُ عنه، لأنَّها عنه
تُؤخذ، ومنه تُعرَفُ، ويحرص بلسانه وقلمه على جذب الناس إليها،
وتحذيرهم مِنْ مخالفتها، حتى كان يتأثّر مِنْ تأخير الفِطْرٍ وتقديم السَّحور،
كما قدَّمته عند شيء من أقضيته مِنَ الباب الرَّابع (١).
وكذا من الزيادة في التّكبير المشروع في العيدين، وقال في ((فتح
الباري)): وقد أحدِثَ في هذا الزّمان زيادةٌ فيه لا أصلَ لها.
إلى غير ذلك ممَّا يُعلَم مِنَ الكتاب المشار إليه، كقوله فيه: ولا أصل
لما اعتاده كثيرٌ مِنَ النَّاس مِنَ استكمال قراءة الفاتحة بعد قوله: الحمد لله
رب العالمين، يعني في العُطاس. وكذا العدول عن الحمد إلى: أشهدُ أن
لا إله إلا الله، أو تقديمها على الحمد.
ويقول كما سمعتُه مراراً: هؤلاء العوامُ يثابرُون على القيام دفعةً واحدةً
بعد فراغ المؤذن مِنَ الأذان يوم الجمعة للصلاة، بحيثُ أخشى توهمهم
وجوبها، مع أنه لم يرد قبل الجمعة بخصوصها سُنَّةٌ، وكان هو عندما يشرع
المؤذِّن في الأذان، يثيبُ فيصلّي أربعاً سنَّةَ الزَّوال، ويجيبُ المؤذِّنَ وهو في
الصَّلاة إلا في الحيعلتين.
[خوفه من الله:]
وأما خوفه من الله عز وجل ومحاسبتُه لنفسه، فأمرٌ يفوقُ الوصفَ.
ونحوُهُ أنَّه ذكر يوماً القبرَ والموت، فقال: بينما المرءُ بين أهله وعشيرته
الذين ألِفَهم وألفوه، إذ انتقَلَ إلى مكان لم يألَفْ مثله قط [وجاءه مَنْ لم يره
قط] (٢)، واسترسل في ذكر هذا المعنى، ثم صعق صعقةً مطربةً، ونهض إلى
الصَّلاة .
(١) ص ٦٣٤.
(٢) ما بين قوسين ساقط من (أ)، وورد في هامش (ب، ح) بخط المصنف.
١٠٤٩

[جمعه بين العلم والعمل: ]
وأما جمعه بين العلم والعمل، فقد علمته مفصلاً من هذا الكتاب،
ولكن ليس الخبر كالعيان.
[برنامجه اليومي:]
وأما بيان طريقته في تقضِّي أوقاته، فكان رحمه الله يصلي الصُّبح في
أوائل أمره بغلس في الجامع الحاكم، ثم صار - لعلّه بعد ولاية القضاء -
يصلْيه وقتَ الإسفار بالمدرسة المنكوتمرية، يجيءُ إليها مِنْ خلوته النَّافذة
لمنزل سكنه، فإذا فرغَ مِنَ الصَّلاة، فإن كانت لأحدٍ حاجةٌ كلَّمه، ثم يدخلُ
إلى منزله، فيشتغلُ بأذكار الصَّباح أو بالتلاوة، ثم يأخذُ في المطالعة
والتَّصنيف إلى وقت صلاة الضُّحى، فيصليها، ثم إن كان بالباب مَنْ يستأذِنُ
للقراءة، ظهر إليهم، فقرأ بعضُهم روايةٌ وبعضُهم درايةً، واستمر جالساً معهم
إلى قريب الظّهر، ثم يدخل إلى منزله فيستريح قدر ثُلث ساعة، ثم يقومُ
فيصلي الظهر داخل بيته، ثم يُطالِعُ أو يصنّفُ إلى بعد أذان العصر بنحو
ثلثي ساعة أو أقل أو أكثر، فيظهر حينئذٍ إلى المدرسة، فيجدُ الطَّلبة وغيرهم
في انتظاره، فيصلي بهم العصر، ثم يجلس للإقراء، ويكونُ حينئذٍ مَنْ له
تصوُّفٌ قد انتهى، وإن سُبِقَ فيكون بشيءٍ يسيرِ جداً، وهذا هو الباعثُ له
على التَّأخير يسيراً، قصداً لعموم النفع، ومراعاةً لخاطر الطَّلبة.
وفي غضون قراءتهم عليه، وكذا في نوْبَةِ الصَّباح، يكتبُ على ما
يجتمع عنده مِنَ الفتاوى الحديثية والفقهية، وربما دار بينه وبين الطَّلبة الكلام
في بعضها، ولا ينتهي غالباً مِنْ هذه الجلسة إلاَّ عند الغروب، فيدخُل إلى
منزله، فإن لم يكن صائماً تعشَّى، وإلا انتظر الأذان، فيأكل ثم يصلّي،
ويتنفَّل أو يطالع إلى أن يسمع العشاء، فيقوم إلى المدرسة، فيجد جَمْعاً من
الطلبة أيضاً في انتظاره، فيصلّي ركعتين، ثم يجلس للقراءة غالباً، أو
للمذاكرة أكثر مِنْ ساعة، ثم يقومُ فيصلِّي العشاء بالجماعة، ثم يدخلُ إلى
بيته فيصلي سنة العشاء، فإذا كان رمضانُ وظهر أذانُ العشاء، أقيمت الصلاة
بمجرد ظهوره، وتقدَّم الإمام المقرّر التراويح، وهو في مدة طويلة البدر
١٠٥٠

حسن بن عبد الله بن تقي المقرىء صهر الشمس بن الصائغ، القباني بفندق
الموز، الذي ترجمه صاحبُ التَّرجمة في ((الإنباء)»(١)، ثم بعد وفاته - وهي
في شوال سنة أربع وأربعين - نور الدِّين أبو محمد علي بن أحمد السَّمَنُودي
عم(٢) إمام المدرسة الراتب أبي عبد القادر إبراهيم بن محمد بن أحمد
السَّمَنُودي .
وصليت به في بعض الليالي، فصلى العشاء ثمَّ التراويح، فإذا قام
الإمام ليوتر، جلس هو غالباً يسبِحُ إلى أن يفرغ، ثمَّ يدخُلُ إلى بيته، فينام،
ثم يفعل ما ذكرتُه عند تهجّده قريباً.
هذه وظيفته(٣) في أكثر الأوقات. وأمَّا في أيام الدُّروس والولايات،
فيختلُ هذا النّظامُ قليلاً، وكذا في رمضان، فإنَّه يصلّي الصُّبحَ بالمدرسة على
العادة، ثم يدخُلُ إلى منزله أو يمكُثُ في المحراب إلى طُلوع الشّمس،
فيجيء الجماعةُ لسماع الحديث، ويقرأ القارىءُ - وهو الشّيخ برهان
الدين بن خضر - ولم يقرأ بين يديه في هذا المجلس غيرُه إلاَّ سنةً كان فيها
مجاوراً بمكة، فقرأ ابنُ سالم القطعة المسموعة من ((صحيح ابن خزيمة))،
وانتدب الشيخ شمس الدين بن قمر للرّدٌ عليه.
ووقعت ظريفةٌ، وهو أنَّه ردًّ عليه لفظةً بسينٍ مهملة بعد أن قرأها بشينٍ
معجمة، فقال له القارىءُ: فوقها ثلاثُ نقطٍ، كلُّ واحدةٍ بقدر عمامتك! أو
كما قال.
وأمَّا بعد موته، فقرأ برهانُ الدِّين البقاعي سنة واحدةً، قرأ فيها نحو
النّصف مِنْ ((مسند أبي يعلى))، وتوفي شيخنا قبل السنة الثانية، والقراءة تكون
حصةً مِنْ ((صحيح البخاري)) تقع(٤) فيها المباحثةُ، وتنتشرُ الفوائدُ النّفيسةُ بين
الطّلبة، فإذا انتهى منها، شرع في قراءة باقي الحصَّة في شيء مِنْ كتب
(١) ٩ /١٤٦.
(٢) في (ب): ((ثم))، تحريف.
(٣) في (ب، ط): ((طريقته).
(٤) في (ط): (تكون)).
١٠٥١

الحديث، ويقع حينئذٍ الإصغاءُ السَّماع، ولا يتكلّم إلا في النّادر، وإن تكلّم.
أحدٌ، أنصت القارىءُ إن لم يسكت المتكلّمُ، ويكونُ مجموعُ الحصتين أكثر
مِنْ ساعتين، فإذا انتهى المجلسُ قام بإثره غالباً، ودخل إلى منزله ..
فإن كان قاضياً ركب في ثلاثة أيام أو يومين مِنَ الأسبوع إلى مجلس
الحديث بالقلعة بعد صلاة الظهر، ويرجع بعد أذان العصر.
وفي يوم الثلاثاء يركبُ مِنْ بيته عَقِبَ الشمس بساعة إلى الإملاء، فإذا
فرغ، دخل إلى زوجته الحلبية. وكان مسكنُها بالبيبرسية، ثم نقلها بأخَرَة إلى
غيرها، فيقيم عندها إلى أن يحضُر الخانقاه، ثم يرجع إلى بيته قريب الغُروب.
وفي يوم الأربعاء غالباً يحضُرُ أوَّل النَّهار جامع طُولون، ثم يرجعُ إلى
المحمودية، فيقيم بها إلى قريب العصر يطالع ويصنّفُ ويُقْرأ عليه، ثم
يجيء(١) إلى المؤيَّديَّة.
وفي يوم الجمعة - إن كان قاضياً - ركب قبل الأذان بساعةٍ وثلثٍ
ساعةٍ أو أكثر قليلاً فيخطُبُ بالسُّلطان، ثم يرجِعُ إلى بيت الحلبيَّة، لا يصِلُ
إليها غالباً في أكثر مِنْ هذين اليومين، وإن لم يكن قاضياً، فإن كان يتولَّى
الخطابة(٢) بنفسه في جامع عمرو بن العاص رضي الله عنه، توجّه قبل
الوقت بساعتي رَمْلٍ، وإلاّ توجّه لجامع الحاكم بنحوٍ مِنْ ساعةٍ، ويكونُ في
الغالب إذا قصد جامع الحاكم ماشياً ومعهُ مِنَ النَّاس جمعٌ وافرٌ، ثم يركبُ
مِنْ طريقٍ أخرى إلى أهله، وكان المتولي لإعلامه غالباً بدخول وقت تأهُبِهِ
يوم الجمعة الشّيخ شرف الدين بن الخشّاب، خدمةً له.
وفي أيام النيل ينتقل إلى بيته بالقُرب مِنْ جامع المقسِّي عند قنطرة
باب البحر، ويهرع الطلبةُ وغيرهم له إلى هناك مُشاةً وركباناً بحسب
مراتبهم، ولا ينفك عن شهود الصبح والعصر والعشاء في جامع المقسِّي،
ويعتمد في اللّيل على عُكَّازِ.
(١) في (ب، ط). (یرجع)).
(٢) في (أ): «الحكاية»، تحريف.
١٠٥٢

وربما سكن أيام النّيل قريباً مِنْ جامع البشيري، ويتوجه إليه الطلبة
أيضاً هناك. وأسكنَ الحلبيَّة في بعض الأوقات بجوار جامع سارُوجا.
وكانت أوقاتُه كلُّها مشحونةً بالعبادة؛ إمّا بالعلم، أو الصَّلاة، أو
التّلاوة، أو الذكر، كما أسلفناهٍ في أثناء الباب الثّاني.
وقد رأيت الشيخ شمس الدين الصَّفِي ضَبَطَ حين كان يسمع عليه ليلاً
ما قرأ بِهِ في العشاء في أسبوع، ففي يوم السبت: إذا زلزلت والعاديات،
ويوم الأحد: والشمس والليل، ويوم الإثنين: والضحى وألم نشرح، ومرة:
الأعلى والماعون، ويوم الثلاثاء: والسماء والطارق ولئيلاف قريش، ويوم
الأربعاء: التكوير والانفطار، ويوم الخميس ليلة الجمعة: من أول الكهف
إلى ((رشداً)) ((أفحسب الذين كفروا))، إلى آخر السُّورة.
وأمَّا أنا، فسمعته يقرأ في الصبح مرَّةً بالقيامة والبلد، ومرة بالسَّجدة
وهل أتى، وأخرى بالنَّبأ والنازعات، إلى غير ذلك.
قلت: وقد ورد في تعيين النَّظائر التي كان النَّبِيُّ وَّ يقرِن بينها
بالدُّخان والتكوير، وبالذَّاريات والطُّور، وبالنّجم والرَّحمن، وباقتربت
والحاقَّة، وبالواقعة ونون، وبسأل والنَّازعات، وبالمدَّثِّر والمزمِّل، وبلا أقسم
وهل أتى، وبالمرسلات والنبأ، ويعبس والمطفّفين.
وكان يُسدلُ يديه في القيام يسيراً، ثم يجعلهما تحت صدره، وقال
مرة: أنا أقرأ في ركعتين ((مالك»، وفي ركعتين ((ملِك))، وكأنّه يروم بذلك
الجمع بين المذهبين.
[أوصافه الخِلْقِيَّة:]
وأما شيء من أوصافه؛ فكان رحمه الله تعالى ربعةً، أبيض اللَّونِ،
منوَّرَ الصّورة، كثَّ اللحية، حَسَن الشَّيبة، مليحَ الشّكل، صحيح السَّمع
والبصر، ثابت الأسنان نقيَّها، صغير الفم، قويَّ البُنْيَةِ، عالي الهِمَّة، خفيفَ
١٠٥٣

المشْيَةٍ ولو عند إقباله على الملوك ونحوهم، وقيامهم له بمجرد وقوع
بصرهم عليه، فإنَّه لا يزيدُ على المعتاد أيضاً، وربما نقم الأعداءُ عليه ذلك،
ذا رشاقةٍ زائدةٍ، بحيثُ رأيتُه مرَّة توضأُ مِنْ فِسقيَّةِ المنكوتمرية، فما رأيتُ
أرشقَ منه في جلوسه على الحجر واغترافه الماء، وصعدنا في خدمته قُبَيْلَ
وفاته لعيادة الشّيخ يحيى العجيسي بالناصرية، فصار يصعدُ درجتين درجتين،
ویقول: إنّ ذلك أروح له.
هذا مع سكون ووقار وأبهة وثبات، تاركاً لما لا يعنيه، طارحاً
للتكلُّف، كثيرَ الصَّمت إلا لضرورة، شديد الحياء، لا يواجِهُ أحداً بمكرُوهٍ،
مع الصَّدع بالحقّ، وقوَّة النّفس فيه، فاشياً للسَّلام [ما لم يكن تالياً](١)
خفيف الوضوء في تمام؛ سريع عقد النَّّة، بل يعيبُ على مَنْ يتردّد فيها،
وكذا مَنْ يبالغ في إخراجَ الحروف بتقطيع الكلمة، ومَنْ يُكثِرُ صبَّ الماء في
وضوئه، لا يتأنَّقُ في مأكله ومشربه، ولا في آنيته، بل مهما قدم له عياله
مِنْ ذلك رضيَهُ، ولو كان صائماً لا يختصُّ عنهم بمزيدِ أمرٍ لنفسه، ويأكل
العلقة منَ الطَّعام واليسيرِ مِنَ الغذاء، لكنه كان يتقوَّى بالسُّكّر، ويميلُ إلى
قصب السُّكَّر ميلاً قوياً، ويكثر النَّقْل، لا يزالُ بجانبه عُلبةٌ فيها شيءٌ كثير
، بحيث يصعد إليها النَّمل وشبهه.
وسمعته يقول: أنا لا أشبعُ مِنْ أكل ألوان مختلفة، إنَّما أشبعُ مِنْ لونٍ
واحدٍ. ونحو هذا قولُ بعض مَنْ أخذتُ عنه: إنَّما يشبع من انتدم بالبطيخ
والجبن بالمروءة.
وكذا كان لا يتأنَّقُ في الرَّفيع مِنَ الثياب، ومع ذلك فأموره كلُّها بهجةٌ
نيّرةٌ إلى الغاية، قصير الثّياب، حسن العمَّة، ظريف العذبة. وبلغني أنَّه كان
يُرخيها على كتفه قبل القضاء وبعد استقراره في مشيخة البيبرسية، ما رأيته
لبس طيلساناً قطّ سوى مرةٍ واحدةٍ في مرض موته، فما رأيتُ أبهج منه فيه،
وحكى لنا حينئذٍ حكايةً اقتضت منعه للُبسِهِ قدَّمناها في الباب الثاني (٢).
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب)، وفي (ط): «قالياً».
(٢) ١٥٢/١.
١٠٥٤

وفي ظني أنَّه إنَّما تركه لعدم ورُود السُّنَّة به، بل في حديث ضعيف
أورده الطبراني في ترجمة عبد الوارث من ((الأوسط)) عن أبي ذرً، رفعه: ((إذا
اقترب الزَّمان، كثُر لُبْسُ الطَّيَالِسَةِ)). وفي ((البخاري))(١) عن أبي عمران - هو
الجَوْني - قال: نظر أنسٌ رضي الله عنه إلى النَّاس يومَ الجمعة، فرأى طيالِسَةً،
فقال: كأنَّهِمُ السَّاعة يهودُ خيبر، وفي لفظ لابن خُزيمة: أنَّ أنساً رضي الله
عنه قال: ما شبَّهتُ النَّاس اليوم في المسجد وكَثْرَةِ الطَّالِسَة إلا بيهود خيبر.
وهذا ظاهرٌ أن يهود خيبر كانوا يكثرون مِنْ لُبْسِ الطيالسة، وأنَّ غيرهم
مِنَ النَّاس الذين شاهدهم أنسٌ رضي الله عنه كانوا لا يُكثرون منها، فلمَّا
قدِمَ البصرة ورآهمٍ يُكثرُون مِنْ لُبسها، شبَّههم بيهود خيبر، لكن هذا لا يلزَمُ
منه كراهيةُ لبسِ الطَّيالسة. على أنَّه قيل: المراد بالطّالسة: الأكسيةُ، وقيل:
إنَّما أنكر اصفرار لونِها(٢).
وصحَّ مِنْ طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك
رضي الله عنه، عن النبيِّ وَّرَ. قال: ((يتبعُ الدَّجَّال مِنْ يهودِ أصبهان سبعُون
ألفاً عليهم الطَّيالسة))(٣). وهو عند الطبراني في ((الأوسط)) من حديث ربيعة
عن أنس بلفظ ((عليهم السّيجان)»، وهو جمع ساج، وهو الطّلسان.
قال ابن الحاج في («المدخل»: فيكون ذلك تشبُّهاً بهم، وعن بعضهم
أنَّه ريبةٌ بالليل ومذلّةٌ بالثَّهار.
وقال بعضُ العلماء: إنه لا بأس بالطَّلسان لمن يخرُج مِنْ حمَّام أو
مَنْ يعرَقُ في بيتٍ أو خَلْوةٍ ثمَّ يُريدُ الخروج، ويخاف على نفسه مِنْ ضرر
الهواء. وكأنه أخذه مِنْ قول مالك: إنَّه لا بأس بالتَّقنُع مِنْ حرِّ أو بردٍ.
قلت: وقد حكى ابنُ عبدِ البرِّ أنَّ أوَّل مَنْ لِسَ الطَّيلسان بالمدينة
(١) برقم ٤٢٠٩.
(٢) من قوله: ((وفي لفظ لابن خزيمة)) إلى هنا، نقله المصنف بتصرف من كلام شيخه في
((فتح الباري)) ٧ / ٤٧٥ - ٤٧٦.
(٣) أخرجه مسلم برقم ٢٩٤٤ في الفتن، باب في بقية من أحاديث الدجال.
١٠٥٥

جُبَيْرُ بن مُطْعِمِ الصَّحابي، وصار شعاراً لقضاة الإسلام وعلماء الأنام، حتَّى
ذكر (١) التاج السُبكي أنَّه قال: لأبيه النَّقيِّ رحمهما الله: أراك أيام المواكب
السُّلطانية تَلبَسُ الطَّيلسان مواظباً عليه، مع كونك تقعد للحکم بثياب ما
تساوي عشرين درهماً. فقال: إنَّ هذا صار شعارَ الشَّافعية، ولا أريدُ أن
يُنسى، وأنا فما أنا مخلَّدٌ، سيجيىء غيري ويلبسُه، فما أحدث عليه عادةً في
تبطیله. انتهى.
وكيفيته - فيما صرَّح به بعضُ العلماء - أن يجعله على رأسه ويدير
طَرَفَهُ على منكِبِهِ الأيسر، فيصير طرفُه الأول مرخَى على صدره من جهته
اليسرى والطّرف الآخرُ على منكبه الأيسر مِنْ وراءِ ظهره. قال: وما يُفْعَلُ
الآن مِنْ إدارته حول العُنُقِ، فبدعة. كذا قال.
ولأبي الحسن علي بن جابر بن عليٍّ الهاشمي:
قِد ارتَدَوا برداءِ الكِبْرِ والحُمُقِ
قومٌ لهم سيرةٌ سارت بجهلِهِمُ
وخفّت رؤوسُهم أو خفَّ عَقلُهُمُ لولا طيالِسَهم طارتٍ مِنَ العُثُقِ
وكان شيخنا رحمه الله يقول: إن الطّوق الذي يفعله المباشرون
ونحوُهم نافعٌ جداً. قال: ولو كان يُمكِنُني فعله، ما تخلَّفت عنه ..
قلت: لا سيما وبعضهم فسَّرَّ قوله: ((كلابِسٍ ثوبي زُورٍ)) بمن يجعل
في كُمِّه كمًَّ آخر، يُوهِمُ أنَّ الثّوبَ ثوبان، فإن الطّوق نحوه.
لكن كان ربَّما جعل بَدَلَهُ في بعض الأحيان منديلاً لطيفاً يديرُه على
رقبته . .
وكذا كان لا يتأنَّقُ في ألفاظه، بل يعيبُ على مَنْ يتقعَّرُ في كلامه.
قال مرّة لمن تكلّم معه وأمعن في ذلك: تكلّم معي بالكلام المتعارَفِ، ولا
تُقَعِر .
(١) ((ذكر)» ساقطة من (أ).
١٠٥٦

وكذا كان الحسنُ بن أبي عبَّاد (١) - وهو إمام النحو في قُطْرِ اليمن في
زمنه - إذا تكلّم بين العامَّة لا يتكلَّفُ الإعراب، بحيثُ إذا سمعه مَنْ لا
يعرِفُه مِنَ الفُقهاء يقول: ما عَرَفَ هذا مِنَ النَّحو شيئاً، فعاتبه بعضُ أصحابه
في ذلك، فقال:
ولا أنا مِنْ خطأ الْحَنُ
لعمرُك ما اللَّخنُ مِنْ شيمتي
فخاطبتُ كلَأَّ بما يُخْسِنُ
ولكن عَرَفْتُ لغاتَ الرِّجالِ(٢)
ولأبي الطَّاهر محمد بن محمد بن محمد بن بنات الأنباري الكاتب:
ما بين ممقوت ومُغتَّاب
إن شِئتَ أن تُضيِحَ بين الورى
وخاطِبِ القَوْمَ بإعرابِ
فكُنْ عَبُوساً حين تلقاهُمُ
قلت: والمتعاني ذلك في مخاطباته مِنْ أكثر مَنْ رأيناه يكثُر خطأه.
وقد قال عمَّار بن عبد الجبار: سمعتُ أبا عصمة - يعني نُوحَ بنَ يزيد
الملقَّب بالجامع - يقول: ما أقبح اللَّحنَ مِنَ مُتَقَعْرٍ. انتهى.
وكان رحمه الله ذا بصرٍ جيّدٍ في تفصيل الثّياب ونحوها، خبيراً بأمر
دُنياه وآخرته، حتى كان قليلَ الرَّغبة في العمارة، بل وفي شراء العقار غالباً،
وربما لام ولده على المبالغة في إنشاء الأماكن، ويقول له: إن كان ولا بدَّ،
فالشِّراء، فيعتذِرُ له عَنْ عدم [وجدانه الثمن](٣) دفعة واحدةً.
وسمعته غيرَ مرةٍ يقول: كلُّ مَنْ رأيناه مِنْ أعيان النُّجَّار وعظمائهم
كانوا يُسَفِّهُون مَنْ يبني داراً أو يشتري عقاراً، إلاَّ أن يكون بثمن بخس جداً
بالنّسبة لما صُرِفَ فيهِ، فإنَّ الدَّار التي تُساوي ألف دينار تُكرَىّ غالباً بنحو
الأربعين ديناراً، وإذا أُدِيرَ هذا القدر في يد التَّاجر تزيد على أضعافِ ذلك،
(١) في (أ): ((عياد)) بالياء المثناة، تحريف. وهو الحسن بن إسحاق، أبو محمد اليمني،
وأبو عباد كنية أبيه. بغية الوعاة ١/ ٥٠٠.
(٢) في («بغية الوعاة)»: ولكنني قد عرفت الأنام.
(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ب).
١٠٥٧

وأرى أنَّ امتحان مَنْ يمتحن منهم بذلك سببُه عدمُ إخراج الزَّكاة.
وسئل رحمه الله مرَّة: ماذا يكتب على حمله؛ ليتميز عن غيره على
جاري العادة، فأجابه بديهة: (حم. عسق)، وأشار إلى أن حروفها مِنْ
حروف اسمه ونسبه.
وكان يحتال في المواطن التي يُؤخَذُ فيها المكس على الذَّهب ـ
كإسكندرية - بأن يأمرَ بجعله في وعاءِ سَمْنٍ أو عسل أو نحو ذلك قبل وضع
شيء فيه، ثم يختِمُ عليه بما يكونُ حائلاً بينه وبين ما يُوضَعُ فيه، ثم يملؤه
بما يكون مناسباً للظّرف، فلا يتفطّن لذلك.
وكان رحمه الله قليل الدُّخُول إلى الحمام، وإذا دخل تَنَوَّر، ولا يُطيلُ
المُكْثَ بها، ويكون في خلوة غاية ما يكون مِنَ التَّستُّرِ، بل يكونُ بالمِثْزَّر
في حال اغتساله، وأظنُّه كان يغتسِلُ عند الحلبية في البيت.
وكان رحمه الله غالب الأوقات يجيئه الحلاّقُ - وليس بمعيَّنٍ - إلى
بيته، أو إلى المدرسة المحمودية. ودخل مرَّةً حماماً بعيدةً عن منزله، فجاءه
البلّنُ الذي في حمَّامه المعتاد، فتلطّف في رَدِّه، وقال: أنتَ تختصُّ
بحمَّامِكَ، وجماعةُ هذا المكان يختصُّون به، فلا تزاحمهم ولا يزاحموك ..
وسمعته يحكي أنَّ الحلاَّق القليل الدُّزبَة يُتعبِني مِنْ أجل كثرة إدارته
لرأسي، ولو دار هو، لكان أسهل.
وكان هو رحمه الله يتولى قصَّ شاربه وأظفاره ونحو ذلك بنفسه، وله
بكلٌ هذا خبرةٌ.
وكان رحمه الله في الغالب هو الذي يتولَّى صبَّ الماء على نفسه في
الوضوء، وكذا في حمل الإبريق إلى الطّهارة، لا سيَّما في اللّيل، مع أنّ
عنده الكثير ممِّن يكفيه المؤنة في هذا كلِّه.
وكان رحمه الله يهيّىء سَحُوره مِنَ العِشاء.
فهذه نُبْذَةٌ ممَّا شاهدته مِنْ أحواله، وعلمتُه من شريفِ خصاله، وهي
كما قيل:
أخفُّ على رُوح وأطيبُ مِنْ نَدَىْ وأقصرُ في سَمْعِ الجَلِيسِ وأَطْولاً
١٠٥٨

تخالُ به بُرْدَاً عَلَيْكَ محبّراً فتحسَبُه عِقْدَاً لَدَيْكَ مُفَصَّلاً
وبالجملة، فما أعلمُ أنَّ عيني وقعت على أحسنَ مِنْ شمائله، ولا
أضوأ منه، ولا أكثرَ هيبةً، ولا أحسنَ عِشْرَةً، ولا أرى واحداً في النّاس
يُشبهُهُ، ولا أحاشي مِنَ الأقوام من أحدٍ، واللْسانُ والبنان قاصران عن بثّ
وصفه الأسنى، وشمائله الحُسنى.
سَلْ عنه وانطق به وانظُر إليه تَجِدْ
· مِلء المسامِعِ والأقَواهِ والمُقَلِ
حسنك لا تنقضِي عَجَائِبُهُ
فالبَحْرُ(١) حدِّث عنه بلا حَرَجٍ
ولم يخلُف بعد مثله شرقاً ولا غرباً، وما أحقَّه بقولٍ مَنْ سَبَقَ:
حَلَفَ الزَّمان ليأتِيَنَّ بمثلِه حَنَثَتْ يمينُك يا زَمَانُ فَكَفْرٍ
وقول غيره:
عَقِمَ النِّسَاءُ فلا يَلذنَ شَبِيهَهُ إِنَّ الزَّمان بمِثْله لّعَقِيمُ
وَلَدَ النِّساءُ وما لهُنَّ قوابِلُ
لو طابَ مَوْلُودٌ لحيٍّ مثلِهِ
وقولِ الآخر :
بَيْعَ الهَوَانِ رَبِحْتَ أم لم ترَبْحٍ
يا دهرُ بِغْ رُتَبَ العُلا مِنْ بَعْدِهِ(٢)
مات الَّذي قد كنت منه تَسْتَحي
قَدِّمْ وأخّر مَنْ أردتَ مِنَ الورَىّ
وليس يعدُو النَّاظرُ في كتابي هذا أحد رجلين: إمَّا عارفٌ به ومخالطٌ
له، فيقول: هذا مُقَصِّرٌ في مقالته، وربما يقول:
وما علّمتني غير ما القلب عالمُه
(١) في (ح): ((كالبحر)).
(٢) في (ط): ((الرياسة بعده))، وكتب تحتها: ((في العلا ن))، إشارة إلى نسخة أخرى.
١٠٥٩

وقد يخالِفُ رأيُه رأيي في بعض ما أثبتُّه، لكونه لم يقِفْ على السَّبب
الذي لأجله أوردته(١).
وإما جاهل به أو حاسد، فيقولُ: هذه مبالغةٌ، بل ربَّما تكلّف الردّ
بعضه، والأعمالُ بالنِّيَّات.
ولعمري قد فاتني مِمَّا لم أستحضِرْهُ حالة الكتابة أكثرُ ممَّا أثبتُ، وكذا :
تعمدتُ تركَ أشياء لا يحتَمِلُها مَنْ لم يرَهُ، وما أحقّ المنكر بقول القائل:
عِينُ الرِّضا لاسْتَحْسَنُوا ما اسْتَقْبَحُوا .
نَظِرُوا بعينٍ عَدَاوَةِ وَلَّوَ أنَّها
غَلَّسْتُ في طَلَبِ العُلا وتَصَبَّجُوا
يُولُونَني شرّرَ العُيونِ لأَنَّني
وقول الآخر:
ولا بَغْضَ ما فيه إذا كنتَ راضيا
ولست براءٍ عَیْب ذي الوُدُ كُلُه
كما أن عَيْنَ السُّخْطِ تبدي المساوِیًا
وعينُ الرُّضا عن كل عيب كليلةٌ
وقولِ بعضهم :
ورُبَّ عَيَّابِ لَه مَنْظَرٌ مشتمل الثّوبِ عِلى الْعَيْبِ
وأحلِفُ بالله: إنَّه لِفَوْقَ ما وصفتُه، وإنِّي لناطقٌ بهذا، والظّنُّ أنني ما
أنصفتُه، وأنَّ الغبيَّ سيظنُّ بي أمراً ما تصوَّرتُه.
دَعِ الجَهُولَ يَظنُّ العَدْلَ عِدُوانا
وما عليَّ إذا ما قلتُ مُعْتَقَدِي
أقامَهُ حُجَّةً لله بُرِهانَا
واللَّهِ واللَّهِ العظيمِ ومَنْ
ما زدتُ إلاَّ لَعلْي زدتُ نُقْصَانا
إنَّ الذي قُلْتُ بعضٌ مِنْ مناقِبِهِ
غیرہ :
عِلْمِي لَّقَدْ خَلَّفْتُ فيه مَعَانِي
إنّي وإنْ أوردتُ مُعنِىّ حازَهُ
(١) في (ب، ط): ((أثبته)).
١٠٦٠