Indexed OCR Text
Pages 601-620
[وظيفة المشيخة : ] وأما المشيخات، فكان رحمه الله قد ولي مشيخة البيبرسية ونظرها، رغب له عن ذلك العلاء الحلبي في ثالث ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، وكان العلاء استقرَّ فيها عوضاً عن شمس الدين أخي الجمال الاستادار، ثمَّ سعى الشمس المذكور إلى أن اشترك مع شيخنا في المشيخة، ثم انتزعها منه كلَّها في سنة ست عشرة وثمانمائة، بعد أن كان كُتب لشيخنا توقيع بها في مستهل جمادى الأولى سنة خمس عشرة وثمانمائة مِنَ الخليفة حملاً على [ما بيده من] (١) المستندات الشرعيَّة، ثم أعيدت لشيخنا في سنة ثمان عشرة زمن المؤيَّد عَقِبَ كائنة الهروي، وكتب توقيعه بذلك في ثاني عشر ربيع الآخر من السنة، ولبس الخُلعة، كما سيأتي شرحُ ذلك. واستمرت بيده إلى أن قرَّر الظاهرُ فيها العلامة شمس الدين القاياتي في يوم الثلاثاء العشرين مِنْ جُمادى الأولى سنة تسع وأربعين وثمانمائة، وما حمِدَ له العقلاءُ ذلك، حتَّى شافهه العلامة فريد الوقت الأمين (٢) الأقصرائي بقوله: ما حجَّتُك في الاستقرار فيها وانتزاعها من متولْيها؟ فسكت. وكذا تألَّم شيخ الوقت أبو عبد الله الغمري(٣) صاحب الجامع الذي بقرب سوق أمير الجيوش(٤)، وصرَّح بعتبه عليه لذلك، لكونه أخرج عياله ونحو ذلك. [ولهذا لمّا سأل شيخنا العز السُّنباطي منكراً على أهل الوقت: أهل سمعت قائلاً يقول: إن إخراجها - أعني البيبرسية - عني لا يحلّ؟ أجابه بقوله: ما رأيت أحداً قاله سوى الغمري، أو كما قال، ولكن الظاهر أن شيخنا إنَّما أراد من يبرّر بالإنكار](٥). وحضرها القاياتي في يوم الولاية ومعه جماعة، (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ب). (٢) في (أ): ((الأمير))، تحريف. (٣) هو شمس الدين محمد بن عمر بن أحمد، المتوفى سنة ٥٨٤٩. الضوء اللامع ٢٣٨/٨ - ٢٤٠. (٤) في (أ): ((الحوش))، تحريف. (٥) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب، ط). ٦٠١ منهم ولي الدين بن تقي الدين البلقيني، وهو الذي حسِّنَ له المجيء، وإلا فقد كان القاضي كمال الدين بن البارزي أشار عليه بعدم الحضور، والتثبت حتى يراجع السلطان، فإنَّ الصواب عدم انتزاعها منه، ووافق على ذلك، ثم في الحال [بعد مفارقة الكمال] (١) انثنى عزمه عنه بواسطة المذكور، وتوجه إليها وهو معه، فحسَّن له أيضاً حينئذٍ النداء لجماعة الصوفية بزيادة الثلث في معلومهم، فأمر بذلك بعد توقفه وقوله حتى نعلم ارتفاع الوقت ومصرفه أوَّلاً، فقال: إذا لم يَفِ بذلك، بعتُ قاعتي وأثاثي وغلَّقت، ففعل. واجتهدوا في سدُ ذلك بزيادة إجارة البلد، وبإضافة ما كان يأخذه بعض المباشرين للقبض، وهو على كل نخلة شيء مع زيادته، وبإلزام كاتب الغيبة بالتشديد في الكتابة، وبغير ذلك، حتى أنشدني بعضُ صوفيتها لنفسه: وغابتِ الأسدُ فاعتزَّ السََّراحِينُ عزَّ الشِّهاب فجاءتنا الشياطينُ ففي وصيتهم ضاع المساكينُ وقد تواصَوْا على ما لا به سددٌ . واتفق أنهم ظفروا بغلاَّية نحاس كبيرة، شرط الواقف أنها تُملأ في الشتاء لمن يحتاج إلى الوضوء أو الاغتسال منها، وأَهْمِلَ أمرُها لعجز الوقف عن القيام بها، فاجتهد وليُّ الدين المذكور في إبرازها بجانب الفسقية وملئها . : وكذا اجتهد في عمل حلوى تُفرَّق على الصوفية في ليالي الجُمعِ مِن رجب واللَّذَيْن يليانه، وصار يتولى ذلك بنفسه قصداً لتأييد العزل، وكان [يذكرُ لفعله ذلك وغيره [من تلك الأفاعيل](٢) أسباباً، منها: أنه رُفع له قُصَّة](٣) يلتمس فيها معلومَهُ بجامع طولون، فكتب له بهامشها: فلان يحاسبه بثمن المدورين الرخام اللذين اختُلسا مِنْ قاعة الزفتاوي، يعني التي كان المذكور سكن بها مدَّة، وفقدا منها في تلك المدة، وقدَّر الله تعالى بعد مدة أن المذكور باع قاعته بعد أن كان وقف نصفَها علی مدرسته، ونزل عَنْ (١)(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ب). (٣) من قوله: ((يذكر)) إلى هنا ساقط من (أ). ٦٠٢ وظائفه كلِّها، وبذل أكثر ذلك لأهل الدولة، حتى ولّوه قضاء الشام، وقاسى أهوالاً، [وصرف بأحد تلامذة صاحب الترجمة القاضي قطب الدين الخيضري، وقد غُبِنا](١). نسألُ الله السَّلامة. والذي عندي أن صاحب الترجمة كان يتأول بأن يبر بالزائد - إن كان - طلبة العلم، لأن الكثير من الصوفية من غيرهم، ولهذا كان يستنزل بعضهم ممَّن لا طلب عنده ولمن يكون طالباً، ويزن عنه مِنْ ماله، ويمكن أن يكون وزْنُه ذلك مِنْ فائض الوقف. وأيضاً فكان اشتغالُه بالعلم الذي تعيّن عليه القيام به يمنعه عن تولّي هذا ونحوه بنفسه، فلهذا دخل عليه الدَّخيل، والأعمال بالنِّيات. وبعد عزل شيخنا مِنَ البيبرسية، حوَّل مجلس إملائه إلى الكاملية، وأمر بتبييضها، وقرأ الشيخُ حسين الفتحي، أحد تلامذته، من تلقاء نفسه أول يوم مِنْ إملائه بها سورة الصَّف بصوت شجيٍّ، مع كونه بارعاً في القراءات، فبكى النَّاسُ، وكانت ساعةً مهولةً، وتأثر جماعة القاياتي من ذلك، وراموا إيقاع تشويش بالقارىء، فما ظفّرُوا بمقصودهم. وفي ذاك اليوم أيضاً أهدى إمامُها العلامة كمال الدين له قُمقماً فيه ماءُ زمزم، واتَّفق دخول القاياتي بعد ذلك إلى الكاملية في جنازة الشيخ شمس الدين الحجازي، وما تيسّر للكمال إهداءُ شيءٍ إليه، فيقال إنه تأثّر مِنْ ذلك، خصوصاً وقد حكى له الكمال أنه أهدى لصاحب الترجمة ماء زمزم، وقال القاياتي: هديةٌ عظيمة، أو كما قال. ولما توفّي القاياتي، استقرَّ ولدُه الصغير أحمد في المشيخة، والأمير الدوادار دولات باي المؤيدي في النّظر. ولم يزل كل واحد منهما يباشر وظيفته حتَّى أَعيد شيخُنا إلى الخانقاه على جاري عادته في أوائل ربيع الثاني في سنة اثنتين وخمسين. (١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). ٦٠٣ وحصل السُّرور بذلك، وحضرنا في خدمته على عادته، وعاد إلى الإملاء بها، واستمرَّ على ذلك أياماً، ثم التمس ولده عمل(١) الحساب في المدة التي كانوا منفصلين عنها، واستحضر المزارعين لبلد الخانقاه، ورام كتابة محضرِ الدُّخول، فاجتهد سعد الدين القبطي، المعروف بابن عُويد السَّراج مباشر الأمير، في ذلك وغيره، وقرَّر عند أستاذه أنَّ قصدهم طلبُ الحساب في مدَّته، وحرَّك عزمه حتى أعلم الظَّاهر بهذا، فقال: أنا لم أقرُّزه إلا في المشيخة خاصة، وما عزلتك عن النظر، فتألَّم شيخُنا وأحبابُه لذلك، وكان تدبير ولده هو السبب، فلله الأمر. وساعد الأمير حينئذٍ ولد القاياتي حتى أعيد إلى المشيخة، ثم اتفق (٢) طلوعه إلى السلطان في بعض القضايا، فأظهر صاحبُ الترجمة ما عنده مِنَ التأثّر، وشافه الظاهر بقوله: أعطيت وظيفتي مَنْ لا يدري الإسلام، وكذا نهر ابن البارزي ودولات باي، لكونه تكلّم مع السلطان حينئذٍ بالتُّركي، وانزعج السلطانُ مِنَ ذلك كله، حتى صارت ركبتُه تهتزُّ، وأظنه كان سبباً لعزله من [المشيخة أيضاً، بل من](٣) وظيفة القضاء عَنْ قُرب، وذلك في جمادى الثاني مِنَ السَّنة بعد سبعة وسبعين (٤) يوماً مِنْ حين ولايته للخانقاه والقضاء، بل ما كفِّه عنه إلا الله عز وجل، وما صدرَ كلُّ هذا من شيخنا إلا وقد بلغت الرُّوحُ التُّرقُوة، وقال حينئذٍ لبعض جماعته: لو استقبلت مِنْ أمري ما استدبرتُ، كنت عزلت نفسي من القضاء(٥) عقِبَ إخراج نظر الخانقاه. واستمر يُملي بها ولیس باسمه فيها سوى درس الحديث. وبسبب مباشرة شيخنا نظر الخانقاه المذكورة، ترتّب ديوان الجيش وكثير من مستحقي المدارس ونحو ذلك على حروف المعجم، وكانوا قبل (١) في (ط): ((علم))، تحريف. (٢) في (ب): ((وباشر الأمير النظر وشيخنا المشيخة خاصة حتى اتفق ... )). (٣) ما بين حاصرتين لم يرد في (أ، ط). (٤) في (ب): ((بعد سبعين يوماً)). (٥) ((من القضاء» ساقطة من (ب). ٦٠٤ ذلك في تعب زائدٍ بالكشف، فسهَّل عليهم، حيث اقتدَوْا بصاحب التَّرجمة في ترتيب أسماء المستحقين بالخانقاه على الحروف. وممَّن كان يحمل المصحف مِنْ محراب البيبرسية حتى يضعه بين يدي صاحب الترجمة - على عادة الشيوخ - سيدي الشيخ سعد العجلوني، نفع الله به، مع أنَّه كان مقيماً بالجامع الأزهر، وعُدَّ ذلك مِنْ كرامات صاحب الترجمة، رحمهما الله وإيانا. وأمَّا الأنظار سوى ما تقدَّم، فإنه كان استقرَّ في النّظر على حمّام ابن الكُويك بتفويضٍ مِنَ التَّقيِّ المقريزي، واستمر معه حتى مات، ورام القاضي علم الدين أخذه منه في بعض عزلاته، متمسكاً بأنه من متعلقات القضاء، فأرسل إليه صاحب الترجمة بتفويضٍ المقريزي إليه، فسكت. [وظيفة الخطابة : ] وأمَّا الخطابة، فكان رحمه الله قد ولي الخطابة بالجامع الأزهر - [أظنه المشاركة غيره له في رفعها](١) عوضاً عن التاج محمد بن علاء الدين [محمد بن محمد بن عبد المحسن بن عبد اللطيف ابن قاضي القضاة تقي الدين محمد بن حسن العامري الحموي الأصل المصري، عرف](٢) بابن رزين المتوفى - حسبما أخبرني به ولده عبد الرحيم رئيس المؤذنين بجامع الحاكم - في سنة تسع عشرة وثمانمائة، برغبة منه لصاحب الترجمة عنها. [وكان التاج تلقّاها عن أبيه العلاء الذي كتب عنه صاحب الترجمة، ومات في سنة خمس وثمانمائة](٣). ولما كان الناصر فرج بن برقوق بالشام في سنة خمس عشرة وثمانمائة، وخلعه الخليفة وهو إذ ذاك بالشام أيضاً، وورد الخبر بخلعه، ثم جاء من عند الناصر ساع بأنه ملتجىء إلى القلعة، وقدم بعض الأمراء وعليه (١)(٢)(٣) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). ٦٠٥ خُلعة الخليفة وكتابٌ لمن بالقاهرة باستقرار الخليفة في السَّلطنة، أرسلوا : بالكتاب لصاحب الترجمة بالجامع الأزهر، فقرأه على المنبر وقت الجُمعة، وكذا فعل غيرُه مِنْ أعيان الخطباء. وفي يوم الجمعة ثاني عشري ربيع الآخر سنة تسع عشرة، وكان عقب موت شيخه فريد العصر العز محمد بن أبي بكر بن جماعة، فإنه توفي يوم الأربعاء، وصُلِّي عليه صبيحة يوم الخميس، فأورد صاحبُ الترجمة في خطبته قول ابن الحنفيَّة لمَّا مات ابن عباس رضي الله عنهم: مات - والله - اليوم خبرُ هذه الأمَّة، فقال: (ولقد دفنًا بالأمس عالم هذه الأمَّة](١)، أو كما قال. وبواسطة كونه كان خطيبه، كان يكثر الصلاة على الغائبين من العلماء والصَّالحين، حيث يشير بذلك لمعرفته بمنازلهم، فكان ممَّن صَلَّى عليه صلاة الغائب العزّ أبو البقاء محمد بن خليل الحاضري الحنفي، الذي قال : فيه البرهان الحلبي الحافظ: لا أعلمُ بالشَّام كلِّه في مجموعه مثله](٢). وفي رجب من السنة، أمر السلطانُ الخطباء، إذا وصلوا إلى الدعاء إليه في الخطبة أن يهبطوا مِنَ المنبر درجةً أدباً، ليكون ذكرُ الله ورسولِهِ في مكان أعلى مِنَ المكان الذي يُذكر هو فيه، ففعل صاحب التَّرجمة ذلك بالجامع الأزهر، وكذا غيرُه مِنَ الأعيان، لكنه ما تمَّ، وكان مقصدُ السلطان في ذلك جميلاً . ولمَّا سافر المؤيِّدُ لتمهيد البلاد الشمالية(٣) في سنة عشرين، وورد كتابه من حلب بشرح سيرته في السّفرة المذكورة في بلاد الرُّوم وما ملك مِنَ القلاع التي لم يملكها أحدٌ مِنَ الُّرك قبله وغير ذلك، قرأه صاحبُ التَّرجمة في الجامع الأزهر، وكان يوماً مشهوداً، وصلى للناس في الجامع الأزهر صلاة الكسوف في ثالث عشري ربيع الأول على الوصف المعروف في الأحاديث الصحيحة، بركوعين مطوَّلين، وقيامين مطولين(٤)، وكذا في: (١)(٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٣) في (ب): ((الشامية)). (٤) (مطولين)) ساقطة من (أ): ٦٠٦ جميع الأركان المقصودة وغير المقصودة، ثم خطب بهم، فانقضى ذلك بعد أن انجلت الشّمسُ، ولله الحمد. وقد صلى بالنَّاس أيضاً صلاة الكسوف وهو بحلب بجامعها الكبير سنة ست وثلاثين وثمانمائة، فما سلَّم إلا وقد انجلت وغربت الشَّمسُ، فصلّوا المغربَ بالجامع، وانصرفوا بغير خطبة. وخطب بجامع القلعة بالشّلطان على جاري عادة قضاة الشافعية. وكان ربما خطب عنه نيابةً أحدُ نوابه أبو العباس الزركشي والقاضي صدر الدين بن رَوْق، ثم بعد موت ابن روق السيد صلاحُ الدين الأسيوطي، فيما قيل. ومنعهم شيخُنا مِنْ شرب المشروب وهم بالجامع على ما أخبرني به الشرف بن الخشاب، لكنه ما استمر، وأمره أن يقول بين يديه زيادة على ما أحدثوه: ومن لغا فلا جمعة له. وكذا أمر المرقي أن يقول [بعد إيراد الحديث الذي أُحدث ذكرُه بين يدي الخطيب، وقبل قوله] (١): أنصتوا: رواه البخاري، وذلك لما توهّم السلطانُ أنها مِنْ نفس الحديث. وكذا خطب بالسُّلطان بجامع بني أمية في سنة آمد كما سبق(٢)، ثم خطب بجامع عمرو بن العاص رضي الله عنه في آخر يوم من رمضان سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة، وكان استقرَّ فيها، فإنه قايضَ الشيخ شمس الدين محمد بن يحيى بما كان معه مِنْ خطابة الأزهر عمّا معه مِنْ نصف خطابة جامع عمرو رضي الله عنه، ثم استكمل(٣) الوظيفة، بعد ذلك استنزل البدر محمد بن العلامة مجد الدين البرماوي عن نصفها الآخر، بل ولي نظر الجامع أيضاً(٤)، [وذلك في جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين، ونزل إلى مصر، وكان يوماً مشهوداً، كما بيَّنته في الحوادث من ((تاريخي))](٥)، وسمعنا خطبته هناك مراراً. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ط). (٢) في (ط): ((كما سيأتي)». (٣) في (أ): ((استعمل)). (٤) في (ب): ((على ما تحرّر)). (٥) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). ٦٠٧ ورأيناه يشتد إنكاره وهو على المنبر على مَنْ يدخلُ مِنَّ العوامُ فيجلس، فإذا تمت الخطبة الأولى قام فصلّى. وكذا رأيناه ينكر ما يفعله الجهَّالُ مِنْ كتابة أوراق في آخر جمعةٍ مِنْ رمضان والخطيب على المنبر، يسمونها حفيظة رمضان، ويبالغ في ذلك، وهذه الحفيظة أمرُها منتشر، بحيث وُجِدَ بخط محمد بن الشرف إسماعيل بن المقرىء، والفقيه إسماعيل بن محمد الأمينين اليمنيَّيْن، الأول :. نقلاً عَنْ خط النَّفيس سليمان بن إبراهيم العلوي محدث اليمن، والثاني عن خط الموفق علي بن عمر بن عفيف الحضرمي، عن خط الجمال محمد بن عبد الله الرَّيمي، عن كتاب إبراهيم بن عمر العلوي - قلت (١): وهو والد النفيس المذكور في السَّند الأول فيما وجداه - أعني النفيس ووالده - منسوباً إلى الفقيه الإمام محمد بن الحسين الصِّمعي بلفظه أو معناه، أنه يكتب في آخر جمعة مِنْ رمضان بعد صلاة العصر على ما ورد به الأثر: لا آلاء إلا الاؤُكُ يا الله (٢) إنك سميع عليم محيط به علمك(٣)، كعهون (٤)، وبالحقّ أنزلناه وبالحق نزل. وقال: ما كانت في بيت فاحترق ولا سُرق، ولا في مركب فغرق. قال البرهان العلوي: فسألتُ عَنْ ذلك شيخي الفقيه شهاب الدين أحمد بن أبي الخير بن منصور الشماخي، فقال: لا بأس به وأقرَّه. قال: وإن كان في الحديث شيءٌ، فذلك مِنْ باب التّرغيب والترهيب(٥). قال الأمين إسماعيل: وأهل زبيد الآن يكتُبون هذا في آخر جمعة مِنْ رمضان والإمام يخطُّبُ لصلاة الجمعة، وكذا أهل تعز وغيرها من بلاد اليمن. قلت: وكذا مصر والقاهرة والمغرب ومكة. وليس لها أصل صحيح، بل ولا ضعيف مِنَ السُّنَّةِ، خلافاً لما هو ظاهرُ كلام الشماخي، والله الموفق. (١) بياض في (ب). (٢) في (ب، ط): ((بالله)). (٣) في (ط): ((عملك))، تحريف. (٤) في (ح): (کمشلهون)). (٥) ((والترهيب)) لم ترد في (ح). ٦٠٨ واستمرت هذه الخطابة، وكذا الإمامة، بالجامع المذكور بيد صاحب الترجمة، وينوب عنه في الخطابة أيام تلبُّسه بالقضاء، وكذا في غيرها غالباً، موقِّعُه ناصر الدين بن المهندس المصري. واستخلف في أحد العيدين مرَّة شمس الدين اليلداني الدمشقي، خطيب الثابتية بها، أحد مَنْ قرأ عليه ((الصحيح))، ووقع ذلك عنده موقعاً عظيماً، خصوصاً وقد أمره شيخُنا بالمبيت عنده بالمقعد، وأذِنَ له في ركوب بغلةٍ مِنْ بغاله، ولشدَّة سروره بذلك استكتب شيخنا بما أشرتُ إليه، ليكون له الفخارُ بذلك على خُطباء دمشق. ولمَّا مات صاحبُ التَّرجمة، استقرَّ فيها أبو الخير النَّاس، وهي الآن بيد فقيه الشافعية الشرف المناوي، [ثم أخذها بعده ولده زين العابدين، ثم ولداه](١). [وظيفة خزن الكتب: ] وأمَّا خزن الكتب، فإنه كان بيده خزانة الكتب بالمدرسة المحمودية الكائنة بالموازيين، وكان قد عزل عنها خازنها (٢) الفخر عثمان، المعروف بالطّاغي، في سنة ست وعشرين وثمانمائة، لكونها نقصت بتفريطه العُشر، وهو أربعمائة مجلد، لأنَّ كتبها كانت أربعة آلاف مجلدة، وهذه الكتب من أنفس الكتب الموجودة الآن بالقاهرة، جمعها القاضي برهان الدين بن جماعة طول عمره، ولمَّا مات اشتراها محمود مِنْ تركةٍ ولده ووقفها، وشرط أن لا يخرج منها شيءٌ من المدرسة، ولنفاسة كتبها، رغب شيخُنا في مباشرتها بنفسه، وعمل لها فهرستاً على الحروف في أسماء التصانيف ونحوها، وآخر على الفنون، وقد انتفع بذلك ونفع الله به، فإنَّه كان يقيم بها في الأسبوع غالباً يوماً، وفي مدة الأسبوع يكتب في(٣) قائمة ما يحتاج لمراجعته منها بسببه (١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٢) في (أ): ((صاحبها)). (٣) ((في)) ساقطة من (أ). ٦٠٩ في تصانيفه وغيرها، ليتذكره في يوم حلوله بها كما شاهدته بخطه، وتيسَّر على يده عَوْدُ أشياء ممَّا كان ضاع قبله، واستمر بيده حتى مات، فأخذها أبو الخير أيضاً. (وهي الآن باسم الزَّيني سالم إمام أتابك العساكر أزبك الظاهري، تلقّاها عن حافظ الدين أحمد بن الجلالي، وهو تلقّاها عن والده شمس الدين، وهو عن التُّريكي صاحب النحاس المذكور](١). [دروس ابن حجر : ] وكان - رحمه الله - إليه المنتهى في إلقاء الدروس على طريقةٍ لم أر نظيرهُ فيها، ويأتي في كل فنٌ مِنْ بنات فكره استنباطاً واستدراكاً وتشكيكاً بما يُبهر عُلماء ذلك الفن، بحيث يقضون له بالسِيادة فيه. وكيف لا يكون كذلك، وهو كان الغاية في سُرعة الإدراك، بحيث أطلق عليه غيرُ واحدٍ مِنَ : الأئمة أنَّه أذكى أهلِ عصره، وأحسنُهم كلاماً في الأشياء الدَّقيقة، مع الإنصاف التَّامِ، والرجوع إلى الحق في المباحث، ولو على لسان آحاد الطَّبة، وربما كان في بعض المواطن مستفيداً [في زيّ مفيد] (٢)، ولا يتنبَّه لطريقته في ذلك كبيرُ أحد، لكن لا أطيل بتبيين ذلك. [وكان إذا تأمَّل شيئاً رفع رأسه، وجعل ظاهر يده وهي مقبوضة تحت لحيته غالباً . وبلغني عن الشّهاب بن المجدي أيضاً - وهو ممَّن كان يوازي شيخنا في وفور الذكاء - أنه كان أيضاً إذا فكّر في شيءٍ يرفع رأسه ويتنفّس. ويُقال: إن الفكر يجتمع حينئذٍ، بل لعلَّ شيخنا كان يقصد القرب من فعل السُّنَّةِ، ففي الحديث. أنه ◌ََّ، كان إذا همَّه أمرٌ نظر إلى السماء. والأوزاعي عَنِ الزُّهري، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي ◌َّ كان إذا أهمّ قبض على لحيته](٣). (١)(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (أ). (٣) من قوله: ((وكان إذا تأمل شيئاً)) إلى هنا لم يرد في (ب). ٦١٠ [التفسير: ] وأمَّا التفسير، فكان فيه آيةً مِنْ آياتِ الله تعالى، بحيث كان يظهر التأسُّفَ في إهمال تقييد ما يقع له مِنْ ذلك ممَّا لا يكون منقولاً، وربما قال: يا فضيحتنا من الله تعالى! نتكلّم في كلامه بالاحتمالات. وفي أواخر الأمر، صار بعضُ طلبته يعتني بكتابة ذلك، لكنني ما أظنُّه وفَّى بالمقصود، كما لم يَفِ به فيما كتبه عنه في القطعة التي سمعها عليه مِنْ ((شرح ألفية العراقي)) حسبما صرَّح به صاحبُ الترجمة لبعض الفضلاء الثُّقات مِنْ طلبته. وبلغني عن صاحبنا الشيخ شمس الدين الجوجري، ثم سمعته منه بعد ذلك، قال: كان - يعني صاحب الترجمة - يأتي في مجلسه مِنَ التَّفسير بدقائق ومهمات(١) وغرائب لا تُوجد (٢) في سائر التَّفاسير، بل يُنشئها مِنْ فكره، ولا يشتغلُ بإبداء ما في التفاسير مِنَ النُّقول، لسهولة ذلك على مَنْ يطالعها . وحكى عنه أنه سأل مرّة في مجلسه الحافل عند الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَرَ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌ مُبِينٌ ﴾ [الأعراف: ٢٢]، فقال: في أي موضع مِنَ القرآن أخبرهما معاً بعداوة الشَّيطان لهما؟ فأخذ كلَّ واحدٍ مِنَ الحاضرين يكشف ما معه مِنَ التَّفسير، ويتأمل ما في القرآن مِنْ ذلك، وكنت أحدثهم سنّاً، فألهمني الله تعالى أن قلت: في سورة طه: ﴿فَقُلْنَا يََّادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ ﴾ [طه: ١١٧]، فأخذ بعضُ الجماعة في معارضتي بقوله: هذا في سورة طه، وهي بعد الأعراف، وسياقُ الآية صريحٌ في سبقِ ذلك، فقلت له: القرآن لم ينزل على ترتيب المصحف الشريف، فأعجبَ ذلك صاحبَ الترجمة، وبرز من الحائط، وقال: بالله قل له، وصار يُقبل عليَّ مِن ثَمَّ. قلت: وقد رأيتُ بعض مسؤَّداته على بعض الآيات التي ألقاها في (١) في (ط): ((ومهمات)). (٢) في (ط): ((لم توجد)). ٦١١ ۔۔ دروسه، فألفيته نقل كلام الأصبهانيِّ والبغويِّ والبيضاويِّ والشَّعلبيِّ والزَّمخشريِّ والسَّمر قنديِّ والسَّمين والفخر الرَّازي والقُرطبي والماوردي والواحدي وابن بريزة وابن جرير وابن ظفر وابن كثير وابن النقيب ومحمود الزنجاني وأبي حيان، لا على هذا الترتيب، بل ينظر (١) الأقدم فالأقدم. وهذا ما وقع له في تلك الآية خاصة، وإلاَّ فهو ينظرُ أكثر مِنْ هذه، فإذا رأى التّفاسير التي في ملكه وتحت نظره، أخذ حينئذٍ في إبداء ما عنده، ولم يقل قط: أنا لا أنظرُ في تفسيرٍ، خوفاً من وقوف قريحتي، ولا يُصَدِّرُ بكلام نفسه، ثم يقول :. وقد وافقني فلان، ولم أقف على كلامه إلاّ بعد مقالتي، ولا قال: انظر إلى كلامي وكلام الفخر الرَّازي، وما أشبه ذلك مِنَ الخرافات التي تحاشى العقلاء عَنْ صَدَوَرها، نسأل الله السلامة . وقد سمعتُ مِنْ لفظ صاحب الترجمة أنه تتبَّع رؤوس الآيات مِنْ أول القرآن إلى آخره، فوجد حروف المعجم قد اجتمعت في أواخرها إلا الخاء. المعجمة، وأفاد أنه اشتهر أنه ليس في القرآن آية متأخرة الحكم وهي متقدمة ! في التِّلاوة، وكلاهما مِنْ سورةٍ واحدة إلا الآية التي في ((البقرة)) في عدَّة المرأة، وهي قوله: ﴿مَّتَعًّا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، وقوله: ﴿يَتَرِّيَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فإنَّ الثانية مقدَّمة في التلاوة، والأولى مؤخّرة في التلاوة، والحكم على المقدَّمة دون المؤخّرة. وألحق بعضُهم بها موضعاً آخر في الأحزاب على رأي، وهو قوله تعالى: ﴿يَأَتُّهَا الشَِّىُّ إِنَّ أَحْلَلْنَا لَّكَ أَزْوَجَكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]، مع قوله: ﴿لَّا يَحِلُّ لَّكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]. قالت عائشة رضي الله عنها: ما مات رسول الله وَّهُ حتَّى أحل له النساء، وقيل: هو على ظاهره في التِّلاوة. انتهى، وهو كلام منَّجه. ورأيته نقل عن أبي العلاء المعري أنَّ أكثر ما وقف عليه في القرآن مِنْ توالي الحروف المتحرّكة التي لا يتخلّلها حرفٌ ساكن ثمانية أحرف، ومثّل (١) في (ط): ((يتظهر)) وفي هامشها: ((ينظر)). ٦١٢ ذلك بقوله تعالى: ﴿إِّ رَأَيْتُ أَمَدَ عَشَرَ كَوَكَبًا﴾ [يوسف: ٤] فمن التاء في ((رأيت)) إلى الكاف الأولى ثمانية. وأفاد أنه وجد في القرآن بهذا العدد غير هذا، بل وجد تسعة في قوله: ﴿وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا﴾ [الفرقان: ٧٠]، فمن الميم في (آمن)) إلى لام ((عملاً) تسعة. ووجد عشرة في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنَأْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَحَبَ (١) ◌َلَكِ غُلَمَا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] فمن الباء في (ربك)) إلى اللام في ((غلاماً) عشرة. قال: وهذا أكثر ما وقفت عليه من ذلك إلى الآن، يعني سنة ٨٢٤. انتهى. وقرأت بخطُ مفيدنا الحافظ أبي النعيم المستملي عن صاحب الترجمة أنه قال: اجتمعت حروف المعجم في اثنين، أحدهما في آل عمران ﴿ثُمَّ أَنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ ... ﴾ الآية إلى ﴿الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، والثانية في الفتح ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ ... ﴾ إلى آخر السورة [ الفتح: ٢٩]، وثالثة ناقصة حرف الشين، وهي بالمزمِّل ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ ... ﴾ إلى آخر السورة [المزمل: ٢٠]. [قلت: وقد سبق اليافعيُّ(٢) شيخنا، لكون الآيتين الأوليين فيهما حروف المعجم، وزاد أنَّهما مِنَ الأسرار المخزونة، إذا كُتبتا ومُحيتا(٣) بدُهن وردٍ أو غيره مِنَ الأذهان ودُهن به الأمراض الخطرة والآلام الصَّعبة، برئت بإذن الله تعالى. نقله عن اليافعي(٤) الكمال الدميري في الهمزة مِنْ كتابه ((حياة الحيوان)»(٥) وزاد في خصوص التداوي: ﴿وَيَسْلُونَّكَ عَنِ لْجِبَالِ﴾ إلى (١) في الأصل: ((ليهب))، وهي قراءة أبي عمرو بن العلاء ونافع وأهل البصرة. انظر تفسير البغوي/ ٢٢٣، وتفسير ابن كثير ١١٣/٣. (٢) (٤) في (أ): ((الشافعي))، تحريف، وهو عفيف الدين عبد الله بن أسعد بن علي اليافعي، المتوفى سنة ٧٦٨هـ. وهو صاحب كتاب ((الدر النظيم في خواص القرآن العظيم)). انظر الدرر الكامنة ٢٤٧/٢ - ٢٤٩، والأعلام للزركلي ٤/ ٧٢. (٣) في (أ، ب): ((إذا كتبتها ومحيتها)). (٥) ص ٦. ٦١٣ ﴿أَمْنَا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧]. وكذا الفاتحة، والله أعلم] (١). وأنشدني صاحب الترجمة مرة: رأی فحبًّ فرام الوصل فامتنعوا فسامَ صبراً فأعيى نيله فقضى وسأل الجماعة: أفيكم مَنْ يعرف في القرآن توالي التعقيب بالفاء مثل هذا؟ فلم يستحضر ذلك أحدٌ، فتلا هو في الحال: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةً فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَعْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنِبِهِمْ فَسَوَّنِهَا اللَّهِ وَسُقْيَهَا ®َ [الشمس: ١٣ - ١٥]، وأنها قُرئت ((فلا) بالفاء وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا أيضاً. [وقد أرسل له الظاهر جقمق، بمصحف فيه تقديم بعض الآيات وكذا السُّور على بعض، وزيادة ونقص وأشياء مباينة للمتواتر، يستخبره عن أمره، فلم يتبيَّن له أمره، وتركه فيما أظن عنده](٢). [فتاويه : ] وأما فتاويه، فإليها النِّهاية في الإيجاز، مع حُصول الغرض، لا سيما المسائل التي لا نَقْلَ فيها، فإنَّه كان أحسن عُلماء عصره فيها تصرُّفاً، لا : يُجارى فيها ولا يُمارى، يُخرُجُها على القوانين المحرَّرة بالدَّلائل المُعتبرة، وهو فقيه النّفس. وكان يكتب في كلِّ يوم غالباً - على أكثر مِنْ ثلاثين فُتيا، حتى إنَّه في حال سيره إلى مكة المشرفة، وهو على راحلته، ناوله بعض المسافرين، وهو الشيخ شرف الدين يونس الواحي فُتيا، فثنى رجله، وكتب. هذا مع شغل باله بأمر السَّفر، إلاَّ أنه أحب المزيد مِنَ الأجر، لما فيه مِنَ الإرشاد وإغاثة الملهوف. (١) من قوله: ((قلت: وقد سبق اليافعي)) إلى هنا لم يرد في (ب). (٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). ٦١٤ وقد قال المهلب في ((شرحه)) للبخاري: إن الفُتيا في الطريق، أو على الدابة ونحو ذلك مِنَ التَّواضع، فإن كانت لضعيف، فهو محمود، وإن كانت الرجل مِنْ أهل الدُّنيا، أو لمن يُخشى لسانُه، فهو مكروهٌ، يعني حيثُ أمِنَ حصول ضرر بتركه. [وكذا إذا لم يلحق المفتي بذلك زَهْوٌ وإعجاب ونحو ذلك](١). لكن قد حكي عن بعض الأجلاء أنَّه أوصى بعض طلبته، فقال: لا تسألني عَنْ أمر الدين وأنا ماشٍ ولا وأنا أتحدث مع الناس، ولا وأنا قائم، ولا وأنا متكىءٌ، فإنَّ هذه أماكن لا يجتمعُ فيها عقلُ الرَّجل. لا تسألني إلا في وقت اجتماع العقول. انتهى. وقد تقدَّم في الباب الثاني(٢) حكاية شُرب صاحب التّرجمة لماء زمزم في تيسير أمر الفتاوى عليه. ولكثرتها زَعَمَ بعضُ الحُسَّادِ أنه تتبع ما فيها. وأقول: إن كلَّ ما فيها مِنَ الخطأ بزعم المعترض مغتفرّ في جانب ما في غيرها مِنَ الصواب، فمن يُفتي في الشَّهر أكثر مِنْ ثلاثمائة، لا يُستغرب إذا أخطأ منها في ثلاثة، بل في ثلاثين. فإن أظهر المعترضُ الجميع، ثبتت المعذرة، كدأب غيره مِنَ المفتين، والسَّعيدُ مَنْ عُدَّت غلطاتُه. ومَنْ ذَا الذي تُرضى سجاياه كلُّها كفى المرءَّ نبلاً أن تُعدَّ معايبُه وإن أخفى الحق وأظهر الخطأ، فلا يخفى التعصب. [وقد يكون الاعتراضُ عليه نشأ عَنْ عدم إدراكِ مقصدِه وما أحسن قول القائل : تعلّل ناصر الخصم المحقّ غموضُ الحق حین یذب عنه فيقضي للمخلُ على المدقِّ تَجِلُّ عن الدَّقِيقِ فُهومُ قومٍ (١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب، ط). (٢) ١٦٦/١. ٦١٥ وقول غيره: وكم عائبٍ قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السَّقيم](١) وقد رأيتُ لشيخنا مجلدة مِنْ مهمٌّ فتاويه سماها («عجب الدهر في فتاوى شهر))، افتتحه بقوله: الحمد لله الذي لا تنفذُ خزائنُه مع كثرة البذل، والصَّلاةُ والسَّلام على محمد الذي جمع شتات جهات الفضل، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، أكرِمْ بهم مِنْ صِحبٍ وأهل. أما بعد، فإن مَنْ غلب عليه الحسدُ، وقف على فتوى بخطي، وقع عند كتابتها ذهولٌ عَنْ تقييد ما يُوهِمُ الإطلاق فيه، فشنَّعَ عليَّ في ذلك وبالغ، مع أنه عند التأمُّل لا يخفى المراد، فلمَّا بلغني ذلك، حداني على تدوين ما يقع لي مِنَّ الأسئلة في شهرٍ واحدٍ، ليعذر من يقف عليها فيراها، وصوابُها أكثرُ مِنْ خطئها، فإنَّ الإنسانَ طُبع على النسيان، والسَّعيدُ مَن غلب صوابُه على خطئه، وإنَّما يُلام مَنْ أصرَّ بعد قِيَام الحجّة. قلت: وعلى سبيل التنزُّل للخصم، فهو خيرٌ مِمَّن يجيب بتحصيل الحاصل، مثل تجوز ذلك على الوجه الشرعي، والله المستعان. وكان رحمه الله لا يُحابي بالفُتيا أحداً ولو عَظُم، اتّفق في سنة ثلاث وعشرين لمَّا كُتبتِ المحاضرُ بكفر قرا يوسف وولده، وأثبتت على القضاة، وطِيفَ بها على المشايخ، فكتبوا في ظاهرها بتصويبِ الحُكم المذكور، كان مِنْ جملة مَنِ(٢) التُمست منه الكتابة صاحبُ الترجمة، فلم يزَل يدافعهم عنها بعد إلزام الشَّلطانِ وكاتب السُّرِّ له بذلك فالتزم، ولكنه لم يف - ولله الحمد - تقديماً لحقُّ الله تعالى، وعدم المحاباة في دينه . ونحوُه ما حكاه صاحبُ التّرجمة في (فتح الباري)) أنَّ ملكِ الشَّرف شاه رُخ حاول في سلطنة الأشرف برسباي أن يأذن له في كسوة الكعبة (١) من قوله: ((وقد يكون الاعتراض)). إلى هنا لم يرد في (ب). ومن قوله: ((وقول غيره)» لم يرد في (ط). (٢) في (أ): ((ما)). ٦١٦ فامتنع، فعادت رسله أن يأذن له أن يكسوها مِنْ داخلها فقط، فأبى، فعادت رسلُه أن يرسل الكسوة إليه، ويرسلها هو إلى الكعبة، ويكسوها ولو يوماً واحداً، واعتذر بأنه نذر أن يكسوها، ويريد الوفاء بنذره، فاستفتى أهلَ العصر، فتوقّف صاحبُ الترجمة في الإذن له، بل وأشار إلى أنَّه إن خشي منه الفتنة، فيُجاب دفعاً للضَّرر، وسارع جماعة (١) إلى عدم الجواز، غير مستندين إلى طائل، بل موافقةً لهوى السُّلطان، ومات الأشرف برسباي على ذلك . ومنه أنَّ القاضي جلال الدين البُلقيني - وهو من المختصين به - أفتى مرَّةً، وسُئل صاحب الترجمة هو والبساطي عن ذلك، فخالفاه معاً فيما أفتى به، وبلغه ذلك، فتغيَّر لكنه احتشم مع شيخنا، واستضعف جانبَ غيره، رحمهم الله . وكنت أرى منه عجباً في معرفة مقاصد السّائلينِ مِنْ عباراتهم المعجرفةِ وحروفهم المقلّبَة، وربما لا يتيسَّر له المراد، فيكتب تحت السؤال أو بجانبه: يكتبها طالبُ علم. وقد يعلم أن مذهبه لا يوافق غرَضَ السَّائل، فيرشدُه لمن عنده ما ينفعُه، أو يطّلع على تعنُتِ السَّائل، أو إرادته الإعلام بإتقانه تلك المسألة، واستيفاء المقال فيها، إلى غير ذلك مِنَ المقاصد التي يدخُلها الخللُ، فلا يكتب قصداً لردع مَنْ هذا سبيلُه، لكن تركهُ الكتابة مع ذلك في النادر، والله الموفق . [خُطَبُه : ] وأمَّا خطبه، فكان لها صدع في القلوب، ويزداد وهو على المنبر مِنَ المهابة والنُّور والخَفَرِ ما لا أستطيع وصفه، بحيث كنتُ إذا نظرتُ إليه وهو على المنبر، يغلبِني البكاء، وربما أصلح القرينة إذا لم يرتَضِها وهو على المنبر. (١) في (ط): ((جماعته)). ٦١٧ واعلم أنهٍ كان مِنْ مقاصد شيخنا الجميلة أنَّه إذا رأى مع شخص وظيفةً لا يستحقُّها، اجتهد في استنزاله عنها، ويباشرها قليلاً، ثم يرغبُ عنها لمن يستحقها، ممَّن يكون فقيراً، إمَّا بالقدر الذي دفعه، أو أقل. وممَّن فعل معه ذلك: الشيخ شهاب الدين الأموي، الشهير بابن المحمِّرة، حيث رغب له عن درس الفقه بالشيخونية كما تقدم بحقِّ الشطر مما بذله هو فيها، علماً بحاله. وكذا فعل مع العلامة البدر بن الأمانة في درسي الحديث بالمنصورية والفقه بالكهاريّة، ونحوه إعطاؤه الجمالية للشُّمُنِّي على ما سبق. : [كل ذلك قصداً لوضع الأشياء في مستحقّها، وإنزال النّاس منازلهم، ومع ذلك فبلغني عنه أنه كان يقول: لا أعلمُ الآن مِنْ دروس الحديث شيئاً مع مستحقّه، هذا مع أنَّ ذلك الزمان لم يكد يبلغ المشاهدة في هذا الأوان، فالله يُحسن العاقبة] (١). ومن مبرَّاته الحسنة: إعطاؤه للشيخ شهاب الدين الكلوتاتي عَقِبَ نزوله عن تصوُّفه بالشَّيخونية تصوفاً بالخانقاه البيبرسية مجاناً، فلما عين الكلوثاتي في المحدثين بالمؤيَّديَّة، لزم تركه لها. [القضاء: ] وأما القضاء، فكان يرحمه الله - قد عَرَض عليه القاضي صدرُ الدِّين المناوي نيابة القضاء عنه قبل القرن، فامتنع، لأنه حينئذٍ كان لا يُؤثر على الاشتغال شيئاً، ثم ولأَه المؤيّد الحُكم في قضية خاصَّة، وهي بين الهروي قاضي الشّافعية إذا ذاك، وبين أخصامه الخليليين والمقادسة، وذلك في سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة. ثم ألح عليه(٢) القاضي جلال الدين بن البلقيني في القبول عنه، وكان بينهما مِنَ الوُدِّ ما اشتهر، فقَبِلَ بعد تكرير السُّؤال من (١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب). (٢) ((عليه)» ساقطة من (أ). ٦١٨ القاضي جلال الدين له في ذلك، ولم يباشر مِنَ الأحكام إلا اليسيرَ ممّا لا يُستغنی فیه عنه. ولما صدرت منه الإجابةُ للقاضي جلال الدين في النّيابة عنه، وولي بعد وفاته القاضي ولي الدين بن العراقي، التمس منه أيضاً ذلك، فلم يجد بدّاً مِنْ إجابته دفعاً لتوهُّم مزيّةٍ للقاضي جلال الدين عليه، فلمّا ولي القاضي عَلَمُ الدِّين، وكان قد استشير في ولايته، فقال: إنه يجيءُ منه قاضٍ، وهو كلام مديح، سأله أن ينفذ مكتوب الخشابيَّة، لعلوّ منزلته فنفذه، وليس في هذا كبير أمرٍ، لأن القاضي علم الدين ممَّن قرأ على شيخنا في ((محاسن الاصطلاح))، وابن شيخه، فلم يتوهم أنَّه يترفّع عليه بذلك، فما كان إلا اليسير حتَى رأى منه ما لم يألَّفْهُ منه قبلُ، فكان هذا سبباً للإجابة، حين عرض عليه قضاء الدِّيارِ المصرية، واستقرَّ في ذلك يوم السبت ثاني عشري المحرم سنة سبع وعشرين وثمانمائة بعد انفصال القاضي علم الدين المذكور. وعمل له الثَّقي ابن حجة تقليداً بديعاً، أسلفتُ ذكره في الفصل الأخير مِنَ الباب قبله(١)، وفيه ما يُشعرُ بأنَّه عرض عليه ذلك في كلٌ مِنَ الأيام المؤيَّديَّة والظَّاهريَّة ططر، فما تيسّر إلا في الأيام الأشرفية، فالله أعلم. وباشره بعفّةٍ ونزاهة وتواضُع زائدٍ، واستجلابٍ لخاطر الصَّغير قبل الكبير، وتصميم في الأمور، وإحسانٍ للفقراء والطّلبة، لكن كان بنكدٍ وعنادٍ وتعب وكثرة مُعارض وقلَّةِ إنصافٍ، وأنشد الشيخ شمس الدين محمد بن علي الهيثمي لنفسه. عزلوا صالحاً عن (٢) الحكم لمَّا ألبس الله أحمدَ التّشريفا ثم لا زال صالح مصروفاً حصل العدلُ فهو ممنوعُ صرفٍ (١) ١/ ٤٣٥ - ٤٤٠. (٢) في (ط): ((من)). ٦١٩ وقال صاحب التَّرجمة :. يا زاعماً أني وليت فجُرت في حُكمي إذ ولَّوْهُ لم أكُ حاثفاً قد كنتَ في أيامٍ جوري آمناً فاحذر أكُنْ أَيَّامَ عَدلِكَ خائفًا وكان - رحمه الله - مصمِّماً على عدم الولاية للقضاء أصلاً، واتّفقُ أنَّه قدم عليه العلامةُ أبو الفضل ابن الإمام التّلمساني، وكان الآخرُ ملتزماً أن لا يلي القضاء أصلاً، فقصَّ شيخُنا عليه مناماً رآه لنفسه، فعبَّره(١) له بأنَّه دالٌ على عدم ولايته القضاء. قال شيخنا: وليس في المنام ما يدلُّ على ذلك، غير أنّه أحبَّ التّفاؤل لي بذلك لما يحبُّه لنفسه، فلم يلبث أن أوقعَ (٢) القضاءُ والقدرُ كلَّ واحدٍ منّا في الولاية، والأمرُ بيد الله تعالى، يفعل ما يشاء. وقد قيل: لم يكن شيئاً تولَّيْتُهُ وَلِيتُ القضاءَ وَلَيْتَ القضاء. وما كنتُ قِدْماً تمنّيتُهُ فأوقعني في القضاءِ القضاءُ وأُخبرتُ عن القاضي جلال الدين البلقيني أنه قال يوماً لبعض أصحابه: إن مِتُّ، ترى كلاً مِنَ الولي العراقي والشهاب ابن حجر وأخي قاضياً، فكان كذلك، رحمة الله عليهم أجمعين. [آفات القضاء] وقد ندم شيخنا رحمه الله على قبوله وظيفة القضاء، لكون أرباب الدَّولةِ لا يفرِّقون بين أولي الفضل وغيرهم، ويُبالغون في اللَّومِ حيث رُدَّتَ إشاراتُهم، وإن لم تكن على وفق الحقِّ، بل يُعادون على ذلك، واحتياج القاضي بسببه إلى مداراة الكبير والصَّغير، بحيثُ لا يُمكنه مع ذلك القِيامُ بكل ما يرومه على وجه العدل. .(١) في (أ، ب): «فعبر)». (٢) في (أ): ((وقع)). ٦٢٠