Indexed OCR Text

Pages 201-220

/٠٠ ١
- ٢٠١ -
الأجسام كلها مثله ، ولأن الله سبحانه وتعالى قال لموسى عليه السلام عندما
طلب الرؤية ((لن ترانى)) وهذه كلمة تدل على تأييد النفي، واستحالة الفعل،
واقد رشح معنى هذا التأييد بقوله بعد ذلك ((ولكن انظر إلى الجبل، فإن
استقر مكانه، فسوف ترانى ، فلما تجلى ربه للجبل جعله دکاً ، وخر موسى
صعقاً ، فقد علق الرؤية على استقرار الجبل عند تجلى الله سبحانه وتعالى،
ولم يستقر ، بل صار دكاً ، وخر موسى صعقاً .
1
ويؤلون الآبة الدالة على الرؤية ، لتتفق معانيها مع هذا التنزيه الذى
نزهوا الله سبحانه وتعالى عنه ، ونشروا هذه المقالة فى وسط الجماعة
الإسلامية ، فرأى مالك أن فيها ما يخالف منهاج السلف الصالح ، وفيها
تخريج للقرآن على غير ظاهره، فأذكرها، وروى عنه إنكارها ، وإثبات
رؤية الله سبحانه فى الآخرة لا فى الدنيا، فلقد قال أشهب قلت :
يا أبا عبد الله: ((وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، أينظرون إلى الله ؟ قال
نعم بأعينهم هاتين، قلت فإن قوماً يقولون لا ينظرون إلى الله، إن ناظره
بمعنى منتظرة إلى الثواب والعقاب ، قال کذبوا ، بل ينظرون إلى الله ، أما
سمعت قول موسی علیه السلام : أرنى أنظر إليك ، أفترى مومى سألربه
محالا ، فقال ان ترانى فى الدنيا، لأنها دار فناء ، ولا ينظر ما يفنى بما يفنى،
فإذا صاروا إلى دار البقاء نظروا بما بقى إلى ما يبقى ، وقال الله تعالى عن
العصاة ((كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون))(١).
وقرى من هذا أن مالكا رضى الله عنه بقرر جواز رؤية الله سبحانه
وتعالى، وأن الله أخبر أن المؤمنين سيرونه فى الآخرة وأنها ستقع ، كما
أخبر الله سبحانه وتعالى فى ظاهر القرآن.
ويستدل على جوازها بأن موسى عليه السلام طلبهاً ، وموسى النبى
(١) المدارك ص ٢٠١

صف
-٢٠٢٠ -
الكليم لا يطلب محالا ، فلو كانت محالا ما طلبها ، وأن النفى للرؤبة ، إنما
يقع على الرؤية فى الدنيا ؛ لأن الدنيا هى دار الفناء ، فالجوارح الإنسانية
فيها إلى فناء ، إلى أن يعيدها الله سبحانه وتعالى كما بدأها ، فتكون إلى
البقاء ، والباقى لا يرى إلا بما هو من الجوارح التى للبقاء ، وهذا الأخير
دليل خطابى بعث إليه الإيمان بظاهر المنقول وليس برهاناً منطقياً ، حتى
يناقش بأساليب المناطقة ، ويوضع على نظام أقيستهم.
آراؤه فى السياسة
١٠ - كان فى عصر مالك الخوارج والشيعة والأموية ثم العباسية ،
وقد أستباح فريق منهم النيل من الصحابة الأولين ، والطعن فيهم ، فالشيعة
يرمون أبا بكر وعمر وعثمان بما لا يصح أن يقال فيمن لهم مكانتهم،
والخوارج يرمون عثمان وعلياً ، وعمرو بن العاص ، ومعاوية بن أبى سفيان
وغيرهم بالكفر.
ويختلفون فى منازعهم ، فالشيعة يرون الخلافة فى على وأولاده من
فاطمة، ومنهم من يدخل معهم محمد بن الحنفية ، وهم الكيسانية، والخوارج
برون الخلافة فى كل من يستأهل أن يكون خليفة عادلا من جماعة المسلمين.
من غير تقييد ببيت أو قبيلة ، والعباسية يرون الخلافة فى سى العباس من بنى
هاشم، والأموية وغيرهم یرون الخلافة فی قریش، ويروون فىذلك الحديث
الذى يرويه معاوية: ((الأئمة فى قريش)).
فماذا كان رأى مالك فى وسط ذلك المضطرب ، مارأيه فى سب الصحابة،
وما رأيه فى البيت الذى يكون منه الخليفة ، وما رأيه فى أهل البيعة ، من
يكونون ؟ وما رأيه فى طاعة الحكام الذين ولوا الأمر ، وليسوا له أهلا،
وما رأيه فى الفتن والخروج؟ هذه موضوعات أثر عن مالك كلام فيها
إجابة لسؤال، أو استنكاراً لحال، ولنذكر فى كل واحد منها كلمة موجزة ..

- ٢٠٣ -
١١ - لقد استنكر مالك رضى الله عنه سب أصحاب رسول الله متعد اله
واعتبر ذلك جرماً كبيراً ، وقال إنه إن ساد فى مدينة سب أصحاب
رسول الله عبيد الله، وجب الخروج منها، كالإقامة فى بلد لا يعمل فيه بالحق،
ولا يمكن تغييره، وغيره يقام فيه الحق ، أو يمكن تغيير حاله، فقال:
(( لا ينبغى الإقامة فى أرض يكون العمل فيها بغير الحق والسب للسلف))(١)
ولقد كان يروى عنه أن من يسب أصحاب النبي ◌ٍ لا يأخذ من الفى.
شيئاً، فقد روى عنه ابن عبد البر أنه قال (( ليس لمن سب أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الفى. حق، قد قسم الله الفيء على ثلاثة
أصناف، فقال: ((للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم، والذين
تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم))، وقال «والذين جاءوا من بعدهم يقولون:
ربنا اغفر لنا، ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، فمن عدا هؤلاء فلا حق
له فيه ، (٢).
ولقد سأله هارون الرشيد : هل لمن يسب أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم فى الفيء حق؟ قال: لا، ولا كرامة. قال: من أين قلت ذلك؟
قال . قال الله تعالى.(( ليغيظ بهم الكفار، فمن عابهم فهو كافر(٣) .
١٢ - وكان مع نهيه عن سب الصحابة، ورأيه الشديد فيمن يسمونهم
يمتنع عن المفاضلة بينهم خشية أن تؤدى المفاضلة إلى المنازعة ، وقد تدفع
هذه المنازعة إلى انتقاص بعض أقدارهم ، إذ المنازعة تؤدى إلى التزيد فى
الشرف أو الانتقاص ولذلك كان يقول هم سواء ، فيما عدا ثلاثة هم
أبو بكر، وعمر ، وعثمان، وقد اتفقت الروايات على أنه كان يفضل أبا بكر
وعمر على سائر الصحابة، وفى روايات ضم عثمان إلى المفضلين .
(١) الانتقاء ص٣٦
(٢) الانتقاء ٣٦
(٣) المدارك ص ٢٠٠

- ٢٠٤ -
سأله بعض العلويين ، من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه
وسلم؟ قال: أبو بكر، قال : ثم من؟ قال: عمر، قال : ثم من؟ قال :
الخليفة المقتول ظلباً عثمان ، فقال العلوى والله لا أجالسك أبداً ، قال :
الخيار لك .
ولقد روى عنه أيضاً أنه قال فى هؤلاء الثلاثة: ((وهؤلاء خيرة
رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمر أبا بكر على الصلاة، واختار أبو بكر
عمر، وجعلها عمر إلى ستة ، فاختاروا، فوقف الناس ، وليس من طلب
الأمر كمن لم يطلبه ،.
ولقد ذكر ابن وهب أنه قال: «أفضل الناس أبو بكر وعمر، ثم أمسك،
قلت : إنى امر ؤ أقتدى بك فى دينى ، فقال: وعثمان ، وزيد فى رواية ثم
-استوى الناس ، (١) .
فمن هذه الروايات المختلفة يستفاد أنه ما كان يرى أنه يسوغ لأحد أن
يفاضل بين الصحابة ، إلا هؤلاء الثلاثة فإنه يضعهم فى مكانة أعلى من سواهم،
وهو فى ذلك أثرى نقلى، لأنه يرى أن النبي صَّ له جعل أبا بكر على الصلاة. فكان
ذلك تفضيلا منه من الله، واختياراً لولايته ، ثم اختار أبا بكر عمر، واختار
عمر ستة يختار الصحابة منهم واحداً ، فكان اختيارهم امثمان ، ويرى أن
الأصل هو اختیار النی لأبى بكر . فكان الاختیار کله للنبي ، ولذلك قال
فيهم هؤلاء خيرة رسول اللّه بطالة ، فكان فى هذا التفضيل أثريا لذلك
الاعتبار ، ولأن أولئك اختيروا للخلافة بإجماع من الصحابة ، فكان
تفضيلهم لإجماع الصحابة على ذلك ، ولا ينظر لما وراءه، ولقد جره ذلك
إلى اختلافه مع العلويين، ولكنه لم يبال فى أخذه بمنهاجه اختلاف أحد
عليه ، ما دام يسلك فى نظره سبيل المؤمنين .
١٣ - بيت الخلافة فى نظره: كان مالك رضى الله عنه قليل الكلام
(١) الروايات الثلاث فى المدارك ص ٢٠٤

١
- ٢٠٥ -
فيما لا يتصل بالفقه والحديث ((وذلك لقلة عنايته بغيرهما، ولأنه كان يبتعد
بعلمه عن أن يكون موضعاً لمشاحة أو خلاف؛ إذ أن علمه على دين ، ولا
يصح أن يكون الدين هدفا للجدل والمراء ، وغرضاً من أغراض
الخصومات والمنازعات .
ولذلك لم يؤثر عنه تفصيل فى مسألة الخلافة ، يبين البيت الذى يكون
فيه والدليل الذى اعتمد عليه ؛ ولكن يتلمس ذلك من بعض أقواله ،
وأحواله، فيستنبط استنباطا ، ولا يؤخذ من بيان مفصل ، مبين
بأسبابه ونتائجه .
ومن المؤكد أنه لايرى أن تقتصر الخلافة على البيت الهاشمى، أو العلوى،
فقد رأيت أن اختيار أبى بكر وعمر وعثمان كان اختياراً نبوياً ، وما كان
واحداً من هؤلاء من البيت الهاشمى، بل كانوا قرشيين فقط ، ولم يضم علياً
إلى مكانتهم وهو الهاشمى ، ولم يذكر أن اختياره للخلافة کان کاختیار
هؤلا ء ،بل أنه ربما كان يعرض به فی بعض قوله ، وهو «وليس من طلب
الأمر ، كمن لم يطلبه ،.
وإذا كان لا يرى الخلافة مقصورة على البيت العلوى أو الهاشمى ، فلم
يبق إلا أنه إما أن يراها عامة لا يختص بها قبيل ، ولا طائفة ، بل هى للعدل
القادر الذى يختاره جماعة المسلمين ، ولذلك رأى الخوارج ، وإما أن يراها
فى قريش دون غيرهم، كما هو الأثر المروى عن النبى عنّ له بطريق معاوية
ابن أبى سفيان (( الأتمة فى قريش)).
وقد ذكر بن حزم فى كتابه الفصل أن جميع أهل السنة على أن الإمامة
فى قريش، وأن الحديث الصحيح (الأئمة فى قريش)) جاء فى معنى المتواتر،
فقد رواه أنس ابن مالك ، وعمر بن الصامت ، وجابر بن سمرة ، وأذعن
الأنصار لقريش يوم السقيفة ، وهم أهل المنعة والقدرة والدار، والعدة.،
والعدد والسابقة فى الإسلام.
.

- ٢٠٦-
ويظهر من ذلك أن مالكا رضى الله عنه كان يسلك مسلك أهل السنة
والجماعة، ويرى رأيهم ، وهو أن الإمامة فى قريش .
١٤ - طريقة اختيار الإمام : كانت طريقة اختيار الإمام موضع
خلاف بين المسلمين ، فالشيعة الإمامة عندهم بالنص ، نص النبى على علىّ :
ونص على علىّ من يليه ، وهكذا كل إمام ينص على من يليه ، ومن يذكره
ليس لأحد أن يختار سواء، فهو ليس مختاراً بالاختيار العام ، وجعلها
الأمويون بتولية العهد ، ومبايعة الناس بعد ذلك ، فقد كانوا يسيرون على
اختيار ولى العهد، وأخذ المبايعة له ، ولم يقر كثيرون من المسلمين أن يعهد
الخليفة لمن بعده ، واستنكروا من معاوية أن من تلك السنة السيئة ، فإنها
حولت الخلافة إلى ملك يورث .
وجماهير المسلمين على أن الخليفة يختار من بين ذوى الأهلية للخلافة،
ولا مانع من أن يعهد الخليفة لمن بعده إن كان اختياره لا دخل للهوى فيه،
كما فعل أبو بكر فى استخلافه عمر، وكما فعل عمر فى جعله الأمر شورى
بين ستة من أعلى الصحابة منزلة ومن تركهم الرسول عليه السلام وهو
عنهم راض .
فماذا كان رأى مالك فى وسط تلك الآراء ، يظهر أنه كان يقر نظام
الاستخلاف إذا لم يكن الباعث عليه هوى، وذلك لما رآه من استخلاف،
أبى بكر ، وجعل عمر الأمر شورى بين ستة ، ولا تنعقد الخلافة إلا بمبايعة
حرة بين الخليفة والمسلمين ، ولكن ألا تنعقد عنده إلا كانت مبايعة عامة
من المسلمين فى كل البقاع والأصقاع ؟
يقول مالك فى ذلك إن مبايعة أهل الحرمين مكة والمدينة كافية لانعقاد
البيعة الكاملة التى يستأهل الخليفة أن يكون بها إماماً لعامة المسلمين؛ لأنهم
حملة السنة النبوية، فهم أهل الحل والعقد، فقد جاء فى المدارك ((قال ابن

- ٢٠٧ -
نافع: «كان مالك يرى أن أهل الحرمين إذا مابايعوا لزمت البيعة أهل
الإسلام، (١).
فهو لا يرى أن بيعة أهل بغداد أو الكوفة أو البصرة أو دمشق، أو
الفسطاط ، أو بيعتهم مجتمعين تلزم المسلمين ما دام لم يدخل فيها بيعة أهل.
المدينة ومكة ، وإذا بايع أهل مكة والمدينة وحدهم لزمت البيعة الجميع ،
ووجبت عليهم الطاعة .
وإن ذلك الرأى كانت له قيمته ومكانته ، يوم أن كان الدخلاء على
المسلمين كثيرين فى غير مكة والمدينة، فكان الاحتياط يوجب أن تعتبر
بيعتهم ، لأنهم المسلمون الذين ليس فيهم دخيل يريد بالإسلام خبالا .
أما بعد أن اتسعت رقعة الإسلام ، واستقر فى القلوب ، فيجب أن
يكون ثمة نظام للبيعة .
ومهما تكن قيمة ذلك الرأى فى التاريخ ، والاعتماد على السنة ، فهو
رأى مالك رضى الله عنه ، وهو يتفق مع المأثور عنه من أخبار ، ومن
تقديس لعلم الحجاز، وخصوصاً دار الهجرة على صاحبها أفضل الصلاة .
ولقد كان بعض أسباب الخلاف بين على رضى الله عنه، ومعاوية بن
أبى سفيان أن علياً اعتبر اختيار أهل المدينةوهم الذين بايعوا أبا بكر وعمر.
وعثمان رضى الله عنهم كافياً لوجوب طاعته، وأن أهل الأقاليم لهم تبع ،
ومعاوية كان يتخذمن عدم مبايعةمن عنده، ذريعةللخروج، أو تعلة له
(١) المداك ص ٠٣٣
(٢) مسألة عقد الإمامة بم يتم؟ موضع خلاف بين العلماء من قديم الزمان،
فذهب قوم إلى أن الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع فضلاء الأمة فى أقطار البلاد
وذهب آخرون إلا أن الإمامة إنما تصح بعقد أهل حضرة الإمام ، والموضع
الذى فيه قرار الآثمة، وذهب أبو على محمد بن عبد الوهاب الجبانى المعتزلى إلى
أن الإمامة لا تصح بأقل من عقد خمسةرجال. قال ابن حزم: « ولم يختلفوا =

- ٢٠٨ -
× ١٥ - طاعة المفضول: إذا تغلب متغلب على المسلمين، ولم يكن فى
أول أمره قد تولى برضنا، ولكن عدل وسكن الناس إلى حكمه ، فالمعروف
فى مذهب مالك أنه لا يصح الخروج عليه وتلزم طاعته ؛ لأنه لا مطلب
سوى العدل وقد تحقق ، واستقر، ورضى الناس وسكتوا، فليس فى الخروج
إقامة العدل ، ولا دفع لظلم .
وإن كان غير عادل لم يستجز مالك رضى الله عنه الخروج عليه؛ وإن
لم يدع إلى محاربة الخارجين عليه ، فعلى المسلمين أن يصبروا ، ويجتهدوا فى
فى تقويمه ، وإن خرجت عليه خارجة لا يعاونوه فى قمعها ، فإنه ظالم
((ودعهم ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما)).
وإن ذلك الرأى تكون لدى مالك ، كما نوهنا من قبل ، لما وصل إليه
من أخبار الفتن وما عانته الأمة من الخروج على حكام عصره ، وما يعتور
ذلك من الفساد، واضطراب فى الأمور ، وتعطيل المشاعر الدينية ، ثم ينتهى
الأمر باستغلاظ عود الحاكم، وقوة بطشه ؛ لأن الانتصار يغريه بالاندفاع
= فى أن عقد الإمامة يصح بعهد من الإمام الميت إذا قصد به حسن الاختيار الأمة
عند موته، ولم يقصد بذلك هوى ، وقد اختار هو ذلك ، وقال إنه الأفضل ،
فقال: ((وأفضلها وأصحها أن يعهد الإمام إلى إنسان يختاره إماماً بعد موته،
وسواء فعل ذلك فى صحته ، أو فى مرضه، وعند موته ، إذ لا نص ، ولا إجماع
على المنع من أحد هذه الوجوه ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى بكر،
وكما فعل أبو بكر بعمر ، وكما فعل سليمان بن عبد الملك بعمر بن عبد العزيز ،
وهذا الوجه تختاره ونكره غيره، ويقول إن مات الإمام ولم يعهد إلى أحد
يبادر رجل مستحق للإمامة فيدعو إلى تعيينه ، كما فعل على إذ قتل عثمان ، وكما
فعل ابن الزبير))، وعندى أن اللازم وضع نظام لاخيار خليفة وما رآه أفضل -
شرطه حسن القصد ولا يكون ذلك إذا اختار أحداً من أهله ، أولاده أو
أخوته ، وعهد سليمان لعمر بن عبد العزيز كان فلتة حسنة .

١٠
- ٢٠٩ -
فيما كان عليه، ولا يرعوى عن طريقه ، وإن انتصرت الخارجة عليه ،
فليس حكمها هو الحكم الأمثل ، ولكنه الظلم ، والعبث بمصالح الأمة
تتعاوره الأيدى الآئمة .
ولقد كان ذلك الرأى مستمكنا فى نفس مالك رضى الله عنه ، حتى أنه
ليعلل امتناع عمر بن عبد العزيز عن أن يعهد بالأمر من بعده لرجل من
أهل الصلاح بأنه كان خشية أن يثير عليه يزيد بن عبد الملك الفتن ، فيكون
الفساد فى عهده أكثر من الصلاح المرتجى ، ولقد خرج بعض الخارجين
على أبى جعفر المنصور ، وسأل مالكا أن يدعو الناس له ، وقال: « بایعنی
أهل الحرمين ، وأنت ترى ظلم أبى جعفر ، فقال له مالك أندرى ما الذى
منع عمر بن عبد العزيز أن يولى رجلا صالحاً بعده؟ قال : لا ، قال مالك :
كانت البيعة ليزيد فخاف عمر بن عبد العزيز إن بايع لغيره أن يقيم يزيد
الهرج، ويقاتل الناس ، ويفسد ما لا يصلح(١))).
هذه نظرة مالك السياسية ، نظرة تجمع إلى المثل الأعلى للحكم ، النظر
إلى الواقع الذى تستقيم عليه أمور الناس ، فيرى أن مصالح الناس الواقعة
يجب أن تكون مقدرة فى اعتبار الذين يحثون على الطاعة ، أو الخلاف ،
فهو لا ينظر فقط إلى الصورة المثالية ، بل ينظر إلى الحقيقة الواقعة ، وما عليه
خال الأمة ، ويعتبر بحوادث التاريخ، وبما شاهد وعاين، فيرى أن السكون
خير من الخروج، وأن الابتعاد عن الفتن خير من أن يخب فيها ويضع ،
وإرشاد من غير خروج قد يحمل الحاكم على الجادة ، فيكون الصلاح من
غير عبث وفساد ، كما كان يفعل هو مع ولاة المدينة والخلفاء .
هذا رأى مالك ، وهو مقرر فى المذهب المالكى، ويقول المالكية إنه
رأى أهل السنة ، فقد جاء فى شرح الموطأ الزرقانى فى تفسير حديث بيعة
(١) المدارك ١٤٩
( م ١٤ - مالك)

- ٢١٠ -
أهل المدينة للنبى قبيل الهجرة عند تفسير كلمة،وألا تنازع(١) الأمر أهله))
التى جاءت فى آخر الحديث ما نصه :
((قال ابن عبد البر: اختلف فى أهله ، فقيل أهل العدل والإحسان ،
والفضل والدين ، فلا ينازعون لأنهم أهله ، أما أهل الفسق ، والجور ،
والظلم، فليسوا بأهله ، ألا ترى قوله تعالى ((لا ينال عهدى الظالمين)).
وإلى منازعة الظالم الجائر ذهبت طوائف من المعتزلة ، وعامة الخوارج،
أما أهل السنة فقالوا الاختيار أن يكون الإمام فاضلا عادلا محسناً ، فإن لم
يكن ، فالصبر على طاعة الجائر أولى من الخروج عليه ؛ لما فيه من استبدال
الخوف بالأمن ، وهرق الدماء، وشن الغارات والفساد، وذلك أعظم من
الصبر على جوره وفسقه ، والأصول تشهد، والعقل والدين أن أقوى
المكروهين أولاهما بالترك(٢)).
هذا هو نظر مالك على التحقيق، فهو يوازى بين الشرين ، شر الخروج
والفتن، وشر طاعة الظالم ، مع رجاء العدل إن أسدى إليه النصح، فيختار
الثانى لأن الشر أقل ، ورجاء العدل محتمل ، والحوادث التى عاينها وأخبار
ما لم يعاينه تؤيد ذلك النظر .
١٦ - وليس الصبر الذى يدعو إليه مالك هو صبر المستكين الذى
لا يستنكر الظلم ويرضاه ، بل صبر الذى يبغى صلاح الناس ، وقد وجد أن
(١) هذا نص الحديث: «مالك عن يحيى بن سعيد عن عبادة بن الوليد بن عبادة
ابن الصامت عن أبيه عن جده قال: (( بايعنا رسول الله صلى الله عليه ومنلم على
السمع والطاعة فى اليسر والعسر، والمنشط والمكره، وألا ينازع الأمر أهله))
وفى سند أحمد زيادة ((وإن رأيت أن لك فى الأمر حقاً ، وفى البخارى زيادة
(((إلا أن تروا كفر بواحا أى ظاهراً بادياً).
(٢) شرح الموطأ الزرقانى ج ٢ ص ٣٩٢، وفى اعتبار ذلك رأى أهل
السنة نظر، لأن أبا حنيفة رضى بالخروج على الأمويين وأبى جعفر .

- ٢١١ -
الفساد فى الخروج، وأن حمل الظالم على العدل بالموعظة والنصح، والإرشاد،
ونذكيره أوامر الدين قريب، فإن لم يمكن دفع الظلم كله بهذه الطريقة ،
فتقليله فى دائرة الإمكان «وإنه إذ حرض على عدم الخروج، ولم يدع إليه
فهو لم يرض عن محاربة الخارجين على ظلمه من المسلمين؛ لأنه صبر عليه،
ولم يناصره فى ظلبه ، ومعاونته فى القضاء على الخارجين مناصرة للظالم فى
ظلمه، وليس له هذه الطاعة ، ولأن معاونته فى ذلك سفك الدماء المسلمين ،
فهم وإن أخطأوا فى الخروج على ظلمه لا تحل دماؤهم .
ولكنه مع نهيه عن أن يكون الناس مع الوالى أو الخارجين عليه من
المسلمين أوجب طاعته فى الجهاد فى سبيل الله سبحانه وتعالى، كما هو المقرر
فى مذهبه، وكما ورد عنه فى المدونة الكبرى ، فقد جاء فيها:
((قال لا أرى بأساً أن يجاهد الروم مع هؤلاء الولاة، (قال ابن القاسم)،
وكان بلغنى عنه لما كان زمان مرعش (١)، وصنعت الروم ما صنعت،
فقال: لا بأس بجهادهم ، قال ابن القاسم وأما أنا فقد أدركته يقول لا بأس
بجهادهم، قلت يا أبا عبد الله، إنهم يفعلون، ويفعلون، فقال لا بأس على
الجيوش ، وما يفعل الناس ، وقال ما أرى به بأساً ، ويقول لو ترك هذا
لكان ضرراً على أهل الإسلام ويذكر مرعش، وما فعل بهم ، وجرأة
الروم على أهل الإسلام ، وغاراتهم على أهل الإسلام» .
وترى من هذا أنه كان يجعل الجهاد غير منوع تحت ظل هؤلاء ؛ لأنه
لو ترك الجهاد لكان الضرر للناس أشد من ضرر طاعتهم، وهم ظالمون ،
وهكذا تراه يعمل على رفع الضرر دائماً ، فكانت آراؤه فى السياسة آراء
الكيس الذى يلتفت دائماً إلى الواقع ومصلحة الناس، كما يتجه إلى المثل
العليا والكمال .
(١) بلد بالشام قرب أنطاكية كان بها حصن، وقد غزاما الرومان فى آخر
بنى أمية عند اضطراب الأمور، وآذوا المسلمين .

- ٢١٢ -
فقه مالك
١٧ - هذا هو المقصد الأول من دراستنا لمالك رضى الله عنه،
وسندرس فى هذا القسم من بحثنا مالكا المحدث ، ومالكا الفقيه ، فإن علم
الحديث لم يكن قد تميز تميزاً كاملا عن الفقه ، بل كانا مختلطين ، الفقيه يروى
الأحاديث التى يبنى عليها استنباطه ، فيكون محدثاً بما يرويه ، وفقيهاً بما
يستنبطه . بيد أن بعض الفقهاء كان يغلب عليه الإفتاء، وبعضهم كان يغلب
عليه الرواية ، وبذلك أخذ ينفصل الفقه عن الحديث، فمن تجرد لاستنباط
الأحكام من القرآن والحديث بعد العلم بصحته كان الفقيه ، ومن تجرد
للرواية يعرف صحيحها من سقيمها ، ويتعرف الرجال عدلهم من مستورهم
من غيره، فهو المحدث ، ولم یکن ذلك الانفصال قد تم على وجه کامل فى
عهد مالك رضى الله عنه، فكان الفقيه هو المحدث ، ولعلك لا تجد عالمنا
قد اجتمعت له الصفتان بقدر كامل، ويكاد يكون متساوياً فى الناحيتين ،
كمالك رضى الله عنه، فهو الحافظ المحدث ، الذى كان من أول من نبه
لضرورة تميز مراتب الرجال لقبول أحاديثهم ، ودرس المرويات دراسة
ناقد فاحص، وهو إلى هذا إمام دار الهجرة فى الفقه والإفتاء ، وقشد
الرحال لسماع فقهه واستفتائه فى المسائل المختلفة، وستكون دراستنا
لمالك المحدث عند دراستنا للأصل الثانى من أصول الاستنباط عنده،
وهو السنة .
١٨ - وإننا إذ نتجه إلى دراسة فقه الإمام مالك لابد أن تكون بين
أيدينا المادة الفقهية التى نتعرف منها مسالكه فى الاجتهاد وأصوله فى الاستنباط
والفروع الفقهية التى أفتى بأحكامها، ثابتة السند، مؤكدة النسبة إليه،
أو راجعتها .
ولكننا عند هذه الدراسة سنجد مالكا كما أشرنا فى صدر كلامنا لم

- ٢١٣ -
بدون أصوله، وإن كان قد ذکر منهاجه إجمالا فی کثیر من عباراتاشتمل
عليها الموطأ وعبارات رويت عنه بطريق تلاميذه والمعاصرين له ، وإن
ذلك القدر المروى بالنص لا يكفى فى تعرف تلك الأصول ، ولذلك سنتجه
فى تعرفها ، إلى ما استنبط فقهاء مذهبه من الفروع، وما تومىء إليه الفروع
المختلفة، مع موازنة ذلك بالمأثور من عباراته ، وما يشير إليه الموطأ من
منهاج له .
أما الفروع الفقهية فقد وردت لنا بطريقين (أحدهما ) كتبه التى ألفها
وعلى رأسها الموطأ ؛ فهو وإن كان كتاب حديث محص السند والمتن ، هو
كتاب فقه يشتمل على رأى مالك فى المسائل الفقهية التى تشملها موضوعاته،
وهو مرتب ترتيباً فقهياً، وهو أصدق كتاب ينبىء عن علم مالك بالفقه
والحديث .
(الطريق الثانى) هو نقل أصحابه لآرائه فى المسائل المختلفة ، فقد كان
لمالك رضى الله عنه تلاميذ بلاد الحجاز، وتلاميذ بمصر، وبشمال أفريقية،
وبالأندلس وقد انبثوا فى تلك الأقطار المتنائية فى حياته ، ينشرون
فتاويه فى المسائل والواقعات ، وقد استحفظوها وقيدوها وكان هو لا يمنعهم
من تقييدها ، وإن لم يكن حريصاً على نقلها ، وقد دونت تلك الفتاوى ،
وجمعت، وخرج عليها ، فكانت هى الطريق الثانى لتعرف فقهه ، بعد تعرفه
ما كتبه هو .
ولنتكلم كلمة موجزة عن هذين المصدرين ؛ نتعرف فى أولاهما کتبه؛
وما هو صحيح النسبة منها ، وما يتكلم العلماء فى نسبته ، ونتكلم فى الثانية
عن تلاميذه الذين نقلوا علمه ، وما نقلوه .

- ٢١٤ -
كتبه
١٩ - كان المجتهدون فى عصر الصحابة يمتنعون عن أن يدونوافتاويهم،
أو اجتهادهم ، بل امتنعوا عن تدوين السنة نفسها، ليبقى المدون من أصول
الدين الكتاب وحده ، وهو عمود هذه الشريعة، وأورها المبين ، وحبل
الله الممدود إلى يوم القيامة ، ثم اضطر العلماء لتدوين السنة، ولتدوين
الفتاوى والفقه فكان فقهاء الحجاز يجمعون فتاوى عبد اللهبنعمر ،وعائشة،
وابن عباس، ومن جاء بعدهم من التابعين فى المدينة ، وينظرون فيها ويبنون
عليها، وكان العراقيون يجمعون فتاوى عبد الله بن مسعود ، وقضايا على
وفتاويه ، وقضايا شريح وغيره من قضاة الكوفة، وقد رووا أن إبراهيم
النخعى جمع الفتاوى، والمبادىء فى مجموعة ، وأن حماداً شيخ أبى حنيفة
كانت له مجموعة .
ولكن يظهر أن هذه المجموعات لم تكن كتباً مبوبة منشورة ، بل
كانت أشبه بالمذكرات الخاصة ، يرجع إليها المجتهد ولا يعلنها للناس كتاباً،
وإنما يكتبها خشية النسيان. ولقد كان ذلك يحدث فى أحوال نادرة من
الصحابة أنفسهم ، حتى إنه ليروى أن على بن أبى طالب كرم اللهوجهه كان
يحمل صحيفة فيها بعض أحكام فقهية ، ويظهر أن هذه الأحوال التى
كانت نادرة فى عصر الصحابة قد كثرت قليلا فى عصر التابعين ، ثم صارت
نواة التأليف والتدوين بعد ذلك .
وكان أول مؤلف، أو أقدم مؤلف معروف هو موطأ الإمام مالك
رضى الله عنه ، فمالك على هذا يعد أول مؤلف قدعرف بالتدوين والتأليف
فى الإسلام ما دام موطؤه أقدم مؤلف معروف .
٢٠ - لم يكن مالك أول مؤلف بالموطأ فقط ، بل تنسب له مؤلفات
أخرى تذكرها كتب مناقبه، فقد ذكروا عدداً كبيراً من مؤلفاته،

- ٢١٥ -
i' t
ولنذكرها كما جاءت فى تلك الكتب تاركين الكلام فى سند الموطأو تفصيل
القول فيه إلى موضع قريب ، فإنه لمكانه من الحديث والفقه ، ولما بشير
إليه من طريق فى مالك نقد الرجال ، ومنهاجه فى الفتوى نفرد له .
باباً خاصاً .
جاء فى كتاب تزبين المالك للسيوطى ما نصه: «الذى دلت عليه الأخبار
أن مالكا صنف كتباً متعددة غير الموطأ، وقد رأيت له تفسيراً لطيفاً
مسنداً ، فيحتمل أن يكون من تأليفه ، وأن يكون علق منه ، ورأيت لابن
وهب كتاب المجالسات عن مالك ، فيه ما سمع من مالك فى مجالسه ، وهو
مجلد مشتمل على فوائد جمة من أحاديث وآثار، وآداب، ونحو ذلك(١).
ثم رأيت القاضى عياضاً قال فى المدارك: ((له أوضاع كثيرة، وتأليف
غير الموطأ، مروية عنه أكثرها بأسانيد صحيحة فى غير فن من العلم .
"لكن لم يشتهر عنه غير الموطأ، وسائر تآليفه إنما رواها عنه من كتب بها
إليه ، أو آحاد من أصحابه، ولم يروها الكافة، ومن أشهرها رسالته إلى
ابن وهب فى القدر والرد على القدرية ، وهو من خيار الكتب فى هذا
الباب الدالة على سعة علمه رویت من طريق ابن وهب باسنادین صحیحین،
ومنها كتابه فى النجوم ، وحساب دوران الزمان ، ومنازل القمر ، وهو
كتاب جيد مفيد جداً ، قد اعتمد الناس عليه فى هذا الباب، وجعلوه أصلا،
قال سحنون. وهو مما انفرد بروايته عن مالك عبد الله ابن نافع، وقدسمعته
من ابن نافع، ومنها رسالته فى الأقضية كتب بهالبعض القضاة عشرة أجزاء،
رواها عنه ابن عبد الجليل، ومنها رسالته إلى ابن غسان محمد بن مطرف
فى الفتوى ، رواها عنه خالد بن نزار، ومحمد بن مطرف .... ومنها تفسير
غريب القرآن يرويه عنه خالد بن عبد الرحمن المخزومى ، وينسب إليه
كتاب السرور رواه ابن القاسم عنه)).
(١) لكن يلاحظ أن تلك المجالسات تحوى كلمات لمالك، ولكنها ليست
جمعه وتأليفه ، كالموطأ .

- ٢١٦ -
هذه كتب ذكرها القاضى فى المدارك ، وذكر غيرها ، ويلاحظ أنها لم
ترو عن مالك برواية مشهورة ، بل تنتهى فى روايتها إلى انفراد واحد من
أصحابه بها أو اشتراك اثنين فى نقلها ، فلم يكن لها الكثرة التى تبعدها عن
مكان الريب فى نسبتها ، وليست لهاشهرة تجعلها أمراً ثابتاً فى التاريخ لا يصح
الشك فيه من غير سند يقدح فى نسبتها، وبعضها فى موضوعات لم يشتهر علم
مالك بها كالنجوم ومدار الأفلاك ، فلم يعرف أن مالكا تلقاها ، وعنى
بدراستها وتدريسها ، بل إن مجموع أحواله وأقواله تنافيها ؛ إذ أن العلم
الذى كان معنياً بنشره وبئه لأصحابه وتلاميذه هو علم الكتاب والسنة
وما استنبط منهما ، ولا يعنى بنشر غير ذلك .
وإن هذه الكتب غير الموطأ لم تنشر بين الناس ، ولم يتداولها أهل
عصرنا هذا، حتى نعنى ببحث النسبة فيها عناية فتقصى فيها أطراف البحث ،
لنصل فيها إلى نتيجة راجحة، أو قريبة من اليقين .
٢١ - ولكن هناك رسالة متداولة مطبوعة فى مصر (١) يقرؤها الوعاظ
والمرشدون ، وهى رسالته إلى الرشيد ، فيجب علينا أن نوجه إليها
بعض العناية .
لقد ذكر القاضى عياض فى المدارك خبر هذه الرسالة فى ضمن ما ذكره
من كتبه، فقال: ((ومن ذلك رسالته إلى هرون الرشيد المشهورة فى الآداب
والمواعظ حدث بها بالأندلس أولا ابن حبيب عن رجاله عن مالك ،
وحدث بها آخراً أبو جعفر بن عون اللّه، والقاضى أبو عبد الله بن مفرح،
عن أحمد بن زيدويه الدمشقى ، ولم يرفع السند ، وحدثنا شيوخنا عن أبى
عمر الطلبنكى عنهما ، ولم يرفع سند هذه الرسالة من هذا الطريق، وأما من
غيره ، فقد أخبر بها القاضى الشهير أبو على ، وغير واحد من شيوخنا عن
(١) طبعت هذه الرسالة متفردة. وطبعت فى خاتمة كتاب : سعد الشموس
والأقار ، وزبدة شريعة النبي المختار .

١
- ٢١٧ -
أبى الحسن بنالعیور البغدادی عن أبى عمر بن حیوه، عن أبى عمر عبيد الله
ابن نافع عن مالك ، وأخبرنا بها أيضاً أبو محمد بن عتاب عن أبى عبد الله
ابن ثبات عن ابن مفرح ، عن جعفر محمد بن عبد الحميد الفرغانى ، عن
عثمان بن عبد الله بن سعيد بن المغيرة العثمانى ، قال حدثنا عبد الله بن نافع
الزبيرى ، قال هذا كتاب وضعه مالك بن أنس ... ))
هذه أسانيد الرسالة التى ذكرها عياض فى مداركه ، والرسالة المطبوعة
فی مصر لها سندان آخران ینهی أحدهما إلى عبد الله بن نافع، ویرویه ابن
نافع عن أبى بكر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن مالك.
وثانتهما ينتهى بأبى حمزة الزييرى ، ثم أبى بكر بن عبد العزيز الخطابى
المذكور آنفاً ، لكنه فى هذا السند يذكر أن الرسالة إلى يحيى بن خالد
البرمكى ، لا إلى الرشيد، ويقول الراوى ( الجمع بينهما ممكن بأن يكون كتب
لهذا، ولهذا، وارتفع الأشكال(١)).
٢٢ - هذه أسناد الرسالة ، وقد رأيت أنها مختلفة بعضها مرفوع ،
وبعضها مقطوع ، وبعضها يذكر أن الرسالة كانت لهرون ، وبعضها يذكر
أنها كانت ليحيى بن خالد. وما يذكره الراوى من التوفيق، وإن كان ممكناً
فى نظره فهو غير مستساغ فى ذاته .
ولقد أفكر نسبة هذه إلى مالك بعض من علماء المالكية، منهم كما فى
المدارك (« إسماعيل القاضى، والأبهری . وأبو محمد بن أبى زيد . وقال إنها
لا تصح، وإن طريقها إلى مالك ضعيف، وفيها أحاديث لا نعرفها . وقال
الأبهرى فيها أحاديث لو سمع مالك من يحدث بها لأدبه، وأحاديث منكرة
تخالف أصوله قالوا وأشياء فيها أخرى لا تعرف من مذهب مالك ورأيه،
(١) خاتمة سعد الشموس ص ٢٧١.
1

- ٢١٨ -
وقد أنكرها إضيغ بن الفرج أيضاً، وحلف ما هى من وضع مالك(١)).
ونرى من هذا أن أولئك العلماء ينكرونها، لضعف سندها، واضطرابه،
ولأن فيها أحاديث ينكر مالك مثلها رضى الله عنه، وفيها أحكام مخالفة
لمذهب مالك المشهور ورأيه، فكانت أسباب التكذيب مشتقة من سندها،
ومن متنها ، ولذلك ردوها .
٢٣ - وأننا لما تقصينا هذه الرسالة وقرأناها بقليل من الفحص انتهينا
إلى أنه لا يمكن أن يكون كل ما اشتملت عليه الرسالة المطبوعة فى مصر ،
والمشهورة مما ينسب إلى مالك، لأن مالكا رحمه اللّه كان رجلا كيساً )،
وكان يعرف مواضع القول. وقد جاءه عهد الرشيد ، وقد بلغ من جلال
السن ، وحسن الخبرة، وتجارب الحياة ما يجعله يعرف كيف يخاطب الملوك،
وما هو الأجدی فی الحديث معهم ، ثم إن مالکا رحمه الله كان من يقل فى
القول ، ويصيب به المفصل ، ولا يزيد عما ينبغى .
وإن إرشاد الملوك يكون فيما هو من أعمالهم، لا فى الأمور التى يتساوون
فيها مع سائر الناس ، وقد رأيناه فى الرسالة لا يتصدى للعدل والظلم إلا
قليلا ، وهما أخص ما يخاطب فى شأنهما الملوك ، ووجدناه يتحدث عن
الاغتسال ، وعن الأكل جنباً، فيجىء فى الرسالة: (( لا بأس أن تغتسل فى
الحمام، وأنت جنب وتصلى وفيها: ((لا بأس أن تأكل جنباً؛ وإن كنت
لم تتوضأ إذا غسلت يدك (٢))) وفيها (( لا بأس بمصافحة الجنب ومباشرته)).
ومثل هذا لا يخاطب به الملوك. وليس هو موضع عظتهم ، بل إنه ليس
فيه موعظة لأحد، إنما هو إفتاء لمن يستفتى من عامة الناس ..
ونجد فيها ما لا يمكن أن يكون خطاباً لخليفة ليس فوقه أحد إلا الله
(١) المدارك ص ٠٤٣٢
(٢) الرسالة ص ٠٢٧٧

- ٢١٩ -
سبحانه: ففيها. (( إذا حضرت أمراً ليس بطاعة الله، ولا تقدر أن تدفعه
فقم عنه ولا تقعد، بلغنى عن النبى ◌ّ س أنه قال لا يمنعن أحدكم مخافة الناس
أن يقول الحق إذا شهده،.
إن نهى الشخص إنما يكون فيما يتصور منه، وهل يتصور أن الحاكم
الذى كانت تطلب الملوك رضاه من مشارق الأرض ومغاربها يحضر أمراً
ليس بطاعة الله ولا يقدر على دفعه، إننا لا نستطيع أن نتصور أن مالكا
الكيس العاقل يقول مثل ذلك القول للرشيد ، لأنه غير مستساغ ،
ولا مقبول .
ومن مثل هذا ما جاء فيها: ((ومن أولاك معروفا، وعجزتَ عن
مكافأته ، فأثن علیه ، واذكره به، وهل يتصور أن من كان له ملك الرشيد
وسلطانه، يعجز عن المكافأة على معروف ، حتى يستعيض بما هو صنيع
الشعراء، لا صفيع الخلفاء، وهو الإشادة بالذكر والثناء، والقول الحسن .
ومما جاء فيها ولا يتصور أن يكون من الخلفاء، ((إذا دعيت إلى تحمل
الشهادة فإنك مخير ، فإن شهدت ؛ فلا يسعك الامتناع إذا دعيت ، فهل
يتصور من الخليفة أن يجيئه الناس ليشهدوه على بياعاتهم ، وأحوالهم
وأعمالهم ليشهد بها بين يدى القضاء !! لقد جاء فى هذه الرسالة ذلك منسوباً
إلى إمام دار الهجرة مالك ، على أنه نصيحة للرشيد .
ومما جاء فى الرسالة ، وهو لا يحسن أن يكون موضع إرشاد للملوك
أو السوقة ((إذا أكلت طعاماً، فعلق بين أصابعك، فالعقها، وأسنانك
فتخلل(١)» .
وإنك تجد فى ذلك الذى لا يليق أن يكون موعظة للخلفاء، لأنه
لا يكون منهم ما يقتضيها - كثيراً جداً فى هذه الرسالة ، ولذلك نظن
(١) الرسالة ص ٣٧٩.

- ٢٢٠ -
ظناً يكاد يكون يقيناً بأن ما فى هذه الرسالة لا يمكن أن يكون كله لمالك ،
بل لا يمكن أن يكون أكثره له ، لأن أكثره لا يكون من مواعظ الملوك،
إذ مواعظ الملوك تكون فيما يتصل بتخويفهم من الله وبما اختصوا به،
وهو القيام على شئون الرعية ، وتدبير أمورها، والسعى لصلاحها ، ورفع
المظالم، وإقامة العدل .
٢٤ - وإننا إذ نحكم بأن هذه الرسالة لا يمكن أنيكونحلها، ولا جلها
منسوبا لمالك رضى الله عنه، فإنه يغلب على الظن أن بعضها تصح نسبته إليه،
بل نرجح نسبته إليه ، لأنا وجدناه فى رسالة أخرى أو ثق من هذه سنداً
وهى مما يليق أن يكون موعظة للخلفاء، فهو لا يتجاوز تذكيره بالوعد
والوعيد، وهو مقدمة هذه الرسالة ، فعسى أن يكون الذين نحلوا مالكاهذا،
جاءوا إلى رسالة منسوبة إلى مالك، صحيحة النسبة إليه، فأتوا بها، وأضافوا
ما زادوا ما رأينا، وما تركنا ذكره، لأنه كثير ، ومنه ما لا يتفق مع
المشهور عن مالك .
ولنذ کر مقدمتها ، فقد وجدناه بنصه فى المدارك ، برواية سعید بن أبى
زبير من رسالة لأحد الخلفاء.
وهذا نص ما فى المدارك: ((قال سعيد بن أبى زبير كتب مالك رحمه الله
إلى بعض الخلفاء كتاباً يعظه فيه : أما بعد، فإنى كتبت كتاباً، لم آل فيه
رشداً ، ولم أدخر فيه نصحاً ، فيه تحميد الله ، وأدب رسول الله ێالله، فتدبر
ذلك بعقلك ، وردد فيه بصرك، وأوعه سمعك ، ثم اعقله بقلبك ، وأحضر
فهمك ، ولا تغيين عنه ذهنك ، فإن فيه الفضل فى الدنيا، وحسن ثواب الله
تعالى فى الآخرة ، ذکر نفسك غمرات الموت و کربه، وماهو نازلبك منه،
وما أنت موقوف عليه بعد الموت ، من العرض على الله تعالى، ثم الحساب،
ثم الخلود بعد الحساب، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وأعد لله عز وجل
ما يسهل عليك أهوال تلك المشاهد، وكربها ، فإنك لو رأيت أهل سخط الله،
وما صاروا إليه من ألوان العذاب، وشدة نقمته عليهم، وسمعت زفير هم فى