Indexed OCR Text
Pages 381-400
- ٣٨١ - بقوله: «الذى يظهر من مذهب مالك القول بالاستحسان لاعلى المعنى السابق ( أى تعريف ابن العربى له ) بل هو استعمال مصلحة جزئية ، فى مقابل قياس كلى، فهو يقدم الاستدلال المرسل على القياس ، ومثاله لو اشترى سلعة بالخيار ، ثم مات ، فاختلف ورثته فى الإمضاء والرد ، قال أشهب القياس الفسخ ، ولكنا نستحسن إذا قبل البعض الممضى نصيب الراد ، إذا امتنع البائع من قبوله - أن نمضيه ، وقد ذكرنا ذلك الفرع من قبل . وهذا التعريف يتفق مع ما نقلناه عن ابن رشد، ومع ما ذكره الشاطى فى موافقاته، وكلها تتجه إلى قصر الاستحسان على أمر واحد، وهو ترك مقتضى القياس لمصلحة فى موضع معين ، أى فى مسألة جز ئية، ويدخل فى المصلحة رفع الحرج والتوسعة ودفع المشقة . ١٧٨ - وإرب الاتجاه فى ذلك كله ينتهى إلى غاية واحدة . وهو ألا يتقيد الفقيه المجتهد عند بحث الجزئيات بتطبيق ما يؤدى إليه اطراد القياس ، إن وجد مضرة أو مشقة ، أو منع مصلحة مجتلبة ، بل تؤثر هذه الأمور فى القياس ، لأنه ما دام الموضوع ليس فيه نص من الشارع ، بل هو اعتماد على الاستنباط المجرد، واستخراج العلل من النصوص ، ووجد أن طرد العلمة يوجد ظلما ، أو يجلب مضرة، أويدفع مصلحة، أو يوجدحرجاً، يكون من الواجب ترك القياس ، والأخذ بهذه الأمور التى تتفق مع روح الدين ولبه ، وتشهد لها نصوصه، ففى القرآن الكريم: (( ما جعل عليكم فى الدين من حرج))، وفى الحديث الشريف: ((لا ضرر ولا ضرار)) والدين جاء لمصالح الناس فى الدنيا والآخرة، فيكون الأخذ بالاستحسان، وترك القياس فى هذه الأحوال هو لب الإسلام، وصميم فقهه. ١٧٩ - انتهينا فى هذا إلى أن مدى الاتجاه فى الاستحسان عند المالكيين ينتهى إلى أنه إيثار المصلحة الجزئية على القياس المطرد، وإن الاستحسان بذلك يتقارب مع المصالح المرسلة ، ولكن الشاطى يقول : - ٣٨٢ - (فإن قيل هذا من باب المصالح المرسلة ، لا من باب الاستحسان، قلنا نعم، إلا أنهم صوروا الاستحسان تصوير الاستثناء من القواعد، بخلاف المصالح المرسلة)) (١). ومعنى هذا الكلام أن الاستحسان استثناء جزئى فى مقابل دليل كلی يتخلف فى بعض الأجزاء، أما المصالح المرسلة فإنها تكون حيث لا يكون ثمة دليل سواها . وإنا نجد أن إيثار المصلحة الجزئية هو بلا ريب أخذ بمبدأ المصالح المرسلة، ولذلك يقول علماء المالكية إنه إيثار للاستدلال المرسل على القياس ، فهذه المصلحة هى من عموم المصالح المرسلة وغير المرسلة ، ومؤدى الأخذ بها ينتهى إلى أن المصلحة تعمل فى حالين : (الحال الأولى) حيث لا يكون فى الموضوع قياس فيه حمل على نص، وفى هذه الحال تكون هى الدليل وحدها ، وهى عند مالك أصل قائم بذاته سار فى فقهه على منهاجه وسنبين ذلك فيما يأتى من بحثنا. (الحال الثانية) إذا كان ثمة قياس ، ووجد أن طرد القياس يوقع فى مشقة، أو ضيق، أو يدفع مصلحة، فإنه يترخص فى ترك القياس لهذا النفع المجتلب، ولذلك الضرر المجتنب ، وسمى ذلك النوع الذى قوبل بالقياس استحساناً . وينتهى الأمر إلى أن مالكا قد أخذ بالقياس ، ولكنه جعله محكوماً بالمصلحة الكلية والجزئية، فلا يطبقه إلا حيث ثبت ألاضرر فى تطبيقه، وإلا تركه ، فالأساس عنده المصلحة يسير القياس تحت سلطانها ؟ ولذلك كان منطق الفقه المالكي المصلحة كما سنوضح. ١٨٠ - ولقد ثار الشافعى تلميذ مالك - رضى الله عنهما - على شيخه لهذا، وسمى ترك الدليل للمصلحة ، الأخذ بمبدأ المصلحة المجرد ، من غير (١) الاعتصام = ٢ ص ٠٣٢٤ - ٣٨٣ - محاولة الحمل على النصوص - استحساناً ، وحمل عليه مفنداً ناقداً ، وعقد له كتاباً قائماً بذاته فى (الأم ) سماه كتاب إبطال الاستحسان . ولقد بنى إبطال الاستحسان: (أولا) على أن الشارع الإسلامى ماترك أمر الإنسان سدى ، بل جاء فى الشريعة بما فيه صلاحه، ونص على الأحكام الشرعية الواجبة الاتباع وما لم ينص عليه قد أشير إليه ، وحمل المنصوص بالقياس ، فلا شىء لم يبينه الشارع، وترك بيانه الاستحسان ، وإلا كان ثمة نقص فى البيان . (ثانياً) لأن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا نزلت به حادثة لم يجد فيها نصاً ولا حملا على نص ، وسكت ، حتى ينزل وحى بالبيان، كما فعل عندما جاءه من ينكر نسب ولد جاءت به امر أته فسكت حتى نزلت آية ، اللعان، لأنه لم يجد نصاً، ولا حملا على نص ، فانتظر، ولو كان الإفتاء بغير النص أو الحمل عليه جائزاً من أحد لجاز من النبى صلى الله عليه وسلم. (ثالثاً) أن الله سبحانه وتعالى أمر بإطاعته سبحانه وتعالى وإطاعة رسوله ، وذلك باتباع ما جاء فى كتاب الله تعالى، ثم ما جاء فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن نص فيهما كان الاتباع بالحمل على النص فى أحدهما، والاستحسان ليس واحداً منهما. (رابعاً) أن النبى يب الي قد استنكر تصرف من اعتمد على استحسانه من الصحابة ، لأنه لم يعتمد على نص . ( خامساً) أن الاستحسان لا ضابط له ، ولا مقاييس يقاس بها الحق من الباطل ، فلو جاز لكل مفت أو حاكم أو مجتهد أن يستحسن فيما لا نص فيه لكان الأمر فرطاً ، ولاختلفت الأحكام فى النازلة الواحدة على حسب استحسان كل مفت ، فيقال فى الشىء ضروب من الفتيا والأحكام، وما هكذا تفهم الشرائع ولا تفسر الأحكام الدينية (١). (١) هذه الأدلة فى كتابنا الذى كتبناه فى الشافعى ص ٠٣٤٠ - ٣٨٤ - ١٨١ - هذه نظرات الشافعى إلى الاستحسان الذى أكثر منه المالكيون وهى ، نظرات تختلف كما رأيت عن نظرات الشافعى، وأساس الاختلاف أن الشافعى قيد نفسه فى كل مسألة يفتى فيها بالنص ، فإن لم يكن نص مبين ، فالحمل على النص ، وذلك بالقياس فلا شىء غير النص عند الشافعى فى كل مسألة يفتى فيها ، أما مالك رضى الله عنه، فقد نظر فى الشريعة نظرة كلية فوجدها تتجه فى لبها وفى مقاصدها ، إلى مصالح الناس ، ودفع المضار فإن كانت مصلحة مؤكدة من غير ضرر يلحق بأحد، فهناك الطلب المؤكد، وإن كان هناك ضرر مؤكد فهناك المنع المؤكد ، وهذه النظرة الكلية تضافرت عليها طائفة من النصوص مثل قوله تعالى: (( ما جعل عليكم فى الدين من حرج))، ومثل قوله تعالى: ((يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر»، وقوله عليه السلام: ((لاضرر ولا ضرار))، والنظرة الفاحصة لأى حكم شرعى ، تكشف أن المصلحة ودفع المضرة ملاحظان فيه مقصودان منه . وإذا كان كذلك فكل أمر فيه مصلحة ، أو دفع مضرة مطلوب من الشارع سواء أنص عليه أم لم ينص ، لأنه فى النص العام ، وإن لم يوجد النص الخاص . فمالك إذ أفتى بالمصالح المرسلة، أو على حد تعبير المالكيين بالاستدلال المرسل فقد أخذ بالأصل العام الثابت من الاستقرار والتقبع ، وليس الاستحسان عند مالك إلا شعبة من شعب الاستدلال المرسل ، كما نوهنا ، هذا وسنبين ذلك الأصل العام ووجوه أخذه عندالكلام فى المصالح المرسلة إن شاء الله تعالى وهو المستعان. ٨ - الاستصحاب ١٨٢ - هذا أصل من أصول الاستنباط الفقهى، وإن كان غير متسع الأفق كسائر الأصول، وهو فى جملته أصل سلبى لا أصل إيجابى، أى أنه -- ٣٨٥ - ينشأ عنه بعض الأحكام ، لا يإثبات شرعى بدليل مثبت ، ثُثبت فيه الأحكام لعدم وجود الدليل المغير المثبت خلاف الحال الثابتة من قبل. . . وقد عرفه ابن القيم بأنه استدامة إثبات ما كان ثابتاً، أو نفى ما كان منفياً، أى بقاء الحكم الثابت نفياً أو إثباتاً، حتى يقوم دليل على تغيير الحالة، فهذه الاستدامة لم تثبت بدلیل إيهابی، بل ثبقت لعدم وجود دليل مغير. ولقد عرفه القرافى بما لا يخرج عن هذا المعنى، فقال: ((الاستصحاب معناه اعتقاد كون الشىء فى الماضى أو الحاضر يوجب ظن ثبوته فى الحال، أو الاستقبال ، (١). أى أن ثبوت الحكم فى الماضى، والعلم به يجعل الشخص يغلب على ظنه أنه مستمر فى المستقبل كمن ثبتت له الملكية بسبب من أسبابها بالبيع أو الميراث ، فإن الملكية تستمر إلى أن يوجد ما ينفيها، وکمن علمت حياته فى زمن معين ، فإنه يغلب على الظن وجوده فى الحاضر والمستقبل، حتى يقوم الدليل على غيره، فيحكم باستمرار حياته ، حتى يوجد ما يثبت الوفاة، فالمفقود يحكم بحياته ، حتى يوجد ما يدل على وفاته، أو تقوم الأمارات التى توجب غلبة الظن بأنه توفى ويحكم القاضى بالوفاة. ١٨٣ - وقال القرافى إن الاستصحاب حجة عند مالك، والموفى من أصحاب الشافعى ، وذكر أنه خالف فى ذلك الجنفية ، ثم ذكر أن الدليل على كونه حجة أن غالب الظن أن الحال القائمة تستمر قائمة ، حتى يوجد ما ينفيها ، والظن الغالب حجة فى العمل كالشهادات ، فإنها تثبت (١) تنقيح الفصول ص ١٩٩، وقد جاء فى حاشية الأزميرى عدة تعريفات للاستصحاب ، منها أنه جعل الأمر الثابت فى الماضى باقياً فى الحال لعدم العلم بالمغير، ومنها أن الحكم بثبوت أمر فى الزمان الثانى بناء على ثبوته فى الرمان الأول ، وهكذا ذكر تعريفات أخرى فى هذا المعنى . (٢ ٥ ٠٢- مالك) ٠ ٣٨٦ - ظناً راجحاً، وهى حجة ملزمة للكافة . ولو أهملت، ولم يعمل بها، تضيع حقوق، إذ لا يكون طريق لإثباتها. فالاستصحاب على هذا حجة عند مالك ما لم يقم دليل يعارضه ، فإذا كان شخص مفقود لا تعلم حياته ولا موته، يعطى حكم الأحياء ، حتى يحكم القاضى بموته ، وله حكم الأحياء فى الفترة التى تكون بين الفقيد والحكم بالموت. ولقد ذكر الفرافى أن الحنفية يخالفون المالكية فى ذلك ، وبعضهم لم يعتبر الاستصحاب حجة أصلا، ولكن البراءة الأصلية أصل ثابت يعتمد عليه، وكذلك إذا ثبتت المالكية لا تزول إلا بسبب مزيل، وهكذا،. وكل هذا أخذ باستصحاب الحال، لذلك قال الأكثرون من الحنفية مخالفين أولئك ، إن استصحاب الحال حجة للدفع، وليس بحجة الإثبات ، ولذلك أجازوا الصلح مع الإنكار ، مع أن المدعى يأخذ البدل، ويكون حلالا، فى حين أن الحق لم يثبت ، ولو كان الاستصحاب حجة ملزمة للدفع والإثبات ما كان ذلك الصلح جائزاً؛ لأنه مادام لم يقم الدليل، فدليل المدعى عليه على الملكية ثابت باستصحاب الحال، ولكن الحنفية الذين جوزوا ذلك الصلح قالوا إن الإنكار، وأصل البراءة ، يصلح حجة لعدم لزوم الحق وهو دفعه ، ولكن لاتتعدى فتلزم الخصم به، وعلى ذلك يكون كلاهما يصالح عن حق محلل فى اعتباره، فالمدعى يصالح عن حقه الذى لم يقم دليل ملزم له على بطلانه هو، وإن كان قد عجز عن إثباته , والمدعى عليه، يصالح ليفتدى نفسهمن اليمين، ولكى يقطع النزاع، ويستريح من الخصومة ولجاجتها. وقد فسروا معنى كلمة الدفع دون الإثبات ، بأنه غير مثبت حكماً شرعياً يكون حجة على غيره، بل يكون حجة لدفع استحقاق شىء عليه، وقد فسر هذا التعبير ابن القيم تفسيراً عاماً فقال: ومعنى ذلك أنه يصلح لأن يدفع به من ادعى تغيير الحال ، لإبقاء الأمر. - ٣٨٧ - على ما كان ، فإن بقاءه على ما كان ، إنما هو مستند إلى موجب الحكم لا إلى عدم المغير ، فإذا لم تجد دليلا نافياً ولا مثبتاً، أمسكنا لا تثبت الحكم، ولا ننفيه ، بل ندفع بالاستصحاب دعوى من أثبته ، فيكون حال المستمسك بالاستصحاب كحال المعترض مع المستدل ، فهو يمنعه الدلالة حيث يثبتها، لأنه يقيم دليلا على نفى ما ادعاه، وهذا غير حال المعارض، فالمعارض لون، والمعترض لون(١)، فالمعترض بمنع دلالة الدليل، والمعارض يسلم دلالته، ويقيم دليلا على نقيضه (٢)) . ١٨٤ - هذا تفسير ابن القيم لقول الحنفية إن الاستصحاب حجة الدفع، لا للإثبات ، وهو تفسير مقرب، من حيث الاستدلال المنطقى ، ومن حيث وجوب الحقوق بالاستصحاب ، فالذى يقولونه إن الاستصحاب حجة لبقاء الحقوق المقررة الثابتة من قبل ، وليس بسبب موجب لحق يكتسب ويضربون لذلك مثلا بحال المنكر فى الدعوى، إنكاره لدعوى المدعى ، لا يكسب حقه قوة ، ولكن يمنع ثبوت حق المدعى ، وبالمفقود فإنه فى الفترة التى تكون بين غيابه والحكم بموته ، يعتبر حياً بالنسبة لما هو ثابت له من أمواله، فلا تورث عنه، قبل الحكم ، ولكن حياته ثابتة بالاستصحاب، فيثبت به الحق المقرر ، ولا يكتسب بهذه الحياة الثابتة بالاستصحاب أموالا جديدة ، فلا يرث من قريب له قد مات قبل الحكم بالموت ، وبعد الغيبة، لأن الاستصحاب مايثبت به لا يأتى بحق جديد، ولكن بمنع إبطال الحقوق (١) معنى هذا الكلام أن المستمسك بالاستصحاب يستمسك بالأصل الذى كان ثابتاً ، وأنه لم يقم دليل على نفيه ، فهو لا يقيم دليلا على صحة ما يدل عليه ، ولكن يرد به كل مدع للتغيير ما لم يكن مغيراً فعلا، حاله كحال المعترض على التغيير ، وليس كحال المعارض الدليل بالدليل ، إذ المعارض يأتى بدليل مناهض لخصمه ، وأما المعترض فيمنع فقط دليل الخصم ، حتى يثبت كل مقدماته. (٢) إعلام الموقعين ج ١ ص ٠٢٦٤ - ٣٨٨ - الثابتة ، ويتفق مالك مع الحنفية فى أحكام المفقود هذه(١)، ولذلك نقول إن رأيه يقارب رأى الحنفية، مخالفين ابن القيم وغيره .. ١٨٥ - ولقد قسم بعض العلماء الاستصحاب إلى قسمين: (أحدهما) . استصحاب البراءة، وهو بقاء الذمة على ما كانت عليه، حتى يقوم الدليل المثبت حقاً :كحال المنكر للدعوى، حاله حال استصحاب البراءة، وحصر ابن القيم خلاف الفقهاء فيه، فقال إن الحنفية يجعلونه الدفع دون الإثبات ومالك والشافعى وابن حنبل يأخذون به حجة مطلقة . ( والقسم الثانى) استصحاب الوصف المثبت للحكم، حتى يثبت خلافه ، وقال ابن القيم إنه حجة لم يتنازع الفقهاء فيه ، ولكنا نخالف ابن القيم ، فإن الحنفية قالوا إن استصحاب الوصف حجة للدفع دون الإثبات ، أی أن الوصف يثبت باستصحاب الحال، ولكن لا يثبت به حق جديد ، بل يستمر به الحق القديم كحياة المفقود قبل الحكم بموته ، فإنها وصف ثابت بالاستصحاب ، ولكنه عند الحنفية لا يوجب حقاً جديداً فلا يرث ولكن يستقر به الحق القديم فلا تنتقل أمواله إلى ورثته .. ومع مخالفتنا لابن القيم فى هذا، وموافقتنا لمن قال إن الحنفية خالفوا فى نوعى الاستصحاب المذكورين ، ننقل لك كلامه لأنه مصور للموضوع، وإليك كلامه : (( استصحاب الوصف المثبت للحكم، حتى يثبت خلافه، وهو حجة ، كاستصحاب حكم الطهارة، وحكم الحدث ، واستصحاب بقاء النكاح ، وبقاء الملك ، وشغل الذمة بما تشغل به ، حتى يثبت خلاف ذلك ، وقد دل الشارع على تعليق الحكم به فى قوله فى الصيد: « وإن وجدته غريقاً فلا تأ كله، فإنك لا تدرى الماء قتله أم سهمك؟، وقوله: ((وإن خالطها كلاب من غيرها، فلا تأكله، فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره)، ٠ (١) راجع المدونة ص ١٣٥ ج ٦ طبعة الساسى. ٠ - ٣٨٩ - لما كان الأصل فى الذبائح التحريم ، وشك هل وجد الشرط المبيح أم لا - بقى الصيد على أصله فى التحريم ، ولما كان الماء طاهراً فالأصل بقاؤه على طهارته ولم يزلها الشك ، ولما كان الأصل بقاء المتطهر على طهارته لم يأمره بالوضوء مع الشك فى الحدث ، ولما كان الأصل بقاء الصلاة فى ذمته أمر الشاك أن يبنى على اليقين أو يطرح الشك» . ولا يعارض هذا رفعه للنكاح المتيقن يقول الأمة السوداء إنها أرضعت الزوجين ، فإن أصل الإبضاع على التحريم، وإنما أبيحت الزوجة بظاهر الحال مع كونها أجنبية ، وقد عارض هذا الظاهر ظاهر مثله أو أقوى منه، وهو الشهادة فإذا تعارضتا تساقطتا ، وبقى أصل التحريم لا معارض له ، فهذا الذى حكم به التى مِنَّ اللّ هو عين الصواب ، وهذا محض القياس، وبالله التوفيق، ولم يتنازع الفقهاء فى هذا النوع (١). وإنما تنازعوا فى بعض أحكامه ، لتجاذب المسألة أصلين متعارضين ، مثاله أن مالكا منع الرجل (إذا شك أحدث أم لا) من الصلاة ، حتى يتوضأ؛ لأنه وإن كان الأصل بقاء الطهارة ، فإن الأصل بقاء الصلاة فى ذمته، فإن قلتم لا تخرجه من الطهارة بالشك ، قال مالك ، ولا ندخله فى الصلاة بالشك . فيكون قد خرج منها بالشك، فإن قلتم تيقن الحدث قد ارتفع بالوضوء فلا يعود بالشك ، قال منازعهم ، ويقين البراءة الأصلية قد ارتفع بالوجوب فلا يعود بالشك ، فأين هذا من تجويز الدخول بالشك(٢). (١) فى كل المسائل التى ذكرها يتفق الحنفية مع غيرهم، لأن الاستصحاب قد كان دافعاً فيها كلها ، ولم يكن حجة موجبة لحقوق لم تكن ثابتة من قبل ، فاتفاقهم ليس لاتفاق النظر فى أصل حجية الاستصحاب فى الوصف ، بل لأن استصحاب هذه الأوصاف لم يتجاوز أنه أبقى الحقوق المقررة من قبل ، ولم ينشىء جديداً . (٢) فى هذا ترى مالكا بين استصحابين استصحاب الطهارة ، فـ استصحاب شغل الذمة ، فرجع جانب الثاني . - ٣٩٠ - ومن ذلك لو شك هل طلق واحدة أو ثلاثاً، فإن مالكا يلزمه بالثلاث، لأنه تيقن طلاقاً . وشك هل هو مما تزيل أثره الرجعة أم لا ؛ وقول الجمهور فى هذه المسألة أصح، فإن النكاح متيقن ، فلا يزول بالشك ، ولم يعارض بقین النكاح إلا شك محض ، فلا یزول به ، وليس هذا نظير الدخول فى الصلاة بالطهارة التى شك فى انتقاضها فإن الأصل هناك شغل الذمة ، وقد وقع الشك فى فراغها، ولا يقال هنا إن الأصل التحريم بالطلاق ، وقد شككنا فى الجل، فإن التحريم قد زال بنكاح متيقن ، وقد حصل الشك فيما يرفعه، فان قيل هو متيقن للتحريم بالطلاق ، شاك فى الحل بالرجعة ، فكان جانب التحريم أقوى ، قيل ليست الرجعة بمحرمة وله أن يخلو بها ... ولو سلم أنها محرمة فقولكم إنه متيقن للتحريم إن أردتم به التحريم المطلق، فإنه غير متيقن ... ولم يستلزم أن يكون بالثلاث)) (١). ويظهر أن مالكا رضى الله عنه يجعل للشك حكما فى الأبضاع، فيرجع جانب الشك، ويجعل له أثراً ترجيحاً لجانب الحرمة فى الأبضاع الذى هو الأصل، وقد أحسن ابن القيم فى نقض ذلك النظر ، وأجاد . ١٨٦ - وخلاصة القول أن مالكا رضى الله عنه يأخذ بالاستصحاب حجة ، والقرافى، وابن القيم، وغيرهما ، يفرضون خلافاً بينه وبين الحنفية، ولكن المستقرى لفروع المذهبين يجد أن كليهما لا يفترق عن الآخر كثيراً فى حجية الاستصحاب ومقدار الاحتجاج به ، وقد رأيت أنهما يتحدان فى الحكم فى استصحاب حياة المفقود ، فيجعلانها مقررة لما ثبت أولا ، وليست مثبتة لحق جديد، وخالفهما فى ذلك الشافعى . (١) إعلام الموقعين - ٢ ص ٢٩٦؛ وقد وجدنا فرع الطلاق فى المدونة ٧٦ ص ١٣. - ٣٩١ - ٩ - المصالح المرسلة ١٨٧ - تميل الكثرة الغالبة من علماء الأخلاق إلى أن المقياس الضابط لكل ما هو خير وشر هو المنفعة التى تكون من عمل العامل ، فإن كان العمل فيه منفعة لامضرة فيه لأحد فهو خير والقيام به من الفضائل، وإن كان العمل فيه منفعة لبعض الناس ، ومضرة لآخرين ، فهنا يكون تضارب المنافع وتعارضها ، وفى هذه الحال يكون الخير فى ترك المنافع الصغيرة للحصول على المنفعة الكبرى، أو فى ترك منفعة مؤقتة لنيل منفعة دائمة ، أو فى ترك منفعة مشكوك فيها لنيل منفعة محققة . والقائلون ذلك القول يعمدون مقياسهم ، فيشمل القوانين والآداب ، أو سياسة الدولة والأخلاق الفاضلة، وذلك لأن غاية الأخلاق والقوانين واحدة، وهى إسعاد الأمة ، ولكن الأخلاق تتصل بسعادة الآحاد وتربية نفوسهم من غير جزاء ، والقوانين تنظم علاقات الناس بعضهم مع بعض فيما يتناوله القضاء بالأحكام المادية الظاهرة التى تشتمل فى ثناياها على جزاء مادى ينال من يخالفه، وإن شئت أن تعلم الفرق بين السياسة والأخلاق ، أو القانون والآداب، فهو أن الحكم الخلقى يعم الظاهر والباطن، وإن كان لا جزاء له ، وأما القانون فهو مقصور فى أحكامه على الظاهر ، وله جزاء مادى يقع على من يخالفه، وهو جزاء دنيوى لا أخروى ، وعلى ذلك لا تنفصل الأخلاق عن السياسة ، أو القانون ، ولا يصح أن يقال إن ذلك قبيح فى الأخلاق ، حسن فى القانون أو السياسة ، اللهم إلا إذا صح فى الأذهان أن قواعد الحساب صحيحة فى أكثر الأحوال ، باطلة فى بعضها، لأن مقياس الحق والباطل كمتلك القواعد لا يتخلف ، وإن ذلك المقياس وهو المنفعة يستقيم ميزاناً فى الآداب والقوانين معاً(١). (١) أصول الشرائع لبنتام ج ١ ص ٢٩ أخذ بتصرف. ۔ - ٣٩٢ - ١٨٨ - وإن الفقه الإسلامى فى جملته، أساسه مصالح الأمة، فما هو مصلحة فيه مطلوب جاءت الأدلة بطلبه ، وما هو مضرة منهى عنه؟ وتضافرت الأدلة على منعه ، وإن هذا أصل مقرر مجمع عليه من فقهاء المسلمين، فما قال أحد منهم إن الشريعة الإسلامية جاءت بأمرليس فى مصلحة العباد، وما قال أحد منهم إن شيئاً ضاراً فيما شرع للمسلمين من شرائع وأحكام ، بيد أن الخلاف فى هذا المقام إن كان لا يجىء على أصله ، قد يتناول التطبيق . فبعضهم يرى أن الشريعة قد اشتملت على بيان كل مافيه مصلحة للناس، ففى نصوصها المصلحة الكاملة ، وما لا يؤخذ منها بالنص يحمل على النص بالقياس وليش للمجتهد أن يتعرف المصلحة إذا لم يكن لها من الشرع شاهد بالاعتبار، وحامل لواء ذلك الرأى الشافعى، ولذلك حمل حملة شعواء على من يعتبر مصلحة ليس لها من الشارع شاهد، وسمى ذلك استحساناً ، وذلك الرأى ليس أساسه إهمال المصلحة، بل أساسه أن الله لم يترك الإنسان سدى، وفرض أن مصلحة تكون فى الوجود وليس لها من الشارع شاهد فرض يطوى فى ثناياه أن الله سبحانه ترك أمر الإنسان لنفسه، وذلك ما نفاه الله تعالى فى محكم آياته ، فقد قال تعالى: ((أيحسب الإنسان أن يترك (١) سدی» ويقارب الشافعى فى ذلك النظر الفقه الحنفى، ولکنه یوسع باب الجمل على النصوص أكثر من الشافعى ، ويتقبل بعض الأمور التى تتجافى فيها الأقيسة عن مصالح الناس ، فيسلك فيها سبيل الاستحسان الذى أكثر منه (١) راجع كتاب إبطال الاستحسان، ويلاحظ أن الاستحسان فى تعبير الشافعى يشمل ما يسمى في عرف الفقه بالمصالح المرسلة والاستحسان عند الحنفية والمالكية . - ٣٩٣ ١ أبو حنيفة حتى لقد كان أصحابه بنازهونه المقاييس، فإذا قال أستحق لم يلحق به أحد، والاستحسان من غير نص أو قياس خفى أخذ بالمصلحة .. أما مذهب مالك ومذهب أحمد فقد اعتبرا المصلحة فى الفقه أصلاً قائماً بذاته ، وقررا أن نصوص الشارع لم تأت فى أحكامها إلا بما هو المصلحة ، وما كان بالنص عرف به ، وما لم يعرف بالنص فقد عرف طلبه بالنصوص العامة فى الشريعة، مثل قوله عليه السلام: ((لا ضرر ولاضرار))، وقوله تعالى: (( ما جعل عليكم فى الدين من حرج)). فعلى هذين المذهبين يستطيع الفقيه أن يجل بأن كل عمل فيه مصلحة لا ضرر فيها، أو كان النفع فيه أكبر من الضرر مطلوب من غير أن يحتاج إلى شاهد خاص لهذا النوع من النفع ، وكل أمر فيه ضرر ، ولا مصلحة فيه، أو إنمه أكبر من نفعه، فهو منهى عنه من غير أن يحتاج إلى نص خاص . مع بل لقد زاد بعض الحنابلة والمالكية فخصص النصوص القرآنية والنبوية بالمصالح، إذا كان موضوع هذه النصوص من المعاملات الإنسانية، لا من العبادات . ولقد غالى فى الأخذ بذلك النحو من الفقه الطوفى الحنبلى ، فقال إن رعاية المصلحة إذا أدت إلى مخالفة حكم مجمع عليه ، أو نص من الكتاب والسنة ، وجب تقديم رعاية المصلحة بطريق التخصيص لهما بطريق البيان(١). × ١٨٩ - ولاشك أن الأخذ بهذا المنهاج الذى سلكه فقهاء المالكية والحنابلة يجعل الشريعة الإسلامية خصبة مثرية، منتجة مشبعة لحاجات (١) رسالة الطوفى الحنبلى المتوفى سنة ٧١٠٦ المنشورة بمجلة المنار بالمجلد التاسع. ص ٥ ٧٤: - ٣٩٤ - الناس فى كل عصر وفى كل مكان ، وإنا لنختار ذلك المسلك على تحفظ ، فلا نبالغ كما بالغ الطوفى ، أو على التحقيق لن نجد مصلحة مؤكدة خالفت مخالفة مؤكدة نصاً شرعياً ، أو أمراً أجمع عليه فقهاء المسلمين ، فإن كنا تخالف الطوفى فى شىء، فإنما نخالفه فى أنه فرض أن ثمة مصلحة يستيقن العقل . البشرى بوجودها فى أمر، ويكون من النصوص ما يمنع رعايتها ، أو أجمع العلماء على نقيضها (١). ولا شك أن مذهب المالكية، ومثله مذهب الحنابلة ، بنحوان ناحية الحكم بأن أوامر الدين والأخلاق والقوانين تتجه إلى إسعاد الناس ، وأن المنفعة أو المصلحة تصلح مقياساً ضابطاً لكل ما هو مأمور به فى الدين ، أو منهى عنه، كما أنها فى نظر الفلاسفة الذين يقررونها ، مقياس الفضيلة والرذيلة فى الأخلاق ، والعدل والظلم فى القانون . ١٩٠ - وعندما أراد بعض الفلاسفة فى العصر الأخير أن يقرر أن مقياس الأخلاق هو المنفعة ، وجد أن من الواجب عليه أن يضبطها ويبين حدودها ، وأن يجردها من المعانى الفاسدة التى يفهمها الناس متصلة بها، فقال: ((لا بد من فهم عبارة المنفعة فهماً صحيحاً، لأننى أرى أن سوء فهمها أكبر عقبة فى قبول الناس إياها ، وأنها لو جردت من المعانى الفاسدة، أو على الأقل من أشدها فساداً، لبسطت ولزال كثير من عقباتها. ولهذا أرى قبل الدخول فى الأصول الفلسفية التى تستند إليها نظرية المنفعة أن أوضحها، فأبين ماهى، وأفرق بينها وبين ما ليس منها ، وأزيل الاعتراضات الواردة عليها ، بإظهار أن هذه الاعتراضات ناشئة من سوء فهمها، أو مرتبطة بسوه فهمها ، (٢) . (١) سنناقش رأى الطوفى فى موضعه من بحثنا . (٢) راجع ترجمة رسالة المنفعة لجون استوارت ميل ص ١٠ وقد ترجمها لطلبة مدرسة القضاء الشرعى أستاذنا المرحوم محمد عاطف بركات طيب الله ثراه. - ٣٩٥ س. وإذا كان سوء فهم عبارة المنفعة هو الذى أثار حولها مثارات كثيرة من الاعتراضات والنقد ، فالإبهام فى المراد من المصلحة عند بعض فقها. المسلمين هو الذى أثار اعتراضاتهم على اعتبارها أصلا فقهياً يعتمد عليه ، فضلا عن أن تكون المقياس الضابط الذى لا يقبل التخلف ، وأن يكون الاعتماد عليه فى معرفة حكم كل ما يحد من أحداث بنى الإنسان أمراً واجباً؛ ليكون الحكم متفقاً مع مرامى الإسلام وغاياته فى أمور المعاملات الجارية فى الحياة . ١٩١ - وقد وجدنا الذين يعترضون على الاستدلال بمجرد المصلحة، ولو كانت مرسلة، أو عارضت قياساً، يقولون إنها حكم فى الدين بالتشهى، فوجدنا الغزالى يقول فى بطلان الاستحسان الذى هو عند المالكية أخذ بالمصالح فى مقابل الأقيسة: «إنا نعلم قطعاً إجماع الأمة على أن العالم ليس له أن يحكم بهواه وشهوته من غير نظر فى دلالة الأدلة ، والاستحسان منغير. نظر فى أدلة الشرع حكم بالهوى المجرد (١). ويقول فى المصالح المرسلة: ((وإن لم يشهد الشرع، فهو كالاستحسان(٢). فالغزالى يرمى الأخذ بالمصالح المجردة التى لا يشهد لها الشارع بنص، أو تتضافر عليها أمارات بأنها أخذ بالتشهى ، وحكم بالهوى ، وإمام الحرمين من قبل الغزالى يعترض على الأخذ بالمصالح من غير بحث على شاهد، ويقول فيها تحكيم للعوام بحسب أهوائهم، فيأخذون بما يلائم هوام، وينفرون مما ينافره، والأحكام حينئذ تختلف باختلاف الأشخاص، (٣). ١٩٢ - ومن هذا ترى أن مهاجمة اعتبار المصلحة فى الفقه الإسلامى 5 (١) المستصفى الجزء الأول ص ٣٧٥ (٢) الكتاب المذكور ص ٢٦٤. (٣) هامش الموافقات ج ٢ ص ٢١٤ طبعة الدمشقى. - ٣٩٦ - مقياساً ضابطاً للأمر والنهى كانت لزعم أنها أخذ بحكم الهوى ، وحكم الملاءمة والمنافرة من غير ضابط محكم دقيق، فتكون الأحكام الشرعية خاضعة لحكم الهوى،وتختلف باختلاف الأشخاص، والبيئات والأحوال . ومن الغريب أن مذهب المنفعة منذ نبت فى الفلسفة اليونانية بعد سقراط ، كان يهاجم هذه المهاجمة نفسها ، بل بعبارات أقسى منها ، فإن كثيرين من ذوى العقول الراجحة من الفلاسفة قالوا: « إن الحكم بأن الحياة ليس لها غاية فاضلة أكثر من المنفعة أو اللذة - على حد تعبير هم - حط من شرف الإنسان، ولا يليق إلا بالخنازير التى كان يشبه بها أتباع أبيقور فى الأزمان الغابرة، وكلما اعترض على الأبيقوريين بهذا الاعتراض أجابوا بأن المعترضون هم الذين يحقرون الإنسان ويحطون من شرفه، لأن مبنى اعتراضهم على أنه ليس مستعداً لمنفعة أو لذة أرقى من اللذة التى يتمتع بها الخنازير .. إن لذات البهائم لا تتفق مع صورة السعادة الإنسانية، فالإنسان متمتع بقوة أرقى من شهوات الحيون وبمجرد تنبه إلى تلك القوى لا يرى السعادة إلا فيما يغذيها)، (١). وإن هذا بلا شك يتجه إلى الناحية التى منها هاجم الشافعى، والغزالى، وإمام الحرمين ، اعتبار المصلحة دليلا فقهياً دائماً بذاته من غير استعانة بالنصوص للشهادة له ، إذا لم يكن فى الموضوع نصوص ، فقد كان هؤلاء يهاجمون المصلحة بأنها حكم بالتشهى أو مجرى الهوى، أو مجرد الملاءمة والمنافرة. ١٩٣ - ولكن مذهب المنفعة هوجم فى البلاد الأوربية بعد أن (١) رسالة المنفعة ص ١٣، وأبيقور فيلسوف يونانى مات سنة ٢٧٠ قبل الميلاد كان يرى أن مقياس الفضيلة المنفعة الشخصية بأرقى صورها ، وهذا غير ما يراه بتنام وميل ، فهما يريان المنفعة لأكبر عدد بأكبر قدر .. . : ١ ٣٩٧ - اعتنقت المسيحية، من ناحية لم يهاجم مذهب المصلحة فى الإسلام من ناحيتها، وهو أن الأخذ بالمصلحة أو المنفعة قد يتنافى مع مبدأ الوهد الذى يدعو إليه التدين المسيحى، ولذلك حاول الكتاب الأوربيون الذين ناصروا مذهب المنفعة التوفيق بين الزهد والمنفعة، قالوا: ((إن من النبل أن يقدر الإنسان على التخلى عن نصيبه من السعادة، ولكن هذه التضحية لابد أن تكون لغاية ؛ لأنها ليست غاية لنفسها، وإن قيل لنا إن غايتها ليست السعادة، بل شىء آخر أرقى منها، وهو الفضيلة، فإننا نسأل هل يمكن أن يأتى البطل أو الزاهد بهذه التضيجية، إن لم يعتقد أنها توفر على من عداه تضحية مثلها؟ وهل يمكن أن يأتيها لو ظن أن تركه لسعادة نفسه لا يأتى بثمرة لأى إنسان آخر وإنما يجعل نصيبهم من الحياة مثل نصيبه منها، إن كل الشرف الذى يناله من يحرمون أنفسهم أذات الحياة، إنما يكون إذا كان هذا الحرمان سبباً لتمتع الآخرين بسعادتهم فى هذه الدنيا ، أما من محرم نفسه لأى سبب آخر فلا يستحق شيئاً من الاحترام ، نعم يمكن أن يكون عمله دليلا على مبلغ قدرة الإنسان على العمل، ولكنه من غير شك لا يكون مثالا لما ينبغى أن يعمل .. إنه مما يرجع إلى نقص الدنيا، وضعف نظامها، أن يكون أحسن طريق يمكن الإنسان أن يسلكه إلى مساعدة غيره على السعادة ، هو تضحية سعادته تضحية تامة ، ولكن ما دامت الدنيا فى هذا النقص ، فإنى أفرر أن الاستعداد لتلك التضحية أكبر فضيلة تمكن توجد فى الإنسان )، (١) . وليس فى الفقه الإسلامى أمثال هذه المجاوبة بين المؤيدين لاعتبار المصلحة أصلا للأوامر والنواهى والمعارضين ؛ لأن الزهد المجرد ليس فى (١) رسالة المنفعة، وفى هذا الجزء منها بحث قيم فى الزهد ، ومتى يكون فضيلة . وكيف يكون طريقاً للسعادة الشخصية والسعادة الإنسانية العامة ص ٢٨ وما يليها . : -٣٩٨ - الإسلام، إنما الزهد فى الإسلام هو العمل الإيجابى لنفع الآخرين، ولو بترك السعادة الشخصية، كما كان يفعل الزهاد الأولون فى الإسلام ، أبو بكر وعمر وعثمان وعلى، وغير هم من الصدیقین والشهداء ، لأنه ليس فى الإسلام تعذيب الجسم لتطهير الروح، بل تقوية الجسم: ليقوم بواجب (الروح .... ١٩٤ - بعد أن بينا وجه المشابهة بين تلقى بعض فقهاء المسلمين لاعتبار المصلحة أصلا فقهياً، وبين تلقى الحكماء والفلاسفة من أقدم العصور إلى اليوم اعتبار المنفعة المقياس الضابط للخير والشر، نتجه إلى بيان المصلحة المعتبرة وموضعها ، ونعتقد أن بيانها إزالة للأوهام التى علقت بها، كما فعل أنصار مذهب المنفعة فى العصور الحديثة، إذ توجهوا إلى بيان حقيقتها ليزيلوا ما علق بها من أوهام أثارت أفكار المعترضين . × ١٩٥ - يقرر فقهاء الإسلام أن التكليفات الإسلامية قسمان: قسم يتصل بالعبادات ، وهى تنظيم العلاقة بين الإنسان وربه ، وقد قرروا أن الأصل فى هذا القسم التعبد، فالنصوص فيه غير معللة فى جملتها أو على التحقيق لا يلتفت الشخص فى العبادات إلى البواعث والغايات التى من أجلها كانت ، ويبنى عليها أشباهها فلا يفرض المكلف على نفسه عبادة لم يفرضها الشارع، لاتحادها مع ما نص عليه فى الباعث المتلمس، أو الحكمة المناسبة ، ومع ذلك المنع ، فإنه من الواجب على المسلمين الإيمان بأن هذه التكليفات المتصلة بالعبادة فى مصلحة الإنسان ، وإن لم يكن له أن يشرع بالحكمة أو المصلحة أو البواعث - مثلها ، بل عليه أن يقف فيها عند النصوص ، ولما تشير إليه ، وما يحمل عليها من غير تزيد. أما القسم الثانى من التكليفات ، فهو ما يتصل بمعاملة بنى الإنسان بعضهم مع بعض وهو ما يسمى فى اصطلاح الفقهاء بالعادات ، وإن الأصل فى ذلك القسم هو الالتفات إلى المعانى والبواعث التى شرعت من أجلها - ٣٩٩ - الأحكام باتفاق الفقهاء فإن التكليفات فى هذه الأمور، إنما كانت لتكوين مدينة إسلامية فاضلة ، أساسها العدل والفضيلة. ولقد أثبت الشاطى فى الموافقات ذلك الأصل، وهو أن الالتفات فى العادات إلى المعانى بثلاثة أدلة : (أولها) الاستقراء - فإنا وجدنا الشارع قاصداًلمصالح العباد، والأحكام العادية تدور معها حيثما دارت ، فترى الشىء الواحد يمنع فى حال لا تكون فيه مصلحة ، فإذا كان فيه مصلحة جاز، كالدرهم بالدرهم إلى أجل يمتنع فى المبايعة، ويجوز فى القرض، وبيع الرطب باليابس يمتنع حيث يكون مجرد غرر ، وربا من غير مصلحة، ويجوز إذا كانت فيه مصلحة راجحة ، وقال تعالى ((ولكم فى القصاص حياة يا أولى الألباب)) وقال: ((ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وفى الحديث: ((لايقضى القاضى، وهوغضبان)) وقال: ((لاضرر ولاضرار)، وقال ((القاتل لا يرث، ونهى عن بيع الغرر، وقال: (( كل مسكر حرام))، وقال تعالى: ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله، وعن الصلاة، إلى غير ذلك مما لا يحصى من الأحكام والنصوص، وكلها يشير، بل يصرح باعتبار المصالح أساساً للاذن والنهى، وأن الإذن دائر معها أينما دارت . (الدليل الثانى) أن الشارِّع توسع فى بيان العلل والحكم فى بيان أحكام المعاملات بين الناس، والأمور العادية بينهم، وأكثر ما علل به الحكم المناسبة التى تتصل بالمصالح ، والتى تتلقاها العقول بالقبول ، ففهمنا من ذلك أن الشارع قصد فيها اتباع المعانى، لا الوقوف مع النصوص ، بخلاف باب العبادات ، فإن الثابت فيها غير ذلك ، فلا تثبت عبادة إلا بنص . (الدليل الثالث) أن الالتفات إلى المعانى وهى المصالح، كان قائماً فى أزمان لم يكن فيها رسل ، أى الفترات بين رسول ورسول ، حتى جرت بذلك مصالحهم، فاستقامت معايشهم فى الجملة ، إلا أنهم قصروا فى جملة من ٤٠٠٠- · التفعيلات فيجاءت الشريعة لتم مكارم الأخلاق، وأكمل العادات، ولهذا أقرت الشريعة جملة من الأحكام التى جرت فى الجاهلية، كالدية ، والقسيامة؛ والقراض (١)، وأشباه ذلك مما كان عند أهل الجاهلية محموداً، وما كان من محاسن العادات ومكارم الأخلاق التى تقبلها العقول، وهى كثيرة(٢) . ١٩٦ - والمغانى الملاحظة فى شرعية الأمور العادية فى الشريعة هى المصالح ، ولكن ما حقيقة هذه المصالح وما كنهها ، وما الذى يعد منها مقياساً للأمر والنهى بحيث يعرف الإذن به عند تأكده، والنهى عند وجود ضده؟ إن المصلحة التى جعلت أساساً لهذا الحكم الدينى فى الشرع الإسلامى، هى التى تتفق مع مقاصده، ومقصد الشرع الإسلامى حفظ الأمور الخمسة المتفق على وجوب حفظها، وهى: النفس، والعقل، والمال، والنسل، : والعرض. فقد اتفقت الملل على وجوب حفظها، وتضافرت عليه ، بل قد اتفقت العقول كلها على أن الجماعة تقوم على رعاية هذه الأمور وحفظها ، وقد ذكر الغزالى أنها لم تبح فى ملة قط . ونحن نقول إنها لم تبح فى قانون محترم قط ، سواء أ كان قانوناً يستمد من الدين، أم كان قانوناً أنشأه العقل كقانون سولون الآتينى . ولقد قسم علماء الأصول الأعمال بالنسبة للمحافظة عليها إلى ثلاثة. أقسام، وبنوا المطالبة على أساس ترتيبها، وهى الضروريات ، والحاجيات، والتحسينات ... فالضرورات ما لا بد منها فى قيام مصالح الدين والدنيا ، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدين على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة ، والمحافظة (١) القراض هو شركة المضاربة، وهى التى يكون المال فيها من بعض الشركاء ، والعمل على غيره، والشركة فى الريح .. (٢) الموافقات للشاظى الجزء الثانى ص ٢١٣ من طبعة الشيخ منير الدمشق. 1.