Indexed OCR Text

Pages 161-180

ومن ((الاستيعاب)) لابن عبد البر واحد، و((الطَّهور)) لأبي عبيد، و((الذِّكر)»
لجعفر الفريابي، و((فضائل الأوقات)) للبيهقي، و((الإيمان)) لابن منده.
و (مكارم الأخلاق)) للخرائطي كل واحد من هذه الكتب في مجلد. ومن
((مسند الدارمي)) مجلد، وقطعة من ((مساوىء الأخلاق)) للخرائطي،
و ((الخراج)) ليحيى بن آدم، و((مشيخة الباغبان))، و((الشمائل)) للترمذي،
و((الأدب)) للبيهقي، و((علوم الحديث)) للحاكم، و((الإرشاد)» للخليلي،
و((حديث قُتيبة)) للعيار، و((اختلاف الحديث)) لابن قتيبة، و(آداب الحكماء))،
و(ذم الكلام)) للهروي، و((السنن)) للشافعي رواية ابن عبد الحكم، و((غرائب
شُعبة)) لابن منده، كل واحد مِنْ هذه الكتب في مجلد. ومن ((مشيخة
مسعود الثقفي)) مجلد، ومن ((مسند أبي يَعْلى الموصلي)) مجلد،
و ((الكنجروذیات)» في نسختين مجلد.
فمن هذه الكتب ما يكون مجلدةً ضخمةً، ومنها ما يكون مجلدةً
لطيفةً، فتكون نحو الثلاثين مجلداً ضخمة، تكون نحو أربعمائة وخمسين
جزءاً حديثية، خارجاً عن الأجزاء الحديثية، وهي تزيد على هذا المقدار(١).
هذا وهو قد علّق رضي الله عنه في غضون هذه المدة بخطه مِنّ
الأجزاء الحديثية، والفوائد النثرية، والتتمات التي يُلحقها في تصانيفه ونحوها
ثمان مجلدات فأكثر.
وطرَّف كتاب ((المختارة)) للحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد
المقدسي في مجلد ضخم، لو لم يكن له عمل في طول هذه المدة إلا
هي، لكانت كافيةً في جلالته.
[الأمور المساعدة على طلب العلم]
وأعانه على كل هذا أمور يسرها الله تعالى له قلَّ أن تجتمع في غيره.
منها: سرعة القراءة الحسنة.
(١) في (أ): ((القدر)).
١٦١

فقد قرأ ((السنن)) لابن ماجه، في أربعة (١) مجالس.
وقرأ ((صحيح مسلم)) بالمدرسة المنكوتمرية على مسند مصر الشرف
أبي الطاهر محمد بن العز محمد (٢) بن الكُويك الرَّبعي، في أربعة مجالس،
سوى مجلس الختم، وذلك في نحو يومين وشيء، فإنه كان الجلوس مِنْ
بُكرة النَّهار إلى الظهر، وحدثهم القارىء به عَنْ محمد بن ياسين الجزولي،
وعن المفتي الشهاب أحمد بن أبي بكر بن العز الصالحي الحنبلي إذناً
منهما، برواية الأول عَنِ الشّريف أبي طالب الموسوي حضوراً وإجازة،
والثاني: عن القاضي سليمان بن حمزة إجازة بسندهما. وانتهى ذلك في يوم
عرفة، وكان يوم الجمعة سنة ثلاث عشرة وثمانمائة.
· وجرت يوم الختم لطيفة، وهو أنَّ الضَّابط للجماعة، وكان شيخنا.
الحافظ أبا النعيم رضوان العقبي المستملي - رحمه الله - التمس منه بعد
الختم إعادة بعض أفوات من أول الكتاب، فأجابه لذلك، وشرع في
القراءة، فكان كلَّما رامَ الوقوفَ، يقولُ له الضابطُ: وأيضاً، وأيضاً، وأيضاً،
وهو يقرأ، إلى أن مرَّ - وقد تعب القارىء - قوله في الحديث: ((والله لا
أزيدُ على هذا ولا أنقُص)). فأغلق الكتاب، وأقسم أيضاً أنه لا يزيد على ما
قرأ(٣) ولا ينقُص.
[قلت: وما وقع لصاحب الترجمة في قراءة ((صحيح مسلم) أجلُ ممَّا
وقع لشيخه المجد اللغوي صاحب ((القاموس))، فإنه قرأه بدمشق بین بابي
الفرج والنصر تُجاه نعل النبي وَّ على ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن
جَهْبَل في ثلاثة أيام، وتَبَجَّح بذلك، فقال: قرأتُ - بحمد الله ((جامع مسلم".
بجوف دمشق الشام، کرسي الإسلام، علی ناصر الدين شيخنا ابن جَهْبَل،
بحضرة حُفاظ مخاريج أعلام، وتمَّ بتوفيق الإله بفضله قراءة ضبط في ثلاثة
(١) في الأصول: ((أربع))، والجادة ما أثبت.
(٢) في (ب): ((العز بن محمد»، خطأ.
(٣) في (أ): ((على هذا».
١٦٢

أيام](١) .
(١)
وكذا قرأ ((كتاب النسائي الكبير)) على الشرف المذكور في عشرة
مجالس، كل مجلس منها نحو أربع ساعات. وسمعه بقراءته الفضلاءُ
والأئمةُ، وحدّثهم به عَنِ العفيف النَّشَاوري، عن الرَّضيِّ الطَّري إذناً، عن
الحافظ أبي بكر بن مَسْدي بسنده. وانتهى في يوم عاشوراء سنة أربع عشرة
و ثمانمائة .
وأسرعُ شيءٍ وقع له أنَّه قرأ في رحلته الشامية ((معجم الطبراني
الصغير)) في مجلس واحد بين صلاتي الظهر والعصر، وهذا الكتاب في
مجلد يشتمل على نحوٍ مِنْ ألف حديثٍ وخمسمائة حديث؛ لأنَّه خرَّج فيه
عن ألف شيخ، عن كلٌّ شيخ حديثاً أو حديثين.
ومن الكتب الكبار التي قرأها في مدة لطيفة: ((صحيح البخاري))؛
حدَّث به الجماعةُ مِنْ لفظه بالخانقاه البَيْبرسية في عشرة مجالس، كل مجلس
منها أربع ساعات، وكان ذلك فيما أظنه قريباً مِنْ سنة عشرين إما سنة
إحدى أو اثنتين بحضور (٢).
ولقد سألته، فقلت له: يا سيدي، كما في شريف علمكم، أنَّ الحافظَ
الخطيب أبا بكر البغدادي لقي كريمة المروزية بمكة، فقرأ عليها ((الصحيح))
في أيام منى، فهل وقع لكمُ استيفاءُ يوم في القراءة؟ فقال: لا، ولكن
قراءتي (الصحيح)) في عشرة مجالس لو كانت متواليةً، لنقصت عن هذه
الأيام، ولكن أين الثُريا مِنَ الثّرى، فإن الخطيب - رحمه الله - قراءته في
غايةٍ من الصُّحَّة، والجودة والإفادة وإبلاغ السَّامعين.
قلت: هكذا قلت لشيخنا، وأقرّني عليه، والذي رأيته الآن في ترجمة
الخطيب أنه قرأه في خمسة أيام، وأظنُّه الصواب.
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب)، وورد في هامش (ح) بخط المصنف.
(٢) هنا بياض في النسخ جميعها، وكتب في (أ): ((كذا)، وفي (ط): ((ض)، يعني بياض.
١٦٣

ثم رأيت في ترجمة إسماعيل بن أحمد بن عبد الله النيسابوري الخيري
من «تاريخ الخطيب»(١): أنَّه قدِمَ حاجاً في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة،
وكان معه حِمْلُ كتب ليجاور، فرجع الناس لفساد الطَّريق، فعاد إلى
نيسابور، وكان في جملة كتبه ((البخاري))، قد سمعه من الكشميهني، فقرأت
عليه جميعه في ثلاثة مجالس، اثنان منها في ليلتين، كنت أبتدىء بالقراءة
وقت المغرب، وأقطعها عند صلاة الفجر. وقبل أن أقرأ الثالث عَبَرَ الشيخُ.
إلى الجانب الشرقيِّ مع القافلة، فمضيتُ إليه مع طائفة كانوا حضوراً للَّيلتين
الماضيتين، فقرأت عليه مِنْ ضحوة نهار إلى المغرب، ثم مِنَ المغرب إلى
طلوع الفجر، ففرغ الكتاب، ورحل الشيخ صبيحتئذٍ.
وحكاها الذهبي في ترجمة الخطيب من ((تاريخه))، فقال: إنه قرأه
جميعه في ثلاثة مجالس. قال: وهذا شيءٌ لا أعلم أحداً في زماننا
يستطيعه .
ثم إنه إنما استدرك - رحمه الله تعالى - جرياً على عادته في التأذُب
وتواضعاً، وإلا فقراءته أيضاً كانت كذلك.
وهكذا كان دأبه(٢) هضم نفسه على جاري عادة أهل العلم والدين،
حتى إني سمعت مِنْ لفظه، وقرأته بخطه، أنه رأى في المنام سنة ثلاث
عشرة وثمانمائة الدَّارقطني رجلاً طويلاً، لا أتحقق لونَ شعر لحيته: هل هو
أشيبُ أم لا؟ فسألته عَنِ الأسئلة التي جمعها ابن طاهر مِنْ كلام مَنْ سأله.
عن أحوال الرجال وجوابه عن ذلك، فذكر لي أن أسئلة الحاكم له، أظنه
قال: مستقيمة. وما أدري قال: السهمي أو السلمي كذلك. وسمى له(٣)
آخر ثالثاً، ليس هو من الأربعة التي جمع ابنُ طاهر مسائلهم، وأشار إلى أن
الأسئلة التي للبرقاني مختلة. فتعجَّبتُ مِنْ هذا في نفسي، وقلت: يا
سبحان الله! البرقاني أوثقُ هؤلاء الجماعة، كيف تكون أسئلتُه دون أسئلتهم!
1
(١) ٦/ ٣١٤.
(٢) في (ب، ط): ((شأنه)).
(٣) في (ب، ح): ((لي)).
١٦٤

ثم قلت لنفسي: الأوْلَى أن أسألَ الشيخَ أبا الحسن عن جميع مَنْ في («كتاب
ابن طاهر» رجلاً رجلاً، فتكون تلك الأسئلة لي. وهممتُ بذلك، لكن
صرت في نفسي أزدري نفسي أن أُعَدَّ مع هؤلاء، وأتعجب كيف أصيرُ
معدوداً فيمن سأل الدارقطني. ثم استيقظتُ ولا أتحققُ هل سألته عن شيء
منها أم لا، رحمهم الله تعالى.
والشاهدُ مِنْ هذا المنام قوله: لكن صِرْتُ في نفسي إلى آخره.
ولقد سأله الأمير الفاضل تغري بزمش الفقیہ ۔ وهو من تلامذته - هل
رأيت مثل نفسك، فقال: قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَّكُوْاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ [النجم:
٣٢]. انتهى.
وبهذا الجواب أجاب الدارقطنيُّ رجاءَ بن محمد المعدَّل، حيث قال:
قلت للدارقطني: رأيتَ مثلَ نفسك؟ فقال: قال الله تعالى: ﴿فَلَ تُزَّكُواْ
أَنفُسَكُمْ﴾، فألححت عليه، فقال: لم أرَ أحداً جمع ما جمعتُ.
وكذا وقع لابن عساكر أن أبا المواهب ابن صصري قال له حين سمعه
يقول، وتذاكّر الحفاظ الذين لقيَهم، فقال: أما ببغداد، فأبو عامر العبدري،
وأما بأصبهان فأبو نصر اليونارتي، لكن إسماعيل الحافظ كان أشهرَ منه. قال
أبو المواهب: فقلت له: فعلى هذا ما رأى سيدُنا مثلَ نفسه، فقال: لا تقُلْ
هذا، قال الله: ﴿فَلَ تُزَّكُوْاْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]، فقلت: وقد قال:
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]. قال: نعم. لو قال قائل: إنَّ
عيني لم تر مثلي، لصدق. قال أبو المواهب: وأنا أقول: لم أر مثله، ولا
مَنِ اجتمع فيه ما اجتمعَ فيه، ثم بيَّن ذلك.
قلت: وأفْهَمَ جوابُ شيخنا أنَّه لم ير مثل نفسه، وإلا لكان يقول:
رأيت فلاناً أو ما أشبهه .
ويدلُّ على أنه لم ير مثل نفسه، شهادةُ كلُّ مِنَ الحافظين الحلبي
والفاسي وغيرهما له بذلك كما سيأتي.
١٦٥

[شرب ماء زمزم لقضاء الحوائج]
ونحوه أن بعض أصحابه سأله: أأنت أحفظُ أم الذهبي؟ فسكت. وكان
ذلك منه أيضاً تواضعاً؛ لأنه - رضي الله عنه - حكى لنا أنَّه شرب ماء زمزم
لما حجَّ في سنة ثمانمائة أو سنة خمس - الشك مني - لينال مرتبة الحافظ
الذّهبي المشار إليه. قال: ثم حججتُ بعد مدة تقرُب مِنْ عشرين سنة،
فوجدت مِنْ نفسي طلبَ المزيدِ على تلك المنزلة، فسألت رتبةً أعلى منها.
قال: فأرجو الله أن أنال ذلك.
قلت: قد حقَّقَ الله رجاءه، وشهد له بذلك غير واحد كما سيأتي
ثم حكى لي الشيخ نور الدين ابن أبي اليمن أنه سمعه في سنة إحدى
وخمسين يقول: شربت ماء زمزم لثلاث: أحدها أن أنال مرتبة الحافظ
الذهبي، فوجدت - بحمد الله - أثر ذلك، وأن تتيسر لي الكتابة على الفتاوى
كشيخنا السِّراج البلقيني، حيث كان يكتب عليها مِنْ رأس القلم بغير مراجعة.
غالباً، فيسَّر الله تعالى لي ذلك، بحيث ضبطتُ المهِمَّ من ((فتاوى شهر))،
فكان في مجلدة، سميتها ((عجب الدهر))، كما سيأتي ذكرُ حكايتها في الباب
الرابع. قال: ولم يذكر الثالث، وأحجم الجماعةُ عَنْ سؤاله عنه.
قلت: وقد شرب ماء زمزم لأمورٍ ثلاثةً أيضاً الحافظ الخطيب فيما
أسنده إليه ابن عساكر، قال: شربتُ ماء زمزم ثلاث شربات، وسألت الله
تعالى ثلاث حاجات، أخذاً بقول رسول الله وي لتر: ((ماءُ زمزم لما شُرِبَ له))؛
فالحاجة الأولى: التحديث ((بتاريخ بغداد)) بها، والثانية: الإملاء بجامع
المنصور، والثالثة: الدفن عند بشرِ الحافي. قال راويها: فقضيت.
[بل رُوي عن إمامنا الشافعي - رحمه الله - أنه قال: شربتُه لثلاث:
للرَّمْي، فكنت أُصيب العشرة من العشرة، والسبعة من السبعة، وللعلم، فها
أنا كما ترون، ولدخول الجنة، وأرجو حصول ذلك.
وكذا شربه ممَّن أدركتُه: الشمس ابن عمَّار أحد الأئمة ـ لأمور بلغها
أو أكثرها.
١٦٦

وشربته أيضاً لأشياء أرجو أن أنال سائرها](١).
[سرعة الكتابة الحسنة:]
ومنها: سرعة الكتابة مع حسنها (٢)، فإنه كان جوَّد على الشيخ نور
الدين علي بن عبد الرحمن البدماصي بمكة حين مجاورته قبل البلوغ في
سنة ست وثمانين، ثم على شيخه الإمام المفيد المجيد شيخ الكُتّاب أبي
علي محمد بن أحمد بن علي الزّفتاوي، ثم المصري صاحب المصنف
الجليل الذي سماه ((منهاج الإصابة في معرفة الخطوط والإذن في الكتابة)).
وأحدٍ شيوخ(٣) مكتب الوقت الزين عبد الرحمن بن الصائغ الذي كتبتُ عنده
يسيرا، وأذن له في أن يكتب على طريقة الكُتّاب، وكان قد أخذ الكتابة عن
شمس الدين محمد بن علي (بن أحمد) (٤) بن أبي رقيبة(٥) شيخ غازي،
الذي أخذ عنه الوسيميُّ شيخ شيخنا الحنّاوي وغيره. وأخذها ابن أبي رُقيبة
عن العلاء محمد بن العفيف، عن أبيه عن ولي الدين العجمي، عن شُهدة
الكاتبة، عن ابن أسد، عن (٦) ابن البواب وابن السّمسماني، عن مشايخهما،
عن أبي علي بن مقلة.
وكتب بخطه ما لا يدخل تحتَ الحصر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى
حكايتها في الباب الرابع.
وسمعته يقول: كنت أكتبُ في ((تلخيصي لتهذيب المِزْي)» إلى الزوال
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب)، وكتبت في هامش (ح) بخط المصنف.
(٢) في هامش (ح): ((معطوف على قوله: منها سرعة القراءة)).
(٣) في (أ): ((وأخذ عن الشيوخ)) خطأ.
(٤) في هامش (ح) بخط المصنف: ((أظن اسم والده يوسف، وجدَّه سماه شيخنا في
((الإنباء» علياً فيحزر)).
قلت: ترجمه المصنف في الضوء اللامع ١١٦/٤، فقال: وسمى شيخنا في تاريخه
والده علياً وهو سهو.
(٥) في (ط): ((رقية)).
(٦) في (أ): ((بن))، تحريف.
١٦٧

كراساً في الكامل، وهو كسلاسل الذهب، غايةً في النِّسبة، يكون بخط غيره
نحو کراسین فأكثر.
وكتب ((التَّقييد))، لابن نُقطة في خمسة أيام كما سلف. ورأيتُ بخطه
كتاب ((فصل الربيع في فضل البديع)) للزكي عبد العظيم بن عبد الواحد بن
أبي الإصبع المصري في تسع كراريس، يكون بخط غيره في مجلد. وقال
بأخّرَة: إنَّه علَّقه في يومين متتاليين، فرغ منه وقت العصر من اليوم الثاني،
مع ما تخلَّل ذلك مِن أكل وشرب وحديث، وصلاة، وغير ذلك مِنْ راحة،
وأشياء كُشِطَتْ مِنْ خطّه، وذلك بمدينة زبيد المحروسة في شهر ربيع الآخر
سنة ثمانمائة، انتهى.
وسمعت أنه كان يكتب من ((البخاري)» جزءاً من ثلاثين في اليوم. ومن
الغريب أنه انتقى ((فهرست)) الحافظ السلفي وهو متوجّةٌ إلى مكة حال ركوبه
في المحارة سائراً على ما رأيته بخطه. [وكذا بلغني أنه كان يكتب وهو في
الشُّقدف في رجوعه(١) من اليمن إلى مكة](٢).
وأغرب مِنْ هذا كلِّه: ما حكاه لي شيخنا الزين البوتيجي الفرضي
الشهير - وكان من خواصِّ المحبين لصاحب الترجمة - قال: أرسلتُ له مرة
مع النقيب شهاب الدين ابن يعقوب كتاباً مخروماً، أسأل عنه، ولم أقصد.
منه إكماله بخطُه. نعم، كنت أحبُّ إرسال نسخةٍ منه، لأكمِلَ نسختي، فأبطأ.
عنّي بالجواب، فجئتُه فما كان إلا أن رآني، فقام وسلَّم عليَّ، وأشار
بالجلوس. ثم دخل منزله، فمكث يسيراً، ثم ظهر لي والكتاب معه. وقد
أكمل - وأنا بالباب - ما فيه مِنَ النَّقص، وهو نحو كراس، وأخذ يعتذر عن
عدم(٣) الإرسال بالكتاب بحجّة (٤) إكماله. وأنه لم يتّفق إكماله، بل ولا
كتابةُ شيءٍ منه حتى الساعة.
(١) في (ط): ((وهو راجع)
(٢) ما بين حاصرتين ورد في (ط) قبل قوله: وسمعت أنه كان يكتب من البخاري ..
(٣) ساقطة من (ب)، وكتبت في هامش (ح) بخط المصنف.
(٤) في (ح): ((بحجّية)).
١٦٨

وكان - رحمه الله - لا تمنعه الكتابة عن فهم ما يسمعه من علم
وحديث، حتى إنَّه اجتمع بمؤرخ العصر التقي المقريزي، فتحدثا، وشيخُنا
مشغولٌ بالكتابة، فرام التقيُّ قطعَ الحديث لئلاًّ يشغله عمَّا هو فيه. فقال له:
إِنَّ ذلك لا يمنعني عَنِ الإصغاء والفهم لما تقوله، بل ربما أكونُ حين
الكتابة أحضرَ بالاً منّ عند عدمها في بعض الأوقات.
قلت: وقد رأينا مِنْ ذلك العجب، وحكاية ابن التَّسي الآتية قبيل ما
امتدح به من الباب الثالث مع شبهها شاهدة لذلك أيضاً.
[الصحبة الطيبة من طلبة العلم:]
ومنها الرفاق الذين كانوا غاية في الديانة والتواضع والاعتناء بالشأن
والاهتمام بفنونه، والبعد عَنِ التَّوغُل في الغِلُ والحسد والكتمان، وتكرَّرِ ذكر
ما يقتضي الامتنان. فذا يُعِينُ رفيقه نوبةً بالقراءة، ومرَّة بالكتابة، وأُخرى
بالعارِيَّة، ووقتاً بالمذاكرة، ومرة بالتَّنبيه على ما السَّلامةُ منه مختصةٌ
بالمعصومين، والآخر يفعل مع رفيقه أيضاً كذلك. ويجمِّل كلُّ واحدٍ منهم
الآخر بقلمه ولسانه، ويوجه ما ظاهره القبيحُ مِنْ قول أو فعل بالتوجيه
المرضي، حتى يصرفه عما يخالفه، ويثني مَنْ تأخّرت وفاته على صاحبه
الثناءَ الجميل، وربما يرثيه إن أحسن. ولتلبُّسِهم بذلك، كانت لهم جلالة
ووجاهة، وفيهم كثرة.
فأين هؤلاء ممن إذا كتب له رفيقُه تجاه خطه: صوابُه كذا، أو قال له
في حال قراءته: سقط عليك كذا، أو كتب له على بعض ما يطالعه مِنْ خطّه
على جاري عادة المستفيدين بعضهم من بعض: ((فرغه داعياً»، يضمر ذلك في
نفسه إلى أن ينتقم بما يكون قصاصاً عَنْ أعظم الجنايات، بحيث يكتب لمن
قال له: ((فرغه داعياً)): ما أرقعك، ليت شعري، داعياً له أو عليه؟ ويهجو
صاحبه نظماً ونثراً، حتى بعد وفاته، مع علمه بتحريم التعرُّضٍ لمساوىء
الأموات، إن اتَّصف المهجوّ بما تعرَّض له. وإذا رأى رفيقه توارد هو وإياه
على نقل شيء أو التصرُّف فيه أو الجمع بين ما يقتضي التنافر أو نحو ذلك،
يأخذ في الخطابة بأن هذا سرق كلامي. هذا مع كون الواقع العكس.
١٦٩

ولو أطعت قلمي في إيراد ما عندي في ذلك من واحد، فضلاً عن أكثر،
لامتلأ الكرَّاس، وضاقت الأنفاسُ، ولو تدبر مَنْ لعلَّه يعتمد هذا الصنع أزرى
ذلك بفاعله، وستر ما عساه اشتمل عليه مِنْ فضيلة، وكون حامده مِنَ النَّاس
يصير له ذاماً، لكان أبعدَ النَّاسِ عَنِ التلبُّس بهذه الأخلاق. نسأل الله السلامة.
[عدم التردُّد إلى الكبراء:]
ومنها: كونه لم يتردّد في غضون هذه المدة لأحد من رؤساء الشام
ولا قضاتها، بل لم يكن حينئذٍ بدَّ من الاجتماع بأحدٍ مِنَ الرؤساء مطلقاً،
مع احتياجهم إلى مجالسته، واغتباطهم برؤيته، ولذيذ مخاطبته.
[استثمار الوقت]
إنما كانت همَّتُه المطالعة والقراءة والسماع والعبادة والتصنيف والإفادة،
بحيث لم يكن يخلي لحظةً مِنْ أوقاته عن شيء مِنْ ذلك، حتى في حال
أكله وتوجُّهه وهو سالك كما حكى لي ذلك بعض رفقته الذين كانوا معه في
رحلته، وإذا أراد الله أمراً هيَّأ أسبابه.
وقد سمعته - رحمه الله - يقول غير مرة: إنني لأتعجب مِمَّن يجلس
خالياً عن الاشتغال هذا أو معناه.
ويدل على مصداق قوله: ما أخبرني به بعضُ أصحابنا أنَّه شاهده يوماً
بالمدرسة الصالحية النجمية، وهو جالس في بعض بيوتها، ولم يكن عنده إذا
ذاك شيءٌ مِنَ الكتب، فاستدعى مِنْ بعض مَن حضره مصحفاً، فبادر لذلك،
فأخذ في التلاوة منه، فمرَّ فيه على سورة أخطأ الكاتبُ في عَدّ آيها، فكتب
مقابلها بالهامش: الصوابُ كذا، أو بل عدَّتها كذا. فلم يسهل به - رضي الله
عنه - أن يجلس بطّالاً. ولم يُخلِ المصحف مع ذلك - مِنْ فائدة.
وهكذا كان دأبُه في غالب ما يقف عليه مِنْ الكتب العلمية والأدبية وغيرها،
كما سألمُّ بذكر شيء مِنْ ذلك في أثناء الباب الثالث(١) إن شاء الله تعالی.
(١) ص ٣٧٧ - ٣٩٠ من هذا الجزء.
١٧٠

ومما يدلُّ على عدم تضييع وقته بدون عبادة: أنه توجّه مرةً للمدرسة
المحمودية، فلم يجد مفتاحَها، كان قد سها عنه بمنزله، فأمر بإحضار
نجَّارٍ، وشرع هو في الصلاة إلى أن انتهى النجارُ مِنْ فتح الباب،. وقيل له:
لو أرسلتَ، أحضرت المفتاح مِنَ البيت كان أقلَّ كلفة، فقال : هذا أسرع،
ويحصل الانتفاعُ بالمفتاح الثاني.
وتوجه مرة للتفرّج هو وصهره القاضي محب الدين ابن الأشقر في
السَّماسم بالخانقاه، فأخرج مِنْ جيبه مصحفاً حمائلياً، وشرع في التلاوة فيه.
وكان - رحمه الله - إذا جلس مع الجماعة بعد العشاء وغيرها
للمذاكرة، تكون السّبحة داخل كمّه بحيث لا يراها أحد، ويستمرُّ يديرُها
وهو يسبح أو يذكر غالب جلوسه. وربما تسقُطُ مِنْ كمِّه، فيتأثر لذلك،
رغبة في إخفائه.
وكان حين كان يصلي الشيخ غرس الدين خليل الحسيني بجانبه
التراويح، يستخبرُ منه عَنِ المتشابه في القرآن، حتى لا يخلو جلوسُه بين
الترويحتين من فائدة.
قلت: وأحوالُ السلف في عدم تضييع أوقاتهم أشهرُ مِنْ أن تُذكر.
وقد أنشد أبو سعد ابن السمعاني عن أبي بكر محمد بن القاسم بن
المظفر بن علي الشّهرزُوري قوله:
قد علت جهدها فما يتدانى
هِمَّتي دُونَها السُّها والزُّبانا
تتفانى الأيامُ أو أتفانى
فأنا مُتْعَبٌ مُعَنَّى إلى أن
ويُحكى عن الفقيه أبي الفتح سُليم بن أيوب الرازي أنه كان يحاسب
نفسه على الأنفاس، لا يدع وقتاً يمضي بغير فائدة، إما بنسخ أو يدرس أو
يقرأ، بل قيل عنه: إنه كان يحرِّكُ شفتيه إلى أن يَقُطّ القلم. انتهى.
ولما كثُرتِ الإشاعة في دمشق بطروق اللَّنك إليها، وأرجف النَّاسُ
بذلك، رجع إلى بلاده. وكان ظهوره منها - كما سلف - في أول يوم من
سنة ثلاث وثمانمائة، وقد اتَّسعت معارفه كثيراً، وأظهر لعلماء الشام
١٧١

وفضلائها حفظاً كبيراً، واغتبطوا به، وشهدوا له بالتقدُّم في فنون الحديث
إلى أعلى رتبة. فأقام بها على طريقته في التصنيف والإقراء والإملاء
والكتابة، بل لم يُهمل سماعه على الشيوخ وانتخابه.
ويسر الله عز وجل له مِنْ إقبال الشيوخ عليه وطواعيتهم له أمراً عجباً،
حتى إن البرهان التنوخي كان قد تعسَّر في أواخر عمره، فلما اجتمع به
صاحبُ الترجمة، وخرّج له ((المعجم)) و((المائة العشارية))، فرح بها، وانبسط
في التّحديث، فلازمه زيادةً على ثلاث سنين، ووصل عليه بالإجازة شيئاً
كثيراً، وانتفع صاحبُ الترجمة ببركته ودعائه كثيراً.
وكذا كان مُسنِد الصالحية العماد أبو بكر بن إبراهيم بن العز بن أبي
عمر عَسِراً في التحديث، فسهَّله الله تعالى له بحُسن مقصده، إلى أن أكثَرّ
عنه في مدَّة يسيرة، بحيثُ كان يجلس له أكثرَ النّهار. ونحوه الشرف أبو
بكر ابن قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن جماعة ..
وكان الزين أبو الفرج بن الشّيخة يُبالغ في إكرامه، لخصوصية كانت
بينه وبين والده. فكان ذلك عوناً له على الإكثار عنه، مع كونه كان سهلاً.
بل كانت الشيوخ لا تتعدَّى أمرَه وثوقاً منهم به (١)، واعتماداً على وفور
ديانته؛ فمن ذلك أنه قرىء على السويداوي بإجازته مِنْ بعض مَنْ مات قبل
مولد السُّويداوي وهماً مِنَ القارىء، فنبَّه صاحبُ الترجمة السويداويَّ على
ذلك، فأشهد على نفسه بالرّجوع عنه، بل أشهد أنه رجع عن جميع ما
قُرىء عليه بالإجازة، إلا إنْ كانت محقَّقَةً، وسيأتي تعيينُ الكتاب والشَّيخ في
أثناء الباب الثالث.
وقد اتَّفق في عصرنا شبيهُ ذلك، وهو أنَّ البقاعيَّ قرأ على الشيخ
شمس الدين الصَّفدي الحنفي أحد مَنْ أخذتُ عنه ((موطأ الإمام مالك»
للقعنبي، بسماعه له - كما شاهده في ضبط بخط (٢) الحافظ برهان الدين
(١) (به)) ساقطة من (أ).
(٢) ((بخط)) ساقطة من (ب).
١٧٢

الحلبي - عن الكمال محمد بن عمر بن حبيب، فبلغ ذلك البرهان المذكور
فرده، وبيّن أن البقاعي وهِمَ في ذلك. والذي سمع إنما هو محمد ولد
شرف الدين الدَّارنجي، وزادني ابنُ فهد أنَّ تاريخ السماع في سنة ست
وسبعين، ومولد الصفدي فيما أملاه عليه سنة خمس وسبعين، وبيّن لي وجه
الوَهْمِ كما أوضحته في ((أخبار البقاعي)).
ونحو ذلك أنَّ المجدَ إسماعيل بن إبراهيم بن محمد الحنفي القاضي
حدَّث ((بجزء البطاقة))، بقراءة الجَمَال محمد بن إبراهيم بن أحمد المرشدي
الحنفي، بسماعه له على أبي الحسن علي بن محمد بن علي الهمذاني،
أنبأنا ابن عزُّون والمعين الدمشقي، قالا: أنبأنا البوصيري. وهذا غلطّ نبَّه
عليه الصلاح الأقفهسي بقوله: لم يُدرِك الهمذانيُّ ابنَ عزّون ولا الدمشقيَّ،
وبين وفاتيهما ومولده نحوّ من اثنتي عشرة سنة أو أكثر. ولم تصحّ رواية
المجد لهذا الجزء عنه. وأيّده صاحب الترجمة بقوله: التعقُّبُ صحيح،
وشيخنا المجد حرسه الله متثبِتٌ في التحديث، ما علمته يُحدِّث إلا من
أصله، ورأيته غيرَ مرَّةٍ يأبى أشدَّ الإباء أن يُحدِّث مِنْ غيرِ أصله، وما أظنُّ
هذا إلا من تهوير القارىء ومجازفته. انتهى.
ورأيت بخط البقاعي المشار إليه قريباً مقابل طبقةٍ بخط صاحبنا التقيّ
القلقشندي، قال فيها: وبسماع ابن ناظِرِ الصَّاحبة في الرابعة - يعني ((للمسند
الحنبلي)) - على أبي العباس أحمد بن الجُوخي، ما نصه: الحمد لله عالم
الغيب. اعلم أنَّه لم تُعرف روايةُ ابن ناظر الصاحبة للمسند (١) إلا مِنْ جهة
أبيه، ولا عُلِمَ قولُ أبيه إلا مِنْ جهة شيخنا الحافظ شمس الدين محمد بن
ناصر الدين الدمشقي، ولا عَلِمَ المصريون ذلك إلا منّي ومن عمر بن فهد
وقطب الدين أبي الخير الخيضري.
والذي رأيناه بخط ابن ناصر الدين أخبرني والده شيخنا أبو الفرج
عبد الرحمن أنه أحضره جميع ((مسند أحمد)» على ابن الجُوخي، وأخبرني
(١) (للمسند)» ساقطة من (أ، ح)، وفي (ط) ((المسند)).
١٧٣

القطبُ الخيضريُّ أنَّ ابن ناصر الدين قال له من لفظه: إنَّ حضوره كان في
السنة الثانية من عمره. فليت شعري مِنْ أين علم كاتبُ هذا الخط ومَنْ تابعَةَ
أنّه سمع؟ وليت شعري، ثم ليت شعري: مَنْ أوحى لهم تحديدَ ذلك
الوقت بالرابعة؟!
ولقد سألت كاتب هذا الخط عن مُستنده في ذلك، فلم أجد عنده.
بياناً. إنما كان جوابه لي أن قال: الظاهرُ أنّ رأيتُه بخط ابن فهد. هذا
لفظه. قال ذلك أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي سائل الله تعالى حسن
العافية انتهى بحروفه.
وأنا أسأل الله أيضاً حسن العافية. وكل هذه استطرادات لكنَّها نافعة.
وكانوا يتفرَّسُون فيه النَّجابة، حتى قال له المحبُّ محمد بن الوجديّة -
إذ رآه حريصاً على سماع الحديث وكتبه -: اصرف بعض هذه الهمة إلى
الفقه، فإنني أرى بطريق الفراسة أنَّ علماء هذا البلد سينقرضون(١) ويحتاج
إليك، فلا تقصِّز بنفسك، فكان كذلك، ما مات حتى شُدَّت إليه الرِّحَالُ،
قال شيخنا(٢): فنفعتني كلمتُه، ولا أزالُ أترخَّمُ عليه بهذا السبب. انتهى.
إنَّ الهلالَ إذا رأيتَ نُمُوَّه
أيقنتَ أنْ سيصير بدراً كاملا
إلا على أكْمَهٍ لا يَعْرِفُ القَمَّرا
لقد ظَهَرْتَ فلا تَخْفَى على أحدٍ
وحكى الشيخ بدر الدين السُّكَّري الكُتبي - وفي ظني أنّني سمعتُ ذلك
منه -: أنَّ بعض المجاذيب - أو نحوهم - قال - وقد سمع شخصاً يقول عند
اجتياز شيخ الإسلام السِّراج البلقيني رحمه الله -: سبحان مَنْ أعطاك ما
معناه: أن هذا الشاب - وأشار إلى صاحب الترجمة، وكان إذ ذاك مارّاً بعدَ
البُلقيني وصحبتُه أبو القاسم بن يسير - يَصِلُ، يعني في الحديث لما لم
يصل المذكور إليه. رحمة الله عليهم.
(١) في (ب، ط): ((سينقصون».
(٢) في ((المجمع المؤسس» ٢/ ٥٤٧.
١٧٤

[بركة ابن حجر]
وكانت بركتُه ظاهرةً لديهم، اتَّفق أنه جاء للقراءة على الجمال
الحلاوي في ((مسند أحمد» على عادته، فوجده مريضاً، فطلع هو والجماعة
لعيادته، فأذن له الشيخ في القراءة فشرع، ففي الحال مرَّ حديثُ أبي سعيدٍ
رضيَ الله عنه في رُقْية جبريل عليه السلام. قال شيخنا: فوضعتُ يدي عليه
في حال القراءة، ونويت رُقْيَته، فاتفق أنه شُفِيَ حتى نزل للجماعة في
الميعاد الثاني مُعَافَی.
وله اتفاقات(١) قريبةُ الشَّبه بذلك، مِنْ جملتها: أنه كان يكتب في
حديث معاوية بن أبي قُرَّة عن أنس، أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ◌َ*، فقال: يا
رسول الله، أرسل ناقتي وأتوكّل، أو أعقلها وأتوكل. قال: ((اعقلها وتوكّل)).
فاتفق أنَّ غُلامه جاء يستأذنه في تركِ شيءٍ مِنْ حوائج صاحب الترجمة خارج
البيت. قال شيخنا: فقلت له: اعقلها وتوكّل.
وكان ينظر في ليلة الأحد ثاني عشر جمادى الأولى سنة أربع وأربعين
في (دُمية القَصْر)) (٢) للبَاخَرْزِي، فمرَّ في ترجمة المظفَّر بن علي أنَّ له هذه
الأبيات في الرثاء، وهي:
بلى إنَّ بلواه للأنبلِ
بلاني الزَّمانُ ولا ذَنْبَ لي
وفاة أبي(٤) يوسف الحنبلي
وأعظمُ ما(٣) ساءني صَرْفُهُ
وثوبُ الجمال ولكن بَلِي
سراجُ العلوم ولكن خَبًا (٥)
قال شيخنا: فتعجبتُ مِنْ ذلك، ووقع في نفسي أنَّ قاضي الحنابلة
(١) في (ب، ط): ((اتفاقيات)).
(٢) ٢/ ٩٢١ وانظر أيضاً ((الضوء اللامع)) ٢٣٧ - ٢٣٩.
(٣) ((ما)) ساقطة من (ب)، وفي الدمية: ((ما ساء من صرفه)).
(٤) في (أ): (أبو))، وفي ((الدميه)): ((أبي بكر)).
(٥) في (أ): «خفا».
١٧٥

المحبَّ أحمد بن نصر الله البغدادي، يموت بعد ثلاثة أيام بعدد الأبيات،
وكان متوعكاً، فكان كذلك.
قلت: وقد اتَّفق لي أنني أخبرتُ بوفاة القاضي بدر الدين ابن الصَّواف
الحنفي، وكنت في ذلك الوقت أكتبُ حديث عليٍّ رضي الله عنه: كان:
رسول الله ◌َ﴿ إذا عزَّى رجلاً قال: ((آجركم الله ورحِمَكم)). وإذا هنأ قال:
((بارك الله لكم وبارك عليكم)). فطبقت الكتاب وتوجَّهتُ فعزّيت وهنأت.
وكل هذا استطراد. والكلام في استيفاء ذلك فيه طول فليُقتصر على ما ذكر.
[السفر إلى حلب وسماعه:]
وكان قد عزم وهو بدمشق على التوجه إلى البلاد الحلبية، ليأخذ بها
عن خاتمة المسندين بها عمر بن أيدغمش، فبلغته وفاته، فتخلّف عَنِ التوجُّه
إليها، وهو كما قال: على كلِّ خيرٍ مانع، لكنه كان قد قرأ على شيخه
التنوخي، بإجازته مِنْ شيخ ابن أيدغمش الذي انفرد عنه بالسماع وهو العزّ
إبراهيم بن صالح(١) بن العجمي - شيئاً.
ثم يسَّر الله عز وجل بعد دهرٍ - وذلك في سنة ست وثلاثين وثمانمائة
- له السفر إلى حلب، وذلك أنَّ السلطان الأشرف برسباي توجه إلى آمد،
لدفع أذى التركمان الذين تغلّبُوا على بلاد آمد وماردين وغيرها بعد اللَّنكية،
لما كثر مِنْ إفسادهم، ونهبٍ أموال الرعايا، وقطع الطّرقِ على القوافل،
وغير ذلك مما اشتهر. وخرج بالعسكر المصري ومعه الشافعي صاحب
الترجمة، ورفقته القضاة الثلاثة: الحنفي، وهو البدر العنتابي، والمالكي،
وهو الشمس البساطي، والحنبلي، وهو المحب بن نصر الله البغدادي،
مشايخ الإسلام وأئمة الأنام، والخليفة أمير المؤمنين المعتضد بالله داود ابن
المتوكل، على جاري العادة في كل ذلك. وكان البُروز بعد صلاة الجمعة
حادي عشري رجب مِنَ السنة، فلم يَخْلُ سفره مِنْ فائدة.
(١) في (أ): ((إبراهيم بن صالح بن صالح))، والذي في ترجمته من ((الدرر الكامنة)) ٢٧/١:
إبراهيم بن صالح بن هاشم.
١٧٦

وكان شيخنا هو والمالكي والحنبلي مع جمَّال واحدٍ، وأمدهما شيخنا
كثيراً، حتى [بلغني أن البساطي قال: لست مسافراً مع السلطان، إنما أنا
مسافر مع القاضي الشافعي] (١).
وكتب عن رفيقه قاضي المالكية العلامة البساطي ببلبيس في المذاكرة
بحثاً [كتبته في ترجمة البساطي](٢)، وعن نائبه قاضي المنصورة شمس
الدين ابن كميل بالصَّالحية حكاية.
وسمع بظاهر بَيْسان مِنْ رفيقه شيخنا بالإجازة العلاَّمة قاضي الحنابلة
المحب أحمد بن نصر الله البغدادي حديثاً مِنْ ((سنن أبي داود»، وغير ذلك.
وممَّا كتبه عنه: أنَّه سمع سودون النائب يقول: التُّركُ إن أحبُّوك أكلوك، وإن
أبغضوك قتلوك.
وكتب أيضاً عن شيخنا قاضي الحنفية العلاَّمة البدر محمود بن أحمد
العنتابي أشياء مِنْ نظمه، بل وسمع عليه حديثاً كما سيأتي.
وعن القاضي عز الدين عبد العزيز(٣) بن علي (بن العز) الحنبلي
بالخَرِبَة دون دمشق حكاية، وهي: أنَّه سمع القاضي شمس الدين ابن
الذَّيري يقول: سمعتُ الشيخ علاء الدين البسطامي ببيت المقدس يقول -
وقد سأله - هل رأيت الشيخ تقيَّ الدين ابن تيمية؟ فقال: نعم، قلت: كيف
كانت صفته؟ فقال: هل رأيت قبَّة الصخرة؟ قلت: نعم. قال: كان كقبة
الصخرة مُلِىء كتباً لها لسانٌ ينطق.
وحصّل فوائدَ ونوادرَ علَّقها في ((تذكرته)) التي سماها ((جلب حلب)).
وهي في نحو أربعة أجزاء حديثية، ما هي عندي.
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ب).
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ب).
(٣) في (أ): ((عز الدين بن عبد العزيز))، خطأ. وانظر ترجمته في ((إنباء الغمر" ١٩٤/٩،
والمقصد الأرشد ١٧٣/٢، والضوء اللامع ٤/ ٢٢٢.
١٧٧

[التواضع في طلب العلم:]
وبالغ حتَّى كتب عَنْ تلميذه البقاعي وفاة التقيّ الحصنيّ الفقيه(١).
الشافعي، لكنه لأجل بيان غلطه، فإنَّه قال ما نصه: ذكر لي رفيقنا - يعني
في السّفر - برهان الدين إبراهيم بن حسن البقاعي أنَّ الشيخ تقيَّ الدين
الحصني الفقيه الشافعي الأشعري مات بدمشق سنة ثمان وعشرين، وكان
عالماً زاهداً، كثيرَ النّفع للطلبة، والحط على الحنابلة، خصوصاً مَنْ ينتجل
مقالة الشيخ تقي الدين ابن تيمية. انتهى.
وتعقّبه بقوله: ثم تحرَّر لي أنَّه مات سنة تسع وعشرين.
قلت: وتنبَّه المذكورُ ـ وهو منسوب لجده ــ لذلك، فإنني قرأتُ
بخطه(٢) أنّه مات في ليلة الأربعاء منتصف جمادى الآخرة سنة تسع، والله
الموفق .
وكتب أيضاً عن صاحبي محدّث حلب الآن أبي ذر ابن شيخ الإسلام
رحمه الله فيمن اسمه إلياس، بعد أن قال ما نصه، وكان قد ولع بنظم المواليًا:
وقَدْ قَدِّ القنا أهيف نصر ميَّاسُ
لك طرف أحور حوی رِقِّ غنج نعاس
عِذارك الخِضر يا زيني وأنت إلياسْ
ريقتك ماء الحيًا يا عاطر الأنفاس
وأعلى من هذا كله: قولُه في ترجمة رتَن من كتابه ((الإصابة)): وجدتُ
بخط عمر بن محمد الهاشمي، وذكر شيئاً. فإنَّ عمر هذا هو صاحبنا
محدث مكة نجم الدين بن فهد، دام النفع به .
ونَقْلُه في كتابه «تعجيل المنفعة)» (٣) عن بعض تلامذته، وهو
حفيدُ(٤) الحسيني مصنف ((التذكرة)) أصل («تعجيل المنفعة))، حيث قال
. (١) ((الفقيه)) ساقطة من (ح).
(٢) («بخطه)) من (ح) بخط المؤلف.
(٣) ص ٥٦.
(٤) في (أ): ((حينئذٍ))، تحريف ..
١٧٨

في أيوب الحارثي ما نصه: أغفله الحسينيُّ في ((الاحتفال)) وفي
((التذكرة))، وكذا الحافظان الهيثميَّ وأبو زُرعة، ونبَّهنَا عليه الشريفُ
المحدِّثُ الفاضلُ عز الدين حمزة بن أحمد بن علي ابن مصنف
((التذكرة)) الحافظ شمس الدين الحسيني، فبحثتُ عنه، فوجدت حديثه
أخرجه أحمد. انتهى.
وأما روايته عن قاضي الحنابلة شيخ المذهب عز الدين الكناني، حيث
قال في خُطبة كتابه ((رفع الإصر عن قضاة مصر)) عقب منظومة ابن دانيال ما
نصه: قد ذيّل عليها بعضُ أصحابنا إلى عصرنا هذا، فسرد الشافعية على
منوال ابن دانيال، ثم سرد القضاة الثلاثة مذهباً بعد مذهب إلى عصرنا.
وهذا صورة ما نظم: أنشدنا العز أحمد بن إبراهيم العسقلاني لنفسه مكاتبة،
وساق ذلك فأعلى من سائر ما تقدم وأجلّ. ومن أدبه أنه حذف من
المنظومة المشار إليها ما يتعلق بمدحه.
وكذا نقل عنه شيئاً في ترجمة شيخي بالإجازة قاضي الحنابلة المحب
أحمد (١) بن نصر الله [البغدادي، فقال: قرأت بخط العز ابن البرهان بن
نصر الله](٢)، وافق القاضي محب الدين عمِّي موفق الدين يعني: الذي
قبله، في اسمه واسم أبيه وجده ومذهبه ومنصبه وسكنه بالصالحية. قلت:
وفارقه في اللَّقب وأصل البلد والنسبة إلى الجد الأعلى، وطول المدة،
وسعة العلم والتبسط في بيع الأوقاف، ونحو ذلك. انتهى.
وكان شيخُنا كثير الإجلال للعز المذكور، حتى قال في ترجمة أبيه من
كتابه المذكور ما نصه: وأنجب البرهان ولده عز الدين أحمد، ففاق سلفه
في سعة العلم ومعرفة الأدب، وناب في الحُكم، ثمَّ تركه تعفّفاً وتنزهاً،
ودرَّسَ في عدة أماكن، أمتع الله ببقائه.
وكان إذا سئل عن شيء مما يتعلّق بمذهبهم، يكتب بخطه على
(١) ساقطة من (ب).
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ب).
١٧٩

السّؤال: يُسأل عنها عالمُ الحنابلة القاضي عزّ الدين.
وكل هذا استطراد، لكنه أدلّ دليل على محبَّةً صاحب الترجمة في
العلم وأمانته، حيث ينسب كلَّ شيء إلى قائله، ولو كان من تلامذته.
رحمه الله وإيّانا.
وسيأتي في الفتاوى الدمشقية مِنْ أواخر الباب السادس نقله في بعضها.
عن العلاء ابن خطيب الناصرية شيئاً في ترجمة التوربشتي(١).
وقد روينا في ((الوصية)) لأبي القاسم بن منده من طريق خارجةٍ بن
مصعب أنه قال: مَنْ سمع حديث مَنْ هو دونه، فلم يروه، فهو مراءٍ.
وفي ((المدخل)) للبيهقي من طريق العباس بن محمد الدَّوري، سمعت
أبا عُبيد القاسم بن سلام يقول: إنّ من شُكْرِ العلم أن تقعُدَ مع قوم فيذكرون
شيئاً لا تُحسنه، فتتعلمه منهم، ثم تقعد بعد ذلك في موضع آخر، فیذکرون
ذلك الشيء الذي تعلَّمتَه، فتقول: والله ما كان عندي شيءٌ، حتَّى سمعت
فلاناً (٢) يقول كذا وكذا، فتعلمته. فإذا فعلت ذلك، فقد شكرت العلم (٣)
وقد(٤) نقل إمامُ الحرمين في الوصية مِنْ ((نهايته)) عن تلميذه أبي
نصر بن أبي القاسم القُشيري شيئاً، فقال: التاج الشُّبكي(٥): إنَّه أعظم ما
عَظُمَ به أبو نصر، وهو فخارٌ لا يعدِلُه شيء.
(١) وردت هذه الفقرة هنا في هامش (ح) بخط المصنف، ووردت بعد التي تليها في
(ط)، ووردتا معاً بعد قوله: ((ونحوهم من هذا النوع)) الآتي في الصفحة التالية.
وسترد ترجمة التوريشتي في ٩١٣/٢.
(٢) في (ط): ((قائلاً)).
(٣) وفي ذلك يقول أبو محمد عبد المنعم بن محمد بن حسن الباجسرائي، كما في ذيل
طبقات الحنابلة لابن رجب ٨٧/٢ :
إذا أفادك إنسانٌ بفائــدةٍ
من العلوم فأذمِنْ شكره أبدا
أفادنيها، وألْقِ الكِبْرَ والحسدا:
وقل: فلانٌ جزاهُ اللهِ صالحةٌ
(٤) من هنا إلى قوله: ((في العلم وكفره)» لم يرد في (ب).
(٥) في طبقات الشافعية الكبرى ١٦٢/٥.
..
١٨٠