Indexed OCR Text

Pages 141-160

وقرأتُ بخط صاحب الترجمة في ترجمة المجد الشيرازي من الذيله
على الحفاظ)) ما نصه: وهو آخرُ الرُّؤوس الذين أدركناهم موتاً، فإني
أدركتُ على رأس القرن رؤساء في كلِّ فنٌ، كالبلقيني، والعراقي،
والغماري، وابن عرفة، وابن الملقن، والمجد هذا.
قلت: وابنُ عرفة إنَّما أجاز له.
والله أسأل أن يعُمَّ الجميعَ بالرحمة، وأن يُلهِمَنا حفظَ الحديث النبوي
وفهمه، ويوفقنا لشكر هذه النعمة، إنه قريب مجيب.
١٤١

[رحلاته]
وأما رحلته، فأقول بعد سياق قوله:
طلب المعارف هاجراً لدياري
وإذا الدِّيارُ تَنكَّرت سافرتُ في
أنفكُ في الحالين مِنْ أسفَارِي
وإذا أقمتُ فمؤنسي كُتبي، فلا
رحلته إلى قوص:
أولُ ما رحل - فيما علمته - في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، إلى
قوص وغيرها، من بلاد الصعيد. لكنه لم يستفد بها شيئاً مِنَ المسموعات
الحديثية، بل لقي جماعةً مِنَ العلماء، منهم قاضي ((هُو)) نور الدين علي بن
كريم الدين محمد بن محمد بن النعمان الأنصاري، المتوفى سنة إحدى
وثمانمائة لقيه بـ((هُو))، وهي بالقرب مِنْ قُوص الصَّعيد الأعلى، فذكر له أنَّه
لقي بعض أصحاب أبي العباس الملثم، الذي قيل فيه: إنه عُمِّرَ، وروى عن
معمر (١) الذي قيل فيه: إنَّه صحابي، وهذا شيءٌ لا يُعتمد عليه، كما صرَّح
به شيخنا في ترجمة معمر من ((لسان الميزان)). وكتب عنه ما حكى عن
قاضي قُوص، أنه كان في منزله، فخرج عليه ثُعبان مَهُولُ المنظر، ففزعَ
منه، فضربه فقتله، فاحتمل في الحال مِنْ مكانه، ففُقِدَ مِنْ أهله، فأقام مَعَ
الجِنِّ إلى أن حملوه إلى قاضيهم، فادَّعى عليه وليُّ المقتول، فأنكر، فقال
له القاضي: على أيِّ صورةٍ كان المقتول؟ فقيل: في صورة ثُعبان، فالتفت
(١) في (ط): «عمر»، وهو تحريف.
١٤٢

القاضي إلى مَنْ بجانبه، فقال: سمعتُ رسول الله وَل﴾ يقول ((من تزيًّا لكم
فاقتلوه)). وأمر القاضي بإطلاقه، فرجعوا به إلى منزله(١).
قلت: وهذه الحكاية عندنا مِنْ طرق، ينتهي كلَّ طريق منها إلى مَنِ
اتَّفق له مثلُها أو شبهها. والله أعلم بصحة ذلك.
ومنهم عبد الغفار بن أحمد بن عبد الغفار بن نوح، حفيد مصنف
((الوحيد في سلوك طريق أهل التوحيد))، وسمع منه عن أبيه عن جده، شيئاً
مِنْ خبر أبي العبَّاس الملثم المشار إليه قريباً.
ومنهم ابن السَّراج قاضي قُوص، لقيه بها مع جماعة مِنْ أهل الأدب،
سمع مِنْ نظمهم. وبلغني أنه أنشد هناك قوله:
قومٍ على النَّاسَ بالعُلى تاهُو
نزلتُ في هُوّ بالصَّعيد على (٢)
أقول عند أذكارهم: يَاهُو
في (٣) بلدة من صلاحهم عَمَّرت
و قوله:
وأهلها أكرمُ العبيدِ
وبلدة(٤) الحُسن في الصعيدِ
وصّلٌ بالجامع الجديدِ
تَوضَّ منها بجنبِ نهرٍ
وقوله يمدح ابن النعمان الماضي:
طابت وطاب مزاجها وخفيفُها
الحسن يا لله أطيب بلدة
فكأنما هو للعلوم شقيقُها
وغدا فتى النُّعمان فيها مفرداً
وسمعت أنَّ شخصاً من أهلها يلقب البُجَّ(٥) استدعاه لمنزله في ضيافة،
(١) انظر ((إنباء الغمر) ٧١/٤ - ٧٢، والضوء اللامع ٢٠/٦ - ٢١.
(٢) في (ب): ((نزلت من الصعيد على)).
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) في (ب): ((بلدة».
(٥) في (ط): ((الشيخ)).
١٤٣

وتركه بالمنزل، وخرج لبعض مهماته فأبطأ، فكتب له صاحبُ الترجمة
بالحائط :
· فيها سوى البُجّ والأشجان في وقَدِ
وبلدةٍ لم أجد خِلاَّ يُؤانسني
فقلت: يا قلبُ طِرْ منها تَجِد فَرَجاً وأنت يا بُجُّ في حِلِّ مِنَ البَلْدِ
وترك المنزل وانصرف:
قلت: وللبدر الدماميني:
يا طالعاً للصعيد يَقصِدُهُ لتنجتلي العينُ حسِنَّ مَرَآهُ
دَعْ عنك بالله قُوصَهم ((وقِنَا)) فما يَسُرُّ القلوب إلا ((هُوَ))
وقوله :
ما في الصعيد لنا من الأضرارِ
يا رب إنا قد أتينا نشتكي
تحكي لظَى و«قنا)) عذاب النارِ
: فارحم وداركني(١) فقومُ لحّها
انتھی.
ومات ابنّ لقاضي (هُو)) يُكنى أبا العباس، فكتب صاحب الترجمة على
قبره :
لك(٢) تحت الثرى أبا العباس
رحم الله أعظماً دفنوها
وسقى المُزنُ ذلك اللَّحد (٣) غيئاً غَدَقاً هامِلاً بغير قياسٍ
قال وهو بالقطيعة من بلاد الصعيد:
(١) في (أ): ((وأدركني)).
(٢) ((لك)) ساقطة من (ب).
(٣) في (ب، ط): ((وسقى لحدك المزن))، وهي كذلك في (ح)، وكتب في هامشها:
لعله. وسقى المزن ذلك اللحد غيئاً.
١٤٤

وأحوالاً بها أمست فظيعة
لقينا بالقطيعة شرَّ قومٍ
فقُلْ ما شئتَ في ذمّ القطيعة
وقطعاً قد تواصل مذ عَشِقْنَا
[رحلته إلى الإسكندرية:]
ثم رحل في أواخر سنة سبع وتسعين وسبعمائة إلى الإسكندرية، فكان
دخوله، إليها يوم الثلاثاء لثلاث بقين مِنْ ذي القعدة منها.
وكان قد اجتمع بالعلاَّمة شمس الدين ابن الجزري في السنة
المذكورة، وحضَّه - لما رأى من نجابته - على الرحلة، لا سيما لدمشق.
فأخذ بإسكندرية عن مسندها التاج أبي عبد الله محمد بن أحمد بن
عبد الرزاق بن عبد العزيز بن موسى الشافعي، آخر مَنْ كان يروي بها
حديث السُّلفي بالسماع المتصل، وهو ممَّن سمع عليه حافظُ الوقت الزين
العراقي، وغيره من شيوخ صاحب الترجمة.
وسمع بها أيضاً مِنَ التاج أحمد بن محمد بن عبد الله ابن الخَرَّاط،
وأحمد بن محمد بن عبد الغني بن شافع الأزدي، ومحمد بن أحمد بن
سليمان الفيشي، وناصر الدين محمد بن أحمد بن محمد بن الموفّق،
ومحمد بن أبي بكر بن محمد بن قِرْطاس، ومحمد بن عبد الرحيم بن عبد
الغني الجَزَري، ومحمد بن علي بن أحمد بن البُوري، ومحمد بن
محمد بن عبد الوهاب بن يفتح الله، ومحمد بن محمد بن محمد بن
الحسن(١) التونسي، في آخرين، منهم: أبو الطيب محمد بن أحمد [بن
محمد](٢)، المعروف بابن المصري، وكتب له بخطه أنه صافح الشيخ
شهاب الدين الفَرْنوي(٣)، المصافح لشخص من أصحاب الملثم المشار إليه
قريباً.
(١) في (أ): ((محمد بن محمد بن الحسيني)). خطأ. وانظر ترجمته في ((المجمع المؤسس))
٢ /٤٥٥ - ٤٥٦.
(٢) ساقطة من (ط).
(٣) بفتح الفاء وسكون الراء كما ضبطه المصنف في الضوء اللامع ٢١٨/١١.
١٤٥

قال شيخنا: وقد أدركت أنا الفرنوي، لكن لم أدخل الثّغرَ المذكور إلا
بعد وفاته بقليل.
--
وأقام بإسكندرية حتى تمت السنة المذكورة، ودخل في التي تليها عِدَّة
أشهر، وكان معه قريبه الزينُ شعبانُ الماضي ذكره، فاشترك معه في الأخذ
: عَنْ هؤلاء وغيرهم.
وممن رافقه في بعض مسموعاته بها: العلامة الشمس بن عمار
المالكي، وأثبت له شيخنا مسموعه معه بخطه.
وقد رأيت جزءاً سماه ((الدرر المضيّة مِنْ فوائد إسكندرية))، ذكر فيه
مسموعه هناك، وما وقع له مِنَ النّظم والمراسلات، وغير ذلك، ما أحْسَنَ
لو كتبتُه ولم أنتقه! ومن جملة ما فيه مِنْ نظمه:
وفارقت من أهوی فلازمت تبریجي
رحلتُ إلى الإسكندرية مرةً
۔
ولا التذَّ منّي الجسم في شارع الرُّوحِ
فلا الرمل فيه كان نجمي طالعاً.
وكذا رأيت أوراقاً مِنْ جزءٍ للسَّفرة التي بعدها:
(يا لهفي على رؤية باقيه))
والظاهر أنَّ كل سفراته سلك فيها هذه الطريقة.
[رحلته إلى الحجاز:]
ورجع من إسكندرية، فأقام بمصر إلى يوم الخميس ثاني عشري
شوال سنة تسع وتسعين، فظهر منها قاصداً أرض الحجاز من البحر،
فوصل الطّورَ يوم الأحد ثاني ذي القعدة، فلقي بها مِنَ الفُضلاء راجعاً مِنَ
الديار المصرية قاصداً البلاد اليمنية العلامة نجم الدين أبا علي محمد بن
أبي بكر بن علي بن يوسف المصري، ثم المكي، عُرف بالمرجاني، نسبة
إلى جدِّ أُمِّه الزاهد الكبير المشهور، فقرأ عليه بساحل الطّور في خامس
١٤٦

ذي القعدة حديثاً(١). ورافقه في هذه الرحلة قاصداً المجاورة بمكة المشرّفة
الحافظ صلاح الدين أبو الصفاء خليل بن محمد بن محمد بن عبد الرحيم
الأقفهسي الشافعي فاستأنس به، وكذا رافقهما الرضيُّ أبو بكر بن أبي
المعالي الزبيدي (٢) القحطاني وغيره، فتزايد الاستئناس، وانتشرت الفوائد
الأدبية وغيرُها بينهم.
[رحلته إلى اليمن:]
وكان مبدأُ السفر في البحر صبيحة يوم السبت ثالث عشر (٣) ذي
القعدة، فدخلوا ينبع يوم الجمعة ثالث عشرة ذي الحجة. وممّن لقيه بها -
لكن ما أتحقق أنه في هذه الخطرة - جار الله بن صالح بن أحمد الشيباني
المكْي، فقرأ عليه بها عدَّة أحاديث من ((الترمذي))، وسافروا، فطلع خليل
مِنْ جدَّة إلى مكة، وتوجه صاحبُ الترجمة ومَنْ معه إلى بلاد اليمن،
فوصلوها في ربيع الأول(٤) من سنة ثمانمائة، فلقي بتعز، وزبيد، وعدن،
والمُهجم، ووادي الحصيب، وغيرها غير واحدٍ.
وممِّن لقيه بتعز: أبو بكر بن محمد بن صالح بن الخياط، وبزبيد:
الشهاب أحمد بن أبي بكر بن علي النّاشري، والعلامة الشرف إسماعيل بن
محمد بن أبي بكر بن المقرىء صاحب ((عنوان الشرف)) و((مختصر
الحاوي))، وغير ذلك، وأحسنَ السفارة له عند سلطان بلده. وقال صاحب
الترجمة: إنه ما رأى باليمن أذكى منه، [بل نقل بعض الفضلاء عن خط
النفيس العلوي، قال: سمعتُ الإمام الحافظ أبا العباس أحمد بن علي
(١) في هامش (ح) حاشية بخط المصنف نصها: حش [يعني حاشية]: وهو حديث ابن
مسعود: ((إن خلق أحدكم)) رواه من معجم ابن جميع له عن أبي محمد بن جماعة
سماعاً، فإن لم يكن فإجازة، ... قلت: وبعده كلام مطموس وقد تآكل بعضه. وانظر
للاستيضاح، المجمع المؤسس ٢٩٨/٣.
(٢) في (ب): ((الرشيدي))، تحريف.
(٣) في (ب، ط): ((عشري)).
(٤) في (ب): ((في ربيع الثاني أو قبل ذلك)).
١٤٧

ابن حجر قدم علينا في سنة ثمانمائة، وفي سنة ست وثمانمائة ـ يقول: ما
أعلَمُ أعلَمَ منه، ولا أفضح في الشعر، وهو (يُربِي على أبي الطَّيِّب)(١). قال
العلوي: وكذا سمعت شعبان الآثاري يقول ذلك. انتهى](٢).
ولقي بزبيد أيضاً: الوجيه عبد الرحمن بن محمد العلوي،
وعبد اللطيف بن أبي بكر الشَّرْجي، والموفق علي بن الحسن بن أبي بكر
الخزرجي المؤرخ، والموفق علي بن محمد بن إسماعيل النَّشري.
وبعدن: الرضي أبا بكر بن يوسف بن أبي الفتح بن المستأذن وأبا
المعالي عبد الرحمن بن حيدر بن علي الشِّيرازي.
وبالمُهجم: أحمد بن إبراهيم بن أحمد القُوصي، وعلي بن أحمد
الصَّنعاني، والقاضي عفيف الدين عبد الله بن محمد النّاشري. وبوادي
الحُصَيب: الجمال محمد بن أبي بكر بن علي المصري أخا (٣) المرجاني
الماضي.
[اجتماعه بالفيروز آبادي:]
واجتمع في زبيد ووادي الحُصيب بالعلامة شيخ اللغويين بلا مدافع،
القاضي مجد الدين أبي طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، فقرأ عليه.
أشياء، مِنْ جملتها جزءاً التقطه صاحب الترجمة من ((المشيخة الفخرية))، فيه
أزيد من ثمانين حديثاً مِنَ العوالي، فيها ستة أحاديث موافقات وباقيها أبدال،
في ربيع الأول سنة ثمانمائة بزبيد. وتناول منه النصف الثاني من تصنيفه
الشهير في اللغة المسمى ((بالقاموس المحيط)). لتعذُّر (وجود)(٤) باقيه حينئذٍ،
وأذن له مع المناولة في روايته عنه.
(١) في (أ، ب): ((وهو يرثي علي أبي طالب»، وهو تحريف.
(٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب)، وورد في هامش (ح) بخط المصنف.
(٣) فى (ب، ط): ((أخو)».
(٤) ساخطة من (ب).
١٤٨

وفي زبيد وتعز بالإمام محدث اليمن النفيس أبي داود سليمان بن
إبراهيم بن عمر العلوي التّعزي الحنفي، وأخذ عنه غالب مَنْ ذكرنا
وغيرهم، واغتبطوا به، واستمدُّوا من فوائده على جاري عوائده.
وخرّج وهو هناك مِنْ مرويات نفسه («الأربعين المهذبة بالأحاديث
الملقبة)»، إجابة لملتمس ذلك منه، وهو النفيس المذكور، خرَّجها في يوم
واحد، وكتب وهو هناك بخطه ((التقييد)) لابن نقطة في خمسة أيام، و((فضل
الربيع في فضل البديع)» (١) في يومين، كما سيأتي، وأخذوا عنه («مشيخة
الفخر ابن البخاري))، و((المائة العشاريات)» لشيخه التنوخي، وغير ذلك،
سمع ذلك علیه غيرُ واحدٍ .
وكذا حدَّث وهو هناك بكتاب ابن الجزري في الأدعية المسمى
(بالحصن الحصين))، وكتب بخطه أوّل نسخة منه ما نصه: ((قال صاحبنا الشيخ
الإمام المحدث شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد الجزري الدمشقي
حفظه الله»، فحصل للكتاب(٢) في البلاد اليمنية بسبب ذلك رواجٌ عظيم،
وتنافسوا في تحصيله وروايته، وذلك قبل دُخول مصنّفه إليهم، ثم دخل وقد
مات كثيرٌ ممَّن سمعه على صاحب الترجمة، فسمعه الباقون وغيرهم عليه.
وامتدح صاحب اليمن الملك الأشرف إسماعيل بن الأفضل عباس بن
المجاهد عليّ. وكان لما سمع بقدوم صاحب الترجمة إلى البلاد اليمنية،
خطبه للاجتماع به في زبيد، ففعل ذلك، فأثابه أحسن الإثابة، وعامله بما
هو جديرٌ به مِنَ الإجلال والاحتفال، جزاه الله خيراً.
ولقي أيضاً علي بن يحيى الطّائي الصعدي، عُرف بابن جميع،
المفوض إليه أمر عدن، فسُرَّ به كثيراً، وبالغ في الإحسان إليه، لكونه كان
صديقاً لخال صاحب الترجمة قديماً.
واتَّفق أنه بينما هو مع جماعة مِنْ فُضلاء اليمن في مجلس المذاكرة
(١) في (ب، ط): و((فضل البديع)).
(٢) ((للكتاب)) ساقطة من (ب).
١٤٩

والمؤانسة، قال بعضُهم: إنَّ في كلام المصريين ((اقعدنانَّه قم نانه))، ولا
معنى لها، فقال صاحب الترجمة: هذا شيءٌ لا يستعمله الخاصَّة، وأما أنتم
فعمومكم يعقِدُ القاف، فقيل: وأنتم تُبدلون الكاف بالهمزة، فقال: وأيضاً
هذا لا يستعمله إلا القليل. وأما أنتم فعمومکم یقول عندما یعجب منه («یاہ
باه)» (يعني بالتفخيم)(١) ولا معنى لها، فقالوا: بل هي لغة، فأنكر عليهم،
فسأل عن ذلك المجد (٢) المقدَّمُ ذكره عنها، فقال أيضاً: إنها لغة. قال
شيخنا: فوجمت، ثم قلت: فلمن هِيَ؟ فقال: لأهل اليمن، فقلت: فهل
هي معتبرة؟ فقال: لا، ولكنهم(٣) لما كثُرت معاشرتُهم للأبقار وشرب
ألبانها، اكتسبوا النّطق بها !.
ورجع من اليمن - وقد ازدادت معارفه، وانتشرت علومه ولطائفه -
صحبة المحمل الذي جهزه الأشرفُ صاحب اليمن إلى مكة، بعد أن كان
انقطع من نحو عشرين سنة، مع محمد بن عجلان بن رميثة الحسني، فرافقه
شيخْنا، وسَلِمَ مِنَ العطش الذي أصاب أكثر الحاج (٤) تلك السَّنة بمرافقته،
لأنه سار - (أعني مع غيره)(٥) من جهة، وخالفه أمير الركب فسار من الجهة
المعتادة. فلم يجدوا ماءً فهلك أكثرهم.
ووصل إلى مكة المشرفة فحجَّ في سنة ثمانمائة، وهذه هي حجة
الإسلام، وهي الثالثة، بل الخامسة بالنَّظر لمجاورته مع وصيِّه وأبيه، فإنَّه -
كما تقدم - كان وهو مُرَّاهِقٌ مجاوراً في سنة ست وثمانين مع وصيه، وقبلها.
وهو طفل مع والده، ثم حج أيضاً في سنة خمس وثمانمائة، [وكانت الوقفة
- كما قرأته بخط الشمس بن عمّار - الجمعة، فإنه كان قد حج فيها أيضاً،
وسمع يوم عرفة بها قائلاً يقول: لا إله إلا الله، مات البُلقيني. قال: فلمَّا
كنتُ بمنى، أخبرني صاحبنا المحدِّث الفاضل أبو الفضل ابن حجر أنَّه قدِم
(١) ساقطة من (ب، ط).
٢) في (ب، ط): ((فأنكر عليهم ذلك فسأل المجد)).
٣) في (ب، ط): ((ولكنه».
٤)(٥) ساقطة من (ب، ط).
١٥٠

مِنَ القاهرة كتابٌ لشخص من تُجَّارها يقال له ابن سلام، وفيه محدثتان
طامتان، موت البلقيني - وهي أعظمها - ومحاصرة النصارى للإسكندرية،
انتهى](١)(٢).
[رحلته الثانية إلى اليمن:]
وجاور (صاحب الترجمة)(٣) بعض سنة ستُّ، وسافر فيها إلى اليمن،
وهي المرة الثانية، فلقي بها أيضاً بعض المذكورين وغيرهم، فحملوا عنه،
وحمل عنهم.
وفي هذه المرة انصلح المركبُ الذي كان فيه، فغرق جميعُ ما معه
مِنَ الأمتعة والنَّقدِ والكتب، ثم يسر الله تعالى بطلوع أكثرها بعد أن أقام
ببعض الجزائر هناك أياماً. وصُولح عما جرت العادة بأخذه مما يطلع بعد
الغرَق بمالٍ كثير جداً، بحيث يتعجب من كثرة أصله، وكُتب محضرٌ بذلك
حسبما رأيته، لكن غاب عنّي ضبطُ ما فيه.
وكان مِنْ جُملة الكتب الَّتي غرقت مما هو بخطه: ((أطراف المزي))،
و((أطراف مسند أحمد))، و((أطراف المختارة))، كلاهما من تصنيفه، وكذا
((ترتيب)) كل من ((مسندي الطيالسي)) و((عبد)).
وكان شيخنا يحكي لنا عن بعض رفقته - ويسميه(٤) - أنَّه دخل عليه
مرَّة، فصار يستعرض كتبه، ويتعجب مِنْ كثرة ما فيها بخطه، قال: والظاهر
أنَّ غرقها كان من إصابته فلله الأمر، وهو المحمود على كل حال.
وكان من جملة الذهب العين - فيما قيل - سبعة آلاف مثقال أو أكثر
(١) ورد في (ط) هنا عبارة: ((قلت: وتحرر كون أمير الحاج غير أمير المحمل)).
(٢) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب)، وأضافه المصنف في هامش (ح) بخطه.
(٣) ما بين حاصرتين لم يرد في (ب، ط)، وأضيف في (ح) بخط المصنف.
(٤) في هامش (ح) بخط المصنف: ((هو الشيخ نجم الدين المرجاني)).
١٥١

مِنَ الذَّهب المصري وديعة لابن مسلم. ولذلك تجشَّم شيخُنا المشقة، حيث
أقام على التماسها في البحر مدة حتى أخرجت. واغتصب منها الظلمةُ بعض
ما جرت عادتهم به كما أشير إليه، وتبضَّع بالبقية، ورجع بذلك، فتسلم
البضائع مستحقُّها بالقاهرة، وهي ببركة الوديع تزيد على رأس المال. وكانت
كتابة المخضَر (١) لأجل المالك، ووقع الإشهاد بذلك عليه، وببراءة الوديع.
وقد اتفق له بعد ذلك، وهو راجع من بلد الخانقاه الركنية، أنه سقط مِنْ
تحته بعضُ ألواح المركب، فسقط في البحر الحُلو بثيابه، وكان إذ ذاك
بطليلسان، فسارع أهل المركب لطلوعه، ولم يكن يُحسن السباحة. ووصل
إلى بلده سالماً، فصعد إلى المؤيَّد للسلام عليه وهو بطيلسانه. فسأله: ما
لك مُتَطيلساً؟ فحكى له ما قدّمته، وأشار إلى أنَّ سببه الآن بعض النّوعك،
فقال له: الطيلسان دلاعة أو سماجة، أو كما قال. قال شيخنا: فيمِنْ ثَمَّ ما
تطيلست إلى الآن، يعني في مرض موته الذي سمعنا فيه هذه الحكاية.
وكل هذا ليعظم الأجر له. فالأجر على قدر النَّصَب.
ولما رجع من اليمن - بعد أن أهدى في إحدى المرتين لسلطانها إذا
ذاك نسخة من ((خريدة القصر)) للعماد الكاتب بخط الكمال ابن الفوطي في
أربعة مجلدات القطع الكبير، فأثابه عليها ثواباً جزيلاً جداً. وكذا أهدى
لملكها الأشرف الماضي ((تذكرته الأدبية)) بخطه في أربعين مجلداً لطافاً،
بمكة الآن منها نحو العشرين. حج أيضاً فيما أظن، وعاد إلى جدة، وقرأ.
بها في المحرم سنة سبع على أبي المعالي عبد الرحمن بن حيدر الشيرازي
الماضي أحاديث عشرة، انتقاها من (أربعین الحاکم)). ثم سافر إلى بلده،
فأقام بها على عادته الجميلة، ثم حج أيضاً في سنة خمس عشرة وثمانمائة.
وكتب إليه الحافظ جمال الدين محمد (٢) بن موسى المراكشي في
أوائل العشر الأخير من ذي القعدة منها، وهما بدرب الحجاز في ينبع لغزاً
يأتي في محله ..
(١) في (أ): ((المختصر).
(٢) ساقطة من (ب، ط).
١٥٢

ثم الأخيرة، وهي في سنة أربع وعشرين، وتأخر في هذه بالقاهرة بعد
خروج الحاج عشرة أيام أو أكثر. ثم توجه على الرواحل هو وصهرُه
القاضي محب الدين ابن الأشقر، وقريبه الزين شعبان، فأدركوا الرَّكبَ
بالقُرب من الحوراء، فرافقوهم إلى مكة، وكانت الوقفة الجمعة، فحجُّوا ثم
عادوا صحبتهم.
وكان مقيماً في هذه المرة بالمدرسة الأفضلية، أنزله بها قاضي مكة
المحبُّ بن ظهيرة، وبها سمع على ابن طولوبغا الآتي قريباً، وقال في مرة
من هذه المرات في شهاب الدين بالوجه (١) من طريق الحجاز لأمر
اقتضاه :
المجدِكَ في هذا الورى مِنْ مُشارِكِ
شهاب العُلا والدين والرأي لا أرى
بلا تعب في سيرك المَتدَارِكِ
لحقتَ على ((الوجه)) الذين تقدَّموا
فقلت: لقد قُزنا بوجهٍ مبارَكٍ
وأشرق مثل(٢) البدرِ وجهُك بيننا
[من لقيهم من العلماء بمكة والمدينة:]
ولقي بمكة وبمنى والمدينة النبوية، في كل مرة، جمعاً مِنَ العلماء
والمسندين، فكان ممَّن لقيه بمكة جماعة؛ منهم: البرهان أبو إسحاق
إبراهيم بن محمد بن صدِيق، والعلامة الزين أبو بكر بن الحسين المراغي،
والمحدِّث المكثر الشمس أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن
ضرغام بن سُكّر، وأبو الطيب محمد بن عمر بن علي السُّحُولي، وإمام
المقام أبو اليُمن محمد بن أحمد بن إبراهيم الطبري، والحافظ أبو حامد بن
ظهيرة الماضي، وست الكل ابنة الزين أحمد بن محمد القسطلاني، وأبو
الخير خليل بن هارون الجزائري، وظهيرة بن حسين بن علي المخزومي،
وأبو الحسن علي بن أحمد بن سلامة.
(١) تحرفت في (أ) إلى: ((بالتوجه)). والوجه بلدة على ساحل البحر الأحمر من الجزيرة
العربية، وكانت من منازل السفر على طريق الحاج. انظر ((صبح الأعشى)) ٣٨٦/١٤.
(٢) في (ب، ط): ((منك)).
١٥٣

وممن لقيه بمنى: المراغي المذكور، فقرأ عليه بها أيضاً ثاني
((الطهارة)) للنسائي، وكذا أخذ عنه أيضاً، وعن العَلَم أبي(١) الربيع
سليمان بن أحمد بن عبد العزيز الهلالي، والزين عبد الرحمن بن علي بن
يوسف الززنَدي أخذ عنه ((مسلسل التّمر)» بالمدينة(٢)، قال صاحب الترجمة :.
ولم أضبط ذلك عنه. ومحمد بن معالي بن عمر بن عبد العزيز (بن سَنَد)(٣).
الحراني الحنبلي، وآخرين بالمدينة الشريفة.
واجتمع به في سنة خمس عشرة هناك جماعةٌ مِنْ فضلاء مكةٍ
وأعيانها، فقرؤوا عليه، وحملوا عنه بعض تصانيفه وغيرها، وأذن لهم
بالرواية عنه، وكذا أخذوا عنه في المرة التي بعدها ((المسلسل بالأولية))،
وبعضاً من ترجمة البخاري التي ذكرها في مقدمة ((شرحه))، وقصيدته التي
أولها:
ما دمت في سفن الهوى تجري بي
وذلك بمجلس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بالسبيل المنسوب
الآن لجقمق، الملاصق لبئر زمزم مِنَ المسجد الحرام، وهو تُجاه الحجر
الأسود. وحضر جمعٌ كثيرٌ مِنْ قضاة مكة وأعيانها وطلبتها، وأرشدهم حينئذٍ
إلى المسنِد الرُّحَلَة زينُ الذين عبد الرحمن بن محمد بن طولوبغا السيفي
التّنكَزي، وكان قد حج أيضاً، فأخذوا عنه أشياء مِنْ مروياته. وكذا سُمِعَ
هو عليه، وحدث في هذه المرة أيضاً في أيام التّشريق بمنى ((بجزء) من
تصانيفه في الحج، وابالأربعين المتباينة))، و((تخريج الأربعين النووية))،
والكلام على («حديث القضاة»، كلها من تخريجه. وقرأ بخُليص مِنْ أرض
الحجاز على الشمس محمد بن أحمد بن محمد القزويني، ثم المصري
الصوفي، أحاديث عن مظفر الدين العسقلاني من ((الترمذي)) وغيره.
(١) في (أ): ((بن))، تحريف، وأبو الربيع كنية سليمان.
(٢) ((بالمدينة)» لم ترد في (ب، ط، ح).
(٣) ساقطة من (أ).
١٥٤

ولمّا رجع مِنْ حجة الإسلام إلى بلده في سنة إحدى وثمانمائة، جدّ
في استكمال ما بَقِيَ عليه مِنْ مسموع القاهرة ومصر. وفي شيوخه ومسموعه
بهما كثرة.
وممَّن أخذ عنه بمصر: النجم محمد بن علي بن محمد بن عقيل
البالسي الماضي، والفخر أبو اليمن محمد بن محمد بن محمد بن أسعد
القاياتي، والنجم عبد الرحيم بن رزين السابق، والمحب محمد بن يحيى بن
عبد الله بن الوخدِيّة. وعثمان بن محمد بن وجيه الشّيشيني(١) وأحمد بن
الحسن البَيْدقي أمين الحكم بمصر، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن خواجا
الحموي الأصل.
وبالقاهرة: أبو إسحاق التنوخي، وأبو الفرج بن الشيخة، وعبد الواحد
الصُّرَدي الماضي ذكرهم، وإبراهيم بن داود الآمدي وأبو المعالي الحلاوي،
وأبو العباس السويداوي، وأبو العباس الجوهري، والجمال عبد الله بن
محمد الرَّشيدي والصَّدر محمد بن إبراهيم المناوي، والمجد إسماعيل بن
إبراهيم الحنفي، وخلق.
وسأسرد أسماء شيوخه بالسماع والإجازة بعد، إن شاء الله تعالى.
وسمع بالجيزة (٢) على الصلاح أبي علي الزفتاوي الماضي. ومنها
توجه إلى الأهرام التي حارت الأفكارُ في شأنها، وتكلّم الناسُ فيها نظماً
ونثراً، كما كتبت بعض ذلك في ((المجموع السابع والتسعين)). فصعد أعلاه،
ودخل المكان الذي بأسفله، وفي الوصول إليه خطرٌ، لكونه لا يُتمكَّن في
أول دخوله إلا بالمرور على بطنه كالحيات والهوام والحيتان، ولا يأمن
حينئذٍ مِنْ حيةٍ وغيرها في مروره. وقد اقتديتُ به في ذلك وقرأت بأعلاه
شيئاً مِنَ القرآن والحديث وكتبت عن البقاعي قصيدةً يقول فيها:
(١) كذا في الأصول الثلاثة و(إنباء الغمر» ٣٥١/٣، حيث قال المصنف في ضبطه:
بمعجمتين بعد كلّ منهما تحتانية ساكنة، ثم نون قبل ياء النسب. وضبطه في ((المجمع
المؤسسة ٢٤٩/٢، بغير ذلك، فقال: بمعجمتين مكسورتين بينهما نونان ساكنتان.
(٢) في (ط): بالجزيرة، تحريف.
١٥٥

إنّا بَنُو حسنِ والناسُ تعرفنا، وقتَ النّزالِ وأُسدُ الحرب في حنق
غيري ولا أنيسيَ إلا السيفُ في عُنقي
کم ◌ُبْتُ قفراً ولم يسلك به بشرٌ
[بل حدثت أنا أعلاه](١).
وكذا سمع صاحب الترجمة بالقرافة على الشهاب أحمد بن محمد بن
الناصح، وبجزيرة الفيل على شيخه حافظ الوقت العراقي، وبإنبابه على ولده
العلامة الولي العراقي.
[رحلته إلى الشام]
ثمَّ لمَّا أشرف على الاستيفاء، وحصول الاستيعاب لما أمكن بالدِّيار
المصرية، وقع الرحيلُ إلى البلاد الشامية للأخذ عمَّن بها وكان ظهوره من
القاهرة في عصر يوم الاثنين ثالث عشري شعبان سنة اثنتين وثمانمائة،
وصحبته قريبةُ الزين شعبان أيضاً، والتقيُّ الفاسيُّ الحافظ. فسمع بسرياقوس
وقطية، وغزة، ونابلسٍ والرملة، وبيت المقدس، والخليل، ودمشق،
والصالحية، وغيرها مِنَّ البلاد والقرى، كالنّيرب والزُّعيفرينة ما لا يوصف،
ولا يدخل تحت الحصر كثرة، على أمم كثيرة.
وكان ممَّن لقيه بسرياقوس: قاضيها العالم الخَيِّر(٢) صدر الدين سليمان
الإبشيطي الشافعي الماضي، فأخذ عنه ((جزء البطاقة)) ومنتقى من (جزء
الأنصاري)) في يوم الثلاثاء رابع عشري شعبان، وسمع في غير هذه الخطرة
بالمرج على أبي الطَّيْب محمد بن أبي (٣) الزين القيرواني المغربي المالكي
حديثاً .
وممن أخذ عنه وهو ذاهب في رحلته إلى دمشق بقطية صاحبه ورفيقُه.
(١) .. هذه العبارة لم ترد في (ب).
(٢) في (أ): ((الخبير)).
(٣) ((أبي)) ساقطة من (أ).
١٥٦

في(١) الرحَلَة المحدثُ الحافظ التقيُّ محمد بن أحمد (بن علي) (٢) الفاسي
المكي .
وبغزة(٣) الإمام الشهاب أحمد بن محمد بن عثمان الخليلي، والعلامة
أُعجوبة الزمان برهان الدين إبراهيم بن محمد بن بهادر الغزّي، عرف بابن
زُقَّاعَة. كتب عنه من نظمه.
وبنابلس: إبراهيم وعلي ابنا محمد بن إبراهيم بن العفيف، وأحمد بن
محمد بن عبد القادر، وأبو بكر بن علي بن أبي بكر بن الحكم،
وعيسى بن علي بن محمد بن غانم المقدسي.
وبالرملة: الإمام الشهاب أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن
حسين، مهندس الحرم أبوه، عرف بابن زَغْلِشْ، وعبد الله بن سليمان بن
عبد الله الإجاري ثم المقدسي المالكي.
وببيت المقدس: أحمد بن محمد بن عبد الكريم، وإمام الأقصى
الشهاب أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن مُثبّت المالكي، والقاضي
الإمام الشهاب أحمد بن ناصر بن خليفة الباعُوني الشافعي، وأبو بكر بن
عثمان بن خليل الحوراني الحنفي، والحسن بن موسى بن إبراهيم بن مكي،
وصالح بن خليل بن سالم الغزي الشافعيان، وإمام قبة الصخرة
عبد الرحمن بن محمد بن حامد، وعبد الهادي بن عبد الله البسطامي وغزال
ابنة عبد الله القلقشندية، ومولاها الشيخ شمس الدين محمد بن إسماعيل بن
علي القلقشندي، ومحمد بن عمر بن عيسى البصروي ابن القرع،
ومحمد بن محمد بن محمد بن علي بن خطاب بن اليُسر المؤذن.
وبالخليل: عن محمد بن محمد بن علي بن يحيى المَنِيحي الحنفي.
وبدمشق وصالحيتها: من خلائق مِنْ أصحاب أبي العباس أحمد بن أبي
(١) ((في)) ساقطة من (أ).
(٢) ساقطة من (ب، ط).
(٣) في (ب): ((وبقراءة))، تحريف.
١٥٧

طالب الحجَّار؛ ومَنْ قبلَه، مثل: القاسم بن عساكر، وأبي عبد الله بن الزَّراد،
ونحوهما بالسَّماع المتصل. والقاضي سليمان بن حمزة، ونحوه بالإجازة.
ووصَّلَ هناك - على جاري عادته - مِنَ الكتب الكبار والأجزاء
القصار(١) وغيرهما أشياء كثيرة جداً، كانت قد انقطعت مِنْ مُدَدٍ متطاولة،.
واحتاج في وصلها للقراءة بتوالي ثلاث أجائز، وربما توالي أكثر مِنْ ذلك.
وقد وقع للحافظ عبد القادر الرُّهاوي في كتاب «الأربعين الكبرى)) التي
خرَّجها لنفسه أنه والى بين خمس(٢) أجائز؛ فروى في الجزء الثالث منها أثراً
بالإجازة عن الحافظ أبي موسى المديني، عن أبي منصور بن خيرون،
بالإجازة عن أبي محمد الجوهري، بالإجازة عن أبي الحسن الدارقطني،
بالإجازة عن أبي حاتم بن حبَّان البُستي بالإجازة. قال: سمعتُ ... فذكر
أثراً. وهذا مِنَ «الضُّعفاء)» لابن حبان. وكثيراً ما يروي ابن الجوزي في
((العلل المتناهية)) له عن ابن خيرون إجازة بهذا السَّند من هذا الكتاب.
وقد سأل شيخُنا شيخه الحافظ أبا الفضل العراقي - رحمهما الله -:
أيُّما أولى أن يروى الشخصُ بأجائز متوالية، أو بإجازة عامة؟ فقال: بأجائز
متوالية. قال: فقلت له: لأنَّ القول بإبطال الإجازة شاذٌّ، والقول بصحة
الإجازة العامة شاذ. وإذا قلنا بالقول الصحيح بصحة الإجازة، كانت الإجازة
على الإجازة أقوى؟ فقال: نعم. وقرر ذلك. انتهى.
وفي شيوخه(٣) بها أيضاً ومسموعه كثرة. وشيوخه مطلقاً من حيث
العلو(٤) تنقسم إلى مراتب:
المرتبة الأولى: أصحاب التقي سليمان وأبي الحسن الواني وأبي النون
(١) في (ط): ((الصغار».
(٢) في (ب، ط): ((خمسة))، خطأ.
(٣) في هامش (ح) بخط المصنف: ثم بلغ الشيخ عز الدين بن فهد نفع الله به قراءة علي
في ٣ والجماعة سماعاً.
(٤) في (ب): ((العلوم))، تحريف.
١٥٨

الدبوسي، وعيسى المطعم والقاسم بن عساكر، وأبي العباس بن الشّحنة
ونحوهم.
الثانية: أصحاب (أصحاب)(١) السلفي وشُهدة بالسماع المتصل، أو
بإجازة خاصة .
الثالثة: أصحاب (أصحاب)(٢) ابن عبد الدائم والنجيب ونحوهما،
کابن عُلاَق وغيره.
الرابعة: أصحاب أصحاب الفخر ابن البخاري، وابن القوّاس
والآبْرقُوهي، ونحوهم ممن كان يمكن صاحب الترجمة مساواتهم في الأخذ
ولو بالإجازة.
ومن شيوخه بدمشق وصالحيَّتها: محمد بن محمد بن (محمد بن)(٣)
أحمد بن منيع، ومحمد بن محمد بن محمد بن عمر بن قوام، وأحمد بن
آقبرس بن بُلْغَاق، وأبو بكر بن إبراهيم بن العز الفرائضي، وأبو بكر بن
عبد الله بن أبي بكر بن عبد الهادي، وأبو العباس أحمد بن علي بن
محمد بن عبد الحق، وأحمد بن علي بن يحيى الحسني، وفاطمة وعائشة
ابنتا محمد بن عبد الهادي، وفاطمة ابنة محمد بن المُنَجًّا، وخديجة ابنة
إبراهيم البعلبكية، وعبد القادر بن إبراهيم الأرموي، وعبد القادر بن
محمد بن علي سِبْط الذّهبي، وحفيد جده محمد بن عبد الرحمن بن
الذهبي. وعبد الله بن محمد بن أحمد بن عُبيد الله بن قُدامة.
وبالزعيفرينة من أبي العباس أحمد بن إسماعيل بن خليفة الحُسباني.
وبالنيرب: مِنَ المحدث البدر أنس بن علي الأنصاري، والزين أبي
هريرة عبد الرحمن بن يوسف بن أحمد الحنفي بن الكفري.
وكان رحمه الله رحل قصداً إلى بيت المقدس، ليأخذ عن الشهاب
(١)(٢) ساقطة من (أ).
(٣) ساقطة من (ط).
١٥٩

أبي الخير أحمد ابن الحافظ الكبير الصلاح أبي سعيد خليل بن کیکلدي
العلائي، لكونه صار رُحلَةَ تلك البلاد، ومعظم السَّبب في التوجه إليه ظهورُ
سماعه في (ابن ماجه)) على الحجَّار، فبلغته وفاتُه وهو بالرَّملة، فعرَّج عَن
القدس إلى دمشق، لكنه كان قرأ الكتاب المذكور على بعض مَنْ سمع على
الحجَّار في الجملة. وكانت سلفت له من ابن العلائي إجازة، فتلفق وصار
بمنزلة السَّماع، لكونه سماعاً عن إجازة، وإجازة عن سماع.
ثم إنه لم يدخل بيت المقدس إلا بعد انتهاء أربه من دمشق، لكونها
بعد فوات ابن العلائي أهمّ.
وكذا لم يسمع بنابلس إلا بعد رجوعه.
ومن نابلس توجه إلى بيت المقدس، وهي طريقٌ وعِرَة، اتَّفق مروري
بها وكذلك(١) قال، كما سمعته من لفظه:
إلى البيت المُقدَّسِ جئت أرجو جنانَ الخُلدِ نُزْلاً مِنْ كِرَيمْ
قطعنا في مسافته عقاباً وما بعد العِقَابِ سوى النَّعِيم
وکان دخوله إلى الشام في حادي عشري رمضان سنة اثنتين، فنزل
فيها على صاحبه الصدر علي بن محمد بن محمد بن الأدمي، لِمَا كان
بينهما مِنَ المودّة، وأقام بها مائة يوم، آخرها أول يوم مِنَ المحرم سنة
ثلاث وثمانمائة، ووجد هناك رفيقه الحافظ صلاح الدين خليل الأقفهسي.
وحصل له في هذه المدة مع قضاء أشغاله ما بين قراءة وسماع من الكتب
المجلدات، خاصة من ((المعجم الأوسط)) للطبراني ثلاثة، ومن ((الكبير)).
مجلد، و((الصغير)) بتمامه في مجلد. ومن ((الدُّعاء)) له مجلد. و((المعرفة)).
لابن مَنْدَه في أربعة، و((السنن)) للدارقطني في اثنين، و((مسند مسَدَّد))،
و ((الموطأ)) لأبي مصعب كل واحد منهما في مجلد، ومن كل كتاب من
(صحيحي)) ابن خزيمة وابن حبّان مجلد، ومن ((المختارة)) للضياء خمسة.
(١) في (ب، ح) ((ولذلك)).
١٦٠