Indexed OCR Text

Pages 981-1000

الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال: أبو بكر رضي الله عنه: وما هو؟ قال: كنتُ
تكهُّنْتُ لإنسانٍ في الجاهلية، وما أَحْسِنُ الكهانة، إلا أنّي خدعتُه، فلقِيني
فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر رضي الله عنه يده،
فقاء كلَّ شيء في بطه .
ووقع لأبي بكر رضي الله عنه مع النُّعَيْمان بن عمرو الصحابي
المشهور ذلك أيضاً؛ قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن
محمد بن سيرين، قال(١): إنَّ ناساً مِنْ أصحاب رسول الله مَّ نزلوا بنا،
فكان النُّعَيْمان بنُ عمرو يقول لأهل الماء يكونُ كذا وكذا، فيأتونه (٢) باللَّبن
والطّعام، فيرسِلُه إلى أصحابه، فبلغ أبا بكرٍ رضي الله عنه خبرُه، فقال:
أراني آكُلُ مِنْ كِهَانَةِ النُّعيمان منذُ اليوم، فاستقاء ما في بطنه .
وفي (الورع)) لأحمد عن إسماعيل، عن أيُّوب، عن ابن سيرين، قال:
لم أعلم (٣) أحداً استقاء مِنْ طعام غيرَ أبي بكر رضي الله عنه، فإنّه أُتي
بطعام فأكل، ثمَّ قيل له: جاء به النُّعَيْمان. قال: فأطعمتموني(٤) كهانة
النُّعَيْمان؟ ثمّ استقاءَ. ورجاله ثقاتٌ، لكنه مرسل.
وفي ((الأطعمة)) لعثمان الدارمي مِنْ حديث مرَّة الطَّيب، عن زيد بن
أرقم، قال: كنا قعوداً عند أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، إذ أتاه غلامٌ له
بطعام، فأهوى إلى لُقمة فأكلها، فقال له الغلام: يا أبا بكر، كنتَ تسألُني
كلَّ يومٍ: مِنْ أينَ جئتَ به، ومِنْ أين اكتسبته، وإنك لم تَسْألني اليوم. قال:
ويحكَ، ما حملني عليه إلاَّ الجُوعُ، ومِنْ أينَ اكتسبته؟ قال: كنتُ رقيتُ
لقوم في الجاهلية، فوعدوني عليه عِدَةً، وإني درت اليومَ، فلم أُصِبْ شيئاً،
فمرَّرْتُ بهم وعندهم وليمةٌ لهم، فقلت لهم: عِدَتي الَّتي وعدتُموني في
(١) ساقطة من (ب، ط).
(٢) في (ب): «فيأتون)».
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) في (ب): ((فأطعموني))، خطأ.
٩٨١

الجاهلية، فأطعموني(١) هذا الطعام، فقال: ويحك، ألا أراكَ أطعمتني مما
حرَّم الله ورسوله؟ ثمَّ أدخِلَ أَصبعه في فيه، ثم تقايا، فرمى بها، فقال له
جُلساؤه: يا أبا بكر، ما بلغ الله بهذه اللُّقمة؟ قال: سمعتُ رسول الله اله
يقول: «أَيُّما لحم نبتَ مِنْ حرامٍ، فالنَّارُ أولى به)).
وإنما اقتصر شيخنا على ذكر السيد أبي بكر الصديق في ذلك لشهرته،
وإلا فالسَّيِّدُ عمرُ أيضاً وقع له مثلُ ذلك. روى مالكٌ في ((الموطأ)) عن
زيد بن أسلم أنه قال: شربّ عمرُ بنُ الخطّاب رضي الله عنه لبناً فأعجبه،
فسأل الذي سقاه: مِنْ أيْنَ هذا اللَّبنُ، فأخبره أنَّه ورد على ماءٍ قَد سمَّاه،
وإذا نَعَمْ من نَعَمْ الصَّدقةِ وهم يسقُون، فحلبوا لي مِنْ ألبانها، فجعلتُه في
سقائي، فهو هذا، فأدخل عمرُ يده في فيه، فاستقاءه.
بل اتفق لهما معاً - أعني أبا بكر وعمر - وهما في غزوة ذاتِ السَّلاسل
أنَّ عوفاً مرَّ بقوم وهم على جزور، قد نحروها وهم لا يقدِرُون على أنّ
يفصِلُوها، وكان امرؤٌ جازِرَاً، فقال لهم: تعطُوني منها عشيراً على أن أقسِمَها
بينكم، فقالوا: نعم، فأخْذ الشَّفرتين، وجزّأها مكانه، وأخذَ جزءه، فحمله
إلى أصحابه فأكلوا، وقال الشَّيخان له: أنَّى لك هذا اللَّحمُ يا عوفُ،
فأخبرهما، فقالا: لا والله ما أحسنتَ حينَ أطعمتنا هذا، ثم قاما يتقيآن ما في
بطُونهما منه، فلما رجعُوا مِنْ ذلك السَّفَرِ، كان عوفٌ أوَّلَ قادم، فسلّم عليه،
فقال له النبي : ((عوف بن مالك))؟ فقلت: نعم بأبي أنت وأمي، فقال:
((صاحبُ الجزور))؟ لم يزده على ذلك شيئاً. وحاصِلُه أنه وَلّر أخبره بذلك قبل
أن يخبره عوفٌ به، وكذا أورد البيهقي القصَّة في ((الدلائل)). انتهى.
ورأيته يوماً في بعض إراحاته مِنَ القضاء، وقد وُضِعَ على خُوانه
صحنُ عِنَبِ، فأخذ عنبةً منها، وهمَّ بوضعها في فيه، ثمَّ بدا له، فاستدعى
ببعضٍ الفتيان، فسأله: مِنْ أينَ هذا العنبُ؟ فقال: مِنْ جهة كذا، فتغيظ
وقال: أنا ما قلتُ لك لا تحضِرْ لي شيئاً مِنْ هذا؟
(١) في (أ): ((فأعطوني))، والمثبت من خط المصنف في هامش (ب، ح).
٩٨٢

وكان لا يتناول مما يُهدى لبيته شيئاً، بل ما كنت أظنُّ به الاطلاع
على شيءٍ مِنْ ذلك، وطالما كان يُرسل مَنْ يشتري له مِنَ السُّوق ما لعلّه
يكونُ عندَ أهله.
ونحو ذلك أنَّه كان إذا اضطر إلى الحضور في الولائم والمهمَّات
ونحوها ممَّا الغالب على أربابها عدمُ الثَّوقِّي، يُوهِم أنَّه يأكل، بل ربما
أعطى هذا وهذا ممَّن يكونُ جالساً على السِّماط مِنَ الأتباع ونحوهِم مما بين
يديه على الطّريقة المألوفة في ذلك، بحيثُ يُسَرُّ صاحبُ المهِمِّ غالباً، ولا
يدخل في جوفه مِنْ ذلك شيئاً ألبتة.
ولقد قرأتُ بخطُ بعضِ الأعيان مِنَ الحلبيين - كما تقدَّم في الباب
الثاني(١) - أنه لمَّا كانَ بحلب صُحْبَةَ السُّلطان كان له راتِبُ لحم يُؤتى إليه به
كلَّ يوم، قال: فكان لا يأكله، بل(٢) يشتري له غيره.
وَكان يتعفَّف - فيما بلغني - عن تعاطي معلوم الخطابة بالقلعة أيَّامَ
قضائه، وهو أربعمائة درهم في كلُ شهرٍ، لضَعْفِ الوقف، وراموا إجراءَ
السَّفطِيِّ على ذلك، فلم يوافق، بل قال: هذا المعلومُ لكوني أُباشِرُ الوظيفةَ
بنفسي أجعله مما أتقوَّتُه.
وكذا كان ما يصِلُه مِنَ الضَّحايا وشِبْهها يوزّعُ ما لا يرتضيه منها
لجماعته، فما يكونُ مِنْ جهةِ الصَّاحب كريم الدين كاتب المناخات لأمّ
أولاده، وما يكونُ مِنْ جهة الزَّيني الاستادار لولده، وما يكون مِنْ جهة
السُّلطان - وكان الظَّاهِرُ يخصُّه بإرسال قَدْرِ زائد عَنْ رفقته - يفرِقه أجزاءً،
إلى غير ذلك ممَّا يحرِصُ على عدم تعاطي أكلٍ شيءٍ منه. نعم، بلغني أنَّه
كان يأكل مما يرسل به إليه أميرُ المؤمنين في رمضان.
ولم يزل يتَّجِر إلى أن مات، وضاع له الكثير مع وكلائه، كالشّمس
الزَّركشي، حسبما أشرتُ لقصته معه في الباب الثالث، وكالفقيه محب
الدِّين بن الحمصاني السُّكَّري الذي كان يؤدِّبُ الأطفال بالمسجد المجاور
(١) ٣٢٢/١.
(٢) في (ط): ((وكان)).
٩٨٣

للمدرسة الشريفيَّة البهائية، فإنَّه دفع له مالاً كبيراً، لكونه كان ماهراً في طبخ
السُّكَّر، فأفسده عَنْ آخره، وهدَّده صاحبُ التَّرجمة بإحضارِ الوالي إليه ونحو
ذلك؛ لتوهُّمه أنه أخفى المالَ، ومع ذلك، فما أفاد، فأعرض عنه، وسافرَ
المذكورُ إلى بلاد اليمن، فقيل: إنه أظهر تموُّلَه هناك ..
وجيء له بشخص ممَّن أخذ له مالاً، وقد أمر بعضَ القُضاة حينَ
ادَّعى عليه وكيلُه بسجنه بسببه، فأشار لبعض مَنْ كان بين يديه إشارةً خفيَّة
أَن يَشَفَعَ فيه، ففعل الرَّجُلُ، فأجابه لذلك، وأمر بإطلاقه، فقيل له: فلِمَ
أمرت بشكواه؟ فقال: إنني قد شربتُ ماءَ زمزم أنَّ الله يصرِفُ عنّي حُبَّ
المالِ، ولكني أخشى أن يطمع النَّاسُ في مالي، فيكونُ ذلك إضاعةً للمال.
ونحوه إظهارُ التَّحريض على كاتب الغيبة في الخانقاه البيبرسية،
للخوف مِنْ طمَعِهم في التَّمادي على عدم الحضور، وإلا فقد كان يقولُ له
سرّاً: إذا رأيت شخصاً بالبياطرة أو نحوها من الجهة الأخرى قاصداً: المجيء
ليحضر وسبق، فلا تكتب عليه غيبة. وأين هذا ممن يأمر عند فراغه من
القراءة أو قُبيلها بقفل باب المدرسة، بحيث مَنْ يجيء مِنَ الصُّوفية حينئذٍ لا
يتمكَّن مِنَ الدخول، وتكتب عليه الغيبة. وممِّن كان وكيله في ذلك فخرُ
الدِّين بن دويم الآتي ذكرُه في وصيّته مِنَ الباب التاسع. وزعم أنَّه كان يقول
له: أنت الفجرُ الصَّادق، وفلانٌ - ويعيْنُ بعضَ نُوَّابِه - الفجرُ الكاذب. وما
أظنُّه - إن صحَّ وصفُه للأولِ بذلك - كان يريد إلاّ التَّفاؤل به، وإلا فقد
رأيت بعضَ معتّبَرِي أهلِ مكّة دوَّن عنه حكايةً عزاها لصاحبِ التّرجمةِ لا
شكَّ عندي في اختلاقه لها، أو اختلاقه لعزوها إليه (١)، إن كانت الحكايةُ
قديمة، عفا الله عنهما وإيا
إيانا .
وقد راج أمرُ الفخرِ المذكور في دُنياه وأثرى، ببركة موكله، جرياً على
عادَةِ مَنْ ينتمي إليه، بحيث كان الكثير منهم يعتَرِفُ بذلك، فحكى لي
التاجرُ بدرُ الدِّين حسن بن علي المرجُوشي جارُنا، وكان مِنَ الخيار الثِّقات،
سمِعَ الحديثَ على صاحبِ التَّرجمة، قال: ألزمني الأميرُ جمال الدين
(١) ساقطة من (ب).
٩٨٤

الأستادار أخذَ صِنْفٍ مِنَ القماش كان قد كَسَدَ عندَ صاحِبِ التّرجمة، وأن
يُنْظِرَني في ثمنه إلى وقتٍ كذا. قال: ففعلتُ ذلك مع شدَّة كراهيتي فيه،
لكنه لم يسعني المخالفة، فلما استقرَّ القماشُ عندي، وكان من شعار الحريم
السُّلطاني وشِبْهِهِنَّ في الأفراح ونحوها، طرأ لهن ما يقتضي طلبه، فما
مضت أيام قلائلُ حتَّى بِعْتُ ذلك القماشَ قبلَ حُلول الأجلِ بأكرم ربح،
فَعَدَدتُ ذلك مِنْ بركته.
وكانت - كما بلغني - وظائِفُه التي يباشرها يتحرَّى منها ما كان أقرب
إلى الحِلُ مع مُرَتَّبه في الجوالي، وهو في كلٌ يوم مائةُ درهم، بل زيد في
بعض عزلاته الأخيرة، وصار ديناراً أو مثقالاً، فيبدأ بالأكل منه، وكذا
التَّصَدُّق، ثم يليه اللُّبس، ثم كذا، إلى آخر ضَرْوراته، ويميِّزُ المعاليمَ بعضها
مِنْ بعضٍ بالإشارة بنُقْطةٍ أو نقطتين ونحو ذلك.
وقد رأيتُه يُعطي خادِمَه الشيخ شمس الدين بن قُريش ما يشتري له به
شيئاً مِنَ المأكول، ويُوصيه أن لا يكلّفَ البائعَ لأكثرَ ممَّا يعطيه باختياره،
وقس على ذلك في أموره كلِّها، لا سيَّما نقلُ العِلْم وروايته، فكان غايةً في
التَّحريِّ في ذلك، يدلُّك على هذا أنَّ النجم المُرَجاني ذكر له أنَّ الجمالَ
إبراهيم بن محمد الأميوطي كان حاضراً ختم ((الصحيح)) عند النشاوري، إذ
قُرِىءَ عليه، وأنَّه أجازَ للحاضرين. قال: فلم تَطِبْ نفسي مِنْ أجل الشَّكُ
في حضوري يومَ الخَتْم الذي حضر فيه الأميوطي أن أُخرّج عنه، وإن غلب
على الظَّنِّ حُصولُ الإجازة لي منه.
ومن ذلك أنَّ الشيخ مدين رحمه الله حضر عندَ شيخِنا في خِتان
حفيده، فسأله عن حديث (حسِّنوا نوافلكم، فإنَّ بها تكمُل فرائِضَكم))، فقال
شيخنا: لا أستحضره، فقال له الشّيخُ: إنَّه قد عزاه الفاكهاني لابن عبد البر
في بعض تصانيفه، فقال شيخنا: يمكن، ولكن لا أعرفه الآن.
قلت: وللدَّيلمي في حديث عبد الله بن يرفا اللَّيثي عن أبيه، عن
جده، رفعه: «النَّافلة هديَّةُ المؤمن إلى ربِّه، فليُحسِنْ أحدُكم هديَّته
وليطيّبْهَا)).
٩٨٥

وسأله بعض الحنفيَّة عن عِدَّة مَنْ لقي أبو حنيفة رحمه الله مِنَ
الصَّحابة رضي الله عنهم، فقال: أنسٌ فقط، قال السَّائل: فقلت له: إِنَّ
علماءنا بلغوا بهم سبعةً أو أربعةَ عشر، فقال: مَنْ يقدِرُ ينازِعُكم وأنتم
أصحابُ السَّيف والرُّمح والخُوذة؟! والذي أعرفه ما قلتُه لك.
واتفق أنَّ الفاضل عزَّ الدين عبد العزيز بن محمد الوفائي الميقاتِي شَهِدَ
عندَه في هلالِ رمضان، فقال له: أعن رؤيةٍ أم عَنْ حسابٍ؟ فقال: عَنْ
رؤية، فأمضى شهادته.
والتمس منه الشَّيخ محمد بن صالح الصَّالح الشهير الحضورَ في عَقْدِ
ابنته، وكانَ في رمضان سنة وفاته، والمتولي للقضاء إذ ذاك كان غيره، وعُدَّ
ذلك في عليّ مقامه، فلما حضر: قال: من يعقد، فقيل له: أبوها، فتوقّف
في ذلك ورعاً واحتياطاً، لكونه شِبْهَ المجذوبِ، فقال بعض مَنْ حضر مِنَ
العلماء: بل هو عاقل، فقال للقائل: إن كان عاقلاً، فأنتَ العاقِدُ.
:
ومن ورعه أنه كان يضم قُلامَةَ الأقلام، ثمَّ يجعلُها في بَطْنِ دواته إلى
أن تُرمى، لكونه يكتُب بها الحديثَ والعلمَ، ويقول على سبيل المماجنة:
مَنْ دَسَ عليها دخل السجنَ!
ومن هنا يُعلم بطلان ما بلغني أنه نُسب إليه في الكتب، وكيف يليق
أن يَقُوه مَنْ له أدنى مُسكةٌ بشيءٍ مِنْ ذلك، وقد روينا في جزء من حديث
أبي رفاعة عمارة بن وثيمة، أنَّه قال: قال لي أبو الربيع سليمان بن أبي
طيبة: نهانا أشهبُ عَنْ تخطي الكتب التي فيها حديثُ رسول الله ﴾﴾.
وكذا من ورعه ووفور ديانته أنه أفرز قبل موته ما عنده مِنْ كتب
الأوقاف التي لها مقرَّةٌ، وكذا ما لا مقرَّةً لها، وأشار بعَوْدِ كل ذي مقرِّ إلى
موضعه، وما عدا ذلك، فيُقْسَمُ بين طلبته، فما وفَوْا له بذلك، وهذا أوَّلُ
شيءٍ أساؤوا التَّصَرُّفَ فيه بعد وفاته، لكنه رحمه الله اجتهد في عَوْدِها بعد
مماته بحسب الإمكان. وكان يرى أن بقاءها عنده غيرُ ممتنع؛ لانتفاعه
والمسلمين بها، بل كثيراً ما كان يعيرها لمن يلتمسها منه. ولقد قال الظاهر
جقمق: والله إنه كان جديراً بإبقاء كتب الأوقاف عنده، وأنا ممَّنِ استعارَ مِنِّي
٩٨٦

مِنْ كتبٍ الخانقاه إذا كنت ناظراً عليها، أو كما قال.
ومن تحرِّيه أنه أملى في تخريج ((الأذكار)) الحديث المسلسل بالمحبة،
فالتمس منه الجماعة إيصال(١) التسلسل بقوله، فتوقف حتى أدار نظره إليهم،
ثم قال بعد أن سكت سكتة: والله إني أحبكم، فقولوا، ثمَّ قال لهم بعد
ذلك ممَّا كتبوه عنه في أصل المجلس ما نصه: ومِنْ لطيف ما وقع في هذه
السلسلة: ما حدَّثنا شيخُنا إمامُ الحفاظ أبو الفضل بنُ الحسين رحمه الله،
قال: سمعنا هذا الحديث على الشّيخ فخر الدين النُّوَيْري، وكان غايةً في
الورع، فلمَّا وصَلَتِ السِّلسِلَةُ إليه، سألناه أن يقول لنا، فسكت، فأعدنا،
فقال: ما أعرِفُكم، فتعرَّفنا إليه، إلى أن قال. رحمهم الله تعالى.
وأما ضبط لسانه:
فأمرّ لا يُوصَفُ، لكن عنوانه أنَّ بعض الحُسَّادِ زَعَمَ أنه تعقّب عليه في
تصنيفٍ جمعه ما وقع في ((معجم)) صاحب الترجمة، وبالغ في ذكر ألفاظ لا
يقابله عليها إلا الذي أنطقه بها، واطّلعَ صاحبُ الترجمة على ذلك، فكتب
عليه ما نصُه: لا شكوى إلا إلى الله، ولا حولَ ولا قوة إلا بالله،
وحسبنا الله. اشتمل هذا التّصنيفُ على نِسْبَةِ مصنّفِ الأصل إلى أشياءَ نسبة
المعترض عليه إليها (٢) لا تجتَمِعَ في آدميِّ فيما يغلِبُ عَلى الظَّنُ، فللَّهِ
الأمرُ.
قلت: ثم سردها شيخُنا بخطّه، وهي نحوُ خمسين صفة خارجة عَنِ
السَّبِّ والدعاء عليه، وكذا سبّ ولده والدُّعاء عليه مما لا أستبيحُ ذكرَه،
ومع ذلك فلم يَزِدْ على قوله: الحمدُ لله على كل حال، والله المستعان.
حصل الجوابُ بعونِ الله تعالى عَنْ جميع ما ذكر فيه مِنَ الاعتراضاتِ مِنْ
غير تعرُّض للفظةٍ فاحشةٍ، ولا كلمة سوءٍ، ولا تشاغُلِ بردِّها، بل الأمرُ فيها
موكولٌ إلَى مَنْ يجازي المُسيءَ، ولا يضيعُ أجرَ مَنْ أحْسنَ عملاً. انتهى.
(١) في (ب، ط): ((فالتمسوا منه إيصال ... )).
(٢) في (أ): ((إليه).
٩٨٧

فتضمنت هذه الحكايةُ ضبطه للسانه، وأنّه إليه النهاية في الحلم
والاحتمالِ والتحرُّزِ مِنَ الدُّعاء على مَنْ ظلمه، عملاً بقوله وََّ: ((مَنْ دعَا
على مَنْ ظلمه، فقد انتصَر))، مع أنَّه ممَّن لا أشكُّ في إجابة دعوته، لا
سيما وقد أخبرني بعضُ الثّقات من طلبة (١) شيخنا أنَّه سمع الشَّيخَ الصالح
العارف أبا الفتح محمد بن أحمد الفُؤْي حينَ التمس منه في (٢) بعض
الحوادثِ التي جرت لصاحبِ التَّرجمة التوجُّهَ إلى الله تعالى في مَنْ يعتَمِدُ
أذيَّته والتَّشويش عليه بقوله: والله لو توجّه هو فيهم إلى الله تعالى في ليلة،
لكُفِي أمرهم، لأنَّ عَلَمَ الولاية على رأسه. انتهى.
وذكر لي أبو المواهب المغربي، الشهير بابن زغدان، قال: سمعت
قائلاً يقول في المنام: إذا كانت لك إلى الله حاجة، فتوسل بابن حجر ثلاث
مرات، فإن الله يقضي حاجتك(٣).
وحكى لي الشيخ بهاء الدين بن حرمي، أحدُ جماعة صاحب
الترجمة، قال: كنت إذا عرض لي أمر، أذكره له، رجاءً بركتِه والتماس
مساعدته، فلمّا مات، عَرَضَ لي عارضٌ، فجئتُ الشَّيخَ شهابَ الدِّينِ
الأبشيطي العالمَ الصَّالح، فذكرتُ له ذلك، فقال لي: توجّه إلى الله
بشيخك، وأشار إلى صاحب الترجمة، يقضي الله حاجتك، وذكر له كيفيَّة
ما يفعلُ(٤).
وحكى لي صاحبنا الشيخ فخر الدين عثمان الديمي الأزهري عن بعض
الثقات أنه سمع الكمال المجذوب يقول: إنَّ صاحب الترجمة ما مات حتى تقطّب.
(١) في (أ): ((طبقة)).
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) غنيٌّ عن القول أنه لا يجوز التوسل بأحد من مخلوقات الله في طلب قضاء الحاجات
أو التماس إجابة الدعاء، فندعوه سبحانه من دون واسطة ولا وسيلة.
وقائل هذه العبارة - ابن زغدان - هو محمد بن أحمد بن داود بن سلامة، من أرباب
أهل التصوف. ترجمه المصنف في الضوء اللامع ٦٦/٧ - ٦٧، فقال فيه: فهم كلام
الصوفية، ومال إلى كلام ابن عربي بحيث اشتهر بالمناضلة عنه.
(٤) ويقال في هذا ما قيل في سابقه.
٩٨٨

ووراء كونه لم يدع رتبةً أرفع منها، وهو منعه مَنْ يفعلُ ذلك مِنْ
طلبته، كما أخبرني الشّيخُ البدر أبو علي حسن بن علي الدِّماطي الضَّرير
وهو مِنْ طلبته، أنَّ صاحبَ التَّرجمة سمعه وهو يدعو على مَنْ يرومِ مَساءته
فمنعه مِنْ ذلك، وقال: سلِ الله أن يكفيني أمرَهم.
ونحوه مما شاهدتُه: أنَّ بعضهم حضر إليه وهو مسرورٌ، وأخبره
بإدخالِ بعضٍ مَنْ ناوأه حبسَ ذوي الجرائم، فتغيَّظ على المخبِرِ، وقال: إنَّما
يفرَحُ بهذا فاسقٌ مِنْ أجل تلبّسه بهذا المنصب الشريف. انتهى.
والحامل للطاعنين في علاه إنما هو الحسد، وما أحقُهم بقولِ القائل:
فالقوَمُ أعداءُ لهُ وخُصُومُ
حسَدُوا الفتى إذ لم ينالُوا سعيه
حسداً وبغياً: إنّه لدَمِيمُ
كضرائرِ الحَسْنَاءِ قُلْنَ لوجهِهِا
إلا له مِنْ بيوت النَّاسِ حسَّادُ
يا كعبُ ما إن رأى مِنْ بیتِ مَكْرُمَةٍ
ـلَّه بما فُضُلْتَ بِه النُّجَبَا
حَسَدُوكَ أنْ رأوكَ فضَّلك الـ
لا عاشَ مَنْ عاشَ يوماً غيرَ مَحْسُودٍ
إن يحسُدُوني فزادَ الله في حَسَدِي
بالعلم والبأس أو بالمَجْدِ والجُودِ
ما يُخْسَدُ المَرْءُ إلا مِنْ فضائِلِه
إنَّ الفضيلةَ لا تَخْلو عَنِ الحَسَدِ
فازدادَ ليْ حَسَداً مَنْ لستُ أحسُدُه
وقا الصَّفِيِّ الحلْيُ فيما أنبأني به أبو هريرة القبّاني، عَنِ ابنِ رافعٍ، عنه:
وأعذُرُ الحاسِدَ في فِعْلِهِ
أوَدُّ حُسَّاديَ أن يكْثُرُوا
فقدت ما(١) أُحسَدُ مِنْ أجْلِهِ
لا أفْقِدُ الحُسَّادَ إلا إذا
وقال غیرُه:
(١) في (أ): ((من)).
٩٨٩

ما ضرَّني حَسَدُ اللَّئامِ ولم يَزَلْ
يا بُؤْسَ قَوْمٍ ليس ذنبي بينهم
ذو الفَضْلِ يحسُدُهُ ذَوُوَ الثُّقْصانِ
إِلا تَظَاهُرُ نِعْمَةِ الرَّحِمِنِ
إِنَّ العرانينَ تَلَقَّاها مُحَسَّدةٌ ولا ترى للِئامِ النَّاسِ حُسّادا
وقيل :
أُغْرِيَ النَّاسُ بامتِداخِ القديم
ليس إلا أنَّهم حَسَدُوا الحيّ
وبِذَمُ الحَدِيثِ غيرَ ذَمِيمٍ
. ورَقوا على العِظامِ الرَّمِيمِ
وفي المعنى:
النَّاس أعداءُ الرَّبْ فضيلةٍ. مشهورةٍ ما دامٍ حيناً يُرْزَقُ
كلَّ الثَّنَا وَهُو المَغِيظُ المُخْتَقُ
فإذا قضى أثنى عليه عدُوُّه
وقد روينا عن المزني أن الشافعي رحمه الله قيل له: إنَّ فلاناً يقول:
الشافعيُّ ليس بفقيه، فضحك، وأنشأ يقول:
إِنِّي نَشَأْتُ وحُسَّادي ذوو عَدَدٍ رَبَّ المعارجِ لا تُفْني لهم غَدَدا
وعن الربيع، سمعت الشافعي ينشد:
كلُّ العداوةِ قد تُرجَى إماتّتُها إلا عداوة مَنْ عاداك بالحسد
وسمعته أيضاً يقول: يحسُدُني مَنْ هو مني إذ ليس مثلي، ويحسُدُني
من هو مثلي إذ ليس منّي.
وأنشد أبو الطَّب سهلُ بن محمد بن سُليمان الصُّعلوكي للشافعي أيضاً:
وذو حَسَدٍ يغتابني حيثُ لا يرى مكاني ويُثني صالحاً حَيْثُ أسمَعُ
وما هو إذ يغتابُني متوَرِّعُ
تورَّعْتُ أن أغتابه مِنْ ورائه
وروينا مِنْ طريق المُزَنِيّ والرَّبيع، كلاهما عَنِ الشَّافعي:
٩٩٠

أُرَحْتُ نفسيَ مِنْ همِّ العداواتِ
لما عَفَوْتُ ولم أحقِدْ على أحدٍ
لأدفَعَ الشرَّ عنّي بالتَّحِيَّاتِ
إِنْي أُحَيِّي عَدُوِّي عندَ رؤيتِه
وأُحْسِنُ البِشْرَ للإنسانِ أبغُضُه
كأنه قد حشا قلبي مَسَرّاتٍ
فكيفَ أسلَمُ مِنْ أهلِ العداواتِ
ولستُ أسلَمُ مِنْ خِلِّ يخالِفُني
فكيف أسلَمُ مِنْ أهلِ المودّات
ولستُ أسلْمُ ممَّن ليس يَعْتَبُني
والمحسود أبداً يُقْدَحُ فيه، لأنَّ الحاسدَ لا غَرَضَ له إلا تتبّع مثالبٍ
المحسودِ، فإن لم يَجِدْ، الزَقَ مثلبته به، وقد قيل:
فلا أذهبَ الرَّحمُنُ عنّي الأعاديَا
عِدائي لهم فضل عليَّ(١) ومِنَّةٌ
وهم نافَسُوني فاكتَسَبْتُ المعالِيًا
همُ بحثُوا عَنْ زلْتي فاجتنبتها
على أنَّه رحمه الله لم يزدَذ مع طعنهم في جنابه (٢)، وخوضهم في
شريفٍ مراتبه إلا رفعةً.
ما يضرُّ البحر أمسى زاخراً إنْ رمى فيه غلامٌ بحَجِرْ
إذ خاضَ فيه بعضُ الكلابِ
ما ضرَّ بحرُ الفراتِ يوماً
· لم يصلِ(٣) الرَّجمُ إلى النَّجم
لو رجمَ النّجمَ جميعُ الوری
أشْفِقْ على الرَّأسِ لا تُشْفِقْ على الجَبَلِ
يا ناطِحَ الجبل العالي ليَكْلِمَه
فلم يَضِرْها وأوهى قرنه الوَعِلُ
كناطح صخرةً يوماً ليفلِقَها
كنْتُ مشاراً إليه بالتَّعْظيمِ
لا تَضَعْ مِنْ عظيمٍ قدرٍ وإن
(١) في (ب): ((علي فضل))، خطأ.
(٢) في (ب): ((جانبهم)، وفي (ح): ((جانبه)).
(٣) في (ط): ((يحصل))، خطأ.
٩٩١

بالتَّعَدْي على الخَطيرِ العَظِيمِ
فالعظيمُ الخطيرُ يَضْغُرُ قدراً
خمرَ بتنجيسها وبالتَّحريمِ :
وَلَعُ الخمرِ بالعقولُ رمى الـ
وقلَّ مَنْ يخلو مِنْ كلام؛ لكون اتباع الهوى هو الأغلب إلاّ في
النادر، والبلاءُ في تتابع الألسنة كلِّها. نسأل الله التوفيق.
ومَنْ ذا الذي يَنْجُو مِنَ النَّاسِ سالماً وللنَّاس قالٌ بالظُّنونِ وقِيلُ
وهذا لأبي العتاهية، وقبله:
أرى عِلَلَ الدُّنيا عليَّ كثيرةٌ وصاحِبُها حتّى المماتِ عليلُ :
وقال الآخر:
سلمت وهل حيٍّ من الناس يَسْلَمُ (١)
ومن سعة حلمه أيضاً:
أنَّ بعضَ الشُّعراء(٢) ممَّن عاونَ في المصنَّف المشار إليه بالَغَ فِي
هجائه، فما احتمل أتباعُ صاحبِ التَّرجمة ومحبِّيه - لا سيَّما ولدُه - ذلك،
وأمروا بإحضاره فأخضِر، وبلغه ذلك، فتغيَّظ عليهم، وأمر بصرفه مُكْرَّمَاً،
بل أنعم عليه بشيءٍ مِنَ الدُّنيا.
بل أخبرني قاضي القضاة شيخُ المذهب العزُّ الحنبلي أنَّ المشارَ إليه
أخبره أنَّه ضبط ما يَصِلُ إليه مِنْ صاحبِ التَّرجمة، فكان ألف درهم في كلِّ
شهر، وكان يقول: لستُ الآن أتردّدُ لمن تحصُلُ لي منه الدنيا والآخرة.
غيره، يشير إلى أنَّه كان - مع كثرة إنعامه عليه - يستفيدُ منه علماً جمًّاً، كما
أسلفتُه في أوائل الباب الثاني.
(١) في (أ): ((سالم)).
(٢) هو النواجي كما سيصرح باسمه، والمصنف قريباً.
٩٩٢

ولقد قال الشيخ محمد بن زكينة التحريري الطّويل، ويقال له: ابن
القاضي، أحدُ المادحين لصاحب الترجمة، وهو ممن أضربنا عن إيرادِ شيءٍ مِنْ
شعره، وكان هو يحضُّ أهلَ المجلس على الإصغاء لسماع مدائحه التي يتولى
إنشادَها بين يدي المُمَدَّح بصوته الجهوري، حتى قال مرَّةً للنّواجي، وهو الذي
أهملت ذكره: يا نواجي، إنّني لسماعِك راجي، وإلا أكون لك هاجي، مخاطباً(١)
الصاحب الترجمة: يا مولانا، لِمَ تُعطي النّواجي في قصيدته ثلاثةَ آلاف وتعطيني
في قصيدتي ثلاثمائة؟ فقال: أما سمعت: ((اقطَعُوا عنّي لسانه))؟ انتهى.
وإذا تأمَّلتَ ما حكيتُه عَنْ هذا الشّاعر المبدأ بذكرِهِ، علمتَ سُوءَ طباعِه
ودناءَةَ أصلِه، حيثُ يقول [ما أستغفرُ الله مِنْ إثباته](٢):
لقد نَزَلْتَ بوادٍ غيرٍ ذِي ثَمَّرَه
يا مَنْ يَرُومَ نوالاً مِنْ بني حَجَرٍ
وهو المُعَدُّ للاستنجاءِ والعَذَرَه
كيف تُرَجَّی خیورٌ تأتِ مِنْ حَجَرٍ
لكن قد عارضه بعضُ أصحابنا، [فأنشدني](٣) البدرُ الأنصاريُّ
رحمه الله لنفسه :
لقد أمَمْتَ عظيماً فاسْتَمِعْ خَبَرَه
يا مَنْ يرومُ عطاءً مِنْ بني حجرٍ
مقبِلٍ في طوافٍ مرّة حَجَرَه
منه تفجَّر ماءُ العَذْبِ ثمّ وكَمْ
ومما يُنسب لبعضهم:
دحاك الله مِنْ حَجَرِ دعانا إلى البيداء وهو بها مُقَصِّرْ
ومُتِ كمداً فما لَكَ مِنْ مجبر
فأبْشِرْ بانكسارٍ عَنْ قريبٍ
قلت: ويظهر أنهما للشّاعر الأول، فما يجسُر لذلك غيرُه. قاله تعصُّباً
لمن استعانَ به فيه، حيثُ نَسَبَ لصاحبِ التَّرجمة قوله:
دعاوى فاعلٍ كثُرَتْ فساداً ومَنْ سَمِعَ الحديث فسَوْفَ يُخبِرْ
(١) في (أ): ((مخالطاً)، تحريف.
(٢)(٣) ما بين حاصرتين لم يرد في (ط).
٩٩٣

ولولا أنَّه رام انكساراً لما طَلَبَ الإعانَةَ بِالْمُجَبُر
ولولا تبشيع بعضٍ النّاس في إيرادِ ذلك، ما أثبتُّ شيئاً مِنْ هذا، والله
يغفر لنا أجمعين.
وكنت مرَّةً بين يديه بالمنكوتمرية، فجاء إبراهيمُ ابن الشيخ جمال
الدين عبد الله ابن الحافظ شهاب الدين أحمد العُرياني، وكان حينئذٍ متَّصفاً
بما علمتَه غائبَ العقلِ، فوقف مِنْ وراء شُبَّاكها، وأخذ في السَّبِّ الفاحش
والألفاظ القبيحة، فقال: نقومُ إلى أن يفرّغ أو يروح، ونهضَ فدخل مِنْ
بابِ الخلوة، وردّ بابها يسيراً، فترك العرياني الشُّبَّاكَ وانصرفَ، فظنَّ صاحِب
الترجمة توجُّهَه بالكلِّيَّةِ، ففتح باب الخلوةِ ووقف، وإذا بالعرياني أقبل مِنْ
باب المدرسة، وأخذ فيما كان فيه وأزيَدَ، فقال: ما بقيَ إلا الانصراف،
وغَلَّق البابَ وذهب، واستمرَّ المخذولُ فيما هو فيه ساعةً، ولم يمكّن مَغْ
ذلك كله أحداً مِنَ النَّعرُّضِ له، بل سمع أنَّه في تلك الليلة أمسكه بعضُهم -
لا لهذا السبب ـ بأعوانِ الوالي، فأرسل إليه وأطلقه.
ولما مات شيخُنا ابنُ خضر، وكان بيده تدريسُ الحديث بالبيبرسية نيابةً
عن صاحب الترجمة، تُوجه الشّريفُ موسى السِّرسنابي للناظر، وسعى فيه
لنفسه بناءً - فيما يظهر - على أنَّ ابن خضر كان فيه استقلالاً، فلم يُجَبِ،
ووصل علم ذلك لشيخنا، فلم يظهر له شيئاً مِنْ ذلك، ولا كان بمانع له
عن إقرائه. نعم، قال بعد أن فرَغَ مِنْ قراءة درسه لبعض جماعته: هذا سعى
في وظيفتي، ثم جاء يقرأ عليَّ!
واجتاز مرةً وهو في طائفةٍ مِنْ جماعته بباب جامع الغمري، وثَمَّ:
شخصّ يقال له: علي بن خليفة، يُذكر بالجذب، فبدت منهُ كلماتٌ يابسةٌ،
منها قوله: عمائم كالأبراج، وأكمام كالأخراج، والعلمُ عند الله. فرام بعضُ.
جماعته منه تعزيره بالحبس ونحوه، فامتنع وقال: هذا مجذوب يسلم له
حاله، وقدر أن صاحب الجامع عَلِمَ بذلك فتألَّم، وطرد الرَّجُلَ المشار إليه
أو هجره بعد أن قال له: هذا شيخ السُّنَّةِ، أو كما قال.
وأحضروا له مرةً مراسلةً مِنْ بعضٍ تلامذته إلى القاياتي قاضي الشَّافعية:
٩٩٤

إذ ذاك، فرأى فيها مكروهاً كثيراً، بل قيل: إنَّ هذا التّلميذَ لو رأى مِنَ
القاياتي حينَ قُدومه مِنْ هذا السَّفرة التي كاتبَهُ فيها بما أَشير إليه مزيدَ إقبالٍ،
لكانَ هُو المطاعِنَ في صاحب التَّرجمة وولده عنده، لكنَّه خُذِلَ ببابه في
كائنةٍ سهلة .
ورأى شيخنا مرة قد ترجم التَّاجَ عبد الرحمن بن الشهاب الأذرعيِّ
قاضي دمنهُور، وقال في ترجمته: رحل إليه ابن فهد، فكتب المشارُ إليه
بهامشٍ خطّه ما نصّه: سبحان قاسم الحظوظ، لم يرحل إليه ابنُ فهدٍ إلاَّ
معي، ولا سَمِعَ عليه إلا بقراءتي. ووقف صاحب الترجمة على ذلك، وكان
وقع في خاطري جمع ترجمة شيخنا في حياته، والتمستُ منه أن يملِيَ عليّ
منها ما لا أطَّلِعُ عليه إلا مِنْ قِبَله، فقال لي: قد كتب فلانٌ - وعنى المهملَ
- عنّي شيئاً مِنْ هذا، والآن كما حضر عندي صهرُه، وأرسلتُ له به معه،
فاطلُبْه منه حتَّى أُرشِدَك لما فيه حصولُ المقصِدِ، فتوجهتُ مِنْ فوري إليه،
وحكيتُ له الواقعة، فقال لي بصوتٍ مرتفع: هيهات هيهات، قد غيَّرتُ
وبدَّلتُ، أيظُنُّ بقاءَها كما شاهدها. لا والله، فرجعتُ وبي من الغُبن ما الله
به عليم. هذا وصاحبُ التَّرجمة يعلمُ بذلك وأزْيَدَ منه، ويحلمُ عليه في
ذلك كلِّه، بل ولا يظهر له إلا الجميلَ ولينَ القولِ والانبساط، أثابه الله على
صنيعه.
ولما مات صاحبُ الترجمة، توجَّه هذا المبهم لبعض خواصٌ الكمال
ابن البارزي مِنْ أحبابنا، كثّر الله منهم، وقال له عن ولدِه: إنَّه عامِيٍّ،
وصفته كَيْت وكَيْت، وذكر أوصافاً، وأُحبُّ أنَّ القاضي يأخذ لي مِنَ الكتب
التي عنده الكتابَ الفلانيَّ، فما انجرَّ المشارُ إليه معه لهذا، حِفْظاً لشيخه في
ولده، لمزيدٍ حُبُه فيه، وما بلغ - ولله الحمد - منه أرباً. وحاول مناكدَتَه مرَّةً
بعد مرَّةٍ، فما ظفر.
وقد أسلفت في الباب الرابع حكايةً للوجيزي أيضاً دالة على سعة حلمه.
وكتب له بعض الطلبة ورقة فيها ألفاظٌ غيرُ لائقةٍ بجنابه، لكونِ هذا
الطالبِ تعرَّض له طالبٌ آخر، وشيخهما ساكتٌ، فلم يُعجِبْه ذلك، ولامه
عليه، فكتبَ له ما نصه: نظرَ العبدُ لما سطر باطنها، والجوابُ ما قيل به
٩٩٥

(أبعد ستِّين منّ يبتغي الأدباء)، فضلاً عَنْ سبعين، فضلاً عَنْ ثمانين. وقد
قيل أيضاً:
والشيخ لا يترك أخلاقه حتَّى يوارى في ثرى رِمْسِهِ
إلى أن قال: ونحنُ ابتُلينا بقوم ما تعودوا تربية أهلِ الكمال، وإنَّما
تعوَّدُوا بجفاءِ الأغفال، فلا حولَ ولا قوَّة إلا بالله.
ونحوه قوله لبعض جيراننا: قد ابتُلينا بمن ينازع فيما نقولُه ويوهيه
مشافهةً، بل وصرَّحَ بأعلى مِنْ ذلك بدون أدب. ولطالما أَوذِيَ رِحِمَهُ الله
مِنْ أتباعه وبعض طلبته، فیحتسِبُ ویصبِر.
اتَّفق أنَّه قام في منع خطبة أُحدثت بمصر بمدرسةٍ جَعَلَ واقفُها فيها:
مدرساً، وطلبه بعد إيطالِ الدَّرس ليصرِفَ معلومه في الخُطبة وتوابِعِها مِنْ
غيرٍ ضَرُورةٍ للتعدُّدِ ولا مُسَوِّغ معتبر للإبطال. وعورض في منعه بحيث لم
یتمَّ قصده.
ورام بعضُ أهلِ الدَّولةِ التسلّط على أهلِ الذِّمَّة المؤدِّين للجزية في
أخذٍ أموالهم، مستنداً إلى أنَّهم أحدثوا في الكنائس بناءً، ونحو ذلك،
فعارضه بمذهبه، حيثُ لهم إعادةُ ما استُهْدِمَ منها بشرطِه، فشافهه حينئذٍ
تلميذُه القاضي بدرُ الدِّين بن التنسي بما لا أحب إثباتَه وإن تعرَّض له بعضُ
المؤرخین.
وكنت بين يديه بتربة قجماس، أقرأ عليه بعضَ المرويَّات بمحضر
حافلٍ، فيه شيخُ الإسلامِ الأقصرائي والبدرُ البغدادي الحنبلي، أحدُ تلامذةٍ
صاحب الترجمة، ومَنْ شاء الله مِنَ الخلق، يوم توفي شيخنا المستملي أبو
النَّعيم رضوان العُقبي(١)، وكان مِنْ جُملةِ الحاضرين الشيخ شهاب الدين
العُقبي، وهو أخو المتوفى المذكور، فلما تمَّتِ القراءةُ، واستجزتُ المسمِعَ
على العادة، التمس منّ الحنبليُّ المذكورُ - بحضور شيخنا - استجازة
(١) في (ب): ((العقيلي))، تحريف.
٩٩٦

العقبي، وفهمتُ قصده في ذلك، فلم ألتفت لقوله، وكرر ثانياً وثالثاً،
وصمَّم وجاكر، فلم أَجِبْ سؤاله، وقلتُ في المجلس: لا أستجيزُ بحضورٍ
شيخٍ مشايخِ الإسلام استجازةَ غيرِهِ أدباً. وصار شيخُنا لا يُظهر تأثراً بذلك،
مع فهمه مِنْ مقصده ما فهمْتُ، بل صار يقول: قد أعلمتُ أصحابنا بما
للشّهاب معي من المسموع. وخرَّج له صاحبُنا - وأشار إلي - مشيخةً بيَّن
فيها ذلك (مع غيره) (١)، وأحضرها إليَّ، فكتبت له عليها ((الفتح القُربي في
مشيخة الشّهاب العقبي».
واتفق حضورُ الجنازةِ، وقيامُ الجماعةِ الصَّلاة، ورجع ما أخفاه
الحنبليُّ في هذه الواقعة عليه، فاستمرَّ مضمراً لي ذلك مع حادثةٍ اتَّفقت لي
معه بعد وفاة صاحب الترجمة، قُهِر - ولله الحمد - فيها كهذه أو أعظم، وما
كفَّه عنّي إلا الله عزَّ وجل، لما علمت مِنْ شدَّة بأسه، وقيامِه في ناموس
نفسه. وكنتُ لما استشعرت منه إضمارَ شيءٍ مِنْ أجل ذلك، واتَّفق توجُّهي
لمكّة المشرفة، شربتُ ماء زمزم لكفاية أمره، ورجعتُ فقابلني بالإكرام،
ووالى ذلك عليَّ مرَّةً بعد أُخرى، وصِرْتُ بسبب ذلك أتردّدُ إليه أحياناً، إلا
أنَّه مات عَنْ قُرْبٍ جداً، رحمهم الله تعالى.
هذا مع أنَّ الحنبليَّ المشار إليه كان تلميذه ونائبه، بل كان يحكي عن
نفسه أنَّه كان ابتداء أمره يقرأ ((الشفا)) عند ضريح إمامِنا الشّافعي، وفي يوم
ختمه يحضُرُ شخصٌ من المتموِّلين(٢)، فيفرُقُ على الفُقراء الحاضرين صُرَّة
صرَّة، ويُعطي القارىء فيما بينهما صُرَّةً جيدة. قال: فاتفق في بعض السِّنين
أنْ ماتَ هذا الرَّجلُ يومَ الختم. قال: فقلت في نفسي: مِنَ الإنصاف
حضورُ جنازته، ثمَّ نرجعُ، فنختم، ونُهدي ثوابَ ذلك في صحيفته، ففعَلْتُ
بحضورِ مَنْ له عادةٌ مِنَّ الفقراء في الحضور، وحصل منهم تألَّمُ على فقده،
فلمَّا كان مساء تلك الليلة، رأيتُ في المنام كأنَّ عندي مِنَ الغنم ما لا
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (ب، ط): ((المتولين)).
٩٩٧

أُصِفُه، فلمَّا أصبحت أُخبرتُ عَنْ شخصٍ مِنَ الأعيان أنَّه ترك وظيفته(١).
بالشّيخونية، وسافر. قال: فجئتُ - يعني صاحبَ الترجمة - وكان ذلك قبل
استقراره في القضاء، وكنتُ أراه بمنزلة الوالد، فأعلمتُه بذلك، فبادر وتوجّه
معي إلى ناظرها، فوصف له حالي، فقرّرني فيها، ولم يكتفِ النَّاظر بذلك،
بل أنعم بثوبٍ بعلبكُيِّ وبأقماع سكْرٍ ودراهمَ جيدة، وانصرفنا فتوجه معي
أيضاً إلى القاضي ناصر الدين البارزي صاحبٍ ديوان الإنشاء، فتفضَّل أيضاً،
وكان ذلك ابتداءُ الخير، ثم جاءت الغنيمةُ شيئاً فشيئاً، وتحقّقتُ أنَّ هذا كلَّه
ببركةِ الإمام الشافعي. انتهى.
وجاء إلى صاحب الترجمة شخص آخر مِمَّن نال منه كثيراً، بل ربما .
شافهه بالمكروه، فتلطّفَ في خطابه، وكان مِنْ جُملة قوله له: كُنْ مِنْ أُمَّةِ
أحمد، ولا تكُنْ مِنْ قوم صالح، فقال له: شَرْعُ مَنْ قبلنا شرعٌ لنا، ما لم
یرِد ناسخٌ. انتھی.
ولله دَرُّ القائل في مَنْ يُعْرِض عمَّن يؤذيه:
لو كلٌّ كلبٍ عوى ألقمتُه حجراً لأصبحَ الصَّخْرُ مثقالاً بدينارِ
وقال غيره :
وقاتله عَمْدَاً لَمِنْ شِيَمِ الجَهْلِ
ومن (٢) قابل الكلبَ العقورَ بما عَوَى
تَعُزُّ على الأحرارِ مِنْ جِهَةِ العَقْلِ :
لأنَّ مكافأة الكلابِ نقيصَةٌ
كل هذا مع قدرته على الانتقام، ولكن كان يعفو عند المقدرة،
ويتفضَّل الله عز وجل بحصول الانتقام في الدُّنيا قبل الآخرة مِمَّنْ ناوأه مَمَّن
لم يُخْلِصْ في الثّوبة ويظهر النَّدمَ والرُّجوعَ، ويعزِمِ على عدم العَوْدِ، كما
فعل ابن التنسي رحمهما الله تعالى، فإنّي رأيته حضر عند قبرِ شيخنا، وصار
ينتحب بالبكاء ويصرِّحُ بالتأسُّف على فَقْدِهِ، ويقول: ما كنا نظنُّ حصول هذا
(١) في (أ): ((وظيفة)).
(٢) في (أ): ((ولو)).
٩٩٨
:

الأمر بنا بعدك، يشيرُ إلى كائنةٍ اتَّفقت له في قيامه في المنع مِنْ قتل
الكيماوي الذي كان ينتسِبُ إلى الشرف، معارضاً للسلطان، وقيام الفاضل
شمس الدين الدسطي المالكي بمعاونة أبي الفضل البجائي المغربي في اتّباع
عَرَضِ السُّلطان، ليتوصَّلا بذلك إلى غرضهما مِنْ ولايةِ المنصبِ، وغير
ذلك، حتى قُتِلَ المشارُ إليه بعد أن عُقِدَ مجلسٌ حافلٌ بسببِ ذلك، وجاهر
كلٍّ مِنَ المذكورين ابن التّنسي بمكروه، فما احتمل ذلك، وقام بعدَ
انفضاضٍ المجلسِ متوجّهاً لقبرٍ صاحب التّرجمة، وفعلَ ما قدَّمتُه، وأفضى به
الحال مِنْ شدَّة القهر إلى أن مات عَنْ قُرْبٍ، وما كان مقصدُه في ذلك إلا
جميلاً، فقد كان متثبتاً في الدِّماء، بل وفي سائر الأحكام.
وأما مَنْ عارضه، فانعكس مقصودُهما، ومُقِتَا عندَ الخاصَّةِ والعامَّةِ،
وتشئَّتَ شملُهما، واستمرا في انخفاضٍ حتى ماتا.
وكان بعد موت البدر المذكور، توهَّم البجائي حصولُ المنصب، فقام
نظامُ المملكة في استقرار القاضي وليِّ الدين السُّنباطي، وحَمَدَ المسلمون
ذلك، كما حمدوا ولاية القاضي حسام الدين ابن حريز بالنسبة لمن رَفَعَ
رأسه لها بعد موت السُّنباطي المذكور، كالبجائي أيضاً وغيره، لما لا يخفى
مِنْ سيرة كلِّ وسريرته، فسبحانَ الفعَّال لما يريد.
وما كنتُ أُحِبُّ إثباتَ شيءٍ مِنْ ذلك، إلا أنّي لا آمَنُ حكايةً الأمورِ
على غير جليتها، خصوصاً مِنْ بعض مَنْ ينتسِبُ إلى صاحب الترجمة وإلى
البجائي، فأحبَّبْتُ الإشارةَ إلى ما لعلَّه يُفْهَمُ منه المقصود.
وبالجملة، فقد رأينا غيرَ واحدٍ ممَّن آذى صاحبَ التَّرجمة أو عارضه،
أو تعرَّض لنقصه أو صرَّح بالوقيعة فيه، أو غير ذلك ممَّا الحاملُ على أكثرِه
الحسدُ واتّباعُ هوى النَّفس، مسَّه مِنْ أنواع العُقوبات والمِحَنِ ما لا يُعَبَّرُ عنه
حتى بإدخال المقشرة، بل ونثر الأسنان أيضاً، مما يتشدَّقَ في حقّه بفيه،
بحيثُ لا يُقال له: أجدت لا يَفْضُضِ الله فاك، لكن أغضينا عَنْ تفاصيل
أحوالهم، مشياً على سُنَتِهِ، وما أحسنَ قولِ القائل:
٩٩٩

۔۔
عَدُوُكَ مذمومٌ بكلُ لسَانِ. ولو كان مِنْ أعدائِكَ القَمَرَانِ
كلامُ العِدَا ضَرْبٌ مِنَ الِهذيانِ :
ولله سرِّ في علاكِ وإنَّما
بغدر حياةٍ أو بغدر زمانٍ
رأيت الذي ينوي لك الغدرَ يُبْتَلى
وأغربُ ما اتّفق مِنْ ذلك: أنَّ واحداً ممَّا أُشيرَ إليه سَمِعَ منه
التَّصريح بقوله: لا بدَّ أن أَغري السُّلطانَ عليه حتَّى يفعل به كيت وكيت،
وذكر ما قدر أنه وقع لقائله مِنْ سجنٍ وأخذِ مالٍ وغيرِ ذلك، نسأل الله
السلامة .
وكذا مِنَ الغريب أنَّ بعضهم تعرَّض لولده، ولم يحفَظُ حقَّ والده فيه،
فقوصِصَ في ولده بعدَ حينٍ، إلى غيرِ ذلك ممَّا لا نُطيل بشرحه، ولله در
القائل :
ولا كان ذا اسْتِنْصَار
وما سادَ أحدٌ ناواه
بل عمَّه بالفَضْلِ المِذْرَار
ولا ساء مَنْ تولاً.
ليس للعِلْم في الجهالَةِ حظٌّ إنَّما العلم طرفُهُ الإغضَاءُ
وأمَّا مَنْ لم ينتقم منه، فالآخرة خير وأبقى.
وممَّا بلغني عنه أنه قال: مماليكُ الملِكِ على أقسام ثلاثة، منهم مَنْ
هو معه ظاهراً وباطناً، ومنهم مَنْ يخالِفُه باطناً، ومنهم مَنْ يتظاهَرُ بمخالفته،
وهو مع ذلك لا يحبُّ أَنَّ غيره يتعرَّضُ لهم، بل ينتقم ممَّن يتنقّصُهُم، أو
يؤذيهم، ولا شك أنّي في معظم عُمري(١) قائمٌ بالذْبُ عَنْ حديثِ النبيِ وَّ
وفي خدمته، فنِسْبَتي إليه بذلك صحيحةٌ، وإن كنتُ مقصِّراً، وأرجو بذلك
أن يحفظني ويكفِيني سائرِ مُهِمَّاتي، أو كما قال.
ولا شكَّ أنَّ لحوم العلماء مسمومة، وقد قال النبيُّ نَّ ((مَنْ آذى لي
(١) في (أ، ط، ح): ((أمري)) والمثبت من (ب) من خط المصنف.
١٠٠٠