Indexed OCR Text

Pages 261-280

- ٢٦١ -
أبوابها والحقيقة أنه رتبها ، أو على التحقيق رتب أكثرها، وخلط بها أقوال
أصحاب مالك التى هى آراء لهم ، وخبر ذلك فى المدارك ، فقد جاء فيه: ))
(نظر سحنون فيها نظراً آخر، فهذبها وبوبها ودونها، وألحق فيها من خلاف
أصحاب مالك ما اختار ، وذيل أبوابها بالحديث والآثار ، إلا كتباً مفرقة
منها بقيت على أصل اختلاطها فى السماع، (١).
٥٩- ما تقدم يتبين أن الأصل الذى قام عليه الفقه المالكي المعروف
اليوم هى المدونة وهى أصدق رواية، وأحرى بالقبول من حيث سماعها،
وأما المستخرجة من الواضحة ، أو كما يسميها ابن خلدون العتبية ، فقد
أحاطت ببعضها الريب كما ذكر القاضى عياض.
ولقد صرح ابن رشد الأندلسى بمكان المدونة من علم المالكيين، وجاء فى
فتاوى الشيخ عليش: ((عن أبى محمد صالح إنما يفتى بقول مالك فى الموطأ،
فإن لم يجده فى النازلة، فيقوله فى المدونة ، فإن لم يجده فيقول مالك ابن القاسم
فيها، وإلا فقوله فى غيرها ، وإلا فبقول الغير فى المدونة ، وإلا فأفاويل
أهل المذهب)) (٢) .
ونقل أيضاً عن أبى الحسن الطنجى أنه قال: ((قول مالك فى المدونة
أولى من قول ابن القاسم فيها ، فإنه الأعظم ، وقول ابن القاسم فيها أولى من
قول غيره فيها ، لأنه أعلم بمذهب مالك ، وقول غيره فیها أولى من قول ابن
القاسم فى غيرها ، وذلك لصحتها )، (٣) .
٦٠ - وهناكأصل رابع نعرض له ، ولم يعرض له ابنخلدون، وهو
الموازنة، فإننا نذكرها، لأنها معدودة من الأصول، كما قيل: ((الأمهات
أربع: المدونة، والموازية ، والعتبية، والواضحة)).
(١) المدارك القسم الأول ص ٦٧٥ .
(٢) فتاوى الشيخ علیش ج ١ ص ٠٦١
(٣) فتاوى الشيخ عليش ج ١ ص ٠٦١
كاو

هناد.
- ٢٦٢ -
وقد ذكرنا العتبية ، وماقيل حولها ، وهى كيفما كانت قد استخرج بعضها
الواضحة، وزيد عليه، وفى الزيادة كلام كثير ، كما بينا ، والواضحة
لعبد الملك ابن حبيب ، كما ذكرنا فى ترجمته .
والموازية هى لمحمد بن إبراهيم بن زياد الاسكندرى المعروف بابن
المواز المتوفى سنة ٢٦٩ ، وقد جاء فى المدارك عن كتاب الموازية
مانصه هو أجل كتاب ألفه المالكيون: وأصحه مسائل، وأبسطه كلاماً،
وأوعبه، وذكرهم أبو الحسن القابسى، ورجحه على سائر الأمهات ، وقال
إن صاحبه قصد إلى بناء فروع أصحاب المذهب على أصولهم فى تصنيفه ،
وغيره إنما قصد لجمع الروايات ونقل نصوص السماعات ، ومنهم من ينقل
عنه الاختيارات فى شروح أفردها وجوابات لمسائل سئل عنها ، ومنهم
من كان قصده الذب عن المذهب ، فيما فيه الخلاف إلا ابن حبيب فإنه قصد
إلى بناء المذهب على معان تأدت إليه ، وربما قنع ببعض الروايات على مافيها ،
وفى هذا الكتاب جزء تكلم فيه على الشافعى ، بمسائل من أحسن كلام
وأقبله )، (١) .
٦١ - ولو أن لنا أن نأخذ من كلام القابسى وغيره موازنة بين
الكتب الثلاثة: المدونة، والموازنة ، والواضحة،التى كتبها ابن حبيب، والتى
كانت أصلا للجزء الصحيح من العتبية، فإن هذه الموازنة تنتهى إلى أن المدونة
مجموعة المسائل والفروع، وكانت العناية فيها إلى تصحيح الرواية ، وتوثيق
السماع أكثر من الاتجاه إلى وضع الأدلة ، وبيان أصول المسائل، والواضحة
كانت عناية ابن حبيب فيها ، باستخراج المعانى، والقواعد التى قامت عليها
الفروع ، وإنه ربما أغنته بعض الفروع فى ذلك ، فاكتفى یبعض الروايات
لأن مقصده أن يصل إلى المعانى التى لوحظت فى الأحكام ، فما يجد فى بعض
الروايات غناء فيه يكتفى فيه ، وإن لم يجد بحث حتى يصل، فمقصده المعانى،
(١) المدارك ص ٢٢ من القسم الثانى، والديباج ص ٠٢٣٣

- ٢٦٣ -
لا الأحكام نفسها . وأما الموازنة فقد قصد فيها إلى رد الفروع إلى أصولها،،
وبيان الأدلة للأحكام المأثورة فى الفقه المالكي، وما تعتمد عليه من الكتاب
والسنة والمصالح المعتبرة شرعاً، وقد يعرض فيها إلى الموازنة بين الفقه
المالكى والفقه العراقى، وفقه الشافعى ، ليذب على آراء مالك ، ويدافع عنها.
وإذا كانت تلك منازل هذه الكتب الثلاثة ، فالمدونة مكانها من نقل
المذهب، ولها الصدارة فى الرواية ، ولم ينازعها فى مكانها هذا كتاب ، لأن
الموازنة وإن كان لها اعتبار وفضل ، فليس من ناحية جودة سماعها ، ونقل
ماجاء فيها ، ولكن من ناحية الاستدلال ، وبيان الأصول للفروع، والأدلة
الأحكام .
وأما الرواية وحسن النقل ، وجودة السماع ، فللمدونة أولا ، وذلك
فضلها واعتبارها .
رواية المدونة
٦٢ - انتهينا من الكلام السابق إلى المدونة فيها الرواية المعتبرة
للمذهب أو بعبارة أدق هى أصح كتب الفروع فى الفقه المالكى رواية ،
وقد وجب علينا لهذا أن نتكلم فى روايتها ، وبيان استحقاقها لتلك المكانة
ومناقشة رواتها .
أصل هذه المدونة هى الأسدية التى دونها أسد بن الفرات بالتلقى عن
ابن القاسم ، فلا جل معر فتها نتعرف کیف کان أصلها .
وأصل ماجمعه ابن الفرات مايروى من أنه رحل إلى مالك، وتلقى
عليه ، ثم رحل إلى محمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة وأخذعنه كتبه، وتعلم
فقه العراقيين، ولما عاد إلى مصر كان مالك قد مات، وقد أراد أن يجمع بين
الفقه المالكى والفقه العراقى . فأتى بالمسائل التى اشتملت عليها كتب محمد.،،

- ٢٦٤ -
وأراد أن يعرف آراء مالك فيها ، فيجتمع له الفقهان، وإن مسائل الكتب
العراقية بعضها واقعى ، وكثير منها فرضى. وإن لم يكن بعيد الوقوع.
ولما لم يجد مالكا يرجع إليه، إذ كان قد توفاه الله، اختار تلاميذه
الذين عرفوا بطول ملازمته ، وصدق الرواية عنه ، وحسن التخريج على
أصوله، فانتهى إلى عبد الرحمن بن القاسم .
وقبل أن نخوض فى طريقة تلقيه عن ابن القاسم نذكر لك رواية رحلته،
فإنه يروى أنه عندما ذهب إلى مالك رضى الله عنه والتقى به ، أخذ يلقى عليه
المسائل، يتعرف أحكامها، حتى عرف مالك فيه رغبته فى التفريع ، فأوصاه
بأن يذهب إلى العراق ، فقد سأل، مالكا يوماً عن مسألة فأجابه ، ثم أخرى
فأجابه، ثم أخرى فأجابه ، فقال له حسبك يا مغربى إن أحببت الرأى ،
فعليك بالعراق ، فارتحل إلى محمد بن الحسن ، ولازمه ، ولقد طلب من مالك
أن يوصيه عندما هم بمفارقة مجلسه ، فقال له أوصيك بتقوى الله العظيم،
والقرآن ، ومناصحة هذه الأمة .
ولا شك أن هذه الرواية تدل على إخلاص أولئك العلماء فى طلب
الحقيقة وحسن إرشادهم لتلاميذهم ، فإنه لما رأى مالك فيه نزعة الفرض
والتفريع، وأن ذلك يحسن عند العراقيين أرشده إليه مخلصاً، ومحضه
نصيحة المؤمن التقى .
٦٣ - عاد أسد إلى مصر ، وأراد أن يجيب عن كل مسائل محمد فى
كتبه بأقوال مالك فيها، أو فى مثلها، فلجأ إلى تلاميذه، لجأ إلى ابن وهب،
فلم يجد عنده مطلبه؛ إذ كان يقصر إجابته على ما كان مروياً عن مالك ،
ولم يرو عن مالك الفتاوى فى كل ما اشتملت كتب العراقيين ، لأنه لم يفتح
باب الفرض والتقدير ، فما كانت تسعفه رواية ابن وهب فقط ، ولذلك
تركه إلى أشهب، فكان أشهب يجيبه فى الفتوى بقوله هو، لا بقول مالك،
وما كان يريد إلا معرفة آراء مالك رضى الله عنه.

عد
- ٢٦٥ -
ولما لم يجد طلبته عند هذين الصاحبين ، اتجه إلى عبد الرحمن بن القاسم،
وله بمالك صحبة طويلة ، فقصد إليه ، فأجابه .
وكانت إجابات ابن القاسم على أربعة أنواع ، أحدهما : ما علم فيه رواية
عن مالك واستيقنها ، فهذا يذكر روايته ، وثانيها : ما ترجح عنده فيه رواية،
وهذا يقول فيها أخال أو أظن أو أحسب ، وليس ذلك النوع قدراً قليلا.
وثالثها: ما لا يحفظ فيه عن مالك قولا لا باليقين ، ولا بالرجحان ،
ولكن يحفظ له مثيلا، فيحكم فيه بمثل ما حكم به مالك فى المثل ، ورابعها :
ما لا يحفظ فيه عن مالك رواية ولم يرد مثله ، فهذا ، يذكر فيه اجتهاده على
الأصول الملكية .
ومن مجموع هذه الأجوبة تكونت الأسدية ، فسافر بها أسد إلى القيروان
بعد أن ترك نسخة منها بمصر، وتلقاها سحنون عن أسد ، وكان مما جعل
بعض الناس يتكلمون فيها ، ما اشتملت عليه من أخال وأظن ، وحسبوا
ذلك مثاراً للشك؛ وقالوا له جثقنا بأخال وأظن وأحسب، وتركت
الآثار، وما عليه السلف فقال أما علمتم أن قول السلف هو رأى لهم !!
ولقد كنت أسأل ابن القاسم عن المسألة ((فأقول هو رأى مالك، فيقول
كذا أحال ورأى، وكان ربما يكره أن يهجم على الجواب (١).
٦٤ - ولما تلقى سحنون الأسدية أراد أن يستوأق مما كان ظناً، فار تحل
إلى ابن القاسم بها ، وعرضها عليه، وقال أريد أن أسمعها منك، فاستخار الله
وأسمعه إياها، وأسقط من كتب أسد ما كان ظنا ، وما كان يشك بأى نوع
من الشك فى نسبته إلى مالك، وما لم يجد فيه نصاً يثق به أفتاه به على اجتهاده،
بمقتضى أصول مالك أو على شبيه رأى مالك فى مثله.
تلقى سحنون تلك الكتب على ابن القاسم بعد ذلك التهذيب، وكتب هذا
(١) المدارك ص ٦٧٤ من القسم الأول .

- ٢٦٦ -
إلى أسد: أن عارض كتبك بكتب سحنون فإنى رجعت عن أشياء مما
رویتها عنى ).
لما وصل ذلك الكتاب إلى أسد غضب، وروى أنه هم بأن يراجع كتبه
على كتب سحنون استيثاقا من النقل، وتوكيداً لرواية العلم ، ولكن بعض
أصحابه رده عنه، وأثاروا فيه عزته، فقالوا: (( تصلح كتبك من كتبه،
وأنت سمعتها قبله !! )، فرجع عماهم به، وشاع بين الناس ذلك الأمر،
فأقبلوا على كتب سحنون وهجروا كتب أسد، ونظر سحنون بعد ذلك
فى كتبه بعد أن استوثق من رواية ما هو رواية منها، وما هو رأى مخرج على
أصول مالك رقیها وهذبها وزاد عليها خلاف أصحاب مالك له، أو ذيل
أبوابها بالحديث والآثار (١)، فكانت المدونة بذلك تجمع آراء مالك
المروية عنه، والمخرجة على أصوله، وبعض آراء أصحابه وبعض الآثار
والأحاديث الواردة فى مسائل الفقه التى اشتملت عليها .
٦٥ - هذه هى المدونة التى اعتبرت الأصل الثانى للفقه المالكى بعد
الموطأ ويلاحظ فى تدوينها أمران جديران بالاعتبار والوزن؛ لأنهما
يكشفان على ابتداء تلاقى طرق الدراسات الفقهية المختلفة، وعلى مقدار
انتفاع كل إقليم بفقه الآخر، وعلى حرية التلاميذ الأولين الأئمة فى
اختيارهم وأمانتهم .
أحد الأمرين : أن المدونة إنما كتبت محاكاة المسائل التى اشتملت عليها
كتب محمد فى الفقه العراقى ، فإن أسداً عندما اطلع على كتب العراقيين ،
أراد أن يستخرج أجوبة مسائلها من الفقه المالكي، وإذا كان الفقه
العراقى أخص ما امتاز به كثرة التفريع والفرض ، أى تقدير مسائل غير
(١) المدارك القسم الأول ص ٦٧٥ .
(٢) راجع بيان حال المدونة المطبوع مع مناقب مالك السيوطى ص ٦٤.
.

- ٢٩٧ -
واقعة ، والفقه المالكى يقتصر على النوازل ، ولا يفتى فى غيرها، فإنه
مما لاشك فيه قد استفاد الفقه المالكى فى عصره الأول أكبر فائدة بتلك المحاولة
الناجحة التى قام بها أسد، إذ أنه فتق الفقه المالكى ووسعه ، وحمل تلميذه
الأول ابن القاسم على التخريج عليه وهو مرن لم يتصلب بفعل الزمان ،
وبذلك تلاقى الفقه المدنى بالعراقى، وكما استفاد العراقيون من المدنيين
اطلاعا على آثار لم تكن عندهم برواية محمد الموطأ، فقد استفاد الفقه المالكي
من عمل أسد ، وسير سحنون على منهاجه كثرة التفريع، وربط المسائل
بعضها بعض .
الأمر الثانى: أن المدونة تشمل آراء مالك المروية وآراء أصحابه ،
وتخريج ابن القاسم على أصول مالك ، فهى فى الواقع قد سنت سبيل الفقه
المقارن بموازنة آراء مالك بآراء أصحابه ، وهى قد سنت أيضاً السبيل لتخريج
المسائل على أصول مالك ، ونسبتها إليه على هذا الاعتبار ، وبذلك فتح
١. باب التخريج فى ذلك المذهب العظيم منذ عصره الأول، والتخريج فى المذهب
سبيل نموه، وأساس شمول أحكامه؛ لأن الحوادث لا تتناهى، وإذا كان
الفقهاء الذين نشروا المذاهب حاولوا اتباعها فى كل ما يحد من أحداث،
فلابد من التخريج على أصول الأنمة ؛ وقد وضع ابن القاسم الأساس،
فینی علیه من بعده .
٦٦ - جاء العلماء بعد ذلك فشرحوها ولخصوها ، وعلقوا عليها :
ويظهر أن أول من حاول شرحها محمد بن سحنون، شرح منها أربعة كتب،
منها كتاب المرابحة ، واختصرها محمد عبد الله بن أبى زيد القير وانى ،
وكان فقيهاً عاماً ، حتى قال فيه الشيرازى إنه يعرف بمالك الأصغر، وبقطب
المذهب ، ويقال: لولا الشيخان والمحمدان ، والقاضيان الذهب المذهب ،
فالشیخان ابن أبى زيد ، وأبو بكر الأبهرى ، والمحمدان محمد بن سحنون،.
ومحمد بن الموازى المصرى السكندرى والقاضيان أبو محمد عبد الوهاب ،

- ٢٦٨ -
وأبو الحسن بن القصار البغداديان ، ويظهر أن أبا زيد اختصرها وزاد
بعض زيادة فيها .
واختصرها أبو القاسم خلف بن القاسم المعروف بابن البراذعى ،
ویکنی أيضاً بأبی سعید، وقد حذف ما زاده ابن أبى زيد ؛ وهكذا توالى
الاختصار والتعليق والشروح فى مختلف الأزمنة(١).
مكان الفقه المالكي فى الاجتهاد
٦٧ - تلقى مالك فقه الفقهاء السبعة، وفقه غيرهم ، وتلقى الأحاديث
منهم ومن غيرهم ، ثم مكث بعد ذلك يلقى على تلاميذة أحاديث رسول
اللّه صَّ اله ، ويفتى من يقصده للفتيا من مشارق الأرض ومغاربها بما سمع،
فإن لم يكن فيما سمع وتلقى ما يجيب به، أفتى بشبيه ما سمع، وإن لم يكن شبيه
فيما يعلم وتلقى اجتهد فاستخرج الحكم من كتاب الله وسنة رسول الله ورس له ،
من نص الخطاب أن خواه، أو إشارته أو مفهومه ، موازناً بين النصوص ،
يزن السنة بما فى الكتاب ، ويستخدم القياس فى استنباطه إن لم يجد مسعفاً
من النص، واستطاع أو يحمل عليه، وإن وجد مصلحة أفتى بما فيه المصلحة
التى لا يشهد لها من الشارع نص ولم يعرف ما يمنع الأخذ، لأن الإذن فى
المنافع هو الأصل العام فى هذا الفقه ، وهو فى ذلك الفقيه الثاقب النظر
الذى تنفذ بصيرته إلى الأمر الثاقب بتوفيق الله سبحانه وتعالى.
٦٨ - هذا هو فقه مالك فى لبه، أخذ بكتاب الله وسنة رسول الله
مِّ وفتاوى الصحابة، واجتهاد بالرأى بطريق القياس والمصالح المرسلة،
وغيرها على ما سنبين فى أصول مذهبه إن شاء الله تعالى . وهو ما يؤدى
(١) ارجع إلى ذلك فى الكتاب السابق.

- ٢٦٩ -
إليه النظر السليم المتجه إلى طلب الحق من غير غض لقيمة العمل ، ولابخس
لحق العامل ، ولا غمط للأثور ، ولكن جماعة الأوربيين الذين ينظرون
إلى الفقه الإسلامى بغير نظرنا، ويرمون من الكتابة فيه إلى غير ما نرمى
إليه قالوا غير ذلك، ورأوا فيه غير الذى رأيناه ، فقد قالوا هم ومن لف
لفهم ، وسلك سبيلهم من الشرقيين: إن مالكا لم ينشىء مدرسة فقهية
جديدة، بل كان يتجه إلى أمرين لا ثالث لهما: (أحدهما): تنظيم ما هو
مبعثر من المسائل الفقهية وهو تنظيم ليس بتام فى نظرهم، ولكنه تنظيم على
أى حال ، ولكن الزمن فى نظرهم كان عاملاً كبيراً فى هذا التنظيم، فقد وجد
تنظيم معاصر له ولا يمكن معرفة مقدار الجهد الذى بذله فى هذا التنظيم،
إلا بعد الاطلاع على عمل معاصريه فى ذلك ؛ وليس بين أيدى هؤلاء
الذين قالوا ذلك القول تنظيم أولئك المعاصرين ، حتى يوازن بعمل مالك ؛
فيعرف مقدار كليهما .
(ثانيهما): أن مالكا كان يتجه إلى العادات القانونية التى كانت معروفة
عند أهل المدينة ، فيضفى عليها بمسوح دينية ، وإن تلك العادات هى صورة
للعادات العربية القديمة، لم تتفق بعد مع الدين تماماً، ولكنها عادات نشأت
من محيط المعاملات ، وقد ظهر بعضها لمالك كأنه السنة ، أو حمله اسم
السنة ، وليس ذلك إلا صبغً لعادات قانونية عربية بصبغة الدين ، وإزالة
لما عساه يكون مخالفاً للدين من هذه العادات .
٦٩ - هذا نظرهم إلى فقه مالك رضى الله عنه، يفصلونه عن أصله،
وهو كتاب الله وسنة رسوله متّةٍ، ويحسبون أنه العادات العربية يلبسها
لبوس الدين ، وأنه لمنظم لما بعثر ، ولا يتجاوز ذلك ، والمؤلف لهذا
النثير غير المجموع فى عقد واحد . وتلك نظرة باخسة ، أو إن شئت فقل
نظرة عاشية، لم تبصر الأمور كما هى فى ذاتها ، بل أدركتها كما انعكست فى
١

- ٢٧٠ -
نفوس الناظرين، وكيفما كان الباعث عليها ، فليست هى النظرة المستقيمة
التى تكشف الحقائق ، وتستبينها .
إن مالكا لم يدع للمتخرصين ميداناً لإثارتهم الريب، بل كان نير الفقه
واضح المناهج ، بين الطريقة روى الأحاديث بسند متصل ، أو مرسل،
أو منقطع ، واستخراج الأحكام من نصوصها ، ووضحها وجلاها ،
وما وجده منها يعارض كتاب الله رده، وأنكر نسبته إلى رسول الله
صِّاله ، كما فعل فى الخبر المروى فى ولوغ الكلب وتطهير الإناء منه بغسله
سبعاً إحداهن بالتراب ، فقد رده لمعارضته القرآن على ماسنبين فى موضعه،
وإن لم يجد حديثاً، ووجد فتوى أو قضاء لأصحاب رسول اللّه منت الله أخذ
بها، وجعل أقضية الرسول وأقضية أصحاب رسول الله عّ لّموضع دراسته
ولها مكان متميز من اجتهاده، وإنه يستعين فى تعرف المأثور عن النبى معَ الّمه
بما كان يجد فى المدينة ، وما عليه عمل أهل المدينة مما لا يمكن أن يكون
إلا تبعاً لأمر معروف بينهم عن النبي صَ لّهِ، وأين هذا النظر من اعتبار
العادات المصدر الأول ، وأن عمله كان محاولة وضعها فى وضع دبنى ؟
لعل الأمر الذى يحدونه طريقاً يصلون منه فى زعمهم إلى تلك الدعوى ،
أنه اعتبر ما عليه أهل المدينة حجة، ونسوا أنه جعله حجة فى الأمر
الذى يغلب على الظن أنهم كانوا فيه تابعين لأقوال النبى سٍَّ أو آخذين
فیه بهديه، لا فى كل الأمور كمعرفة مد النبى مطالآن وصاعه ، فكيف يؤخذ
من هذا أنه جاء إلى العادات العربية ، ولو كانت جاهلية ترجع فى ماضيها
إلى عمل المشركين، وحاول أن ينظم منها قانوناً يلبسه الرداء الدينى، ويصبغه
بصبغة الدين ، وإن المسائل التى أخذ فيها بعمل أهل المدينة معروفة نستطيع
أن نحصيها ، ولو فعل المنصف ذلك لوجد أنه ما أخذ بها إلا لأنه رأى فيها
أثراً نبوياً أقوى من الحديث الذى يرويه وأحد ، ولذا قال شيخه ربيعة
الذى سلك مثل ذلك المسلك : ألف عن ألف خير من واحد عن واحد ،

- ٢٧١ -
فهو اعتبر عمل أهل المدينة فى المسائل التيلا تكون إلا أخذاً عن النبى
◌َّ له رواية أقوى، إذ هى ((رواية ألف عن ألف، أى رواية عدد
لا يحصى عن مثله ))، وما كان كذلك فالآخذ به حتم لازم .
٧٠ - وإن زعمهم أن عمل مالك كان التنظيم فقط يتنافى مع الفقه
المأثور عنه، وحياته ومجالسه العلمية ، فإن المأثور عنه تجد فيه الكثير
من الآراء التى اجتهد فيها ، وسلك مسلكا مستقلا فى استنباطها ؛ إذ لم
يسبق أن بحثها أحد من سبقه، لأنها لم تعرض له ولم يستفت أحد فيها.
وإن مجالس مالك العلمية كان يقصد إليها الناس ، من مشارق الأرض
ومغاربها ، وهؤلاء يحدث فى بلادهم أحداث تتفق مع بيئاتهم ، وشئونها
الاجتماعية ، وليس من المعقول أن يكون الصحابة والتابعون قد أفتوا فى
كلها، أو جلها ، كما أنه ليس من المعقول أن تكون عادات أهل المدينة،
ولو كانت عربية جاهلية على زعمهم ، فيها الغناء لكل هذا، فلابد أن
يجتهد ، وأن يكون رأيه فيها جديداً تحت ظل كتاب الله تعالى وسنة
رسوله سَلّ .
من أجل هذا وغيره نرى دعوى أولئك الذين يبخسون مالكا حظه
من العلم والفقه والاجتهاد ، وسيتبين ذلك جلياً عند الكلام فى
.
مصادر فقهه
الأصول التى بنى عليها مالك فقهه
٧١ - لم يدون مالك أصوله التى بنى عليها مذهبه، واستخرج
على أساسها أحكام الفروع التى استخرجها ، والتى قيد نفسه فى الاستنباط
بقيودها، وكان فى ذلك كأبى حنيفة معاصره، ولم يكن كتلذه الشافعى
الذى دون أصوله فى الاستنباط وضبطها ، وذكر البواعث التى بعثته
على اعتبارها ، ومقامها من الاستدلال .

- ٢٧٢ -
ولكن مالكا ، وإن لم يذكر الأصول الفقهية لاستنباطه ، قد أشار
إليها بتدوين بعض فتاويه ومسائله والأحاديث المسندة بسند متصل ،
والمنقطعة والمرسلة والبلاغات ، وإن لم يكن قد وضح المنهاج، ودافع
عنه ، وبين البواعث التى بعثته على الأخذ به ، والاتجاه إليه دون سواه ،
فمثلا بين لنا الموطأ أنه كان يأخذ بمرسل الحديث ومنقطعه، والبلاغات
ولم يكن يبين وجه أخذه، لأنه لم يكن قد أثير حول الإسناد تلك المنارات
ولأنه لم يكن يتكلم إلا عمن يثق بإرساله وبلاغاته ، ولذا كانت عنايته
الشديدة بتخير من يحدثه ويشافه ، فإنه إذا كان ثقة فى نفسه وعقله وفقهه
أغنى عن السلسلة .
ولقد صرح مالك بأخذه بعمل أهل المدينة ، وبين بعض البواعث التى
بعثته على ذلك. كما اشتمل الموطأ على أخذه بالقياس ، كما رأيت فى قياسه
زوجة المفقود إذا عاد إليها بعد أن تزوجت على من طلقها زوجها طلاقاً
رجعياً، وراجعها وعلمت بالطلاق، ولم تعلم بالرجعة، فتزوجت على هذه
الحال المعماة عليها .
وهكذا ترى فى الموطأ ما يصرح أو يشير إلى أصول الاستنباط عنده
وإن لم يكن فيه التوضيح والتوجيه لهذه الأصول، فلم يبين مثلا ضوابط
العلة فى القياس ومراتبه ، ونحو ذلك .
٧٢ - ولقد صنع فقهاء المذهب المالكى فى فقه مالك ما صنعه فقهاء
المذهب الحنفي ، فجاءوا إلى الفروع ، وتتبعوها، واستخرجوا منها ما يصح
أن يكون أصولا قام عليها الاستنباط فى ذلك المذهب العظيم ، ودونوا
تلك الأصول التى استنبطؤها على أنها أصول مالك ، فيقولون مثلا مالك
يأخذ بمفهوم المخالفة، وبفحوى الخطاب ، وبظاهر القرآن ، ويقول فى
العموم كذا وكذا، والحقيقة أن هذه ليست أقوالا له مأثورة قد ذكرها،

- ٢٧٣ -
ورويت عنه ، بل هى مستخرجة من الفروع التى أثرت عنه وأدلتها
التفصيلية التى ذكرت بجوارها ، أو ذكرها الفقهاء من بعده لها ، ولا يمكن
الاستدلال بسواها .
وليس لنا بد من الأخذ بهذه الأصول على أنها الأصول لمذهب مالك ؛
لأنها مجهود أولئك العلماء ، وليس لنا أن تردها بسبب أنها لم تؤثر عنه ،
ولكن علينا أن نرد منها ما نراه لا يتفق مع المأثور من أقواله الصريحة الثابتة
التى لا تقبل رداً ، أو ما ينطبق على بعض الفروع ، ولا ينطبق على أكثرها،
وهكذا صفيعنا فى كل أمر يتلقاه العلماء المختصون بالقبول، لا نرده لمجرد
أنه لم يثبت قول للإمام فيه، بل فرده إذا كان يخالف المأثور من أقواله، فإن
للمقررات الثابتة لدى العلماء مقام الأخذ والاعتبار حتى يقوم الدليل على
خلافها، فعندئذ أرفضها، لبطلانها بالدليل ، لا بالمنع المجرد، إذ الأمر الذى
يتلقاه العلماء بالقبول يزكيه قبولهم ، وهو بهذا القبول قد شهد له
الظاهر بالصحة .
وقد ذكرت الأصول مبثوثة فى كتب علم الأصول التى كتبها مالكيون
أو التعليقات التى علق بها مالكيون ، فإنهم كانوا يقولون فى كل قاعدة رأى
مالك فيها كذا ، وليس ذلك إلا ما أخذوها من جملة الفروع ، فترى القرافى
فى كتابه التنقيح يذكر القاعدة ويذكر معها رأى مالك مخالفاً للجمهور،
أو موافقاً .
ومن مجموع تلك الآراء تتكون أصول المذهب المالكى ، ومهما يكن
مقدار نسبتها ذلك الإمام العظيم، وقوة هذه النسبة ، فإنها بلا ريب الأسس
التى قامت عليها أقوال الملكيين ، والتى قام عليها التخريج من المتقدمين
والمتأخرين فى ذلك المذهب الخصب ، الكثير الإنتاج .
٧٣ - والآن نذكر هذه الأصول مجملة، ثم نعرج عليها بقليل من
التفصيل متوخين الإيجاز، قاصدين لما يكشف عن أصول التخريج فى ذلك
(م ١٨ - مالك)

- ٢٧٤ ٠
المذهب وما كان سبب نموه ، واتساع أفقه ، وكثرة مسائله وصلاحيته
للبيئات المختلفة فنتجه بالبيان إلى الأصول التى اختص بها والتى تعتبر من
مزاياه التى تميز بها عن المذاهب الأخرى ، وجعلت له تلك المرونة التى
لم تكن فى غيره يقدره ، مع أنه مذهب يقوم على الأثر فى أصله أكثر مما
يقوم غيره.
لقد ذكر صاحب المدارك الأصول العامة للفقه الإسلامى وهى القرآن
الكريم نصوصه، وظواهره، ومفهوماته ، والسنة متواترها، ومشهورها،
وآحادها، ويؤخذ أيضاً بنصوصها، ثم ظواهرها، ثم مفهوماتها، ثم الإجماع
ثم القياس ، وبعد ذلك ذكر أصول مالك ، ومقامها من تلك الأصول
العامة فقال :
(وأنت إذا نظرت لأول وهلة منازع هؤلاء الأئمة ومآخذهم فى الفقه ،
واجتهادهم فى الشرع ، وجدت مالكا رحمه الله ناهجاً فى هذه الأصول
منهاجاً مرتباً لها مراتبها ومدارجها ، مقدماً كتاب الله على الآثار ثم مقدماً
لها على القياس والاعتبار ، تاركا منها ما لم يتحمله الثقات العارفون لما تحملوه،
أو ما يجهلونه ، أو ما وجد الجمهور الجم الغفير من أهل المدينة قد عملوا
بغيره وخالفوه ، ولا يلتفت إلى من تأول عليه بظنه فى هذا الوجه سوء
التأويل، وقوله ما لا يقوله، بل صرح بأنه من الأباطيل)) (١).
هذا ما ذكره القاضى عياض فى أصول مذهب مالك ، ذكر الكتاب
والسنة وعمل أهل المدينة ، والقياس ، ولم يذكر غيرها ، فلم يذكر الإجماع،
ولم يذكر القواعد التى امتاز بها ذلك المذهب، وهى المصالح المرسلة ، وسد
الذرائع ، والعرف والعادات ، غيرها مما ذكره غيره من الثقات العارفين
المستنبطين فى ذلك المذهب المخرجين .
(١) المدارك ص ٧٨ ونقلها الديباج بتصرف فى ص ١٦.

سبـ ٢٧٥ -
ولقد أحصاها فى شرح البهجة نقلا عن راشد ستة عشر أصلا، فقال:
((الأدلة التى بنى عليها مالك مذهبه ستة عشر: نص الكتاب العزيز، وظاهره،
وهو العموم ودليله ، وهو مفهوم المخالفة، ومفهومه ، وهو باب آخر ،
ومراده مفهوم الموافقة وتنبيهه ، وهو التنبيه على العلة ، كقوله تعالى : فإنه
رجس أو فسقاً الآية، ومن السنة أيضاً مثل هذه الخمسة ، فهذه عشرة،
والحادى عشر الإجماع ، والثانى عشر القياس ، والثالث عشر عمل أهل
المدينة، والرابع عشر قول الصحابى ، والخامس عشر الاستحسان ،
والسادس عشر الحكم بسد الذرائع، واختلف قوله فى السابع عشر ، وهو
مراعاة الخلاف ، فمرة براعيه، ومرة لا يراعيه ، قال أبو الحسن : ومن
ذلك الاستصحاب ، (١) .
هذا إحصاء معقول، وإن كان نص القرآن وظاهره، ومفهومه ودليله
« وتنبيهه، كل هذا داخل فى أصل واحد وهو القرآن، وكذلك هذه الأمور
الخمسة فى السنة ، ولكنها ذكرت لأنها ليست فى قوة واحدة فى الاستدلال،
فظاهر القرآن ليس فى قوة نصه ، ومفهوم المخالفة ليست فى قوة ظاهره،
وهكذا ، بل ليس فى قوة السنة على ما سنبين فى موضعه .
ولقد أحصى السبكى فى الطبقات أصول المذهب المالكى، فزادها على
خمسمائة ، ولعله قصد القواعد الضابطة للفروع، وفرق بينها وبين أصول
المذهب، فإن أصول المذهب هى مصادر الاستنباط فيه، وطرائق
الاستنباط، وقوة الأدلة الفقهية ومراتبها، وكيف يكون الترجيح بينها عند
تعارضها . أما القواعد فهى ضوابط كلية توضح المنهاج الذى انتهى إليه
الاجتهاد فى ذلك المذهب، والروابط التى تربط بين مسائله الجزئية ،
فالقواعد متأخرة فى وجودها الذهنى والواقعى عن الفروع ، لأنها جمع
لاشتاتها، وربط بينها، وجمع لمعانيها، أما الأصول فالفرض الذهنى يقتضى
(١) البهجة ص ١٢٦ = ٠٢
-----
!

-٣٧٦ -
وجودها قبل الفروع ، لأنها القيود التى أخذ الفقیه نفسه بها عند استنباطه،
ككون ما فى القرآن مقدماً على ما جاءت به السنة، وأن نص القرآن أقوى
من ظاهره، وغير ذلك من مسالك الاجتهاد ، وهذه مقدمة فى وجودها على
استنباط أحكام الفروع بالفعل ، وكون هذه الأصول كشفت عنها الفروع
ليس دليلا على أن الفروع متقدمة عليها ، بل هى فى الوجود سابقة والفروع
لما دالة كاشفة ، كما يدل المولود على والده، وكما تدل الثمرة على الغراس
وكما يدل الزرع على نوع البذور .
وإذا كان هذا هو الفرق بين أصول المذهب وقواعده، فإنا لا نوافق
السبكى على عده أصول المذهب المالكى أكثر من خمسمائة ، لأنه يقصد
القواعد، وهى غير الأصول كما بينا .
وأدق إحصاء لأصول المذهب المالكى هو ما ذكره القرافى فى كتابه
تنقيح الأصول، فقد ذكر أن أصول ذلك المذهب هى القرآن، والسنة ،
والإجماع، وإجماع أهل المدينة، والقياس، وقول الصحابى ، والمصلحة
المرسلة، والعرف والعادات، وسدالذرائع، والاستصحاب، والاستحسان(١).
وهذه فى الحقيقة هى أصول المذهب المالكی ، فلنتكلم فى كل واحد منها
ومرتبته فى الاستدلال ، ثم لنتكلم فى القرآن والسنة عن النص والظاهر ،
ومفهوم المخالفة ، ومفهوم الموافقة ، باعتبار أن الفقهاء المالكيين نسبوها
إلى مالك، وإن كل واحد منها فى الكتاب أو السنة له مرتبة فى الاستدلال،
لا يتقدم عليها ولا يتأخر عنها وسيكون ذلك مقيداً بالنظر المالكى .
(١) قد فسر الشاطبى فى الموافقات الأدلة على أربعة، وهى الكتاب، والسنة
والإجماع والرأى ، وذلك القصر له وجهة ، وذلك لأن عمل أهل المدينة، وقول
الصحابى إنما أخذ بهما مالك على أنهما من شعب السنة ، وكلمة الرأى تشمل
بعمومها المصالح المرسلة، وسد الذرائع، والعادات ، والاستحسان ،
والاستصحاب ، لأن هذه من وجوه الرأى .

- ٢٧٧ -
١ - الكتاب
٧٤ - قال الشاطى المالكى فى موافقاته :
(إن الكتاب قد تقرر أنه كلى الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة،
وآية الرسالة ، وفور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى اللّه سواه، ولا
نجاة بغيره ولا تمسك بشىء يخالفه، وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير أو استدلال
عليه ، لأنه معلوم من دين الأمة ، وإذا كان كذلك لزم ضرورة لمن رام
الاطلاع على كليات الشريعة ، وطمع فى إدراك مقاصدها، واللحاق بأهلها
أن يتخذه سميره، وأنيسه ، وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالى نظراً
وعملا، لا اقتصاراً على أحدها ، فيوشك أن يفوز بالبغية، وأن يظفر
بالطلبة ، ويجد نفسه من السابقين ، وفى الرعيل الأول ، فإن كان قادراً على
ذلك ، ولا يقدر عليه إلا من زاول ما يعينه على ذلك من السنة المبينة
للكتاب، وإلا فكلام الأئمة السابقين، والسلف المتقدمين - آخذ بيده
فى هذا المقصد الشريف والمرتبة المنيفة)) (١).
نظر مالك رضى الله عنه إلى القرآن تلك النظرة السامية ، ولذا لم ير إلا
قارئاً للقرآن، أو راوياً للحديث، أو مستنبطاً منهما فتاوى فى المسائل التى
تعرض له ، أو يسأل عنها من طلابه ، من مشارق الأرض ومغاربها .
لم ينظر مالك فى القرآن نظرة الجدليين، فلم يؤثر عنه أنه تكلم فى أن
القرآن لفظ أو معنى أو معنى فقط ، ولم يخض فيما خاض المتكلمون فيه فى عصره،
ومن بعده فى كون القرآن مخلوقاً ، لأنه لم يرد أن يجعل مسائل الدين غرضاً
لجدل المجادلين ، وعبث العابثين ، ولقد كان يعتقد أنه كلما جاء رجل أجدل
من رجل نقص مما نزل به جبريل على محمد عليه الصلاة والسلام .
(١) الموافقات ص ٣٤٦ = ٣ من طبعة التجارية.

- ٢٧٨ -
ولقد كان يعلم أن القرآن قد اشتمل على الشريعة اشتمالا كلياً ، وأن
السنة بيانه وأنه لا يعرف على وجهه إلا إذا أخذ ببيان مبينه وهو السنة
النبوية، فكان عليها حريصاً ، لا لأنها المصدر الثانى للشرع الإسلامى
وحسب ، بل لأنها أيضاً بيان القرآن ومفسره، يفصل مجمله ، ويقيد مطلقه.
٧٥ - والقرآن عربى نزل بلغة العرب، فأعجز بأسلوبه فصحاءهم ،
وقامت به الحجة عليهم . وعلى الناس كافة ، ولكونه عربياً ما كان يستسبغ
مالك لأحد أن يحاول تفسيره غير عالم بلسان العرب ، ولهجاتهم المختلفة ،
وأساليب القول عندهم، ولذلك أثر عنه أنه قال: (( لا أوتى برجل يفسر
كتاب الله غير عالم بلغات العرب إلا جعلته نكالا .
ومع أنه كان يؤمن بأن السنة هى السبيل القويم لفهم معانى الكتاب
ولذلك لا يصح الاستقلال بفهم الكتاب من غير الاستعانة بمفسره ، وهو
السنة - كان يكره أن يدخل فى تفسيره شىء من الإسرائيليات ، وكان
لا يثق برواية من يسلك مثل هذه الطريقة. فكان يذكر فى بعض الناس
فضلاً ، إلا أنه ينقص منه أنه يأخذ التفسير عن قتادة ، لأنه يحسب أن
قتادة دخل فى تفسیرہ کثیر غير صحيح.
والقرآن عنده هو اللفظ والمعنى . كما هو قول جمهور المسلمين ، بل ذلك
موضع الإجماع عندهم ، وإن لم يخض فى الجدل فى هذا ، ولم یکن قد أثیر
الجدل فيه ، ولذلك لم يعتبر الترجمة قرآناً يتلى ، تجوز به الصلاة ، ويسجدبه
للتلاوة ، ولا يمس مصحفه من غير الطاهر ، ولا تقرؤه الحائض والنفساء
والجنب، بل الترجمة ليست إلا تفسيراً، أو وجهاً من أوجه التفسير على
ما هو المعقول .
٧٦ - ولقد ذكر علماء المذهب المالكى أنه كان يأخذ بنص القرآن
وظاهره، ودليله أى مفهوم المخالفة ، ومفهوم الموافقة، وأنه كان يأخذ
1
1

- ٢٧٩ -
بالعلة التى ينبه عليها . كما يأخذ بهذه الأمور فى السنة، فمن الحق علينا أن
نبين مذهبه فى هذه الأمور متوخين فى بيانها أن نبين منحى مالك ورأيه ،
ومقامه من غيره من الآراء ، من غير إطناب . بل بإيجاز.
النص والظاهر(١)
٧٧ - تعرف الأحكام من كتاب الله تعالى يتقاضى الباحث عنها أن
يدرس نظمه الشريف، ونوع دلالته، والمعنى الذى سبق له، والمعنى الذى يفهم
(١) نذكر هنا خلاصة ما يقوله الحنفية فى أصولهم فى بيان (مراتب نظم
القرآن الكريم بالنسبة إلى المعانى التى تفهم من عباراته ، ومقدار دلالته عليها،
فقد قالوا : إن الكلام إن كان يفهم من النظم، ولم يكن قد سبق له الكلام،
فهو الظاهر كتحليل البيع وتحريم الربا من قوله تعالى ((وأحل الله البيع وحرم
الربا ، والنص هو ما يفهم من النظم وسيق له، كالتفرقة بين البيع والربا من
حيث الحال والحرمة، فى قوله تعالى ((وأحل الله البيع وحرم الربا) ويقول
عثر الإسلام فى بيان النص والظاهر: ((الظاهر اسم لسكل كلام ظهر منه المراد
به للمسامع بصيغته مثل ... قوله تعالى ((وأحل الله البيع ظاهر فى الإحلال ،
وأما النص فما ازداد وضوحا على الظاهر بمعنى من المتكلم لا فى نفس الصيغة
(أى أن المتكلم يقصده) .. )) وذلك مثل قوله تعالى وأحل الله البيع وحرم الربا
فإنه ظاهر التحليل والتحريم نص فى الفصل بين البيع والربا؛ لأنه سيق الكلام
لأجله، فازداد وضوحا بمعنى فى المتكلم لا بمعنى فى صيغته ، وحكم الأول ثبوت
ما انتظمه يقيناً وكذلك الثانى إلا أن النص عند التعارض أولى من الظاهر ،
وأما المفسر فهو ما ازداد وضوحا على النص سواء أكان بمعنى فى النص أو بغيره،
بأن كان اللفظ محملا فلحقه بیان قاطع ، أو كان عاما فلحقه ما انسد به باب
التخصيص ، مثل قوله تعالى: ((فسجد الملائكة كلهم أجمعون)) فإن الملائكة جمع
عام محتمل للتخصيص ، فانسد باب التخصيص بذكر الكل ، وذكر الكل
احتمل التفرق، فانسد بقوله أجمعون ، وحكمه الإيجاب قطعا بلا احتمال تخصيص
ولا تأويل ؛ إلا أنه يحتمل النسخ والتبديل، فإذا ازداد قوة وأحكم المراد به =

- ٢٨٠ -
منه ، لكن على وجه التبعية للمعنى الذى يستبين من النظم أنه موضع السباق،
ومكان القصد ، ثم معرفة مراميه القريبة والبعيدة ، من مدلول عبارته .
وما تومىء إليه إشاراته، ولكل دلالة موضع من البيان ، ومرتبةمن القوة،
فإن استخراج الأحكام منها يوجب معرفة مراتبها ، ليقبين مقدار الطلب
فيها، وليتميز القوى منها بالترجيح على مادونه قوة .
ولذلك عنى علماء الأصول الذين جاءوا من بعد الشافعى بدراسة نظم
القرآن كما عنى الشافعى بذلك ليتعرفوامراتب الدلالات ، وقوتها، ويضعوا
كل واحدة فى مرتبتها . فتعرفوا من فروع الأئمة تطبيقهم لدلالات النظم.
وكيف يرجحون بعضها عند المعارضة، وأساس ذلك الترجيح.
وكان مما عنى به أولئك العلماء سواء فى ذلك الحنفية والمالكية معرفة أص
القرآن وظاهره، ولقد ذكروا أن مالكا طبق فى فروعه التفرقة بين النص
والظاهر وإن لم يقصدلبيانهما ، وتفسير هما لغة أو اصطلاحا، فقد علمت مما
نقلناه عن البهجة أن ظاهر القرآن ونصه من الحجج عنده؛ وأنه من المقرر
عند المالكية أنهما ليسا مرتبة واحدة فى الدلالة على الحكم ، فإن النص
أقوى فى الدلالة من الظاهر، وعند التعارض يقوم على الظاهر، كما استنبطوا
من الفروع المأثورة عن مالك رضى الله عنه .
= بإبعاده عن احتمال النسخ والتبديل سمى محكما . مثل قوله تعالى إن الله بكل
شىء عليم )).
وترى من هذا أن اللفظ بالنسبة للمعنى المعهود انقسم إلى أربعة أقسام أدناها
الظاهر ، وهو ما يفهم من الكلام ولم يسق له ، والثانى النص ، وهو ما يفهم
من الكلام ، وسيق له ، والثالث المفسر ، وهو ما يفهم من الكلام وسيق له،
وكان معه ما يدل على انسداد باب تأويله بغير ما يظهر منه وباب تخصيصه
والحكم هو ما انسد فيه باب التأويل والتخصيص والنسخ .
١