Indexed OCR Text

Pages 701-720

علاء الدين الفاضل جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن، أو بعد وجوده،
لكن قبل تأهُّله، وإلا فكان يقول: إنهم أربعة في نَسَقٍ، وهو نوع ظريف.
وفي هذا البيت أيضاً الفاضل بدر الدين محمد بن الشهاب أحمد بن
التاج ابن قاضي القضاة جلال الدين، بل كان للقاضي علاء الدين ابنّ اسمه
بهاء الدين محمد، ختم القرآن، وصلَّى به للناس على جاري العادة في
مدرستهم، واستدعى أبوه شيخنا ليلة الختم، وكان حافلاً، وخطب المذكور
بحضوره، وروى في الخطبة(١) عنه ((الحديث المسلسل بالأولية))، فكاد
القاضي علم الدين يُقَدَّ مِنْ ذلك، لكونه من جماعة بيته وفي مدرسة والده.
واستمرَّ العلاء المذكور متأخراً عنده بسبب ذلك، ولم ينفك هو عن محبة
شيخنا، والمداومة على الدعاء له حتى الآن. وكذا من الأسباب المقتضية
لعدم تقدم العلاء عند عمٍّ والده: معارضتُه له في ادّعاء القرابة بين كعب
وطلحة، كما أسلفتُه قُبيل الإشارة إلى المحنة من الباب الرابع(٢).
والعلاَّمة الحُفَظّة علاء الدين علي بن المغلي الحنبلي، استكتب
((المقدمة)). والعلامة علاء الدين علي بن خطيب الناصرية، كتب بخطه من
((تغليق التعليق))، و((المقدمة)) وغيرهما. والعلامة المفنّن سراج الدين عمر
قارىء الهداية الحنفي، كتب ((المقدمة)) بخطه. والإمام البدر محمد بن
إبراهيم البشتكي. كتب قطعة من ((تهذيب التهذيب)) وغيرها. والشيخ شمس
الدين محمد بن الخضر بن المصري، كتب بخطه ((المقدمة))، وكثيراً مِنَ
((الشرح))، وغير ذلك. والعلامة المفنَّن شمس الدين محمد بن عبد الدائم
البرماوي، كتب ((المقدمة)) وغيرها، بل ((المقدمة)) أحد أصوله في ((شرح
البخاري)) الذي عمله. والعلامة كمال الدين محمد بن محمد بن حسن
الشُّمُنِي، كتب بخطه منها الكثير.
وشيخ القرّاء العلامة شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن
محمد بن الجزري، نسخ بخطه من أول ((المقدمة))، واستعان بجماعة حتى
(١) في (ط): ((خطبته)).
(٢) ص ٦٣١.
٧٠١

أكمل كتابتها. وراسل الحافظ تقي الدين الفاسي من شيراز يلتمس منه
(تغليق التعليق))، فاتَّفق وصول الكتاب وشيخُنا هناك ومعه منه نسخة،
فجهَّزها إليه، فعاد الجواب بابتهاجه وفرحه بذلك، وأنه شهر الكتاب بتلك
البلاد، ثم أهدى لشيخنا نسخة ((بالنشر)) من تصنيفه، والتمس نشره في
الديار (١) المصرية، وكتب عن شيخنا أيضاً شيئاً من أول ما علَّقه متعقّباً على
جمع رجال «مسند أحمد»، وبالغ في استحسان ما وقع له مِنْ ذلك، وقد
نبّه صاحبُ الترجمة على ذلك في خطبة الكتاب المسمَّى ((تعجيل المنفعة))،
حيث قال ما نصّه: وكنت أفردت الأوهام التي وقعت للحسيني، وتبعه عليها :
ابن شيخنا في ((جزء)) مفرد، كتب عني بعضه العلامة شيخ الإقراء شمس
الدين بن الجزري لمَّا قدم القاهرة سنة سبع وعشرين، وأعجله السَّفر عن
تكملته، وبلغني أنَّه ضمَّه إلى شيءٍ فيما يتعلق ((بالمسند الأحمدي)). انتهى.
وقرأت بخط صاحب الترجمة أيضاً في إجازته لبعض القرَّاء ممَّن أخذ
عن ابن الجزري: حتى إن العلاَّمة في الحديث والقراءات شمس الدين بن
الجزري - وهو يومئذٍ الحاكم بمدينة شيراز - سئل عن موضع معلّق في
الجنائز مَنِ الذي أخرجه موصولاً، فكتب إلى الحافظ تقي الدين الفاسي
بمكة، يسأله(٢) أن يسألني عنه، فاتفق أني حججتُ في تلك السنة، وهي
سنة خمس عشرة، فوقفتُ على كتابه، فجهزت له مع قاصده نسخةً في
مجلدين، فلمَّا حجَّ هو في سنة سبع وعشرين، أحضر النسخة، فمررت
عليها، وألحقت فيها زيادات تجدَّدت بعده، وكافأني عليها بكتابه ((النشر)) في
مجلدين أيضاً، وقرنهما بقصيدة من نظمه. انتهى.
. [وليمة فتح الباري]
ولمَّا تمَّ ((شرح البخاري)) تصنيفاً ومقابلةً ومباحثةً، عمل شيخنا مؤلفه
رحمه الله وليمةً عظيمة بالمكان الذي بناه المؤيد خارج القاهرة بين كوم
(١) في (ب، ط): ((البلاد))
(٢) في (ب، ط): «فسأله)).
٧٠٢

الريش ومنية الشِّيرج، ويُسمَّى بالتاج والسبع وجوه - في يوم السبت ثامن
شعبان سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، وقُرىء المجلس الأخير منه هناك،
وجلس شيخُنا المصنف مع القارىء على الكرسي، وكان يوماً مشهوداً لم
يعهد أهلُ العصر مثله بمحضر من العلماء والقضاة والرؤساء والفضلاء
وغيرهم ممَّن لا يحصيهم إلاَّ الله عز وجل.
. فمن أعيان الحاضرين من الشافعية: القاياتي والونائي، والمحلي
والسفطي وابن البارزي، والتقي المقريزي، والبرهان الكركي، والمحب
القمني .
ومن الحنفية: ابنا الديري شيخ الإسلام سعد الدين، والبرهان، وابنا
الأقصرائي شيخ الإسلام أمين الدين، ومحب الدين، والمحب بن الأشقر.
ومن المالكية: ابن التنسي، وأبو الجود البنبي.
ومن الحنابلة: المحب بن نصر الله.
ومن أرباب المناصب: المقام الناصري محمد ابن السلطان جقمق،
والوزير كاتب المناخات، وناظر الخاص.
وكنت هناك وأنا صغير.
وقال الشعراء في ذلك فأكثروا. منهم: الشريف الأسيوطي [والشهاب
الحجازي](١) وابن أبي السعود، والنَّواجي، والذَّجوي، والمليجي، والمحب
البكري، والشرف الطنوبي، وابن الفالاتي الأديب، والبقاعي، وأُنشد ذلك
بالمكان المذكورُ بالمنكوتمرية أو بالبيبرسية، واليسير من ذلك مِنْ لفظ
ناظمه .
وفرَّق عليهم - بل على مَنْ كان ملازم (٢) الكتابة فيه عنه - الذَّهب
وغير ذلك، ودفع رحمه الله لأصحاب البرسيم المزدَرَع هناك عِوَضاً عمَّا
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
(٢) في (ط): ((يلازم)).
٧٠٣

أتلفه دوابُهم مالاً حتى لا يتضرَّر أحد بذلك.
وكان المصروف في الوليمة المذكورة نحو خمسمائة دينار، ولم يترك
مِن أنواع المآكل والمشارب والفواكه والحلوى وما أشبه ذلك شيءٌ، فكان
شيئاً عجباً .
ووقع في هذا اليوم مما ضبطه أحد الأعيان، ممَّن حضر هذا
المجلس، وهو الشيخ محيي الدين الكافيجي الحنفي [أن المقام
الناصري](١)، قال: يا مولانا شيخ الإسلام، هذا يوم طيِّبٌ، فلعلَّ أن
تنعشونا ببيت مِنْ مفرداتكم، لعلّ أن نمشي خلفكم فيه، وإن كنتم كما قيل:
وما مثله في الناس إلا مُمَلَّكُ
فقال شيخ الإسلام: أخشى إن ابتدأتُ أن لا يكونَ موافقاً لما وقع
بخاطركم، والأحسن أن تبتدىء أنت، فإن مشينا خلفه، فبها ونِعْمَت، وإلا
ازددنا سروراً، فقال الناصري:
هويتها بيضاء وعروبة قد شغفت قلبي خود الرَّداخ
فقال صاحب الترجمة :
سألتُها الوصلَ فضَّت به إنَّ قليلاً في الملاح السَّماخ
فقال علي الدولشاي، وكان من محاضري المؤيد شيخ، وهو غاية في
رقة الطبع، مع كونه تركيّاً.
قد جرحَتْ قلبي لمَّا رنت عُيونُها السُودُ المِرَاضُ الصُّحاخ
فهمهم الشرفُ الطُّنوبي، ولم يمكنه أن يقول شيئاً، فقال صاحب
الترجمة : :
ـطنوبي غدا حائراً
ما
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ب).
٧٠٤

فقال الناصري لعلي: أجِزْهُ، فقال: وحياة أبيك السلاري والفرس،
وكانا ثمينين، فقال: هما لك مِنْ غير مهلة وتراخ، فقُلْ، فقال:
وخرَّبَ البيتَ وخلا وراخ
[مَنْ كَتَبَ فتح الباري]
وممَّن أعلمه كتب ((الشرح»:
قارئه العلامة ابن خِضْر. ووصفه شيخنا بالإمام العالم العلامة الفاضل الباهر
الماهر المُعين، مفيد الطالبين، جمال المدرسين، حفظ الله عليه ما وهبه، وختم
له بالخيرات حتى يفوز بالمرغبة ويأمن المرهبة. وكان شيخنا يجلُّه، ما أعلم أنه
يُقدم عليه أحداً من أصحابه، حتى قرأت بخطه حيث أرَّخ وفاته ما نصّه: ولم
يخلف بعده في مجموعة مثله، صيانة وديانة وفهماً وحافظة، وحسن تصور،
وانجماعاً عن أكثر الناس إلا من يستفيد منه علماً، أو يفيده، وعدم التردُّد إلى
الأكابر، مع ضيق اليد والعائلة، وبسط النفس، والتوسعة على الأقارب
والأجانب، وتَرْكُ التَّشكّي، والصبر المستمر. إلى أن قال: وعند الله أحتسبه.
وقال في موضع آخر: الشيخ الفاضل العالم المحدث الفقيه الفرضي
المفنن، الفائق في جلّ العلوم. ثم قال: فرحمه الله، فلقد كان لي به سرورٌ
وانتفاع في الغيبة والحضور، فعند الله أحتسب مصيبتي فيه، وأسألُه خير العِوَض.
والشمس(١) السندبيسي، والشيخ شمس الدين بن قمر، كتبه مرتين،
والقاضي شهاب الدين الزفتاوي، والبهاء أحمد بن عبد الرحمن بن حرمي،
والزين عبد الغني بن محمد القِمَني، والشريف سعيد بن عبد الجليل
الجزائري، والشيخ عز الدين بن عبدالعزيز بن يوسف السنباطي، كتبه نحو
ثلاث مرات(٢)، منها واحدة - وهي أهمها - للقاضي كمال الدين بن البارزي
بِيعتْ في تركته بدون ثلاثمائة دينار. وفخر الدين بن نصر الله الناسخ، كتبه
(١) في (ح): والعلامة .
(٢) في (ط): ((أكثر من ثلاث مرات))، وفي ترجمته من الضوء اللامع ٢٣٨/٤: وكتب
الكثير، ومن ذلك أربع نسخ من «فتح الباري»، أجلّها النسخة الكاملية البارزية.
٧٠٥

مرتين، إحداهما لسبط المؤلف، صارت بمكة. والشهاب أحمد الناسخ،
كتبه مرتين. والبهاء بن المصري(١)، والمحب البكري، ولم تكمل نسخته
إلا بعد وفاته. وابن أخي المنُوفي(٢)، كتبه نحو مرَّتين. والشريف أحمد
الأسيوطي، كتبه مرتين. والزين اليماني، كتبه مرتين، وهما مِنْ أَقلُ النِّسَخِ
حجماً، كل واحدة منهما في ستة أسفار. وكاتبه [وهي التي صار -
بحمد الله المعوَّل عليها بالقاهرة لتيسُّرِ عاريتها](٣).
وكتب غالبه: الشيخ رضوان، والشيخ أبو عبد الله الطَّبِّي(٤)، والزين
قاسم الزُّبَيْري (٥) .
والكثيرَ منه: شمس الدين بن حسان، والتقي عبد الغني المنوفي
القاضي، والشيخ محيي الدين الطّوخي، والمحب محمد بن البهاء
عبد اللطيف ابن الإمام، وابن الشيخ علي(٦)، والشيخ شهاب الدين بن
(١) في (أ): ((البهاء المصري))، وفي (ب): ((المصدي)) بالدال. وهو البهاء خضر بن
محمد بن الخضر، ويعرف بابن المصري. توفي سنة ٨٧٠هـ. ترجمه المصنف في
الضوء اللامع ١٧٩/٣ - ١٨٠، وقال: كتب الكثير بخطه.
(٢) عرف بهذا اللقب، وهو نور الدين علي بن أحمد بن محمد، المتوفى سنة ٨٨٩هـ.
قال المصنف في ترجمته: وكتب بخطه الكثير جداً لنفسه وغيره، ومما كتبه ((فتح
الباري)) غير مرة، و((الإصابة))، وما يفوق الوصف. (الضوء اللامع ١٨٠/٥ - ١٨١).
(٣) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
(٤) هو محمد بن إسماعيل بن أحمد بن حلبان، شمس الدين الطبي الشافعي، المتوفى:
سنة ٨٤٠هـ. ترجمه الحافظ ابن حجر في إنباء الغمر ٤٤٣/٨ وعنه تلميذه المصنف
في الضوء اللامع ١٣٥/٧ - ١٣٦، فقال: لازمني نحو ثلاثين سنة، وكتب أكثر
تصانيفي، كأطراف المسند وما كمل من فتح الباري - وهو أحد عشر سفراً. والمشتبه
ولسان الميزان وتخريج الرافعي، وعدة كتب، والأمالي وهي في قدر أربع مجلدات
بخطه، وكتب لنفسه من تصانيف غيري.
(٥) في (أ): ((الزيني)) تحريف. وهو زين الدين قاسم بن محمد بن يوسف الزبيري
النويري. توفي سنة ٨٥٦هـ. قال المصنف في ترجمته من الضوء اللامع ٦/ ١٩٢ :
أكثر من الحضور عند شيخنا في الأمالي وغيرها، وكتب عنه غالب ((شرح البخاري)).
(٦) هو شمس الدين محمد بن علي بن عبيد، يعرف بابن الشيخ علي المخبزي، توفي
سنة ٨٥٦هـ. قال المصنف في الضوء اللامع ١٩٥/٨. كتب من ((فتح الباري)) قديماً
قطعة، وكذا من غيره.
٧٠٦

أسد، والشيخ بهاء الدين المشهدي.
" ولم يتفق قراءة الكتاب عليه في غير المرَّة الماضي ذكرُها، نعم،
قُرىء عليه نحو النّصفِ الأول منه بعد ذلك، قرأه عليه العلامة بدر الدين
القطان، وابتدأ قراءته من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ((اللهم فقهه(١)
في الدين وعلّمه التأويل)) من كتاب العلم، بناءً على قراءة غيره، وقابلتُ
حينئذٍ عليه ما كنتُ كتبتُه منه، وقرأت بنفسي كثيراً منه.
وبمكة مِنَ الكتاب المذكور عدّة نُسَخ، وكذا بدمشق، وهو أيضاً
بالمدينة النبوية وببيت المقدس وبلد الخليل وحّلب والإسكندرية، وغيرها من
الأماكن.
وعَظُمَ الانتفاع به في سائر الآفاق، لكن أكثر النُّسخ التي سارت في
الآفاق فيها سُقمٌ كثير، مع كونها قبل الملحق المتجدد. نعم، في الغرب -
فيما أظنُّ - نسخةُ السَّندبيسي، وهي معتمدة، وكذا أولى(٢) النسخ بمكة
نسخة بخط الشيخ(٣) ابن قمر (٤) عند قاضيها الشافعي، كان الله له، وأخرى
بخط ابن نصر الله عند أخيه الفخر أبي بكر.
وصرح كثيرٌ مِنَ العلماء أنه لم يشرح ((البخاري)) بنظيره، ولو تأخر ابن خلدون
حتى رآه أو بعضهَ، لقرَّ عيناً، حيث يقول - وهو متأخر عن شرحي الكرماني وابن
الملقن، وإن لم يسلّم - قوله: («شرح البخاري دَيْنٌ على هذه الأمة».
قلت: وامتاز بجمع طرق الحديث التي ربَّما يتبين من بعضها ترجيح
أحد الاحتمالات شرحاً وإعراباً .
(١) في (أ): ((وفقه)).
(٢) في (ح): ((أصح)). وجاء في هامشها ما نصه: لفظة (أصح)) ولفظة ((الحافظ)) من تبديل
صاحب النسخة المعروف، قبيله الله ما أجرأه على الله ! .
(٣) في (ح): ((الحافظ))، وانظر التعليق رقم (٢).
(٤) في (ط): ((ابن عمر)»، تحريف. وهو شمس الدين محمد بن علي بن عمر، أبو
عبد الله القاهري الحسيني، المتوفى سنة ٨٧٦هـ. قال المصنف: كتب الكثير من
تصانيف شيخنا، حتى إنه كتب ((فتح الباري)) مرتين وباعها.
٧٠٧

وطريقته في الأحاديث المكرَّرة أنه يشرح في كلُ موضع ما يتعلّق
بمقصد البخاري بذكره فيه، ويحيل بباقي شرحه على المكان المشروح
فيه. وكثيراً ما كان المصنّف يقول: أوذُّ لو تتبّعت الحوالات التي تقع فيه،
فإن لم يكن المُحالُ به مذكوراً، أو ذكر في مكانٍ آخر غير المحالِ علیه،
فينبُهُني عليه ليقع إصلاحه، فما فُعِلَ ذلك فأعلمه، وكذا ربما يقع له
وترجيحُ أحد الأوجه في الإعراب أو غيره مِنَ الاحتمالات أو الأقوال في
موضع، ثم ترجح في موضع آخر غيره، إلى غير ذلك مما لا طعن عليه
بسببه، بل هذا أمر لا ينفك عنه كثير مِنَ الأئمة المعتمدين.
وكان يقول - كما أشرت إليه قبلُ -: لو التقط منه بيان ما وقع
للکرماني في «شرحه»، وللزركشي في «تنقيحه»، لکان - وهو قدر مجلد أو
أكثر بانضمامه للكتابين المذكورين - شرحاً حسناً، يسَّر الله ذلك.
وقد تصدَّى لاختصار الشرح المذكور شيخنا الإمام الرُّحلة المكثر
شرف الدين أبو الفتح المراغي المدني نزيل مكة، فلم يُصب، حيث حذف
منه ما يجب إثباته، وكذا شرع في اختصاره غيرُ واحدٍ من الشيوخ
والطلبة .
[والتقط منه صاحبنا القاضي قطب الدين الخيضري أسئلة وأجوبة يُبديها
في مجالسه، فيقع لها من الفضلاء بهجة](١).
وكلِّ يدعي وصلاً لليلى وليلى لا تقرُّ لهم بذاكا
ولقد سمعت مصنّفَه صاحبَ الترجمة رحمه الله مراراً ينكر إمكان
اختصاره، ويقول: ما أعلمُ فيه شيئاً زائداً عن المقصود. وأقول: إن ذلك
بالنسبة لما لم يقع منه السَّهوُ في تكريره، حيث يكرر الأحاديث مما لا
يتعلَّق بالأحكام غالباً، ولكن صاحب البيت أدرى بالذي فيه.
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب) وزاده المصنف في هامش (ح) بخطه.
٧٠٨

وقد انتدب بعض المعاصرين لشيخنا ممّن أخذتُ عنه، وقرَّض لي
بعض تصانيفي لشرح البخاري، مدَّعياً أنه لم يُشرح شرحاً يشفي العليل،
ويُروي الغليل، مع كون معظم استمداده مِنْ شرح شيخنا السابق، لكن من
غير عزوٍ إليه، بحيث يقضي كلُّ واقف عليه العجب مِنْ ذلك، وربما
اعترض بما لا طائل تحته.
وقد عمل شيخُنا - كما أسلفته - مصنفاً حافلاً، سمّاه ((انتقاض
الاعتراض))(١) بيَّن فيه المأخوذ من ((شرحه)) برمّته، وأجاب عمّا زاده من
الاعتراضات، لكنه لم يحرِّره قبل وفاته، ولله در القائل:
وكم مِنْ عائبٍ قولاً صحيحاً وآفته مِنَ الفهم السقيم
[وقول الآخر:
كم مِنْ كلام قد تغمِّر حكمةً نال الكسادَ بسُوقِ مَنْ لا يفهَمُ
وكان الشافعي رحمه الله ينشد لغيره.
رُبَّ عَيَّابِ له منظرٌ مشتمل الثَّوب على العيبِ](٢)
وممّا يُنسب لصاحب التَّرجمة قوله:
شرحي الذي سار في الآفاق سائرةً ونال مِنْ وِزْدِهِ الدَّاني مع القاصي
مثل الذُّنوب التي يخلو بها العاصي
وأنت شرحُك في البيت اختليتَ به
قلت: وإنَّما لم أجزم بنسبتهما لشيخنا، لكونهما في ((ديوان ابن
خطيب داريا)) شاعر الشام. لكن بلفظ ((الشعر)) بدل ((الشرح)) في الموضعين،
فالله أعلم.
(١) وهو الذي رد فيه على بدر الدين العيني.
(٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
٧٠٩

[وقد(١) قرأت بخط شيخنا في أثناء التفسير من ((شرحه)): أنه انتهى
إلى آخر الفرقان في أواخر رجب سنة ثلاثين وثمانمائة (٢)، وأنه قرأ بخط
العنتابي الذي أبهمتُه أولاً في آخر شرحه سورة الكهف ما نصّه: انتهى هذا .
الجزء إلى هنا، ويتلوه سورة (كهيعص) إن شاء الله تعالى، وكان انتهاؤه
على يد مؤلّفه أبي محمد محمود بن أحمد العيني في أول ليلة الإثنين التاسع
: عشر شهر ربيع الأول سنة خمس وأربعين وثمانمائة .
قال شيخنا: وقد مرَّ على هذا الشرح فسلخه ومسخه، ولم يترك منه
فائدة، ولم يزد إلا ما حذفه الأوَّل عمداً مِنْ كلام الكرماني المكرَّر، أو
كلام ابن الملقن، ونحو ذلك. وكلُّ ما فيه مِنَ الفوائد التي ابتكرها الأول -
يعني نفسه - كتبها الثاني - يعني العيني - ولم ينسُب منها لمبتكرها(٣) شيئاً،
فالله حسیبه، ویعرفُ ذلك من قابل بین الکتابین. انتهى ما قرأته بخط شيخنا
رحمه الله.
[شروح البخاري]
فائدة: ممَّن علمتُه شرح ((البخاري)): الخطّابي، وهو شرح لطيف.
ومحمد بنِ التَّيمي، واعتنى بشرح ما لم يذكره الخطابي، مع التنبيه على
أوهام له. وأبو جعفر أحمد بن نصر الداودي، وهو ممَّن ينقل عنه ابن التِّين
وغيره. والمهلب بن أبي صفرة، وهو ممَّن اختصر ((الصحيح)).
وأبو الزياد بن سراج، وهما ممَّن يكثر ابن(٤) بطّال النقل عنهما. وقد
اختصر ((شرح)) أولهما تلميذُه أبو عبد الله محمد بن خلف بن المرابط، وزاد
(١) من هنا إلى قوله: ((ولنرجع لما كنا فيه)) ص ٧١٢ لم يرد في (ب)، وزيد في هامش
(ح).
(٢) في (ط): ((ثلاث وثمانين وثمانمائة))، خطأ.
(٣) في (ط): «لمنكرها»، تحريف.
(٤) في (ط): ((أبو))، تحريف.
٧١٠

عليه فوائد، وهو ممِّن ينقل عنه ابن رُشَيْد، وكذا القطب الحلبي. وشرحه
أبو الحسن علي بن محمد بن بطال. وأبو حفص عمر بن الحسن بن عمر
الهوزني الإشبيلي. وأبو القاسم أحمد بن محمد بن عمر بن ورد التميمي،
وهو واسع جداً، سمَّاه «الاحتواء على غاية المطلب والمراد في شرح ما
اشتمل عليه مصنف البخاري من علم المتن بعد التعريف برجال الإسناد»،
ينقل عنه ابن رُشيد. وكذا شرحه عبد الواحد بن التبر السفاقسي، والزَّين بنَ
المنيِّر، وشرحه في نحو عشر مجلدات، وأبو الأصبغ عيسى بن سهل بن
عبد الله الأسدي، ذكر أنه كتب إلى بعض أئمة عصره يسأله عن إشكال في
سنة ست وخمسين وخمسمائة، وكان هذا الشيخ يروي الكتاب عن
الأصيلي، وهذا الشرح ينقل عنه ابنُ رُشيد.
وكذا شرح منه أبو زكريا النووي قطعة مِنْ أوله، وكذا العماد بن
كثير، والزّين بن رجب الحنبلي، والسِّراج البلقيني، والبدر الزركشي، وهو
غير تنقيحه الذي تداوله الناس، والمجد الشيرازي. وجميعه القطب
عبد الكريم الحلبي الحنفي، والعلاء مُغْلَطاي الحنفي أيضاً. واختصره جلال
الثّباني الحنفي، وكذا الشمس الكرماني، والسراج بن الملقن. ولخّص منه
ومِنَ الذي قبله التقي يحيى الكرماني، وكذا لهما شرحه مع فوائد من
غيرهما، وكذا شرحه. والشمس البرماوي، والبرهان الحلبي. والبدر العيني.
ولأبي محمد بن أبي جمرة شرح ما انتخبه منه.
ولابن عبد البر كتاب سماه ((الأجوبة الموعبة عن المسائل المستغربة
من البخاري)،، سأله عنها المهلب بن أبي صُهرة. وكذا لأبي محمد بن حزم
عدة أجوبة، ولابن المنيِّر حواشي على شرح ابن بطّال، بل وعمل أيضاً
الكلام على التراجم، سمَّاه «المتواري)».
وكذا لأبي عبد الله بن رُشيد ((ترجمان التراجم))، عندي مجلد ضخم
منه إلى الصيام. وتكلّم على تراجمه أيضاً الفقيه أبو عبد الله محمد بن
منصور بن حمامة المغراوي السُجِلْماسي، سمّاه «حل أغراض البخاري
المهمّة في الجمع بين الحديث والترجمة وهو ترجمه)). وله آخر سماه ((إبراز
٧١١

۔۔
المعاني الغامضة في تتابع البخاري بالمعارضة)).
وشرح غريبه القزاز. وكثيراً من أحاديثه القاضي عياض في
(المشارق))، وابن الأثير الجزري في ((جامع الأصول))، وابن هُبيرة في
(معاني الصحاح))، وابن الجوزي في ((كشف المشاكل)) (١)، وابن قُرقُول في
:((المطالع)» ..
ولنرجع لما كنّا فيه (٢). وكذا أجاب صاحبُ الترجمة عن الاعتراضات
على «معجمه)) التي أفردها بعضُ المتعصبين(٣) بالباطل في تصنيف بهوامش
الكتاب من غير تعرُّض للفظةٍ قبيحة، وعرضوا عليه حواشي لبعض طلبته على
((شرح النخبة)) له، فما ارتضى أمرها. ولله در إسماعيل بن عبَّاد حيث يقول:
مناكبُ رضوى بمَرُ الرّياح
وقد نازعوك فما زُعْزِعَتْ
[وكذا رأيت لهذا الطالب المشار إليه - وهو الزين قاسم الحنفي - بعد
موته كتاباً سماه ((تقويم اللسان)»، وآخر سمَّاه «فضول اللسان» و((حاشية)» على
كلِّ من ((المشتبه)) و((التقريب))، فأردت التوجه لذكر (٤) بعضها، ليعلم عنوان
سائرها، وأنبه على أنَّه اعتمد في ذلك على النسخ القديمة التي تجدَّد بعدها
إلحاقُ الكثير، ونحو ذلك من الأشياء التي تروج على من لم يَخُض بخارَ
هذا الشأن، ثم رأيت إماتَتَها بعدم الكتابة عليها والاعتناء بشأنها، فإنه لا
طائل تحتها] (٥).
ولطالما كان المذكور يتكثّر عند من لا يتدبَّر ويلوّحَ بل يصرِّح ويقول:
.(١) وهو المعروف بعنوان (كشف مشكل الصحيحين))، وقد طبع حديثاً بتحقيق صديقنا
الدكتور علي البواب.
(٢) من قوله: ((وقد قرأت بخط شيخنا .. )) ص ٧١٠: إلى هنا سقط من (ب).
:
(٣) في (ح): ((المبغضين)).
(٤) في (ط، ح): ((لرد)).
(٥) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
٧١٢

قد (١) تعقَّبت بكذا، واستدركت بكذا، إلى غير ذلك ممَّا لا يحمد قائله(٢)،
[ولا يرتفع له فيه ولا في غيره رأس](٣)، لا سيما وليس في كلام صاحب
الترجمة ما يقتضي عدم إمكان وجود زائد على ما ذكر، بل صرّح هو - كما
قرأته بخطه - بقوله: إن المواضع التي حصل لي الوقوفُ عليها ممَّا لم يقف
عليها مَنْ قبلي لم تحصُل إلا بالعناء الطويل، والسَّهر الكثير، والاعتناء
البالغ، وكان ذلك بعون الله تعالى، ولكن كان ذلك مع وجود نشاط
الشباب، وقلَّة الشواغل، وطالما طالعتُ المجلَّد بتمامه في اليوم واليومين،
فلا أظفر بشيءٍ، وربما ظَفرْتُ بموضع واحدٍ، وأما الآن، فهو كما قيل:
من أين للهوى الثاني صِبَاً ثاني
فإذا يسَّر الله لأحدٍ النّشاط إلى ذلك، فليجمع على ما تعب فيه غيره
ذيلاً يستفيده مَنْ بعدهما، فيترجّمُ عليهما، والله يهدي مَنْ يشاء إلى صراط
مستقيم، وما أحسن قول القائل:
بسعدى شفيتُ النَّفسَ قبل التَّنَدُمِ
ولو قبل مبكاها(٤) بكيتُ صبابةً
بكاها فقلتُ: الفضل للمتقدّمِ
ولکن بکث قبلي فھاجَ ليَ البُکا
فصل
فيما علمتُ شيخنا كتبه بخطه من تصاينف غيره
وإن لم يمكن الإحاطة بحصره
((صحيح البخاري)) في مجلد ضخم، ((السنن)) لأبي داود، في مجلد،
((العبر)) للذهبي، في مجلد، ((الذيل عليها)» للحسيني وغيره، في جزء لطيف،
(١) العبارة في (ب): ((ومما ينبه عليه أن بعض من يتكثّر ممِّن تأخر يقول: قد ... )).
(٢) من هنا إلى نهاية نهاية الباب ص ٧١٥ ورد في (ط) بخط مغربي حديث مغاير لباقي
النسخة، وكأنه إكمال لسقط كان بها.
(٣) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
(٤) في (ط): «ما أبكاها»، خطأ.
٧١٣

((الترغيب والترهيب)) للمنذري، في مجلدين.
ويقال: إن هذا الكتاب لم ينتشر إلا مِنْ قِبَلِه، فقد حكى البدر حسن
الفيومي، إمام جامع الزاهد بالمقسم وكان أكثر أهل العصر اعتناءً بهذا
الكتاب، مع قلَّة بضاعته رحمه الله(١) - قال: أول ما وقفت على هذا الكتاب
أحضرته للشيخ أحمد الزاهد أسأله عن مؤلفه، فأمر بالسؤال عنه من صاحب
الترجمة، فقال: هو الحافظ المنذري، وهو كتابٌ نفيسٌ، فأقبلَ النَّاسُ على
: تحصيله وقراءته مِنْ يومئذٍ، وتزايدَ ذلك حيث قُرىء على صاحب الترجمة
أيضاً، والله أعلم.
(تجريد الصحابة)) للذهبي، في مجلد، من ((مجمع الزوائد)» للهيثمي،
مجلد، من ((ترتيب الحِلية)) له، مجلد، من ((زوائد المعجمين)) له، مجلد، من
(زوائد الكبير)) له مجلد، وباقيه بهوأمش نسخته من («مجمع الزوائد))، من
(شرح الترمذي)) للعراقي، مجلد ضخم، ((شرح جمع الجوامع)) للزركشي،
مجلد. ومن («شرحه» للعز بن جماعة المسمَّى «الغُرَرِ اللوامع في شرح جَمْع
الجوامع)، إلى العامٌ في مجلد. من ((مختصر الكفاية)) لابن النَّقيب، مجلد
(غراس الأساس)) للزمخشري، مجلد. الأول من («مطالب التبيين في الحاشية
على شرح عضد الدين))، مجلد لشيخه العز بن جماعة، كتبه من خطه في سنة
أربع عشرة وثمانمائة. ((أحكام قيام الليل والوتر)) للفقيه نصر، مجلد. ((شرح
الألفية)) للعراقي، مجلد، و((النكت)) له على ابن الصلاح، مجلد. وكذا نسخة
ثانية منه («تخريج أحاديث الإحياء» له، في مجلد. من ((الكامل)) لابن عدي،
مجلد. من ((القاموس في اللغة))، قطعة. من ((شرح الكرماني للبخاري))،
مجلد. ((أطراف المزّي))، خمس مجلدات. من ((ترتيب ابن حبان)) لابن بلبان،
(١) قال المصنف في ترجمته من الضوء اللامع ١١١/٣: ممن اعتنى بالترغيب والترهيب
للمنذري وأتقنه ... وكتب منه عدة نسخ بخطه المنسوب الذي جوَّده .. بل قرأه على
العامة بالجامع المشار إليه (يعني جامع الزاهد)، وزاد اعتناؤه به حتى حصل فوائد في
شرح كثيرٍ من أحاديثه التقطها في طول عمره من بطون الكتب مشتملة على الجيد
وغيره مع التكرير والتبتير لعدم تأهُله.
٧١٤

مجلد. ((طبقات الحفّاظ))، وإلا ما كان منها في ((التهذيب))، للذهبي، مجلد.
((المشتبه)) له، مع فوائد وتقاييد بأصله وهامشه، مجلد. ((التدريب)) للبلقيني،
مجلد. نصف ((مختصر ابن النقيب للتنبيه)). ((شذور الذهب)) لابن هشام.
بعض ((الجاربردي)» - وهو الفخر أبو العباس أحمد بن الحسن - على
(البيضاوي)). قطعة من (مختصر القاضي جمال الدين أبي عبد الله محمد بن
واصل في المنطق)). ((خلاصة منتخب تلخيص المفتاح)) للعز بن جماعة ((فصل
البديع) لابن أبي الأصبع، في مجيليد (١).
وقد كان عزم على كتابة مصحف(٢) بخطه على قراءة ابن كثير، فما
أظنُّه تيسّر له، بل كان يقول: إنه كان الأنسب للشافعية التلاوة بها، لكون
الإمام(٣) أخذها عرضاً عن إسماعيل بن عبد الله بن قُسطنطين المكي، وهو
عن ابن كثير، ولمذهبه في البسملة، وغير ذلك. والله أعلم(٤) .
(١) في (ط): ((مجلدين)).
(٢) في (ط): ((مصنف»، تحريف.
(٣) في (ب): لكونه أخذها.
(٤) في (ط): ما نصه. آخر الباب الخامس بحمد الله، يتلوه الثاني، أوله الباب السادس
في سياق شيء من بليغ كلامه، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على
المرسلين والحمد لله رب العالمين.
٧١٥

الباب السادس
في سياق شيء من بليغ كلامه نظماً ونثراً
وفيه فصول

الأول
في تقاريظه البديعة وألفاظه السهلة المنيعة
وأقدم ما وقفت عليه:
[تقريظ كتاب نزول الغيث للدماميني]
مِنْ ذلك: ما قرَّظ به كتاب ((نزول الغيث)) للعلامة بدر الدين أبي
عبد الله محمد بن أبي بكر المخزومي الدماميني، الذي بيَّن فيه خطأ الصلاح
الصفدي في كتابه ((غيث الأدب الذي انسجم في شرحه لامية العجم))، وذلك
في رمضان سنة خمس وتسعين وسبعمائة رفيقاً لمشايخ عصره إذ ذاك، كابن
خلدون، وابن التنسي، والغماري، والمجد الحنفي، وابن الشِّحنة، وابن
الجزري، وابن مكانس، والبدر البشتكي، وغيرهم، بعد أن نسخه بخطُّه،
ونصُ ذلك، وقد نقلته من خطه من النسخة التي بخط مصنفه، وهي عند
صاحبنا الإمام جمال الدين ابن السابق، دام النفع به ورحمه الله(١).
أمَّا بعد حمد الله وحده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد عبده
ورسوله، فما أشرف سيدنا وعبده، فأقول، وإن لم أكن مِنْ رجال هذا المجال
المصيبين، لوفُور سهامهم في الأدب أغراض المقال، ولا ممَّن أصغى إلى
حُسْنِ الاستماع، إذ لا أدبَ عندي ولا مال، ولو وقفتُ، وقفتُ عند قدري،
وما زاحمتُ السَّادة والأعلام - مع طلاقة ألفاظهم - بركيك نظمي ونثري، ولكني
(١) عبارة ((ورحمه الله)) لم ترد في (ب).
٧١٩

واثقٌ مِنْ هذا المولى(١) يستُره على أهل هذا الفن، عارف بما له مِنْ إنعام على
من أجاد منهم، ومن وقفت على هذا الكتاب الشاهد لمؤلفه أنه الحاكم الذي لا
يقبل رِشوة، الفريد وإن كان له من مصنفاته إخوة، وتأملت أبوابه، فدخلت عليَّ
المسرَّةُ من كل باب، ولم أعلم - وأطربني - أهو نزول الغيث أم وقع الرباب،
فعوذته حين أطربني، وهو الفريد بالمثاني، وثنيته نحو القلب، وإن كان ما له
في الحقيقة ثاني، وأشرقَتْ تلك الفرائدُ منه، فكَلَّ عن(٢) وصفها غرب لساني،
وجنيت عليه بكثرة ما اجتنيت من أوراقه ثمر الفوائد، فأنا على الحالتين جاني،
وقبلته ألفاً وألفاً، فقال لي غرامي زده واضرب الألف في الألف. فتبارك الذي
اطلع في سماء البلاغة بدراً هادياً، وأرواه مما رواه عن غيره، فأصبح صادياً (٣)،
وأيّده حتى نَظم في هذا العقد الفريد ما شذر مِنْ فنون الآفاه والإفادة، وأعانه
علی ما جمع فيه من المحاسن، فكان جامع الحسنى وزيادة، فکل أدیب أبدى
إذ رام(٤) مجاراة هذا الصَّدر عجزاً، وصيّر نفسه إذ رأى بديهته وروِيَّته فُقِدا أو
عَزَّا. كيف لا، وقد أنهلهم منه ندی فضلٍ مِنْ خاطرٍ وكفْ، وأعجزت فصاحتُه
كلَّ واصفٍ قام في ملأ مِنَ الأدباء وصفُ، ودنا بفوائده مِنَ القُلوبِ، فعقل
مجاريه قاصٍ قاصر، ومهر فأمهر أبكار المعاني جواهرَ لفظِه، فأكرِمْ به في
الحالتين ماهر(٥)! فلهذا أحجمتُ عن وصفه (٦)، ولا يُنكر مِنْ مثلي، ولو كنتُ
قُدَامةً الإحجام، وقدحت زِنادَ الفكر لإسراج معطيّة العقل، فلم أظفر إلاَّ مِنْ عِيِّ
لساني بالإلجام.
هذا وقد شاهدتُ مِنْ مؤلّفُه كعبةَ أدبٍ، لو حجَّها جدِي قبلي تهيِّبَ
النُّطْقَ، (حتى قيل: ذا حُجَرُ)، وسمعت منه ما لو سمعه الفصحاء، لعيَّوا
(١) في (ط): ((السيد)).
(٢) في (ط): ((من)).
(٣) في (ط): «صافيا)).
(٤) في (ب، ط): وقد رام.
(٥) في هامش (ح): كتب النواجي ما نصّه: اسم الفاعل من (أمهر)) إنما هو ((ممهر)) لا («ماهر»،
وبذلك يعلم فساد ما قصده من الاشتراك في لفظة ((ماهر المدلول عليه بقوله: ((في الحالين)).
(٦) في (ط): أحجمت عنه ..
٧٢٠