Indexed OCR Text

Pages 801-820

وكتب إليه الشيخ شمسُ الدِّين محمد الهيثمي فيما رأيتُه منسوباً إليه،
ولا أتحقّق هل هو الآتي (١) في المُلغزين(٢) أو غيره - ما نصّه:
وعمَّني (من)(٣) أيادي جُوده تُحَفُ
يا سيداً حفّني من ذاته شرفٌ
كالسَّعْدِ يَمكُثُ أو كالهَمْ ينصَرِفُ
الهيثميُّ إلى الباب الكريم أتى
فأجاب :
أهلاً بشمسٍ أتى للفضل يغترف
ادخل إلى منزلٍ يشتاق رُؤْيتكُم
يا أيُّها الشمسُ يا بدرٌ ويا قمرٌ
وكتب(٥) إليه بعضهم (٦):
ما يقولُ سيِّدي(٧) المفتيُّ في
وأغيدٍ ذو (٨) حاجِبٍ سودٍ وفي
فأجابه :
وافى الحبيبُ سيّدي وما تَفِي
بادِرْ إلى وَصْلِ الحَبِيبِ لتَنْتَفي
إني (٤) له بجميع الفضل أعترفُ
ومِنْ ثمارِ الهَنا والعِزِّ يقتطِفُ
محمدٌ لم يكن في الباس ينصرِفُ
مُهَفْهَفٍ بمقلةٍ كَخْلَى وفي
ماذا يقولُ سيِّدي فيه وفي
كم عاشقٍ متيَّمٍ قد ماتَ في
عنك الهمومُ وقُمْ إليه وأنتَ في
(١) في (ط): ((أهو الآتي)).
(٢) ص ٨٤٣ من هذا الجزء.
(٣) في ساقطة من (ب).
(٤) في (ط): (إن)).
(٥) لم ترد هذه المقطوعة في (ب). وورد مكانهما مقطوعتان ستردان في ص ٨٨٤ -
٨٨٥. وقد كانت هاتان المقطوعتان هنا في (ح)، ثم شطب عليهما.
(٦) في هامش (ح) ما نصه: ((هو صدر الدين بن العجمي محتسب القاهرة. هكذا أخبرني
بذلك الشريف المصري الرسولي)».
(٧) في (ط): ((سيدنا)).
(٨) في (ط): ((ذا)).
٨٠١

۔۔
الألغاز
وأمّا الألغاز، ولم أسمع بأسرع منه حلاًّ لها في عصره، ونُورِدُها -
أيضاً - على حروف المعجم في المُلغزِين أو الملغَز لهم بعد أن نُقَدْمَ جوابه
عَنْ لغزِ لبعض مَنْ لم يعاصره، وذلك أنَّ البرهان الحلبيَّ الحافظَ بحلب
قال: أنشدنا علي بن عيسى بن محمد بن أبي مهدي (١) لابن الجبَّاب
الغرناطي مُلغزاً في المِسْكِ:
كتبتم رُموزاً ولم تكتُبوا
كهذا الذي سُبْلُه واضِحَةْ
فإنّ شِئْتُمُ فاقرَؤوا الفاتِحَهْ.
فما اسم جری ذکرُه في الكتاب
يَدُلُّ على حالةٍ صَالِحَهْ
ففيها مُصَحَّفُ معكوسِه (٢)
وليست بغاديةٍ فافْهَمُوا ولكنّها أبداً رائِحَة
وسمعها صاحبُ الترجمة آمن الشَّمس محمد بن الخضر بن المصري،
قال: أنشدنا علي المذكور، وسأله - أعني ابن المصري - الجواب عنه](٣)،
- فأجاب:
(١) في (ب): ((علي بن عيسى بن مهدي)) والمثبت من (أ، ح، ط) ومن ترجمته في:
((الدرر الكامنة)) ٩٢/٣ - ٩٣، حيث أورد الحافظ ابن حجر فيه هذا اللغز والجواب
عليه، لكنه جعل اللغز لشمس الدين محمد بن الخضر الحلبي.
:
(٢) في (ط) والدرر الكامنة: ((مقلوبه)).
(٣) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب) وورد في هامش (ح).
٨٠٢
.

تبدَّى لنا السِّرُّ في الفاتحة
قرأنا الكتاب جهاراً وقد
تُسهّل له سُبْله الواضحة
وجدناه مِنْ قبل تصحيفه
يُرِى ثَمَّ كالأَنْجُمِ اللائحة
ومن قبلِ تسعِ قُبَيْل ((البُروج))
ومع حذفِه ثمّ بالرائحه
وتغيير ثانيه مع قلبه
[يشير رحمه الله إلى سورة المطففين، فإن قوله: ((ختامه مسك)) قبل
ختم هذه السورة بتسع آيات، وهي قبل سورة البروج، بينهما سورة
الانشقاق، وإذا حذفت ثانية، صار ((م ك))(١)، فإذا قُلبت، صار ((كم))، فأذا
غيرت الكاف بالنون(٢)، صار ((ن مٌ))].(٣)
فمنها ما أجاب به البرهان ابنَ زُقاعة، حيث قال في القمح:
ثُلثُه سورةٌ مِنَ الذِّكْرِ
ما بيانٌ ضمَّنْتُهُ شعري
مرسلٍ بالكتابِ والشّذْرِ
ثمَّ باقيه نصفُ اسم نَبسي
عكسه كلّه من الشَّرِ
عكسُ باقيه سورة أخرى (٤)
فقال :
لغزُه في محرِّف البَرِّ
خير حَبْرٍ في العلم كالبَخرِ
أو ثلاث مغيبة الأمر
ثلاثةُ أحرفٍ بلا عددٍ
قد رسافاهُ على البحرِ
خفَّ لفظاً لكن به ثِقْلٌ
إنه قد زها عَنِ الحصرِ
لو تَتَّبَّعتُ وصفَه أعيى
وكتب إليه العلاَّمة الشّهابُ أحمدُ الحجازي الصوفي المقرىء في مربَّع:
(١) في (أ): ((بالله صارمك)).
(٢) في (ط): ((بالكاف والنون)).
(٣) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
(٤) ((أخرى)) ساقطة من (ط).
٨٠٣

ويا عالمَ الأقطارِ يا حافِظَ الورى
فديتُكَ أي اسم يرادفُ موضعاً
وإن شكلَه غيَّرْتَ فهو مُرَبَّعْ
ويفضُلُ ربعٌ منه إن زال ربعُه
وإن زالَ حرفٌ أولٌ ثمِ آخرٌ
وذا الوصف أيضاً إن عَكَشْتَ بلا مِراً
وآخره إن تحذِفَنْ صَار خُلَّةً
إذا النّصفُ منه مرَّ فاعكِسْهُ بعدَ ذا
فإنّك أولى مَنْ يُرَامُ نوالُه
حسابي صحیحٌ حیثُ بالجبر(٣) سيدي
فكم (٤) جئت مكسوراً مضافاً لنحوه
ويفرق ما بيني وما بين عُسْرَتي
فإن شبَّهُوا بالسُّحب والبحرِ كفّه
فعن سقطاتي فاعفُ وانْظُر تكرُّماً
وأغْضٍٍ وسامِخْ عَنْ مُصابٍ بعقله
ودُم وابقَ ما دامَ السُّها في رعايةٍ
فأجابه :
أيا شيخَ الاسلامِ المعظّمُ قدرُه ، وقاضي قُضاةِ العصرِ لا زِلْتَ تَشْرُفُ.
ويا حاكماً ما زال بالعدلِ ينصفُ (١):
له غايةٌ في الطُول والعرض تُعرفُ:
وذلك في بعضٍ الأماكن يُؤلفُ
وذلك حقٌّ ليس فيه(٢) توقُّفُ
فباقيه وصفٌ للإله مشرَّفُ.
يصيرُ اسمُ ربِّ بالخلائق يرأفُ.
لشيخِ طريقٍ والطَّريقُ النَّصوَّفُ
تجِدْ فِعْلَ امرىءٍ وهو من فيك ألطفُ
ويُقصَدُ للعلمِ الشّريف فيُسْعِفُ
يُقابلني مِنْ بعد كسري ويُنْصِف
فيُعربُ عن تمييزِ حالي ويَعْطِفُ
وبين يميني واليَسَارُ يؤلّفُ
قُلٍ السحب تبكي منه والبحر يرجُفُ
بعينِ الرُّضا إنِّي له أتشوَّفُ
فحلمُك(٥) يُنبي أنَّكِ اليومَ أحنَفُ
بك الله يا بحرَ المكارم يلطُفُ
(١) في (ط): ((يوصف)).
(٢) ساقطة من (ط).
(٣) في (ط): ((بالخبر).
(٤) في (أ): ((فلو)).
(٥) فى (أ، ط): ((فحكمك)).
:
٨٠٤

ألا يا شهاب الدين نورُك مشرقٌ
وبالقلب للبرقِ اليماني تألْقٌ
نظَمْتَ عُقوداً مِنْ لآلٍ تحرَّرتْ
فلا شمسُها تعشى برَيْنِ سحابةٍ
وما أظرفَ المعنى الذي ألغزْتَه لي
فذكَّرني عهداً لدارِ أحبَّةٍ
غنَيْنا بها معهم مصِيفاً ومَزْبَعاً
فأسّلمنا ذاك النَّعيم إلى نّوَى
ألا هَلْ إلى تلك المعاهد رجعة
فيا خاطري دع ذكرها واسْعَ طيِّعاً
يلُوحُ بأقطار الحجاز محرَّفاً
إذا لامُه زالت وحاجَيْتَ بعدما
وحاجٍ وصحّفْ واحذف الفاء عاكسا
وأحرفُه في الأصل عُدَّت ثلاثةٌ
وتبلغ إِن تُضْرَب ثلاث مئينَ بل
وإن رُحتَ تبني منه وزْنَ محمَّدٍ
وصحّف قسيمَيْه تجد نسبةً زهت
كصاحب ((تهذيب الكمال)» مذكراً
فهذا جوابي بعد لأي ولفظُه(٢)
بقِيتَ بِدُرِّ اللَّفظ مِنْ غير منتهى
وأنت على العلياء بالفَضْلِ مُشْرِفُ
وللطّرف بالنُّور الحجازي تألْفُ
فرَقَّت سلوكاً راق منها التصوّفُ
ولا بدرُها يُخشى عليه الشَّكلُّفُ
بظرفٍ مكانٍ مِنْ ذوي الظَّرفِ أظْرَفُ
يطيبُ بها عيشُ اللَّبيبِ ويلطُفُ
وطابَ لنا بالوَصْلِ مَشْتَى ومخَرفُ
بأسهُمها في أعيُن الوصل تقذفُ(١)
يُنجِّزُ مِنْ وَعْدِ المُنى ما يُسَوِّفُ
إلى حلٌ لغزٍ كم عليه تطوّفُ
لمكَّة تنصيفاً وينبُع يألفُ
تُصَحِّفُه يبدو سحابٌ مؤلّفُ
تجده كما قدَّمْتَ لا يتخلَّفُ
وأربعةٌ نُطْقاً وخطّاً تصرّفُ
وزد عَشْرةً واثنين فالضَّرْبُ يكشِفُ
تَجِدْ رَجُلاً في الدَّهر بالحِفَظ يُوصَفُ
يلوح بشَطْرَيها إمامٌ مصنّفُ
ونسبة محيي السُّنَّة النَّدبُ يعرفُ
لكثرة شُغلي لاحَ فيه تكلُّفُ
تَشَنّفُ سمع المبتدي وتُشرِّفُ
(١) هذا البيت لم يرد في (ب) حيث أضافه المصنف بخطه في (ح).
(٢) في (أ): ((وحفظه)) تحريف.
٨٠٥

وكتب إليه المجدُ إسماعيل بن إبراهيم الحنفي - أحدُ شيوخه - لغزاً
(١)
على قافية العين.
وكتب إليه الرضي أبو بكر بن أبي المعالي الزَّبيدي النَّاشري بقوله:
إذا ما آخراً صحفتُ منهُ:
حبيبي في لباب القلبِ منّي
فاق في فهم المعاني فاعرِفَتْهُ
لقد أعربتُ عنه فيا مَنْ
فأجابه :
. إذا سفرَ استضاءَ البدرُ منهُ
لك الرَّأيُّ الرَّشيدُ بِحَبٌ بدرٍ
تأمَّلْ نورَه بالقلبِ تجلى
على الرَّسم الذي ما حِلْتَ عنهُ:
أن هواكم فيه ذمّ كثير
وصحّفِ الثُلثَ توفه شهِيرْ
بالعكْسِ والتَّصحيفِ تَلْقَ الخَبیر
له مِنَ القلبِ محِلُّ كبيرْ:
أزْرَيْتَ بالفاضل وابن الأثير
محمداً كم فيه ذم كثير
(١) بياض في الأصول مقداره سبعة سطور. وقد أشار الحافظ ابن حجر في ترجمة المجد
إسماعيل من ((المجمع المؤسس)) ٤٦١/١ إلى هذا اللغز، حيث قال: لقيته قديماً،
وطارحني بلغز على قافية العين.
(٢) في (أ): حمدت.
٨٠٦
وبقوله :
ما كنتُ أدري قَبْلَ طَعْم الهوى
فاعرِفْ مِحلَّ اللُّغْزِ يا سيدي
ومثل منا يبقى فخذه وجُدْ
فأجابه بقوله:
دُمْ، حَمْدُ (٢) ما تأتي به واجبٌ
وعشتَ في عزَّ لعمري لقد
عجبتُ مِنْ لغزك لمّا غدا
وأجابه أيضاً بقوله:

وافى كتابٌ منكَ يا سيِّداً ما مثله يُوجَدُ تحتَ الأثيز
في النَّظم بالفاضل وابنِ الأثير
وفيه ذمّ جاء إذا قِسْتَني
وكان عندي الودادُ المنيز
فما رحبُ الخدمة عندي لكُم
وكتب إليه الحافظ الصلاح أبو الصَّفاء خليل بن محمد الأقفهسي قوله
ملغزاً في سكين:
كُلَّ الأفاضِلِ قُصّرْ
يا سيداً عن علاه
مثالَ منزلٍ قَسْوَرْ
صحّف وأنت المفَدَّى
فأجابه :
والنَّظمُ منه محرَّز
لك الكلامُ رقيق
غدا يعاديك(١) وانحز
فاذبَخْ بلُغزِكَ مَنْ قَدْ
وقوله :
يا أيُّها المولى الذي قد غدا
ما اسمٌ إذا صحَّفْتَ معكوسَه
وإن حذَفْتَ الرُّبِعَ مَعْ قلبِهِ
ونصفه شبه عِذَارِ الذي
فأجابه :
أهلاً بلغزِ باسِمِ نعتُه
في اسم إذا ما عكسوا سابعٌ
وسابع التَّصحيفِ بَيْنَ الوَرى
بكلُ وصفٍ حَسَنٍ ظافرا
ممثلاً ألفَيْتَه ظاهرا
مثل تجده أسداً كاسراً
أمسى عذولي فيه لي عاذرا
كالزَّعد لمَّا أن غدا زاخرا
وإن تبدّل تَرَهُ عاشرا
والقلب منه قد غدا عامرا
(١) في (ط): ((يشانيك)).
٨٠٧

بث يانِعَ القلب بلغزِ زها كالرَّوْضِ إن صحَّفْتِه زاهِرا
وقوله :
مَنْ به العَماءُ عنا تكشفُ.
يا فريداً في معاليه (١) ويا
شِئْتَ فاسمٌ في الأسامي يُعرفُ
حاجتي مَنْ أنا فيه كلفُ
تَلْقَ شِبْهَ اللَّحْظِ لما تَصِفُ
بعد تصحيف(٢) فأنت المنصِفُ
أيما اسم ثُلْثُه حرفٌ وإن
قلبه آخر تجده مشبهاً
وإذا صِحَّفت يوماً عكسَهُ
فتبيَّنْ حلَّ ما ألغزتُه
فأجابه :
دُمْتَ للآداب تُحيي دارِسَاً
مرحباً باللُغز كالزَّهرِ زَمَا
فيه معنى لأنّاسٍ بدّلوا.
حلَّهُ شقّ على القلب إذا
قِسْتَ بالتَّصحيف ما ألغزته
[قد عفا](٣) منها ورسماً يُصرَفُ
فهو بالأسماع منَّا يُقْطَفُ
منه حرفاً وأُناسٍ صِحَّقُوا
أهمل البعض مُحاج يحذفُ.
فِذا إذا قَلبْتهُ الصَّخِفُ
وقوله في نصير:
تلقاه مِنَ الله مُعينا
تبْصِرِ اللُّغْزَ مُبِينًا
فُقْتَ في اللُّغز سِرَاجاً
(١) في (ط): ((معانيه)).
(٢) في (ط): ((تنصيف))، وهو تحريف.
(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ب) وأضافه المصنف في (ح)، فقال: ((لعله قد عفا)).
٨٠٨
أيــما اسمٍ دمت
قدِّم البَعْض وصحَّف
فأجابه :
ـا
ونصيراً ومُبـ

إن نُقَلْب لكَ لغزاً تلقه نظما رصينا
وقوله :
وبحُسْنِ الذَّكا علينا (٢) يفوقُ
يا إماماً (١) له الفضائلُ تُعزى
ومثّلت قلت ذا معشوقُ
أيُّما اسم إذا عكسْتَ وصحَّفْتَ
فأجابه مُسترسلاً :
لذّوي الفضْلِ فيه معنى يروقُ
إِنَّ لُغز الخليل هذا حبيبٌ
وهو ذات صَلَّى إليها السَّبوقُ
عُدَّ خَمْسَاً وعشرةً خُمساه
وكتب صاحبُ التَّرجمة مُلغزاً للصَّلاح المذكور في ((أنس)):
فيك قد أظهرَ فَضْلَك
أيُّ شيءٍ عَكْسُ معنى
منه شيئاً يطرد لك
ومَعَ العكْسِ فَصَحْفُ
فأجابه الصلاح:
دلَّنا أنْ لَيْسَ مِثْلَكْ
لُغزُك العالي بديعٌ
صحّفِ الباقي يَبِنْ لَكْ
إنْ حذَفْتَ البَغْضَ منه
وكتب إليه شيخُنا أيضاً:
أيُّ شيءٍ موقع
إن تُقدِمْ مُصَحَّفاً
فأجابه :
لذوي القَدْرِ (٣) والغِنَا
ينجلي اللُّغْزُ بَيِّنَا
(١) في (ب): ((يا إمام)).
(٢) في (ب): ((عليه)).
(٣) في (ط): ((الفضل)).
٨٠٩

نَطَقَتْ ألسُنُ الثَّتّـا
يا إماماً بفضله
بعدَ تصحيفِه لنا
بَيْنّ حلُّ لُغْرِكُم
وكتب إليه شيخُنا أيضاً:
يا إماماً فاق فضلاً مَنْ مضى ومَنْ تأخّرْ
ثالثاً فيه تحرّرْ
أيُّما اسم إن تبدّل
قلبه في الرَّوْضٍ والجسم
قدِّمِ البَغْضَ وصحْف
فأجابه :
بِحَرِّ البرُ يْعَزْ:
تلقَ ما ألغزتُ يَظْهَزْ
ومعانٍ ليسَ تُخْصَرْ
فيكَ مـولايَ مـعـالٍ
جاء للعَبْدِ محرّزْ
حبَّذا لُغزُكَ لُغْزَاً
فَحَرْفٌ لَيْسِ يُنْكَزْ
ثلثُه فِعْلٌ وبـاقـيـه
قبل عكسٍ كيف يَظْهُز
وإذا ما صحَّفُوه
وكتب إليه الغرس خليل بن أحمد بن الغرس(١) (في حليمة)(٢).
أضاءَ على الآفاق في الشّرق والغربِ:
أقاضي قُضاةِ الدِّين والمشرقِ الذي
يفُلُّ سُيوفَ الخَضْمِ في البُعْدِ والقُرب .
ومن قد غدا في العِلْمِ سيفُ لسانِهِ
بها تَكَثِنَّى في المحافِلِ كالقُضْبِ
ويا مُفَرَداً فيه الفضائِلُ جُمْعَتْ
وموضحه بین الكتائب والكُتْبِ
ويا فارسَ الإسلام في كُلِّ مُشْكِلٍ
ويا مُظْهراً عِلمَ الأعاريضِ والضَّربِ
ويا بحرَ آدَابٍ مِنَ النَّقِصِ سالمْ
(١) في (ب): ((عبد العزيز))، وفي (ط): ((الفرس)) .. وهو تصحيف. وانظر الضوء اللامع
١٩١/٣، حيث أشار إلى هذا اللغز.
(٢) ساقطة من (ب).
٨١٠ .

ويا مالِكَ الأوزان والنَّظم بالوَلاَ
فديتُك، ما اسمٌ واحدٌ وهو خمسةٌ
وقد لَبِسَتْ منه ثلاثاً لِزِينَةٍ
وأوَّلُ حرفٍ منه إن حلَّ رابعاً
وإن شِئْتَ يا مولاي فاقلِبْ حُروفَه
هو الاسمُ ذو مجدٍ قديمٌ حديثُه
ففسره لي لا زلتَ تعلو وترتقي
وعِشْ آمناً في ألْفِ خيرٍ ونِعْمَةٍ
على هامة الجَوْزاءِ تحبس صاعداً
لتُعرب بالحُسْنَى لمَن نحوَك التجا
فأجابه :
أمولايَ غَرْسَ الدِّينِ والفاضلِ الذي
ومَنْ لاح حتَّى في ذُرى الشّرقِ فضلُه
وليَّن عاسِي اللُّغزِ مِنْ بعد يُبْسِه
وأتحفني مِنْ لُغزِه باسمِ غادةٍ
ليهن بني سعدٍ (٤) مكان فتاتِهم
فتلك هَناها بالقُعُودِ بمرصَدٍ
وكانت قديماً بالحجاز ديارُها
ووارِثَها دُونَ الفضائل(١) بالغَصْبِ
تسمَّت به مَنْ بالبَها سلبَتْ لُبِّي
وقلب الذي أبقته مِنْ ذاك في قلبي
ورابعه(٢) في وصفها أوَّلْ ينبي
ترى اسماً وفعلاً إن نأت أوحبا كربي
وإنقاذُه مِنْ غاية الجَذْبِ للخِضْبِ
ونورُك للسَّارين يسمو(٣) على الشُّهْبِ
وحاسدُكَ الشَّعبان مُؤذنُ بالحربِ
وشانيك يهوي نازِلاً أسفلَ الثُربِ
وترفعُه في حالةِ الخَفْضِ والنَّصبِ
له ثمر الآداب دانيةُ الهُذْبِ
فأجرى دُموعَ الحاسدين مِنَ الغَرْبِ
فصَيَّرَه بالنَّظم كاللؤلؤ الرطبِ
لها شرفٌ في مُطلَقِ الشّرَفِ النِّسبي
فذلك أولى من ليهن بني كعبٍ
وهذي هَناها بالقيام على الحبِّ
وجاورَتِ المقياسَ في مِصْرَ عَنْ قُربِ
(١) في (ب، ط): «الأفاضل)).
(٢) في (ط): ((وأربعة))، تحريف.
(٣) في (ط) ((يعلو)).
(٤) في هامش (ط): إشارة إلى أم معبد وما قاله أهل [العلم] فيها والقصة معروفة.
٨١١

وعهدي بها(١) تُضبي المحبَّ فينثني
ملیحةُ طَزفٍ دارةُ البدرِ دارُها
خُماسيَّةٌ لكنها بِنْت عشرةٍ
وقد قيل: بل تسعينَ بعد ثلاثةٍ
بتحويل ثانٍ منه مع حذفِ خامسٍ
ثلاثة أخماس اسمها ◌ُذَّها متى
وإن لم تكمل تلتقيه اسمَ بلدةٍ
وحاجٍ وصحْفُ مرّتين مرتّباً
وإِنْ شِئْتَ أَبْقِ اللام مع حذفها يَلُخْ
وصحفْه أيضاً عاكساً تر نازلاً
وفي رأس مَنْ قَدْ قيل فَضْلَةُ آدَمِ.
بِحَاميمَ عوذ جانِبَيها مذكّراً
فهذا جوابي مع شواغلَ تقتضي
يُلْبِيكَ لُبِّي حينَ تدعُو فمن يَقُلْ
بذِلَّتِه في عزها مثل مَنْ تسبي
حليمةُ قَلْبٍ إن أسكنت(٢) هجرها قلبي
وثِنْتَين عندَ العارفين ذوي الحَسْبِ
على رأي قوم مِنْ أولي العلم بالكُتُب
يصيرُ حكيماً عنده آلَةُ الطُّبُ
تُصَحِّف وكَمِّلْ مثل (٣) قولِ امرىءٍ حسبي
إذا وصفُوها فهي واحدة الشُّهب
لكيْمًا يعودَ الوصفُ مرتَفِع الحُجْبِ
إذا أنت أمعنتَ التَّفكّر بالقلب
مِنَ الأُفُقِ الأعلى يكونُ في السُّحِبِ
وبلدة عُجم حازها فارسُ العُزْبِ
وباقيه لي فيه امتحانُ ذوي اللُّبُ
ليَ البُطْءَ فاعذُرني وخفّفْ مِنَ العَتْبِ
تُرى مَنْ أجاب الألمعيَّ أقل: لُبِّي
وكتب - فيما نقلته مِنْ خطّه - لقاضي القضاة جلال الدين البُلقيني
مطارحاً، في سنة إحدى عشرة:
أسيدنا قاضي القُضاة ومَنْ غدا
يقصِّرُ عن علياته(٤) في العُلا البَدْرُ
فضاءَ به واديه وافتخرَ العصرُ
ومَنْ لاحَ مثلَ الصُّبِحِ ثُورُ جلالِه
(١) ساقطة من (ط).
.
(٢) في (أ، ب): ((سكن))، وكذا كانت في (ح)، ثم أصلحها المصنف في الحاشية ..
(٣) في (ط): ((منه).
(٤) في (أ): ((غاياته)).
٨١٢

ويا أيُّها البحرُ الخِضَمُّ لعلمه
أبِنْ لي رعاك الله لا زلتَ كاشفاً
عن الحكم في أنثى أنت مع ثلاثةٍ
فذا قال: ذي(١) بنتي، وهذا حليلتي
فأنكرتِ الدَّعوى وقالت: جميعُهم
وبيَّن كلِّ ما ادَّعى فتعارَضَتْ
فمن يفصِلُ الحُكْمَ بالحقِّ بينهم
فلا زِلتَ محمودَ القضايا مؤيَّداً
وللرّفق بالعُلاب يا أيُّها البَرُّ
لمُعضلةٍ تبدو ومشكلةٍ تعرو
إلى حاكمٍ عَذلٍ عفيفٍ له قدرُ
وذا أَمَتي والكلِّ قال: أنا حرُّ
عبيدي وفي رقِّي أقامهُمُ الدَّهرُ
على الحاكم الدَّعوى وقد أشكلَ الأمرُ
جهاراً فحقّاً عنك لا يختفي السُرُّ
يُقصِّرُ عَنْ أوصافِكَ النَّظمُ والنّثرُ
فأجاب، ومن خطه - أعني المجيب(٢) - نقلت:
أحافِظَ هذا العصر يهناكُمُ البِشْرُ
حوى صدرُك الميمونُ فيها معارِفَاً
فأوضَحتَ للطُّلاب منها معادناً
جَمَعْتَ قُنوناً مِنْ علومِ مُهِمَّةٍ
فأنت سليلُ العارفين وحافظٌ
عليمٌ بعلم الشّرع حاوِ أصولَهُ
وإنَّ التي جاءت تُحاكم مَن غدا
فإنَّ النِّسا - قد قيل - يغلِبُ كفرُهُم
وإنَّ أباها صار في ذُلْ رقُها
وفازت برقٌّ للحَليلِ مؤنَّدٍ
وفازت بإسقاط لبيْنَةِ الذي
بجمعِ علوم فاح مِنْ طيِّها النَّشرُ
ففاضت به الأنوارُ وانشرح الصَّدرُ
قدامَ لك التَّسهيلُ والخير واليُسرُ
فما نِسْبَةُ الأفنان، ما النُّورُ ما الزَّهرُ؟
السلسلةِ الإسنادٍ بينَ الوری ذُخْرُ
بنظْمِكَ في الألغاز يفتخِرُ الشِّعرُ
يخاصِمُها قد أوثقَتْهُم ولم يدروا
وليس لذي لُبِّ على أمرهم أمرُ
بعزّ الولا فازت وصارَ لها ذكرُ
وليس له طُولَ المدى جهرةٌ سرُّ
يُحاول إرقاقاً فليس بها ضُرُّ
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (أ): ((المحب))، تحريف.
٨١٣

فهذا الذي قد بان مِنْ فتح ربّنا
و کتب أيضاً إليه:
يا سيدي قاضي القضاة ومَنْ له
يا مِفْضَلاً عظُمت مواهِبُه فكم
يا عالماً (١) قد كُمِّلَتْ أوصافُه
العلمُ والنَّسبُ الكريمُ المجتبى(٢)
ماذا تقولُ(٣) أعزَّك الله الذي
في نكتة لم يُختَلَفْ فيها وقد
عدلان إن شهدًا ولم يُستشھَدا
والفَرْضُ أنَّ الأمرَ أمرٌ واحدٌ
فأبِنْ - رعاكَ الله - مُشكِلَها ودُمْ
فأجابه بما نقلته مِنْ خطه أيضاً:
يا حافظاً نال المعاليَّ كُمَّلا٤ً).
حَفِظَ الأصولَ مع الفُروع ونحوه
لله درُّكَ مِنْ إمامِ حافظٍ
وكذا بفقهِ محمَّدٍ أفكارُه.
ألغازُهُ طُرُزُ المحافل في الورى
منها الَّذان إذا يُقالُ ألا اشهدا
وفي نظمِه يُبْسٌ وعندكُمِ السِّتْرُ
حِلْمٌ تَذِلُّ له رواسِي يذبُلا
وافى إلى الطُّلاب منه مِنْ إِلى
في عصره وسواه ليس مُكمَّلا
والحُكمُ والكرمُ العميمُ المجتلی
لم يُخْفِ عَنْ تحقيق فكرك مُشكلا
كادت تخالِفُ نصَّ وحِي أُنْزِلا
قُبلا وإنْ يُستشهدا لم يُقبلا
والحقُّ لامرأةٍ تؤولُ إلى القلى
في كلِ حِينٍ مُنْعِماً مُتَفَضِّلاً
وغدا لمن يَبْغي العُلومَ مُؤمَّلا
علمٌ لأهل العلمِ أضحى مَعْقِلا
للشئَة الغراء أصبحَ موثلا
ويحُوثُهِ أبكارُه لَنْ تُجتلى
فاقت ببهجتها الجواهِرَ والخَلى
مُنِعَا وإن بَدَءا بذا لن يُهملا
(١) في (ب، ط): ((عاملاً)).
. (٢) في (ط): ((المجتنى)).
(٣) في (ط): ((أقول)).
: (٤) في (أ): ((كلّها)».
٨١٤

وسقوط قَذْفٍ للأصول تحمَّلا
فَهُما اللَّذان على الرّضاع وفُرْقَةٍ
ـذي أضحى عليك مُسَهَّلا(١)
هُنِّيتَ بالإفتاءِ والتَّدريس والعلم الـ
وكتب إليه الزَّين عبد الرحمن بن محمد بن سلمان بن الخراط، فيما .
· قرأته من خطّه ملغزاً في البنكام(٢).
ما قول الإمام أحمد، المبْعُوث إلى أهل البلاغة بالإعجاز، والمحلَّى
بعقُود حِلَّةِ أجياد الألغاز، في اسم خماسي تشابه - كمسمّاه ـ طرفاه، شقَّ
الصائغُ القدير في وسطه فاه، وأنطق (٣) لسانه بخفيّ الأسرار. والعجبُ أنَّه
يهدي إلى الجنَّة وهو مِنْ أهل النار، وأعجبُ مِنْ ذا أنه خفيٍّ ظاهر واقف،
وقلبُه في الملكُوتِ سائر، قائمٌ في خدمة ربُّه لا يعرف الهُجود، ملازِمٌ
الخَمسَ، لكن مِنْ غير ركوع وسجود. كم حجَّ مُخْرِماً إلى بيت الله الحرام،
وعاد منه وما أحلَّ عَنِ الإحرام، لا تعرف منه الأهلَّة، وكونه عليه مِنْ
أوضح الأدلة وما وجب عليه، وقد وجب أن هذا مِنَ العجب. هذا وهو
صاحبُ الوقت مِنَ الصَّالحين الأبدال، كم قطع مسافات، ولم يبرَخْ مكانَه،
متقلِّبُ الأحوال مِنْ ذوي الكشف عن الأمور الخفيَّات، مِنَ الذين رفع الرَّافعُ
الخافض(٤) بعضهم فوق بعض درجات، يخبِرُ بما حواه الليلُ والنهار
بكشفه، لا بحَدْسِه، لكن لا يعلمُ ما في نفسك وأنت تعلمُ ما في نفسه،
صُحبَتُه هدايةٌ إلى الخير وغبطة، ما فيه من عَيْبٍ، سوى أنَّه يقول بالنُّقطة،
لطيفُ الشِّكل، حلوُ الوصل، للرَّقيب محبوب، لا يقَرُّ له قرارٌ حتَّى يستوفي
المكتوب. خفيفٌ له رِذْفٌ ثقيل وجسمٌ رقيق، وصورتُه - يا مفتي الفرق -
فرعان، بينهما فرقٌ دقيق، كلاهما وهَّابٌ لا يمسك، وسخِيٍّ لا يملك، بين
تعب وراحة وكدّ واستراحة، يُعطي ويأخذ، لا وجوداً ولا عدماً، حرفان
(١) في (ب): و((مختصر السفيري)): ((ميسراً ومهلاً)) وكذا كانت موجودة في (ح) ثم شطبت.
(٢) البنكام: الساعة الرملية.
(٣) في (أ): ((وانطلق)).
(٤) في (أ): ((الحافظين))، تحريف.
٨١٥

أجوفان، معطوفٌ ومعطوفٌ عليه، إذا خفض(١) أحدهما، كان ما في ضمير
المنصوب مجرور بالإضافة إليه ثَنَوِيُّ، وربَّما يقول بالتثليت، مذكَّرٌ ویُوصَفُ
بالتّأنيث، بِكْرٌّ عوانٌ رقيقةُ الجسم، أخشى عليها أن تتصدع من النسيم
وريحه، أخصنت فرجها ونفخ الصانع المقدِّر فيها من روحه. حُبلى، والدها
في أحشائها هو الولد، يتردّدُ في بطنها ولا ينقضي لتردُّده أمد، فما استقرَّ
نزولُه إلا ودنا تَرْحالُه، ومِنْ عجب أنَّه في ساعة واحدة حملُه وفصاله. نمَّام
يُفشي السِّرَّ الذي استوِدِعِه جنابه يضيقُ به صدرُه، فينطلق لسانه، والعجبُ
أنَّه ليس بكافر، وقد أَصِلِي النَّار، وعَقَدَ مِنْ بعدها في خصره الزِّنَّار، شدّ
لاستيفاءِ الأجل المحتوم حيازيمه، لكن لنفسه دارانٍ يسيرُ بينهما الهُوينا بغير
عزيمة. جامدٌ لم تزل نَفِسُه سائلة، وصورتُها في جسده رأي العَيْنِ ماثلة،
پُزج ناريّ نَجْمُ الرَّجم به سيّار، ذو جسدین یتقلب(٢) بالليل والنهار، وهو -
يا رُخلَة المحدِّثين - أبو قلابة صحيح الأخبار. وهو - يا زاكي الأصول -
مقيَّدٌ، والمطلقُ فيه مُوثِقُ الإسار، فاعجب له - يا فصيحَ المنطق - مِنْ
موضوع محمول، وأطرِبُ به - يا شاعر العصر - مِنْ مقطوع موصول، وهو
: - يا خليلَ العَرُوض - مجْمَعُ البحرين، مقتضبٌ وكاملٌ لم يزل مركّبٌ مِنْ
دائرتين، يخرُجُ من بينهما إذا حرّكت الرَّمل، فاعجب لهما مِنْ دائرتين
موصولتين، يخرج منهما بالتَّقطيع المنسرح، والمديد والمتدارك والسريع،
أوضحتُه وإن خفي عنك - وحاشاك ـ معناه. فالله يعلم مِنْ كلُ منك ومني
ومنه متقلَّبه ومثواه، والحمد لله.
فأجابه بما نقلته من خطُّه.
الحمد لله الذي يُخْرِجُ الخَبْء في السَّماوات والأرض، والصَّلاةُ
· والسَّلام على المصطفى المتطوِّل على أولي التَّقصير بالشَّفاعة يوم العرض.
أما بعد، فقد وقفتُ على لغزِ أقعدَ المعارض - ولو كان مِنْ أكبر صدرٍ
(١) في (أ): ((حفظ)).
(٢) في (ب، ط): ((منقلب)).
٨١٦

- عجزاً، وتذللت مترفعاً لحرٌ كلامه ليُسفِرَ عن وجهه، فما ازدادت قوَّةُ لفظِه
إلا جلالةٌ، ولا جود (١) معناه إلاّ عزّاً، ورمتُ افتتاح مغلَقِه، وقد أعيى
الأُساةَ علاجُه، وأمعنْتُ النَّظر الأعشى فيه، إلى أنْ صرتُ كأني أنظرُ إليه مِنْ
وراء زجاجة، فامتلأ الطَّرْفُ لذلك نوراً والقلب سروراً، وثبت عند حاكم
الأدب أمره، كان ذلك في الكتاب مسطوراً، فإذا به وصف خديم، لأهل
الطاعة مديم، لمحبة السُّنّة والجماعة كريم، ربّما آثر بجميع ما عندَه في
ساعة، بل في ثُلث أو سُدس أو خُمس ساعة. مفرد الأصل، مثنَّى الشَّكل،
مثلَّثٌ قبل الشَّدِّ، مربّعْ عند العدُ، خُماسيُّ الأحرف والآلات في العين
واليد. نعم، هو خماسي وابن أربع عشرة، بل ابنُ مائة وثلاث عشرة، وقد
يكون طولُهُ قَدْرَ أَنْمُلَة، والعجبُ أنَّ له تعلُّقاً بالأَسٌ، وبيتُه السّحريُّ لا أَسَّ
له، وإليه المنتهى في الحساب، وليس يعرف في الحساب مسألة.
وأعجبُ مِنْ ذلك أنَّه مِنْ أسباب التَّوحيد، وهو يدأبُ في خدمة كلٌ
كوكب سيّار، ويلازم ارتقابَ أوقاتِ الصَّلوات لأجل العبادة، ثمَّ يرجع(٢)
بغير طمأنينة، ويسجُد بغير اختيار. عجميٍّ لا يُعرِبُ لسانُه عمَّا في الضَّمير
إلا بتُرجمان. كثير الهذرٍ لا توقف فيه من سرعة الجواب، ولو كان مع
الهذيان. مُقيمٌ سائر لا يزال معروفاً بالدَّوران، سوَّاح يُنسب للدورة الكبرى
والدَّورة الصغرى بشهادة الخبر والعيان، وترادُفُه بالنّسبة إلى أصله المركب
السائر يأمل رفع قدم ووضعها بحسب الإمكان، وهو أصل في تحرير طرفة
الزمان، وإذا حذفت أوّليه عاكساً، وحوَّلت ثالثَهُ رابعاً، صار ظرف مكان.
لا تزيد أحرُف جمعه على مفرَدِه، ولا يقفُ الحاسب عند شيءٍ معين عن
عدده، وإن أسقطتَ فاءه ولامه مصحفاً، رأيت صفة مَنْ قام معولاً، وإن
قلعت عينه، وجدت فرعاً متفرعاً في الحطّ، وأصلاً متأصلاً. واعكسه
مصحفاً تلق به نسبَ الحافظ أبي سعد، وافتحِ العَيْنَ تجد بقيته شيءٌ إن ضُمَّ
جُرَّ إلى السَّعد، وإذا أُفرِدَ كان اسمَ جِماع أشَرف بيت، لكن بعد التّرخيم،
(١) في (أ): ((وجود)).
(٢) في (ط): ((يركع)).
٨١٧

واسم لقبيل خالده الذي كان رئيسَ بني تميم، وتمثل بكلم (١) أخت العراقيّة
الفاروق لما استُشهد زيد، ونطق به مَنْ رام قتل الأسود النَّخعي بعد سقوطه .
مِنَّ الفرس في وقعة الجمل في توسط الكبد، وهو (٢) اسمُ مَنْ نُودي في
رابعة (آل حم)، فلم يَغِبْ مَنْ ناداه، ومَنْ نُودي في الدار المكرم (٣) أن لا
يجيب في الوقائع سواه.
وإذا صيرت أوَّله ثانياً، وحذفت أداة الاستفهام مراعياً، استفتحتَ
حينئذٍ مغلقَه، وشاهدته معلقاً في أول المعلّقة. فإن صحّفته، رأيت قوامَ دیار
مصر ما أعدلَه مِنْ قوام، طالما عدل وربما جار كدأب غيره مِنَ الحكام.
ملك - وإن شئت قلت: هو ملك - يجري الفلك ويدور معه الفلك، طالما
تردّد إلى ضواحي مصر تردّدَ الزُّوَّار، وقال حين واصل المعشوق: الحمد لله
على طول الأعمار والرجوع إلى الآثار.
· وفي الجملة، فالوقت يضيق عَنِ استيعابٍ صفته، وأقصى نهاية معرفة
الأديب أن يُقِرَّ بالعجز عَنْ معرفته. وكيف لا، ومنشئه ذو النّظم الذي نُشِرَت
في الآفاق دواوينه، وزُخْرفت مِنْ كلُّ بيتٍ يخترعُه بأنواعِ الزَّين أواوينُه،
وثقلت يوم العرض على الملك الممدَّح لطول نَفَسِه موازينُه، والنَّثر الذي
جمع بين الفُحولية والانسجام، فكان ممتنعاً سهلاً، واستعمل المعنى اللطيف
باللفظ القوي، فكان جزيلاً جَزْلاً .
فلو رأى ابنُ المنجُم دراري ألفاظه الملغزة في آلة الوقت، تُشرقُ في
دياجي المنثور والمنظوم، للازَمَ في غَسَقِ الليالي لمدحِهِ مراصدَ الفَلَكِ
ومواقِعَ النُّجوم. أو ابنُ السَّاعاتي، لأخفى كواكبه السَّيَّارة تحتَ النُّجوم. أو
البديع الإصطرلابي، لغيَّبَ شمسَ معرفته وراء الغيوم.
(١) في (ب، ط): ((بكله)).
(٢) في (ط): ((وهم).
(٣) في (ط): ((المكرمة)).
٨١٨

فالله يُبقي لذهنه الكامل الوافِر عمرَه الطويل المديد(١)، ويديم لسناء الملك
- بل الممالك - سعدَه السَّعيد وجدَّه الجديد، ويلهمُه الإغضاء عمَّا وقع في هذا
الجواب مِنْ دُرِّ غير نضيد، وبناء غير مشيد، وبسط عُذر مَنْ شغلته دواعي القضاء
المقدور، حتَّى ذُبح بغير سكين، وجرى دمُه مِنْ غير وريد، ويرفعُ قدرَه إلى
أشرف رُتبة يشرق وجهه فيها طَلْقَ المحيًّا، ويطرق ضِدّه منها كمن أذهب عقله
الحُمَيّا، إلى أن يلتقي مِنْ بعد يأس سُهيل في الكواكب والثُّريًّا.
وكتب إليه شيخه حافظ الوقت الزين عبد الرحيم العراقي رحمهما الله
ملغزاً (٢) في (أنس):
أو سكَّنُوا العَيْنَ تراه أهلا
ما اسمٌ إذا ما مُذَّ كان فعلا
يكن دواء للمريض سهلا
القسم من كُلْف أو قَلَبْتَه
مِنْ واحدٍ على الأصحّ أصلا
أو بلدة أو اسم جمع ماله
أو اسم أنثى أو مفاعلٌ جرى
وإن تصحَّفَ جاء الاستفهام أو
وإن قلبتَ يا فتى تصحيفَهُ
أو هو فعل ضارع الأسماءَ أو
فأجابه وعرضه على الملغز:
ما القَطْرُ أرجاء الرِّياضِ حلاًّ
أحسنَ في نفسٍ اللَّبيب منظرا
من دُرَرٍ نظمَها سيدُنَا
يا مالكاً في أنس ألغزّ ما.
ما ملَّ فكري بعد أن كرَّره
مِنْ حرفة بالغرب تترى تُدلى
فردٍ مِنَ الأسماء عزَّ مِثْلا
فذاك فصل من سنينا هلأ
شيءٌ مِنَ الأشياء فاسمَغْ حلاً
فبالزّهورِ للغصُون جَلاَّ
ولا ألذ موقعاً وأحلى
عبدُ الرَّحيم الفاضلُ المُعلأَّ
يجلى على الأسماع حين يُتلى
عليه ألفاً والبليد ملأً
(١) ساقطة من (أ).
(٢) زيادة من (ط).
٨١٩

في حُسْنٍ تفريعِ حواه أصلا
ولم أقِفْ قِطُ على مثالِه
والرَّأي منكم في القبُول أعلى
وقد تجاسرتُ مجيباً قاصراً
وكتب للإمام الموقّ علي بن إبراهيم الإبيِّ لمَّا دخل مصر محاجياً:
وخلّفوني طريخـا
إنّ الأحبّة بانوا
عكسُ مثل بانُوا صحيحا
فحاج يا صاحِ ما
فأجابه بما أنشدنيه مِنْ لفظه بالمسجد الحرام:
طابــت لنشرِكَ ريحا
أهلاً بأُخجِيَةٍ قَدْ
أحيَتْ فؤاداً جريحـا
كالأقحوان نـداهـا
فكتب إليه ثانياً أحجية فيها زيادة على الأولى، وهي:
تبدَّت دارُ مَنْ أهوى. فَسِرْ يا حَادِيَ النُّوقِ
بدا منزل مـعـشـوقٍ
وصحَّف قلب معنى قد (١)
فأجابه بما أنشدنيه أيضاً:
ولا أجمالي(٢) ولا نُوقي
مقامي دُونَ ما قُلْتُم
بيتٌ غيرُ مسْبوقٍ
ويشهد لي أبو داود
وكتب إليه القاضي علاء الدين علي بن آقبرس ملغزاً في رِقُّ:
مساوي ما ستحدثُه الدُّهورُ
أيا قاضي القضاة وقاكَ رَبِّي
لتشفي ما تعلُّلُه الصُّدُورُ
ودُمتَ مُعافياً فيثا زماناً
سرى الإبهام فيها والضَميرُ
وتُعرب عن معاني مشکلاتٍ
(١) ((قد)) ساقطة من (ب).
.(٢) في (ب): ((جمالي)).
٨٢٠ .