Indexed OCR Text
Pages 761-780
الحسن، وأوجب سقمه على خده فَرْضَ الدمع من بعد أن حرّم على جفنه وسَنّ، وأنشد سقمه العافية الذاهبة: ما كان يَغْدُوكَ المُنى لو قيل يوماً تَمَنْ وحبته الأسقام بحبّات قلوبها، وألحقته سماءُ الأمراض بنجومها المشرقة في جسمه، فمتى أوانُ غروبها؟ ولقد لقي من حَرَبِ هذا الجَرَبِ شرَّ نصب، ووجد لما سكب في جسمه الماء مِنْ نار حشاه وصبْ، ومضى عنه جوهرُ العافية بهذا العَرَضِ وذهب، واستيقظ له نائمُ سُقَامه، فأهدى لقلبه الأسى ولجسمه السقام وهَب، ولقد أحجم مِنْ بعد الإقدام، وصار كفُّه من ناره في إسراج، ولسُانه عن عنان القول في إلجام، وزاد على عامَّة الأطباء حقداً، ويصفون له التداوي بالكبريت، ولا يظنُّه يزيدُ النَّار إلا وقداً، ومذ رأى جسمه معمراً بالحبّ، علم أنه مخرَّب، وحين دخل مِنْ باب الحكّة. أيقن أنه مجرَّب، ومع هذا، فالمملوك لا يشتكي إلا إلى الله عز وجل، وإن وجد قلبه مِنْ صبره لما عزَّ وجلّ. ولا يُنكر سيدنا ما تقدم مِنْ هذا الهذيان، فإنه هِجْيرُ السَّقيم، ويُسبل عليه ستر حلمه، فما يغطي على جهل الجهول سوى حلم الحليم، ويتصدق مع حاملها بالمجموعة المجديّة، فقد صبر عنها ما كفاه، ولا يشكُّ أن في مطالعتها عافيته، لما اجتمع (من الثناء) (١) عليها من ألسن وشِفاه، لا برح له في دعاء المولى إلى العافية خير سبب، ولا زال مولانا كنزاً لجواهر الأدب يستغني به إلى أن يستغني عن الأدب. ومنه ما كتب به للمجد ابن مكانس مع قصيدة سينية: يقبّل الأرض، وإن كان لا يُقنعه(٢) إلا مِنْ قُربِ ذلك التقبيل، ويواصل بالأدعية الصالحة، وإن لم يكن مِنْ أهل ذاك القبيل، ويُنهي أنه - (١) ساقطة من (ب). (٢) في (ط): ((يرضيه)). ٧٦١ سطر في مدح المخدوم قصيدةً مقرَّة عند صدورها بالعجز والتقصير، ملتثمة بالحياء تمشي على استحياء، وصاحبها لما نزل عليه من الأجوبة الغنية فقير، وهي جارية يتيمة، سمّاها شرف انتمائها جوهرة ورقيقة الألفاظ، ولسعادة مَنْ نُظمت فيه، أمست مخرّرة، والمسؤول إسعادُها بالنَّظر إليها، وإسعافُها بالوقوف عليها، لا زال المولى واسع الصدر لمن ضيَّق عليه مِنْ صغار المتأدبين، ولا برح ممدَّحاً بسائر اللغات، حتى على رأي العوام بالسّين. ومن رسائله: رسالة في مكدي، منها: وتناول لقوس قامته وتر العصا، وأطاع شيطانَ هواه ولربه قد عصی، وفرَّغ في الملأ سهام إساءته الوافرة وأنفذها، وقرّب كلماته السَّخيفة إلى الأذهان، وهو عن الصواب أبعدها، وسنّ سيفَ لسانه للكُدية وشحذ، ورمى الجياء وراء ظهره ونبذ، ورافق المُكدين وماشى، وأجدب وجهه لمّا عدم ماء الحيا فصنع ما شا، فكم أخطأ طريق الصواب، واعتمد (١) على التمسّك بحبال شمس الكُدية، وهي مِنْ أوهى الأسباب، فهو في الضَّعف والدناءة والجرأة والقُبح والخلاء كالذُّباب. ومنها: من رسالة أولها: يقبّل الأرض التي (٢) أشرق نورُها، وتضاعف عبدُها من الحزن لبعدها(٣)، فتضاعف عندها بقُربه سرورُها، ويُنهى ثناءه الذي حفظ طيه فضاع وكتمه عن الحاسد، وإخفاءُ الشمس لا يُستطاع، وشوقه الذي كلَّما تبلّد بالبُعد خاطره، ذكت ناره، ودمعه الذي ساحله بالبحر . فاحترق، وأنفاسه دخانه، وتساقطُ جمرات الدموع شراره. منها: وودّ المملوكُ لو كان عِوَضاً عَنْ هذه الضَّراعة التي قصَّرت لدى الحضرة النُّورية التي أشرق نورها وتضوّع زهرها، فهي على الحالين نؤَّرتِ، وتيمَّم صعيداً طيّباً، فإنَّ ماء الفضل في مصر معدوم، وأهلُها أقربُ النَّاسِ (١) في (أ): ((واعتمدت)). (٢) في (ب، ط): ((الذي)). (٣) في (ب، ط): ((لبعده). ٧٦٢ لجهل معلوم، والله يحقّق هذا الأمل، ويتبع صحيح النّية بحُسن العمل. ومنها من أخرى يشكو فيها خمول فن الأدب، ومُضيَّ العُمر في التَّعازي والتهاني: وضيَّع المملوكُ جواهرَ کَلِمِه في مدح الأعراض، وكيف لا یضیعُ الجوهر في الفاني، وقد أقسم صدر قلمه أنه لا يعود في العقد بسحر البيان (١) نفّاثاً، وطلّق أبكار هذا الفن الذي لا يلتفت إليه أحدٌ ثلاثاً. ومنها من أخرى إلى بعض الأصحاب: وأدٍمِ السُّرور والشّرب، فالنفس ما تُسَرُّ (٢) إلاَّ بالمُدام، وبادر إلى الصَّبوح قبل أن تَفُكَّ يدُ الصَّباحِ أزرارَ النُّجوم مِنْ عُرى الظلام، وعاشِرٍ الأفرادَ بوصل الخُماسيات مِنْ أقداح الرّاح وقدودِ الملاح، واطرح رداء الاحتشام بعقل مزال(٣) وجدّ مزاح حتى ترى ثعلب الفجر وقلبه يخفق خوفاً من بُزوغ الغزالة، والعاشق واصَلَ سَقْيَ محبوبه ولم يخشَ صدّه وملاله. ومنها: وَصِلْ مَنْ قطعت مِنْ غُررْ أحبابك ودُررٌ حبابك، وكمِّل بالحضور تَرَحَ أعدائك وفرَحَ أصحابك، فقد مَسَحَتْ راحةُ الثُّريًّا جفون النّدامى مِنَ المنام، وهبُّوا لشأنهم على العادة وقت الأذان، والسلام إن شاء الله تعالى. ومنها استدعاء للقاضي بدر الدين بن الدماميني: الحمد لله مجيب الدَّاعي أن رأى المخدوم ثبّت الله أحكامه، وأعلى . في الخافقين أعلامه، ما طلع بمصر بدرٌ تراه الشهب منها أسنى، وما أنبتت راحته في رياض طرسه أغصان سطور إذا وقع فيها قلمه، قلنا: هذه الروضّة الغنَّا، وما أمست محاسنُ لفظه زائدة، وأصبح في الفضل معنا حتى يعود به" ميتُ الآداب حياً، ويروي بفضله قارىء كلامه، فيظن أنه لثم ثغر محبوبته . (١) في (أ): ((اللسان)). (٢) في (ط): ((ما تنصر)). (٣) في (ب): ((زائل)). ٧٦٣ ريّا، ويشوي به قلب الحاسد، حتى يعود كأنَّه لم يكن شيئاً، وحتى يلتقي من بعد يأس سهيل في الكواكب والثّريًّا، أن يتفضَّل بنقل خطاه المبرّأة مِنَ الخطأ، الساعية لطائفة الأدب، وهي عن سواهم بطًّا، إلى منزل جاور النيل، والنيل جاري، ودرى بمحبَّتي من النسيم، فأتحفني به، فهو على كل حالٍ داري، أعين طاقاته السبع ترى مِنْ كلُ عينٍ منها النيل، وحديثُ اعتلالِ النَّسيم منه صح، ولا شيء أحسن مِنْ صحّة العليل. منها: والمملوك يخشى إن قصَّر في الوصف فوات ما أمَّل، ويخاف الفضيحة في آخر إن ورَّى في الوصف وأوَّل، ولولا علمه بفوائد مولانا في الإفضال، ما تجاسر على السُّؤال، وهو يتحقَّق الصَّفحَ عَنِ التَّقصير، فلا يطوّل بالمعاذير، وإن تكن الأخرى. فما احتيالي إذا خُلِقْتُ فتى تجري بما ساءني حكم المقادير نعم . وما أنا خاشٍ أن تخيب وسائلي لديك ولكن أهنأ البرّ عاجلة والله تعالى يُديم بقاءه ما أُجيبَ سائل، ونسب أيده الله في جرِّ ذيل الفخار في البيان إلى سحبان وائل، إن شاء الله تعالى. ومنها مِنْ أخرى كتبها إلى بعض الأكابر مِنَ الصعيد: وكان المملوك أقسمَ أن لا بدَّ لَه مِنَ الانتقال، وسأل بعد أن أوقعه البَيْنُ في عثرته أن يقال، ولعبت به يمين النوى كما لعبت بالطّلل ريحُ الشّمال، وفارق ربيع الخضرة، فنومه بعدها محرم ودمعُهُ جمادى، وألبسته ليالي الفرقة السود، حين سلَّ بياضُ المشيب على رأسه سيوفاً حداداً. ولا ينكر سيدنا منّ التَّقصير في هذه المكاتبة، فأنا على كلِّ حالٍ مسافر، وقد نهيت عزمي عن العود للنّوى، فقال: إني مقلعٌ (١) قلت: إياك : (١) في (أ): ((معلق))، تحريف. ٧٦٤ أن تعود وحاذِز، والله المسؤول أن يسهّل المشقّة، ويطوي هذه الشِّقَّة، فهو بتفصيل الحال عليم، وإذا انتهى الخَطْبُ الجسيم، تُوقّعَ الفرج العظيم، والله أسأل أن يقدر بخير. ومنها من أخرى: يقبِّل الأرضَ حيثُ سماء المكارم ليس دونها حجاب، ومنازل السَّعد التي لا طاقة للعُفاة بفراقها مُفتّحة الأبواب، وخيام الفضل التي لا فواضل لها عن المجد ثابتة الأوتاد، قوية الأسباب والجبين طَلْقُ المحيًّا، واليمين ممدودة لطالب اليسار تقول: هيا، والمجد باقٍ إلى أن يلتقي من بأس سُهيل في الكواكب والثّريًّا، وينهي وصول المثال الذي لو رآه الحريري، لعقد عليه الخناصر، لعلمه بأنه من الطراز الأول، فوقف له إجلالاً، وعليه اتباعاً لأوامره وامتثالاً، وقبل أحرفه على أنها الأسرَّة، وأسطره على أنَّها الأنامل التي تهبُ المسرَّة، وكخل به طرِفه، لأنه من النُّوراني، وروى عنه حديث المودّة لما رآه مثبتاً، ووذَّ لو أُعطيَ لفظاً طائلاً، فأطاب(١) في وصفه وأطال، أو ذهناً حديداً، فقابل به ذلك الذهب(٢) السيّال، لكن ذِهْن المملوك تبلَّد في السّفر، مع أنَّ نيرانَ قلبه ذكيّة، ورويّته مثل(٣) بديهته سقيمة مما قاساه(٤) دون البريّة ... إلى أن قال ما ختم به ما كتب به على ((بديعية الوجيه العلوي)) الماضي في أوائل الباب(٥): (زال)(٦) في سعادة لازمة له لزوم الهمزة للاستعلاء على ما ألف، وكان المبتدأ صدر الكلام(٧)، واللام للتّعريف بعد الألف، ودام منادي عيشه لا يُرَخَّم، وأحمد زمانه لا ينصرف، وأدام تصرُّفَه بحكم اللسان والأقلام، وخدم مجلسه الكريم بأفضل التحيّة والإكرام، والسلام. (١) في (أ): ((فأضاف)). (٢)(٣) ساقطة من (أ). (٤) في (أ): ((سقاه))، تحريف. (٥) ص ٧٢٤. (٦) ساقطة من (أ). (٧) في (ب): ((الكتاب)). ٧٦٥ ومنها من أخرى: يقبّلُ الأرض تقبيلاً هو عليه آكدُ مِنَ الفرض، ويُعربُ(١) عن طول الوُدِّ المبنيِ إلى يوم العرض، وينهي شوقاً أقلق خاطره، ودمعاً أسهر ناظره، وتلهُّفاً على الحضرة التي غاب عنها، وتلهُّباً (٢) على الجنّة التي خرج منها. ومنها من تعزية : عفا الله عنه وسامحه، وجعل سحائب الرضوان غادية عليه بنفحة طيبة ورائحة . ومنها من أخرى: يقبل الأرضّ متلهفاً على وجودها، متأسّفاً على مفارقة كرمها وجودها، نادباً على نفسه، نادماً على مرافقته غيرَ نوعه ومفارقة أبناء جنسه، وإنما: یتشگی من به رمق. ولا تحسبوا أنَّ الغريبَ الذي نأى. ولكن مَنْ تَنْأوْنَ عنه غریبُ ومنها من أخرى : · يقبل الأرض، وكيف له بذلك حقيقةً؟ وأنَّى له بالتَّمثُل بين أيادي مخدومه الجليلة ولو قدرَ دقيقة، ويبالغ في المدح بما لا يلقى وزيادة في نعمائه شقيقة، وينهي أنه قد فارق المخدوم قليل الصبر، بل عديمه، كثير الأرق، بل مستديمة، لا تمضي لحظة، إلا وذِكْر المولى شعاره، ولا طرفة عين إلاّ وأنيسه آثاره. ومنها من أخرى: يقبل الأرض، وكيف له بذلك؟ ومَنْ معينه على وُلُوج تلك المسالك، ونهاية مطلبه إحياء قلبه بالإقامة في الحضرة التي يأمَنُ فيها مِنَ .(٣) دار الهجرة ومالك. المهالك. (١) في (أ): ((ويعرض))، تحريف. (٢) في (أ، ب): ((وتلهف)). (٣) بياض في الأصول. ٧٦٦ ومنها من أخرى: يقبل الأرض سقى الله حماها، وحمى نبتها بعين رعايته وكلاها، وجعل خادمها من سائر الأسواء فداها، وينهي ورود المثال الكريم، فوقف عليه وما وقف عنه، وأطال ظامىء نظره إليه، ولم يبلغ الرِّيَّ منه، واستشفى به مِنَ النَّسيم لجسمه الناحل، واستسقى بميمون غُرَّته في البلد الماحل، واستغنى به عن الوسْمِيِّ والولي، وارتفع به مقداره، لأنّه(١) أتاه من عَلِيّ. وإن لأخبارِ الأحبة فرحةً ولا فرحة المجهود فاجأه القطرُ ومنها من أخرى : مَنْ له بدار المولى التي كان إليها لا لها مهاجراً، وبجامع محاسنه الأزهر الذي تسعى إليه النواظر على النواظر، وبعَروض محادثته لا عُروض تجارته التي دارت عليها الدوائر، وبكامل ودّه المثري مِنْ بحرٍ كرمه بالمديد الوافر، وبإعراب فضله الذي لزم الحركات، فهو للأذهان سابح، وللهموم شافع، وللأحزان كاسر .... إلى أن قال: ولله أيام قربه ما كان أعلنها بالحُسْنِ وأسرَّها(٢)، وليالي أنسه ما كان أحلاها وأمرّها، وما عنى المملوكُ إلا سُرعة المرور، لأن المرارة لا تُنسب إلى ليالي السرور. ومنها من أخرى إلى من يُسمَّى شرف الدين: يقبل الأرض ذات الشرف السامي، والفضل النامي، والفكرة التي إذا نظرت في بحور النظم تصيب البحر الطّامي، والرويَّة التي تصيب الأغراض وافرة سهامها وناشرة إلى الرَّامي. ومنها ما كتب به إلى القاضي نور الدين، وهو بالقدس الشريف: (١) في (ب): ((لا أنه)). (٢) ساقطة من (ب). ٧٦٧ فإنني ساءني من بعدكم وطني من سرّه وطنٌ يوماً أقام به عن طرفه لا الذي ينأى عَنِ السَّكِنِ إنَّ الغريب الذي تنأى أحبَّتُه أسأت والعفوَ أرجو يا أبا الحَسَنِ إن کنتُ أذنبتُ لمّا أن أقمتُ فقد سمَّى عليّاً كثيرٌ في الأنام ولم يُبْصَرِ سواك حكى معنى اسمه فَكُنٍ يقبل الأرض التي فاحت أرجاؤها وتعطرت، وأشرقت أزهارها، فهي على الحالين نوّرت، وما هي إلاَّ سماءً ذات نور، وشريعة فضل شرعت للورود، فشفتِ الصُّدور، وبُيوت رُفعت بذكر الله، فجزم البلغاء أنهم عن وصفها في قصور، فواشوقاه لذاك المحلّ الأقصى، فقد مللتُ مِنْ هذا المحلّ الأدنى، وواأسفاه على فراق تلك الذات التي حوت الحُسْنَ والحُسنى، ويا صِدْقَ لفظٍ مَنْ قال كأنه كان حاضراً معنا: ارْضَ لمن غاب عنك غيبتَه فذاك ذنبٌ عقابُه فيه وينهى أنه ما برح على وظيفة الثناء بمصر بعد رحيل المخدوم مقيم، وإلى أخبارِه السَّارَّة كلَّما نظر إلى نجوم دموعه الحالَّة سقيم، وقلبه مِنْ توقَّد نار البُعد في تلهُّب، ولا عجب إذا تحرّق على فراق الصَّديق الحميم. أمَّا يدُ الحزن، فإنه أسيرُها، وأَمَّا كثرة الأسقام، فعنده إكسيرُها، وقد أمشى بحزن نحوك لا ينفَدُ، مع أنه لا يشتكي إلاَّ إلى الله علا وجلّ، ((وأقام جسده بمصر، ووصلت روحه القدس)) كما يقال في المثل. وكيف لا، وفي قُرب المخدوم وهو أعلى قدراً من الرئيسين: الشقاء والنجاة، ومن التجأ إلى جنابه أتاه شرف وجاه، فهب (أن ليالي)(١) افتراقه عديمة السُّرور، فظلمه النواحي، ولسان حالها(٢) يقول: ﴿وَمَن لَّ يَجْعَلِ اَللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَّهُ مِن نُّورٍ ﴾ [النور: ٤٠]. فأفضى الأمرُ فيها للرجاء(٣) وكم مِنْ شِدَّةٍ عَظُمتِ وجلَّتْ (١) ساقطة من (ب، ط). (٢) في (أ): ((حاله)» .. (٣) في (ح): ((للرخاء)). ٧٦٨ وما خطرت دواعي الشّوق إلا هَزَزْتُ إليك أجنحة التّصابي والله المسؤول أن يطوي هذه الشُّقَّة بلطفه المحرر، ويسهّل هذه المشقّة على الجملة، فهو بتفصيل الحال أخبر، ويبقى المخدوم في مسرَّة لا ينقضي أمدُها، ونِعَم لا يحصى عددُها، ولطائفَ لا ينقطع مددُها، ما رُحم غريب، واشتاق الخليل إلى بيت المقدس إذا حلَّه حبيب بمنّه وكرمه . ومنها من أخرى في جوابٍ عن لغز في ((سحاب»: وقفت على هذا اللُّغزِ الكريم، لا زالت أيادي منشئه ممطّرة بالمعاني العِذاب، وساكنة إلى يوم ترى الجبالَ تحسبها جامدةً، وهي تمرّ مرَّ السحاب، وأطال بقاءه ما غنَّت حمامة، ونُسِجَت عمامة، فوجدته كريماً في أصله، وإن رُخّمَ بتحريف كان مصدر فعله، وإن حوّل ثانيه أولاً وصُحّف، كان قلبه، وهو الطهور نجساً، وإن ترك على حاله، صار إذا نشأ عنه ضحك الرياض معبساً : يبكي ليضحك نورُهُنَّ فيا لَهُ ضحكاً تولّد عَنْ بُكاءِ سحابٍ وانتهيتُ بالقراءة إلى آخره، وإن كان فضل صاحبه غير متناه، ونبَّهني منهاج فضله تنبيهاً (١)، فقرأت كتاب الطهارة باب المياه، وتأمَّلتُ خطّه، فرأيته إذ فاق في الكتابة آتاهُ الله فنَّ البلاغة بغير حساب، ولمّا رأيتُ الغيث يهمي مِنْ أياديه، عرفتُ أنَّها هي السَّحابُ، والله يحيي هذا المولى لهذا البحر، يجني مديده وطويله، ويسعد الدَّهر الذي نشأ فيه هذا الأصل(٢)، حفظ الله منه اسمه ونسبه شمسه وأصيله، إن شاء الله تعالى. (١) في (أ): ((بينهما)). (٢) في (ح): ((الأصيل)). ٧٦٩ ومن الثاني - أعني خُطَبَ كُتبه قوله في خطبة كتاب ((اختيار دمية القصر)) للباخرزي: أما بعد حمد الله الذي جعل لنا عن مريض المقال حِمْية، وأهدى لنا أبكار المعاني، فانتخبنا منها هذه الدُّمية، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أُوتِيَ جِوامع الكَلِم، وعلى آله وصحبه الذين رُوِيَ في فضائلهم ما شُهر كالنجوم وعلم ... إلى أن قال: عفا عنه وسامحه، وجعل سحائب الرضوان غادية عليه بنفحة طيبة ورائحة ... حتى قال: وأسقطت ذِكْرَ الرجل إن كان شعره نازل (١)، ولم ألتقت لتهويل المؤلف في ترجمته إن كان كلامه غير هائل. ومنه خطبة كتاب «الضَّوء الشِّهابي»: . أما بعد حمدِ الله كما أمر على ما علَّم، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أنقذ به من العذاب وسلم، فقد أمر مَنْ طاعتُه حتْمٌ، وأمرُه المرفوع على الرؤوس جَّزْم، أن أجمع له ما جَنَتْهُ يد فكري القصيرة مِنَ الزهور، وأورد له ما شفيت به مِنَ المعاني القليلة الورود الصدور، وأختار ما فرطته سهامُ الرَّويَّة مما رميت به عرض الفكاهة، وإن كنت : أبعدت مرماها، وأهدي إليه مِنْ بطون الأوراق عرائس أنتجتها بناتُ القريحة التي اسمها عين مسمَّاها، فانتهيتُ إلى أمره المتعالي، وانتهيت عن خلاف رأيه الغالي، ورقمت طُرُزاً مذهبة، يتلثم الزَّهر خجلاً منها بالأكمام، وجعلتُ طاعته العمدة في بسط العذر، إذ لم يكن لي بعصيانه إلمام، فأتيت ما حَسُنَ صنعُه، ورفعت إلى حضرته العالية ما شُكِرَ وضعُه، مع أني أتطفل على مشايخ هذا الفن أن يهبَ كلَّ منهم على (١) كذا في الأصول، والصواب: ((نازلاً)). ٧٧٠ أغصان هذه السطور الموائد مِنَ القبول نسيماً، وأن يعيرها إذا بدت منها هفواتُ الصِّبا طرفاً حليماً. ومنه خطبة مجلد من ((تذكرته الأدبية)) فيه مختارهُ مِنْ نظم البرهان القيراطي ونثره: أما بعد حمد الله الذي زيَّن سماء الأدب بمطلع النَّيِّرين، وجمّل بكلمات البرهان الباهرة كلَّ معاند، فكان في مصر صاحب الصِّناعتين، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أوتي جوامع الكلم، وعلى آله وصحبه الذين رُوي في فضائلهم ما اشتهر كالنجوم وعلم وسلم. فهذا الجزء السادس والعشرون(١) من كتاب ((التذكرة))، ابتدأت فيه بانتخاب ((ديوان العلامة برهان الدين القيراطي الشافعي)). وساق نسبه ومولده ووفاته، رحمه الله وعفا عنه وسامحه، وجعل سحائب الرّحمة غادية عليه بنفحة طيبة ورائحة، فانتدبتُ لانتخابه كما يجب، ومشى قلمي في طرق نظمه ونثره غير مضطرب، ورتبتُ ما انتخبتُ على الحروف، ليسهُلَ تناوله، وكتبتُ مِنْ ذهبِ ألفاظِه وجواهرٍ معانيه ما ينمو به للقيراطي عنه حاصله، ولعلَّ فيما تركتُ خيراً ممَّا كتبتُ، لأنّي قبضت يدي عن الإكثار، وهذا ممّا يبسط اعتذاري، ومشيتُ في انتخابه على قدر اختياري، والله الموفّق. وخطبة آخر فيه ((مختاره)) مِنْ شعر المتقدمين: الحمد لله الذي حسَّنَ لكلِّ مختار مذهباً، وصلى الله على أشرف المرسلين محمد المجتبى، وعلى آله وسلم ... إلى أن قال: وهذا الاختيارُ لا ناقةً لي فيه ولا جمل، ولا قول(٢) ولا (١) في (أ): ((والعشرين))، خطأ. (٢) في (ط): ((قوة)). ٧٧١ عمل، وإنَّما جمعتُ بفضِّه، وكتبتُه بنصِّه مِنْ كتاب ((مطلع الفوائد)» لخاتمة : أهل الأدب جمال الدين بن نباتة، فقد اقتصرت عليه، وجنحتُ إليه. ثم قال: إنه زاد على ما اختاره الجمال، لا أنه مستدرك عليه، بل (للناس فيما يعشقون مذاهبٌ). وخطبة آخر: أما بعد حمد الله على مجموع إحسانه، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أجرى الحكمة على لسانه، وعلى آله وسلامه. .ومن خطب استدعاءاته، ولم أظفر منها الآن بما يناسب عَلِيَّ مقامه، لينتفع بذلك من يَروم كتابة استدعاء: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، الهادي مَنْ شاء إلى الصراط المستقيم، والدَّاعي إلى القيام بدينه القويم، وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رب السَّماوات والأرضين(١)، ومَنْ فيهما مِنَ الإنس والجنِّ والملائكة المقربين، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله إلى الخلق كافة، يدعوهم إلى الهدى المنير والحقّ المبين. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وفي خطبة أخرى: والله سبحانه وتعالى المسؤول أن ينفع بذلك، وأن يُشرِقَ أنوار : علومهم إذا أظلم جُنحُ الجهلِ الحالك، وأن يجعلهم نجوماً يهتدي بها إلى الطَّريق القويم كلَّ سالك. (١) في (ب، ط): و((الأرض). ٧٧٢ الفصل الرابع في المقترحات والمطارحات والألغاز البديعة الإيجاز [المقترحات] فمن الأول: ما اقترح القاضي شهاب الدين المحلي عليه وعلى الشّيخ غياث الدِّين ابن خواجا أن ينظما له في عشر درج عشرة أبيات في مدح مكة، والتشوِّق إليها في أصعب وزن ورَوِيٍّ، فاتَّفق رأيُ مَنْ حضر أنَّ ذلك يكونُ في المديد، والرويُّ ظاءً منصوبة، فقال صاحب الترجمة: مُحرِماً يلقى الأماني ويحظا إنَّ بيتَ الله مَنْ حلَّ فيه قد كَفَتْ رؤيته لي وعظا حبَّذا ذلك المقام مقاماً مِنْ شرور الخلقِ أمْناً وحِفْظاً وهبّ الله الذي قد أتاه خيرُ دارٍ جاء منها رسولٌ لم يكن للصَّحبٍ في الخلق فظًا إنَّ لي يا سيّدي فيه حظّا رَبِّ قرُب للحجازِ وُصولي بالهُدى للقاصدي اللّهِ يقظى أُمّ بي أُمَّ القُرى فهي عَيْنٌ ولهم منها الرِّعايةُ لمّا إنَّ مَنْ كان بها ذا غرام لحَظَتْهُمْ بالعناية لحظًا ليس يَضلى قطُّ ناراً تلظّى ٧٧٣ طابَ مَذْحي في ثنائي عليها سَعْدُ نظمي كون مدحي لها وقال الغيات(١) المذكور: إنَّ بالبيت العتيق اعتيادي وإلى حِفْظِ الوداد اغتنائي رقَّ قلبي مِنْ غليظ جفاءِ مِنْ دموعي قد غدا القيظُ برداً. لستُ ممِّن للملامةِ يُصغي ومتى أدعو بصدقٍ صفاءٍ وأُناجي اللّه في حجر إسماعيل والتزامي ذيلَهُ بمقام لم يخب وبالأركان اليمين بأني وأُعيذُ الحسن منك بحفظ الله حبِّذا ذاك معنَى وَلَّفْظَا يا سَعْد في صَعْبِ القوافي كالِظَا مِنْ لَظى هجر بهِ أتلظَّى حفظ ودِّ ساء أو دام لفظا أتُراه هل يرفُق غِلظا ومِنَّ انفاسي ترى البرد قيظا لائمي مُتْ ۔ لستُ أرجِعُ - غيظا رمتُ أني لو بمروة أحظى فيما تابني منه وعظا داع وإن كان فظَّ لستُ أخفي مِنْ ثنائك لفظًا ربِّ راحم جلَّ حفظا ومنه، وقد اقترح خمسةٌ ممَّن ينظمُ الشِّعر اجتمعوا بالطُّور عند توجّه صاحب الترجمة إلى اليمن في سنة تسع وتسعين وسبعمائة - وهم: صاحب الترجمة، والنَّجم محمد بن أبي بكر المُرجاني، والصَّلاح خليل بن محمد الأقفهسي، والرَّضيُّ أبو بكر بن أبي المعالي، والشَّرف - إنشادهم بيتاً بيتاً : على الفور، آخرُ كلِّ بيتٍ أوَّلُ البيت الذي يُنشده الذي يلي المنشد، فتحصَّلَ لصاحبِ التّرجمةَ ممَّا نظمه بديهةً في ذلك المجلس هذه الأبيات: أهوى هواك ودعه لا يُبقي عليَّ ولا يَذَّرْ والعِشْقُ أيسَرُه السَّهَزْ نام الخَلِيُّ ولم أنمْ (١) في (ب): «الغيث». ٧٧٤ لاموا المُحِبَّ وما دَرَوْا رُخ يا عذولُ(١) فإنَّ في بان الحبيبُ وقد صَبَا نجمٌ يروقُك بالضّيا تمَّت مَحاسِنُ وجهِهِ قَمَرَ العُقولَ بحُسنِهِ أبكى ويغدُو ضاحكاً لا بدَّلي منه خيا كم لي ربيعٌ بالحبيب كان العَذُولُ يلُومُني الله مَجْلِسُ لَذَّةِ فمُدامُنا رَقَّت كما والنَّهْرُ يخفِقُ قلبُه والطَّيْرُ إِذْ غَنَّا حبانا الـ لا تَبْقَ لذَّةُ ساعةٍ واضبِز لكَيْ تحظى فما وإذا دنا منها الثّوى أنَّ الهوى سَبَبُ الظّفّز حالِ المتَّيَّمِ معتَبَرْ قلبي إليه وما صَبَرْ وفي الحَشَا منه شَرَرْ والبَذرُ ينقُصُ إن سَفَرْ مِنْ أجل ذا قالوا: قَمَرْ كالبَرْقِ عُقباه المَطَز لاَ غابَ أو شَخْصاً حَضَرْ(٢) وطَيْرُ أسعدِنا صَفَرْ فمذِ انْجلى بَدْري عَذَرْ فالأنُسُ فيه مُدَّكَز رقَّ النَّسيمُ مِنَ الكَدَرْ فرحاً بقَدْكَ إنْ خطَرْ ـغُصْنُ منثُورَ الزَّهَزْ تأتي كَلَمْحٍ بِالبصر (٣) صَبَرَ امرؤٌ إلاَّ قَدَرْ فالرَّبُّ أولى مَنْ غَفَز وقد أسقط منها ما لم يرتضه الناظم. (١) في (ب): ((عذولي)). (٢) في (أ): ((خطر)). (٣) في (ب): ((للبصر)). ٧٧٥ واجتمعوا أيضاً على النظم بديهةً في قافية النُّون مِنَ الوافر، فقال شيخنا : ا جُنوني في محيَّتِكُمْ فِنِونُ وقصدُ سواكمُ ما لا يكون فقال النَّجم المُرجائي: لأنَّ وِدادَكم عنْدي کمیِنُ ولم أُضْمِر سُلوّاً عَنْ هَواكُم فقال الأقفهسيُّ: حبيباً في الفُؤادِ لَهُ سكونُ وعُذَّالِي تُحَرُّكُنِي لِأسْلُوِ فقال شيخنا : وكم لي في هواكم مِنْ شُجُونٍ حديثُ محبتي فيها شجونُ فقال الأقفهسيُّ: على أنّي وإن بَعُدَ الثَّلاقي مُحِبُّ لا أمينُ ولا أُخُونُ فقال الرَّضيُّ : . وكم أضْمَرْتُ في قلبي هواكم زماناً والدُّموع له تُبِينُ فقال الشّرفُ: محِبُّ لا تغيِّرُه الظُّئُونُ وكم يَسْعَوْنَ في تَلَفِي لأنّي فقال شيخنا : لهُمْ دِينٌ وللعُشَّاقَ دِينُ وعُذَّالُ المحبِّ على هواكم فقال: المُرجانيُّ : وكم سهرت عُيوني في هواكم وقد نامت لعُذَّالي عُيونُ ٧٧٦ فقال الرَّضيُّ : وما أدري أغيٍّ أمْ رشادٌ جفاكم والهوى داءٌ دفينُ فقال الشّرفُ: غزيرٌ والدَّمُوع لها شؤونُ نُجومُ اللَّيلِ تشهَدُ أنَّ دَمعي فقال شيخُنا: فدمعي بعد عِزَّتِه مَهِينٌ وجِسمي مِنْ سُقامي لا يَبينُ فقال النَّجمُ: فكيف له مِنَ اللأَّحي قرين ومَنْ لم يغشُ عَنْ ذکری حبیپٍ وهذه الأبيات مختار ما قيل، لأنها كانت أكثرَ مِنْ ذلك. واقترح صاحبُ التَّرجمة في سنة سبع وتسعين على الصَّدر علي ابن الأمين محمد بن محمد الدمشقي ابن الأدمي أن يعمل على نمط(١) قوله مما يُقرأ على وزنين وقافيتين مِنْ كلمة، وهو ممَّا انفرد بالسِّبق به، وكذا اقترحه على غيره مِنْ أَدباء عصره، وهُما (٢) أول ما نظمهما صاحبُ الترجمة في ذلك. ح فَمَنْ لي بمجيء الصَّبا نسيمكم يُنعشني والدُّجى طال ويا صِبَاحَ الوَجْهِ فارَقْتُكُم فَشِبْتُ مِمّاً إِذْ فَقَدْتُ الصِّبًا ح فقال الصدر ما أنشده لصاحب الترجمة بعدُ بسنين، وكان عملهما قبلُ : يا مُتهمي بالصَّبر (٣) كُن مُنجدي ولا تُطل رفضي فإني علي ل (١) في (أ): (في نمط)). (٢) في (ب): ((وهذان)). (٣) في (ط): ((بالسقم)). ٧٧٧ أنتَ خليلي فَبِحَقُ الهَوَى كُنْ لشجُوني راجماً يا خَلِي ل ومَّما نظمه صاحبُ الترجمة فيما يُقرأ على وزنين(١) أيضاً: أجر الهوى دهراً فضاعَ الثّوا ثَوَیْتُ فیکم راجياً مِنْكُمُ · جوىّ فما منُّوا ولا بالجوا ردُّوا جوابي ودَعُونِي أَمُتْ وله [كالذي قبله في البيت الثاني فقط] (٢): ب ب مدجي في علاكمُ وَالسَّمَاح الذي هَمَا كيف لا وهي في السَّمَا قَدْ عَلَتْ في ارتفاعها ح ونظم صاحبُ التَّرجمة في مبادي نظمه - قال: أظنُّه في سنة ثلاث وتسعين - قصيدة جاء منها: بالعدِّ إذا طال بعدَ البَذْرِ تَسْهيدي أرعى النُّجوم كأنِّي رُمْتُ أُخْصُرُهَا . والأُفْقُ قد ملَّ في الحالَيْن تعديدي وكم أعدْدُ إذْ أبكي على قمري قال: وحسِبْتُ أنني انفردت(٣) بهذا المعنى، لأنني لم أره في أشعار مَنْ تقدَّمَ إلاَّ جِناساً، فأنشدتُ لصاحبي القاضي بدر الدين المخزومي ابن الدماميني قصيدة نظمها في سنة خمس وتسعين، جاء منها قوله: بَوَسْنَانِ طَرْفي فیه بالوجد سهَّدا خليليَّ إنِّي فُتِنْتُ لِبشقْوَتي يَرومان تعديداً لأوصافٍ حُسْنِه. عليَّ وقد مِتُّ اشتياقاً فعدِّدا وتذاكرت أنا والمجد(٤) بن مكانس، فأنشدني لنفسه مِنْ قصيدة ذكر لي أنَّها متقدمة النَّظم، لعلّه نظمها قبل التسعين، جاء منها قوله: (١) في (ط): ((قافیتین)). (٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٣) في (أ): «أتفرد)). .(٤) في (ط): ((والمحب)»، خطأ. ٧٧٨ تُعَدُّ سُقماً بكى وعدَّد وعاذلي مُذْ رأى ضُلوعي فطال تعجّبي مِنْ تجاذبنا الثَّلاثة أهدابَ هذا المعنى، ولعلّ أحدنا لم يطّلع على نظم الآخر قبل ذلك، وتوارد الخاطر في المعاني يصحّ، ولا يكادُ يصحُّ في الألفاظ إلّ في النَّدر. [قلت: وللمجد أيضاً من أبيات قوله: ويسرّ ناظرنا بعدٌ صفاته واعَجْبْ لمسرُورِ الفؤاد يُعدِّدُ والله الموفق](١): وتذاكر صاحبُ الترجمة هو والمجدُ فضل الله بن مكانس الموشحات والخرجات الزَّجليَّة، وما اخترعه (٢) القاضي السعيد مِنْ جَعْلِ الخرجة بالفارسية، ولكن أغربَ بها، وأذهبَ رونقها، فقال صاحبُ الترجمة للمجد: إنّ أريدُ أن أنظِمَ موشَّحاً أجعلُ خرجته تركيَّة، ولكنها مفهومةٌ معلومة، فاستجادَ ذلك، وقال له: ظهرتْ لي خرجةٌ وفيها تورية، فتفكّر صاحبُ التَّرجمة أيضاً، وظفر بأخرى بتورية، وتفارقا على النَّظُم، فنظم المجدُ: هم حملوا وساروا بل اعتذروا وجاروا فأشتكيهم لمنْ سارُوا بمن سيأتي عني بِزَغْمه وصدَّني زماني عَنْ رَشِْفِ ظَلْمِهِ والبحرُ(٣) قَذْ رَمَاني عمداً بظُلْمِهِ فمدمعي بحارِّ وليس لي قرارٌ وَالوَجْدُ عندي سكنْ ما كان رأي حبي أفديه ذا الـنَّوى ولا عذاب قلبي بالبَيْنِ والجوى (١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب) وزاده المصنف بخطه في هامش (ح). (٢) في (ط): ((اقترحه). (٣) في (ح): ((والهجر)). ٧٧٩ ..- فاخذَزْ كُفيتَ كربي تغترّ بالهوى فعِتْقُه: إسارُ وَأَنْسُه نِفَارُ والسِّرُّ فيه عَلَنْ قل للجفون تذري دمعي غمائما حَتَّى يعودّ بدري إليَّ سالِمَا حتَّى يصيرَ دهري بالوصل راحما ويقرُبُ المزارُ ويرجعُ المسارُ ويصطفيني الزَّمنْ أفديه مِنْ غزالٍ للتَّرك أصلُهُ قد فاق في الجمالِ فعزَّ مثلُهُ وجاء بالوِصال فجلَّ فِعلُهُ له الحشا دثارُ له الوفا شعارُ له عِليَّ الِمِنّنْ ظبيّ بديعُ حُسْنِ كالبدرِ فِي الثَّمَامْ عِذَارُه مَسَبِّي وطرفُه حُسِامْ فَرُحْ إليهَ عِنْي بالكُثْب والسَّلامُ وانظُر إلى عذار وبهجة اخضرارٍ وقل لو يخشى مَسَنْ وقال صاحب الترجمة: إِذْ لَمْ تَجِدْ فَتِىَّ حُرْ صِلْ قاصِداً قَدْ أَمَّلَكْ لم تفتقر الواسطة فأنتَ عِقْدٌ مِثْمِنُ والجودُ فِيكَ ضابطَهُ وأنت شكلٌ حسنٌ فلا تَقُلْ يَا مُحْسِنُ فالوَصْفُ لن يُمَثّلَك(١) هذا الشَّنا مغالطَةْ لكل صبُّ يشعر كيف وطَرْفي ما هَجَغْ بالطَّيْفَ قَدْ وعدتني (١) في (ح): ((فالوصف لك لن يمتلك)). ٧٨٠