Indexed OCR Text

Pages 641-660

لبعض الصلوات، ووضع الحساب، وكان معه بين يديه، والقاياتي قبل أن
يلي القضاء بجانبه، فأخذه ونظره وفهم ما فيه، فلما وَلِي القضاء، وأغرَوْه
بشيخ الإسلام، وألحَّ عليه الأعداء في ذلك بعد أن كان سلّم كل واحدٍ
منهما على الآخر أوَّل الولاية كما تقدم قريباً، وتوجه شيخنا إليه مرة بعد
أخرى، وفعل القاياتي معه في المرة الأولى منهما ما يليق به من الإكرام
والاحترام، بحيث أجلسه موضعه، ولامه بعض من آذاه على ذلك، ولم
يلبث أن حضر إليه ثانياً، فلم يمش على طريقته الأولى، وكان معه في
المرة الأولى القاضي كمال الدين بن البارزي، وقال له القاياتي في إحدى
المرتين: يا مولانا قاضي القضاة، ليس الغرض إلا براءة الذمَّة، فقال: والله
ما في ذمَّتي لجامع طولون شيءٌ، وإن أردت المباهلة باهلتُك، فقال له
القاياتي: معاذ الله. لكن قال بعض جماعة شيخنا: إنَّه لعله باهَلَهُ بالحال،
وأنكر الناس على القاياتي ذلك، ومنهم ابن البارزي المذكور، لكن كان
صاحب الترجمة نفسه يعتذر عنه بقوله: أعرف أنه تجمل في أمور كثيرة،
فبالجهد [حتى يتحرك لبعضها.
ولم يكن ذلك بمانع لشيخنا عن الثناء على القاياتي](١) حتى بعد
وفاته رحمهما الله، بل رفع إليه شخص سؤالاً منظوماً في وسط ولايته،
وذكر فيه أنه التمس من القاياتي الجوابَ عنه نظماً، وأنه أقام عنده مدَّةً ثم
أُعيد بدون جواب، فأجابه صاحب الترجمة، وتعرَّض للرد على السائل
فيما أشعر به كلامه من التنقيص كما سيأتي في الفصل الخامس من الباب
(٢)
السادس (٢).
وقال في ترجمته بعد وفاته من كتابه ((إنباء الغمر)) (٣): إنه امتنع من
لُبس الخلعة تورُّعاً وأنه باشر بنزاهةٍ وعفّة، ولم يأذن لأحدٍ مِنَ النُّواب إلاَّ
لعدد قليل وتثبّت في الأحكام جداً وفي جميع أموره.
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (أ).
(٢) ص ٨٦١.
(٣) ٣٤٣/٥.
٦٤١

قلت: وبذلك يظهر لك علوّ شأن صاحب الترجمة وإنصافه، والسَّبب
في امتيازه بميل النّفس إلى مقاله. أما من يَصف شخصاً في حال صحبته له
بالأوصاف الحميدة، ثم يُناقِضُ نفسه بعد تسبَّبه فيما يقتضي الاستيحاشَ،
كما عُرف ذلك بالاستقراء مِنْ صنيعه في جمِّ غفيرٍ، فهذا لا يُقبلُ له قول
في الطّرفین.
وقد أشرتُ إلى بعض صنيع هذا المهمل عند ذكر تاريخ صاحب
الترجمة في أسماء تصانيفه مِنَ الباب الآتي نسأل الله التَّوفيق لكلمة الحق في
السّخط والرِّضا](١).
وكان مجيءُ شيخنا إلى القاياتي في كلا المرتين بعد أن كان طلب
ولده مع جماعة من المباشرين، وألزمهم بحساب الجامع المذكور، وأقاموا
في الطيبرسية أياماً، وكان السفطي يمرُّ حينئذٍ بهم، فيتأوَّه لولدٍ شيخ الإسلام
وهو على هذه الحالة، وربما بكى، ولم يُنتج ذلك غير امتهان أولاد
العلماء، بل أظهروا حساباً فيه لشيخنا خمسمائة دينار.
وكان القاضي تاج الدين البلقيني توسَّط بين صاحب الترجمة والقاياتي
باختيار كل منهما له في أن يسكت عَنِ المطالبة بها كما يسكت عن مزيد
الفحص في العمارة.
هذا ما يتعلق بصنيع القاياتي في القضاء.
وأما الخانقاه البيبرسية، فإن الأعداء حسَّنوا له إيصال أمرها
بالسلطان، والتماسه منه الإذن له في عمل الحساب، ليظهر ما في جهته
من المال، وسمَّوا قدراً كبيراً استكثره السلطان وكلُّ من سمعه، فسكت
وفارقه القاياتي.
فلما كان في بعض الأيام، قال السلطان للقاضي زين الدين
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب) وورد في هامش (ح) بخط المصنف.
٦٤٢

عبد الرحمن بن عبد الغني بن الجيعان سرّاً فيما بينهما - وكان بلغه أن
المباشرة معه - أحبُّ منك أن تعلمني بارتفاع المكان وخصمه، فقال له: إن
الوظيفة إنما اشتريتها(١) للولد ليتمرَّن في المباشرة بها، فأنا أنظر ذلك مِنْ
دفتره وأطالعكم به، فقال: أحب المبادرة مع الكتمان، ففعل وأعلم السلطان
بما فيه النفع لصاحب الترجمة [بعد أن رتبه الزيني عبد الباسط فيه](٢) فقبل
السلطان ذلك منه، وعمل بمقتضاه، فإن القاياتي راجعه في عمل الحساب،
فما أجاب، وصار القاياتي لا يدري ما الموجب لتوقفه.
وقد جُوزِيَ الزين المذكور - رحمه الله - بصنيعِه ذلك، بأن صار ولدُه
هو المشار إليه في تدبير أمر الخانقاه، بل رُؤي بعد موته في حالةٍ حسنة
كما أخبرني به القاضي شهابُ الدين بن يعقوب الأزهري رحمه الله، بسبب
نفعه لصاحب الترجمة، والأعمالُ بالنيات.
ولما ولي السفطي، أخذ مقتدياً بالقاياتي فيما يتعلق بجامع طولون،
بل فعل أشدَّ مما فعله بعد أن كان يُنكر عليه كما تقدم، وألزمهم بعمل
الحساب من سنة إحدى وأربعين، وتوجّهوا لقاضي المالكية البدر بن
التنسي، لينظر في ذلك، فقيل لهم: إنَّ الاقتصار على عمل الحساب في
هذه المدَّة حَيْفٌ، والأولى أن تعمل مدة القاضي علم الدين حين مباشرته،
فاستحسن ذلك، وأخذوا فيه، فأخبرني الشطنوفي أنه وجد ما لا خيرَ لي
في ذكره.
وآل الأمرُ إلى أن طلع السَّفطي بالشَّطنُوفي المذكور إلى السُّلطان،
وبالغ في وصفه بالدِّين ونحوه، فقال له السلطان: اعلم أنه لا غرضَ لي في
غير الحق، وأحبُّ مساعدة القاضي فيه، وأمر. بعمل الحساب عند الدوادار
الكبير قانباي الجركسي، فنزلوا مجتهدين في ذلك، وأقاموا هم وولدُ شيخنا
عنده مدَّةً، ولم يتحرَّر من ابن عبد العزيز أمر كلّ ذلك والسفطي يؤنّب
(١) في (أ): ((استنزلتها)).
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ب).
٦٤٣

ويؤلْب، ويصيح ويجتهد في بلوغ مقصده، إلى أن ظهر لقانباي الحيفُ في
ذلك، لكنه ما استطاع مدافعةَ القائم في معارضته.
هذا وقانباي كان في نفسه من صاحب الترجمة، لكونه حكم عليه في
واقعة، ومع ذلك فما مال عليه، لظهور الأمر عنده.
وراسل شيخُنا السَّفطيَّ يسأله الحكم في الواقعة بما يتبيَّن له، أو يأمر
أحداً من نؤَّابه بذلك، فما جسر عليه، وراسله مرة أخرى قبل ذلك يَعْتِبُه في
إيصال القضية بالسلطان، فقال: والله ليس عندي أعظم من شيخ الإسلام،
غير أن ولده هو الذي تلقى عن ابن عبد العزيز بقوله: أنا المتصرف، وإلا
فما كان الكلام إلا مع ابن عبد العزيز، ولقد رام السلطان ضربه، فمنعته
وقلت: هذا شيخ كبير، أخشى أن يموت ويضيع مال جامع طولون، وكان
ابن عبد العزيز جلداً ثابتاً.
وآل أمر قانباي إلى أن دفع القضية عن نفسه، وأمر بتوجههم إلى ناظر
الخواص الجمالي يوسف ابن كاتب حكم، فساس القضية بحُسْنِ تدبيره إلى
أن التمت، وكانوا - أعني ولد شيخنا وجماعته - عنده مكرمين، وصار في
رمضان يخرج لهم بالعشاء الملائم ونحو ذلك. هذا بعد أن حضر شيخ
الإسلام إلى الجمالي المذكور وعرَّفه أن القول قولُ النَّاظر، وأمروا ابن
الطولوني بكشف عمارة الجامع بالمهندسين، ثم أمر بتوجه ابن شيخنا إلى بيته
بعد أن باع حينئذٍ شيئاً مِنْ أملاكه، وكان - فيما قال لي ابن الشطنوفي - صولح
لجهة الوقف بدون ألف دينار بعد أن كان ابن شيخنا رام أن يقف بجميع
المستحقین(١) وغيرهم إلى السلطان ممن استكتبهم بالتعليق لجوامِکھم،
فعارض الشطنوفي في ذلك، وهو القائم بأعباء هذه الكائنة، ومع ذلك فما
أبدت(٢) إلا القهر لصاحب الترجمة بسبب ولده، فإنه كان في ضيق صدر زائد
وألم شديد بسببه، وتأوُّهٍ كبير، فكل يوم يسمع مِنَ الأخبار ما لم يسمعه
بالأمس، وكان يتوجَّه إليه في الجمعة يوماً أو أكثر إلى المكان الذي يكون
(١) في (ح): ((بمجمع من المستحقين)).
(٢) في (ط): ((أثرت)).
٦٤٤

فيه، فيرجع آخر ذلك النّهار وهو مسرورٌ لما يرى مِنْ ثبات ولده وقوَّة قلبه
وشجاعته وانتظام كلامه ومهارته في ذلك. وأظن أنَّه لم يُمكِّن مِنَ المجيء إلى
أهله في عيد الفطر، بل لو لم يقصِدْهُ أبوه للمكان الذي هو فيه، ما تمكن من
الاجتماع به. كل هذا ولم يظفروا منه بما كان أملهم فيه ببركة والده.
وعمل حينئذٍ في رجب سنة إحدى وخمسين جزءاً سماه (ردع المجرم
عن سبُ المسلم))، افتتحه بقوله: ((أما بعد حمد لله الذي عظّم قَدْرَ مَنْ آمنَ
به وأسلم، والصلاة والسلام على نبيه الذي شرع لأمَّته سُنن الدّين، وبيَّن
لهم سَنَن المهتدين وعلَّم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين كانوا
يتلقّون أمره بالقَبُول وسلم. فهذه أربعون حديثاً منتقاة مِنْ كتب الصحاح
والسُّنن في تعظيم المسلم، والزجر عن سبّه وظنِّ السُّوء به، وتعمُّد ظُلمه
في سِلْمِه وحربه، كتبتُها عِظَّةً لمن بسط لسانه ويده في المسلمين، مع قلّة
علمه واعوجاجه، وتعرّض لسخط ربّه، واغترَّ بحلمه واستدراجه، انتهاكاً
لأعراضهم، واستكثاراً مما يصير إليه من جواهرهم وأعراضهم، عسى الله أن
يرزقه التوبة والإنابة، فيقتدي بالسلف الصالح من الصحابة وأتباع الصحابة،
والله يُضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء)).
قلت: ولمَّا أبرز لنا صاحبُ الترجمة هذا الجزء، قلت له: خطر لي
أن أسوق أحاديثه بأسانيد للمشار إليه، وأتوجَّه لقراءتها بين يديه، فقال: لا
يفيد هذا المقصود، سامحه الله وإيانا.
وكانت هذه الكائنةُ سبباً لزهد شيخنا بعدُ في المنصب، وكتب لبعض
جماعته في أثناء هذه المدة في ضمن رسالة: ((والعبد الآن في أقصى غايات
الراحة، وكلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله)). انتهى.
وضُبط عنه حينئذٍ أنه قال عن السَّفطي: والله إنه لا يتم سنة. فكان
كذلك، بل لم يلبث أن امتحن السفطي بما هو أبلغُ في أنواع المحن بالنسبة
لمثله، فإنه أدخل حبس أولي الجرائم، إلى غير ذلك مِنَ العظائم، حسبما
بينته في ترجمته من ذيلي على ((قضاة مصر)).
وكذا قوصِصَ ابنُ الشَّطنوفي في ذلك، فإنه أُقعد بمنزله مدَّةً طويلة
٦٤٥

۔۔
حتى مات في صفر سنة ثلاث وسبعين، ومات له قُبيل ذلك ولد كان يرجو
بقاءه بعده ليحُوز جهاته، فاشتد جزعُه عليه. وقد اجتمعت بالشطنوفي وهو
في هذه الحالة مراراً، فرأيتُه يبالغُ في الترجُّم على شيخنا، وأنه ليس عنده
أعظم منه ولا أرفع. قال: وليس - والله - في جهته شيءٌ، وما أفسد ذلك
سوى ابن عبد العزيز وابته، عفا الله عنهما، وإيانا .
وكان رسول القاياتي يطلب ولد صاحب الترجمة من أبيه الشرف يحيى
ابن الشيخ محب الدين البكري أحد المستقرّين في النقابة عند القاياتي،
وأنكر الناسُ مجيئه في هذا الأمر، خصوصاً وهو ممَّن قرأ على شيخنا نحو
النّصف من ((البخاري))، وكان والده مِنْ خواصِّه الملازمين عنده مجلسَ
الإملاء، وكأنه ما علم أنَّ ((أبرَّ البرِّ أن يصلَ الرجلُ أهل ودٌ أبيه)) [وفي
لفظ: ((مِنْ أبر البرّ أن تصل صديق أبيك)). وكذا في الحديث: ((احفظ ودّ
أبيك لا تطفئه فيطفىء الله نورك)) في أشباه هذا](١)، وأنَّ شيوخ المرء آباءٌ له
في الدّين. رحمهم الله أجمعين.
[ونحو ذلك حكاية العزّ الكناني قاضي الحنابلة لي غير مرَّة أنه لو لم
يخذل البقاعي بباب القاياتي في كائنته مع الولوي البلقيني التي انجرَّ الخوضُ
فيها إلى الإحاطة بالخنجر الذي جرت عادتُه بحمله، حیث أبرزه له بيده،
كما وقع له مع ابن أبي السعود، بَرَكَ عليه والخنجرُ بيده، لكونه جلس
فوقه، كما أوضحتُ ذلك في محله، لكان أکبر المنازعین لشيخنا عنده،
ولكن كان ذلك مِن كرامات صاحب الترجمة](٢).
ومما كتب به صاحبُ الترجمة لبعض مَنْ قام بتأييد ولدِه في هذه :
الكائنة، ثم رام منه الأعداءُ العدول عن ذلك قوله:
فأمالَهُ الحُسَّادُ لما ارتاجا
قل للذي أبدى الجمیل سماحا.
فتبدَّلت أفراحُنا أتراجا
حتى محا إحسانّه بخلافه
ما أعقبت أمساؤنا أصباحا
والله يشهدُ أنَّني لك شاكرٌ
(١)(٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب).
٦٤٦
٠٠

لا يستطيعُ عَنِ الثَّناءِ براحا
قلَّدْتَ جيدي حُلْيَ(١) بِرُكَ فانثنى
هكذا قرأته بخطّ صاحب الترجمة، وكتب ذلك مرة أخرى، فقال:
فغدا بحُسْنٍ صنيعه مرتاحا
يا محسناً أبدى الجميل سماحا
فتبدَّلت أفراحُنا أتراحا
فأمالَهُ الحسَّادُ عَنْ مملوكه
وذكرها ...
ولمّا امتُحن شيخُنا، بسبب ولده، أيَّامَ القاياتي وغيره، اتَّفق مرورُه في
المطالعة بأبياتٍ لابن دقيق العيد يتغزل فيها، وهي:
والجودُ يأبى أن يكون مُضاعا
يا مُنيتي أملي ببابك واقف
لي في الهوى كأس الرَّدَى إتراعا
أشكو إليك صبابةً قد أترَعت
تنمي بها حتّى استحال نِزَاعا
ونزاعُ شوقٍ لم تزل أيدي النّوى
وسوى حديثك لا ألذ سماعا
لا أستلذُّ بغير وجهك منظراً
ودَّعتُ أيّام الحياة وداعا
لم يبقَ لي أملٌ سواك فإن يفُت
فحفظها صاحب الترجمة، وصار يترنم بها، إلى أن صيَّرها للشكاية
لربّه فيما ناله من غريمه، والتضرع إلى الله تعالى، فقال:
والفضلُ يأبى أن يكون مُضاعا
يا مالكي أملي ببابك واقفٌ
لي بالھوی کأس الرَّدی إتراعا
أشكو لك(٢) النفسَ التي قد أترعت
يُنميه لي حتى استحال نزاعا
ونزاع خوفي سيِّئ العمل اعتدى
وذَّعتُ أيامَ الحياة وداعا
لم يبقَ لي أملٌ سواك فإن يَفُت
وسوى كلامِك لا ألذَّ سَمَاعا
في وجه عفوكَ جُلٌ قَصدِيَ منظراً
(١) في (ب): ((حلة))، خطأ.
(٢) في (أ): ((إليك))، خطأ.
٦٤٧

وإليك أشكو مِنْ أذى متحكم
لم يُبدِ منْي قطُ شيئاً ساءَهُ
مِنْ غيبة ونميمةٍ وسِعَايةٍ
وأنا الذي بالفضل منك بدأتني
حاشاك تَنزِعُ مِنْ عُبَيْدِكَ قِوَّةً
إن دام ذا الإعراضُ عني منك لي
.[وممَّا يُنسب لصاحِب الترجمة.
قد نوّع المكروه لي أنواعا:
ويسوؤني ما يفتريه سماعا:
لي بي عليَّ محرَّمُ إجماعا.
وجعلتني بين الأنام مُطاعا:
فيصيرُ ذاك النَّزع منه نزاعا
ودَّعتُ أيَّامَ الحياة وداعا
فقلتُ سيَلْقَوْن الإهانةَ والبِلَى.
وقالوا عِدَى الوالي عليه تجمّعُوا
مع اثنين مِنْ أصحابه متمثِّلاً.
وسوف نراهم واحداً بعد واحدٍ
وأفاد شيخُنا في تلك الأيام نقلاً عن بعض المفسرين في قوله تعالى:
﴿ََّ لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ: كَفَرُواْ﴾ [الممتحنة: ٥] أي: لا تُريهم أنَّهم على
حقِّ ونحن على باطل](١).
فصل
فيمن رافقه من قضاة بقيَّة المذاهب
وجماعة من أعيان نؤَّابه ونحوهم
فأمَّا الأول، فمن الحنفية: الزين التَّفَهْني، واليدر العِنتابي، والسعد بن
الدَّيري، ومِنَ المالكية: البساطي، وناهيك بكلِّ منهم، وابن التّنسي، ومن
الحنابلة: العلاء بن المُغلي، والمحب بن نصر الله، وغيرُ خافيةٍ جلالتهما،
والبدر البغدادي.
وأما الثاني، فقد استخلف عند توجُّهه إلى آمد في قضاء الشافعية
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب)، وزاده المصنف بخطه في هامش (ح).
٦٤٨

القاضي محبَّ الدين بن الأشقر الحنفي صهرَه بعد أن سأله غيرُه في ذلك،
فيُقال: إنه قال له: يأتي الجوابُ مِنَ الخانقاه، أو كما قال.
ومن نوّابه: البدر أبو محمد بن الأمانة، أحد المُفتين بالدِّيار المصرية
والمدرسين فيها بعِدَّة أماكن، والشهاب أبو العباس الأموي، عُرف بابن
المحمِّرة، الذي وَلِيَ قضاء الشافعية للشاميين ومشيخة سعيد السعدا
وغيرهما، والشيخ جمال الدين عبد الله الزيتوني، والعز عبد السلام القُدسي
الذي وَلِيَ مشيخة الصَّلاحية ببيت المقدس، والسراج عمر الحمصي قاضي
الشام وغيرهما من البلاد، وشيخ الصَّلاحية المجاورة للشافعي وبيت المقدس
أيضاً، والنور بن سالم قاضي الشافعية بصفد، ومن درَّس للمحدثين بالحسنِيّة
والجمالية، والشَّرف عيسى الأقفهسي، والكمال الأسيوطي، والشهاب
أحمد بن ناصر الدين البلقيني، والمحب محمد بن أبي الحسن مدرس
الخرُّوبيَّة بمصر، والعلاء بن آقبرس جَليس السلطان وناظر الأوقاف وغير
ذلك، والبرهان الكركي شيخ القرّاء، والبهاء بن القطّان، وأبو العدل البلقيني
الذي باشر نظر الجوالي ودرَّس بأماكن، والشهاب الشيرجي، والعز بن
عبد السلام، والبرهان بن المَيْلَق، والمحب أبو البركات الهيثمي، وغيرهم
رحمة الله عليهم أجمعين.
وكذا في الأحياء جماعةٌ منهم، تركتهم رعايةً لعدم الجفاء من باقيهم.
[وكذا تركتُ غير واحدٍ من أعيان بقية المذاهب ممَّن نابَ عنه](١).
وقد كان رحمه الله في ألم بسبب كثير منهم، بحيثُ كان يقول بأخَرَة:
ليس في نوّابي مَنْ تنفتح عليه العين مَنْ أرضى ولايته يأبى الولاية، ومن لا
فيراغِمُني بالرَّسائل، وكلُّ مَنْ ظننتُ فيه أنه أخفُّ أمراً مِنَ الآخر، يظهر أنه
أرجح منه، فأنا كما كان غيري يقول مِنْ أئمة القُضاة الفحول: بواسطتهم
تكتب عليَّ السَّيّئات، وأنا في أقرب الحالات إلى ربّ الأرضين والسماوات.
وكان كثيراً ما يرسل إليهم مراسيمه بالتَّحذير والإنذار والتَّخويف مِنْ
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب)، وزادها المصنف في هامش (ح) بخطه.
٦٤٩

غضب العزيز الجبار، وأنه لا يوجد في أجرة اليمين ولا الدرهم الواحد،
وفي الثبوت والعقود لا يتعدى القدر الزَّائد، وأن يخشى الباس، ويجمع
بإقامة العدل قلوب الناس، ومن لم يفعل منهم، يُخف إثقاله عنّا خوفاً
للمؤاخذة مِنَ الله، ثمَّ منا، فإنَّا عنه وعن غيره نُسألُ، وكأننا بطالب لا
يغفل، ومَنْ خالف شيئاً مِمَّا نهیناه، كان معزولاً مِنْ جميع ما ولَیناه، ونؤكد
في ذلك كلِّه غاية التَّأكيد، بحيث لا يكون على ما ذكر من مزيد.
ورُفِعَتْ له - رحمه الله - قائمة فيها ذكرُ خصائل بعض النُّواب بنواحي
الغربية، فكتب: من يثبتُ عليه خصلةٌ مِنْ هذه الخصال المذكورة والوقائع:
الشّنيعة المشهورة، حقيقٌ بالطرد والبعاد، وأن تُراح منه البلاد والعبادُ،
لجوره في الأحكام، ومخالفته شريعة النبي عليه أفضلُ الصلاة والسلام، ولم
يستحق الولاية ولا التوقير، بل العزل والتّعزير، والزيادة على ذلك العزل.
المخلَّد والتعزير المجدّد، فإن تاب ورجع، قُبِلت توبتُه، وإلاَّ حلَّت عليه
مِنّ الله تعالى نقمته، وما يتذكر إلاَّ أولو الألباب، والله تعالى أعلم
بالصواب .
وكان ينبِّه مَنْ يعلم اتّصافَه بصفةٍ ذميمة بها، رجاءَ رجوعه عنها، كقوله
لبعض مَنْ سأله الاستمرار في النيابة عنه: حتى يتوب مِنْ شهادة الزور،
ولبعض من سأله في ابتكار ولايته حتى تتوب من كذا .. كلُّ ذلك قصداً
لزجر مرتكبه، إلى غير ذلك.
وكانوا يكلفونه مرة للثّعبين عليهم، ومرَّة للدُّعاء لهم، ومرة
المشيختهم، وعندي مِنْ أخبارهم في ذلك جملةٌ لا أحبُّ إثبات شيءٍ منها،
وهم على طبقات: الأولى: من لم يباشر(١) في الأيام العلمية، وعكسه مَنْ
يمتنع صاحب الترجمة مِنْ ولايته، ومن يُعين عليه غالباً، ومَنْ لا يُعين عليه
إلا نادراً، ومَنْ يقتصر على الاسم ولا يتعاطى الأحكام إلاَّ نادراً، والله تعالى
يتجاوزُ عنه بسببهم، ويغفرُ لهم أجمعين.
- -.
(١) في (ط): ((من مباشر)).
٦٥٠

وباشر النقابة عنده الشيخُ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يعقوب
الأطفيحي الأزهري الشافعي صهر شيخ الإسلام الزين العراقي على ابنته،
ونقيب ولده الشيخ وليّ الدين، وهو كان القائم بأعباء الأمور غالباً، وكان
إليه الغاية في سرعة إدراك مقاصده بأدنى إشارة، وعندي من أخباره في ذلك
جملة، مع ما اشتمل عليه مِنَ الوضاءة والظّرف والبشاشة والتواضع،
والمداومة على التهجّد والضُّحى، وصوم الإثنين والخميس والتصدق، وغير
ذلك من أنواع العبادات.
[وكفاه فخراً أنَّ أستاذه صاحب الترجمة كتب عنه في السّفرة الآمديَّة
بعض الأحاديث كما أسلفته. وبلغني أنَّ شيخنا دعا يوم الولاية، فقال:
اللهمَّ يَسِرْ لي نقيباً أحمدُ عاقبته فالله أعلم.
وحكى لي الشهابُ الحجازي أنه اتفق له حين اختار شيخنا وبين يديه
نقيبه ابن يعقوب هذا بعد البروز مِنْ خانقاة بيبرس بشباكها، والشهاب يقرأ
في وظيفته أنه كان يقرأ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْنَبِكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن
تَأْوِيلِ آلْأَحَادِيثِ وَيُنِؤُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىْ ءَالِ يَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٦]، فتفاءل
بذلك شيخُنا، وحرَّك رأسه متعجِّباً مِنَ اتِّفاق ذلك.
وكذا باشر النقابة عنده] (١) التاج عبد الوهاب بن عمر الزرعي الحنفي،
والشريف جلال الدين محمد بن أحمد الجرواني نقيب الحنفي، لكنه في
الولاية الثالثة فقط، وفي الآخر بعد وفاة ثانيهم، استقر الفخر بن جَوْشن،
لاختصاصه بولده وكان في خدمته أيضاً مِنَ الأتباع عمر بن أبي بكر بن
أحمد السِّكندري، والشهاب أحمد، وهما ممَّن ذكر في وصيته، والزين
عبد الغني العطار، وهو أكثر الثلاثة به اختصاصاً (٢)، ثم الشهاب، وإن كان
أوَّلُهم أقدمَهم له خدمةً .
وباشر فرشَ بساطه كلَّ ليلةٍ بعد العشاء مدَّةً شمسُ الدين محمد بن
(١) من قوله: ((وكفاه فخراً) إلى هنا لم يرد في (ب).
(٢) في (ب): ((وهو أكثرهم اختصاصاً).
٦٥١

٠٠
:
قريش، وتردّد إليه زيادةً على ذلك لسماع الحديث في رمضان، ولكتابة
الإملاء. رحمه الله وإیانا.
لطيفة
قال صاحب الترجمة في ((فتح الباري)): حكى العز(١) بن جماعة أنه
رأى أباه في المنام، فسأله عن حاله، فقال: ما كان عليَّ أضرَّ مِنْ هذا
الاسم، يعني قاضي القضاة، فلذلك أمر العزّ الموقعين أن لا يكتبوا له في
الإسجالات قاضي القضاة، بل قاضي المسلمين، وفهم من قول أبيه أنَّه
أشار إلى هذه التّسمية، مع احتمال أنَّه أشار إلى الوظيفة، بل هو الذي
يترجّح عندي، فإن التسمية بقاضي القُضاة وُجدت في العصر القديم مِنْ عهد
أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة رحمهما الله، وقد منع الماوردي مِنْ
جواز تلقيب الملك الذي كان في عصره بملك الملوك، مع أنَّ الماوردي
كان يقال له: أقضى القُضاة، وكأنَّ وجه التفرقة بينهما الوقوف مع الخبر،
وظهور إرادة العهد الزماني في القضاة. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي
حمزة: يلتحق بملك الأملاك قاضي القضاة، وإن كان اشتهر في بلاد الشرق
مِنْ قديم الزمان إطلاق ذلك على كبير القضاة، وقد سَلِمَ أهلُ المغرب مِنْ
ذلك، فاسمُ كبيرِ القُضاة عندهم قاضي الجماعة، والله المستعان.
فصل
فيما عُرِضَ عليه من الولايات
: التي لم يرتَضِ قَبُولها
فمن ذلك أنَّ المؤيّد عينه للتوجّه إلى اليمن عَنِ السُّلطان في سنة تسع
عشر وثمانمائة، لوجاهته ووفور عقله وعلمه وإجلال الملوك - لا سيما
باليمن - له، حتى إنه لمَّا اتفقت وفاةُ العلامة مجد الدين اللغوي صاحب
(١) في (أ): ((ابن العز)).
٦٥٢

(«القاموس)»، وكان قاضي الأقضية بزبيد، ترك سلطان اليمن الناصر بن
الأشرف الوظيفة شاغرة نحو سنتين ينتظر قدوم صاحب الترجمة عليه، ليوليه
ذلك، فما وافق، فولَّى حينئذٍ الشهاب أحمد بن أبي بكر بن الردَّاد، إلى
غير ذلك مما اشتهر، فاستعفى مِنَ التوجُّه عن السلطان فأعفِيَ.
ثم عرض عليه المؤيدُ أيضاً في السنة المذكورة منصب القضاء بدمشق
مراراً، فامتنع وأصر على الامتناع، فراوده على ذلك، ورغّبه فيه، حتَّى
صرَّح له بأن للقاضي بدمشق في الشهر عشرة آلاف درهم فضّة معاليم قضاء
وأنظار، وبالغ - مع ذلك - صاحبُ الترجمة في الاستعفاء، إذ لم يكن له
أرب حينئذٍ إلاّ في العكوف على التصنيف والإفادة ونشر العلم، شكر الله
سعیه ورفع محلّه، آمين.
وأنشد حينئذٍ قوله :
فأوَّلُها ضعفي وقلّة أموالي
قد صدَّني عَنْ منصبٍ الحكم عشرةٌ
ومالكِ أمري مع حواشيه في الحالِ
وعجزي عَن إرضاء ربي وصاحبي
مَضَوْا ومساواتي برُغمي بأنذالٍ
وعجزي عن إصلاح ما أفسد الأولى
وأخشى حين أُغْزِلُ إذلالي
ونسيان علم نافعٍ لزخارف تضرّ
وكان اشتهارُ أمره عند المؤيد مِنْ قبلُ بسنة، فإنه لمَّا عُقد مجلس
المناظرة للهروي بين يديه في أواخر ربيع الأول سنة ثمان عشرة وثمانمائة
بحضور القُضاة الأربعة ومشايخ الفنون مِنَ العلماء، كان منهم صاحب
الترجمة، فكان هو القائم بأعباء المناظرة، فإنَّ أول شيءٍ سُئل عنه
الهروي: على مَنْ سمع ((الصحيح»، فذكر سنداً، فقال له صاحب الترجمة
في ذلك المجلس الحافل: أولادنا يروون ((الصحيح)) إلى أبي الوقت بمثل
هذا العدد برجالٍ أشهر مِنْ هؤلاء، ثم أورد الهروي مجيباً مَنْ سأله حديثاً
من ((ابن ماجه))، وسمَّى مِنْ رجال السند قاسم بن عبد الكريم، عن
حنش، عن ابن عباس، عن ابن مسعود رضي الله عنهم، وأورده مِنَ
((التّرمذي)) أيضاً، فقال له صاحب الترجمة: الإسناد الذي سُقْتَه لابن ماجه
٦٥٣

غلط، وليس في ((ابن ماجه)) ولا في غيره مِنَ الكتب الستة أجد اسمه
قاسم بن عبد الكريم، وأيضاً فليس في سياق ((ابن ماجه)) ولا غيره أن
الحديث - يعني الذي أورده - من رواية ابن عباس عن ابن مسعود، وليس
لفظه مطابقاً للفظ سياق الترمذي، فقال الهروي لصاحب الترجمة. فما هو
الصواب في هذا الإسناد؟ فقال له: تكتب ما قلت، وأنا أبيّن موضوع
الغلط، ثم تحضر ((ابن ماجه)»، فإن كان كما قلت، وإلا تبيَّن خطئك،
ففعل وظهر الصواب مع صاحب الترجمة، فمال السلطان المؤيد حينئذٍ
إليه، وصار يغمِزُه بعينه تارة، ويرسل إليه من يسرُّ إليه مِنْ خواصِّه أن لا
يترك منازعة الهروي، فقوَّى قلبه بذلك.
وقال حينئذٍ مخاطباً للهروي: أنت تدَّعي أنَّك تحفظ اثني عشر ألف
حديث، وقد ارتاب مَنْ بلغه عنك ذلك في صحته، وأنا أمتحنُك بشيءٍ
واحدٍ، وهو أن تسرُدَ لنا في هذا المجلس اثني عشر حديثاً، مِنْ كلِ ألفٍ
حديثٍ حديثاً واحداً، بشرط أن تكون هذه الاثنا عشر متباينة الأسانيد، فإن
أمليتَها علينا إملاءً أو سردتها سرداً، أقررنا لك بالحفظ، وإلاَّ ظهر عجزُك،
فقال: أنا ما أستطيعُ السَّردَ، ولكن أكتبُ، فقال له: والإملاء نظيرُ الكتابة،
فقال: لا إلا أنا أكتب، فأحضر له في الحال محبرة وورقة، فشرع یکتب،
ثم بدا له، فقال: لا أستطيع أكتب إلا خالياً، فيأمر السلطان أن أختلي في
بيت وأنت في بيت، ويكتب كلٍّ منَّا مِنْ حفظه ما يستطيعه، فمن كثب
أكثر، كان أحفظ، فقال له صاحب الترجمة نحن لم نحضر لنتخابر في
سرعة الكتابة، مع أنّ شهرته بسرعة الكتابة غيرُ خفيَّة، ولكن إنما أراد إظهار
عجزه عمَّا ادَّعاه من الحفظ. وطال الخَطْبُ في ذلك، والسُّلطانِ يُرسل
بعض خواصِّه لصاحب الترجمة يحصُّه على التكلُّم معه.
وآل الكلام إلى أن ذكر حديث السَّبعة الذين يُظلُّهم الله في عرشه،
فقال صاحبُ الترجمة: هل فيكم مَنْ يحفظُ لها ثامناً؟ فقالوا: لا، فقال:
ولا هذا الذي يدَّعي حفظ اثني عشر ألف حديث! فسكت، وقيل له: فهل
تحفظ أنت ثامناً؟ فقال: نعم، أعرفُ ثامناً وتاسعاً وعاشراً، وأعجب مِنْ
ذلك أن في ((صحيح مسلم)) الذي يدّعي هذا الشيخُ حفظه كلَّه ثامناً،
٦٥٤

فالتمَسَ منه إفادته، فقال: المقامُ مقامُ امتحان لا مقام إفادة، وإذا صرتم في
مقام الاستفادة أفدتكم.
ثم لمَّا أرادوا القيام مِنَ المجلس، قال صاحب الترجمة للسلطان: يا
خوند، أدَّعي على هذا أنَّ لي عنده دَيْناً، فقال: ما هو؟ فقال: اثنا عشر
حديثاً، فتبسَّم وانصرفوا، فلمَّا وصل صاحب الترجمة لباب الحوش، طُلب
فعاد، فوجد السلطان قام لقضاء حاجته، فوقف مع خواصّه حتى يحضر،
فقال له كاتب السِّرِّ: إنَّ السلطان قال: قد استحييتُ من فلان، كيف يتوجَّه
بغير ثواب، فقلت له: إنه كان شيخ البيبرسية، وانتزعها منه أخو جمال
الدين ظُلماً، فلما استتمّ كلامه، حضر السلطانُ، فأشار إلى كاتب السِّرِّ أن
يُعلم صاحب الترجمة بما تقرَّر مِنْ أمر البيبرسية، فقال له: إن السلطان قد
أعاد إليك مشيخة البيبرسية، فشكر صاحبُ الترجمة له ذلك، ثم قال له:
قرَّرتني في مشيخة البيبرسية ونظرها، وعزل مَنْ هو مقرَّرٌ بها بحكم أنه
انتزعها منّي بغير جُنْحةٍ، فقال: نعم، فأشهد عليه بذلك مَنْ حضر.
وفي غداةِ غدٍ، لبس بها خلعة وحضرها، وصُرف(١) أخو جمال الدين
منها ثم عُوْضَ أخو جمال الدين بعد سنتين بمشيخة سعيد السعدا.
ووقع من الشيخ همام الدين الخوارزمي شيخ الجمالية - وهو من
مساعدي الهروي - في هذا المجلس فلتةٌ أنكرها عليه صاحبُ الترجمة، إلى
غير ذلك مما لا نطيل بإيراده.
ثم كان المؤيد يعتمد على شيخنا بعد ذلك ويثق به. اتَّفق أنَّ السّراج
الحمصي حكم في قضية تتعلق ببستان المحلي الذي بالقُرب مِنَ الآثار،
وعُقد له مجلسٌ بسببه، حضره القُضاة وأهل الفُتيا على العادة، فلمَّا
حضروا، سأل السلطانُ صاحبَ الترجمة عن القضية، وقال له: أنت تعرفُ
الحالَ أكثر مِنْ هؤلاء، فذكر له حلية الأمر باختصار، وذلك في سنة إحدى
وعشرين وثمانمائة .
(١) في (أ): ((وحضر))، خطأ.
٦٥٥

وفي تاريخه وقعت بين القاضيين الهروي الشافعي والدَّيري الجنفي.
مباحثةٌ، كان الحقُّ فيها مع الحنفي، وجحد الهرويُّ مقالته، فسأل السلطانُ
مِنْ صاحب الترجمة ومِنَ القاضي المالكي عن حقيقة ذلك، فأخبراه بصدق
ابن الديري .
بل ولَّى المؤيدُ صاحب الترجمة في تاريخه - كما سلف - الحكمَ بين
الهروي وأخصامه الخليليين والمقادسة، فتوجَّه الحكمُ على الهروي، وخرج
في التّرسیم.
وكذا كان غير المؤيَّد كالظاهر ططر، يُسِرُّ إليه - وثوقاً به - دقائق
أمره، فحكى له قبل أن يتسلطن أنه في آخر الدَّولة المؤيدية في الليلة التي
مات صبيحتها المؤيّدُ، ضاقت يدُه لكثرة مصروفه وقلّة متحصّله، حتى إنَّ:
شخصاً قدَّم له مأكولاً، فأراد مكافأته عليه، فلم يجد في حاصله خمسةً
دنانير، حتى أرسل يقترضها مِنْ بعض خواصه، فكلُّهم - إلاَّ واحداً - يحلِفُ
أنَّه لا يقدِرُ عليها، ثمَّ لم يكن بين ذلك وبين أن استولى على المملكة
بأسرها، وعلى جميع ما في الخِزانة السُّلطانية التي جمعها المؤيَّدُ سوى
أيَّام، وأمر ططر صاحب الترجمة بكتابة هذه الواقعة، فإنها أُعجوبة ..
وكان - رحمه الله - عُيِّن لدرس الحديث بالمؤيدية أوَّل ما فُتحت، ثمَّ
بطل ذلك، وقرر فيه البدر العيني، واستقرَّ هو مدرس الشافعية بها كما
تقدَّم.
وعرض عليه في أيَّام الأشرف برسباي بعد ولايته قضاء الديار المصرية
وظيفة كتابة السِّرِّ، ملتزمين له الإذن بالجلوس، فأباها وتعلّل عليهم بضياع
زمنه في معرفة المصطلح.
ونحو ذلك مِمَّا لم يقله إلاَّ طرداً، إذ كان لا يخفاه ذلك رحمه الله.
وإيانا .
٦٥٦

الباب الخامس
فيما علمته من تصانيفه ومَنْ حصَّلها مِنَ الأعيان
وتهادي الملوك بها إلى أقصى البلدان وما كتبه
بخطه مِنْ تصانيف غيره ليظهر حسن قصده وعظم خبره

الباب الخامس
[مصنفات ابن حجر]
وكان ابتداؤه في التصنيف في حدود سنة ست وتسعين وسبعمائة،
: فمن تصانيفه ما كمل قبل الممات، ومنها ما بقي في المسؤَّدات، ومنها ما
شرع فيه، فكاد، ومنها ما شطر، ومنها ما صَلُحَ أنْ يدخُل تحت الإعداد.
وهذا إيرادها على ترتيبٍ اخترتُه، وتقريبٍ ابتكرتُه، وقد جمع هو أسماء
معظمها في كراسة افتتحها على سبيل التّواضع والهضم لنفسه بقوله: وأكثر
ذلك - يعني تصانيفه - مما لا يساوي نُسخةً لغيره، لكنَ جرى القلمُ بذلك.
قلت: وقد سمعتُه يقول: لستُ راضياً عَنْ شيءٍ مِنْ تصانيفي، لأني
عملتها في ابتداء الأمر، ثم لم يتهيَّأْ لي مَنْ يحرِّرُها معي، سوى ((شرح
البخاري))، و((مقدمته))، و((المشتبه))، و((التهذيب))، و((لسان الميزان)). بل كان
يقول فيه: لو استقبلتُ مِنْ أمري ما استدبرتُ، لم أتقيد بالذَّهبي، ولجعلته كتاباً
مبتكراً، بل رأيته في موضع أثنى على ((شرح البخاري)) و((التغليق)) و((النُّخبة))،
ثم قال: وأمَّا سائر المجموعات، فهي كثيرةُ العدد، واهية العُدَد، ضعيفةُ
القُوى، ظامئة الرُّوى، ولكنها كما قال بعضُ الحفّاظ مِنْ أهل المائة الخامسة:
أراه هوى وافق المقصدا
وما لي فيه سوى أنّني
ة على السَّيِّد المصطفى أحمدا
وأرجو الثواب بكتب الصلا
قلت: وهذا الحافظُ المُبهم هو أبو بكر البرقاني، وأولهما:
٦٥٩

وأجمل فيه لها الموعدا(١)
أعلل نفسي بكتب الحديث
وتخريجه دائماً شرمدا
وأشغل نفسي بتصنيفه
والله المسؤول التفضَّلُ بعفوه، والتطوّل بستره، إنه حليم كريم. ثم
قال: وهذه أسماء النَّصانيف المشار إليها، وبيان ما كمُلَ منها فيُبيِّضَ، أو
استمرَّ في المسوّدة بعد أن سطره، وبيان ما شارف التَّمام أو شطره، وبيان
ما شرع فيه. بحسب ما وقع أو استحضره، إجابةً لسُؤال مَنْ سأل في
ذلك، ومدّ إليه فِكْرَه ونظره، والله المستعانُ في أن يبلغ كلامنا وطَرَّهِ،
وعليه التُّكلان في إرشاد كلٌّ منا وإعانته على القيام بما أمره، إنه قريب
(٢)
مجیب(٢) ..
١ - تلخيص الجمع بين الصحيحين.
٢ - الجمع بين الصحيحين على الأبواب بالأسانيد والطرق وزيادات
المستخرجات .
٣ - زوائد ما في الكتب الأربعة.
٤ - السنن على الصحيحين مما هو صحيح، كتب منه كراريس.
: (١) انظر هذه الأبيات وأبياتاً أخرى معها في تغليق التعليق ١٣/٣، وتاريخ بغداد ٣٧٥/٤
- ٣٧٦.
(٢) قلت: وقد جمع مصنفات الحافظ ابن حجر أيضاً تلميذه برهان الدين البقاعي في جزء
مفرد، منه نسخة بخط شهاب الدين أحمد بن خليل بن اللبودي، المتوفى سنة ٨٩٦
سنة كتبها سنة ٨٦٨هـ، وزاد على البقاعي كتباً أخرى من تأليف الحافظ ابن حجر.
وهذه النسخة محفوظة في مكتبة لايدن بهولندا برقم ٢٤٩٢ ومعها أيضاً جزء فيه ذكر مصنفات
البقاعي، وهو كذلك بخط ابن اللبودي المذكور، وكلاهما عندي منه صورة ورقية.
وأقول أيضاً: قد جمع الدكتور شاكر محمود عبد المنعم أسماء مصنفات الحافظ ابن
حجر في كتابه القيم ((ابن حجر السعقلاني مصنفاته ودراسة في منهجه وموارده في
كتابه الإصابة) ١٦٧/١ - ٣٩٨، حيث أوصلها إلى ٢٨٢ مصنفاً، يذكر من أورد اسم
الكتاب ممَّن ترجم لابن حجر، ومكان وجود نسخه الخطية، وطبعاته إن كان مطبوعاً،
فأجاد في ذلك، شكر الله له.
٦٦٠