Indexed OCR Text
Pages 141-160
- ١٤١ - العمل بما عليه أهل المدينة إنما كان يدعوه إلى اقتفاء آثار التابعين والصحابة ، والنبى الكريم من قبلهم ، فالعلم يفقه الصحابة والتابعين فى اتفاقهم واختلافهم كان أساس نقاشهم. والرسالتان قد أثيرت فيهما تلك المسألة التى جعلها مالك أساساً من أسس الاستنباط عند مالك ، وهى مسألة عمل أهل المدينة ، وقد ذكرنا أن ربيعة أشار إليها فى بعض كلامه ، فمالك يستمسك فى رسالته بها ، والليث يناقضها لتفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمصار؛ وهكذا كانت الفكرة فى شد وجذب بين الإمامين الجليلين . والرسالتان فوق ذلك أدب جم، وبحث قيم ، ومودة صادقة ، ومخالفة فى طلب الحق هادية ، لا لجاجة فيها ولا خصام، بل محبة ، وولاء، ووئام . ٤ - عصر مالك ١٠٥ - ولد مالك رضى الله عنه فى عهدالوليد بن عبد الملك الأموى، وتوفى فى عهد الرشيد العباسى ، فهو قد أدرك الدولة المروانية . وقد استقر سلطانها وتوطدت أركانه ، ثم رآها وهى تنحدر فى الشرق إلى هاوية الفناء ، وأدرك الدولة العباسية ، وهى دعاية خفية تفرخ فى ظلال الكتمان ، ثم أدركها وهى تنقض بناء الدولة الأموية ، وتنقض عليها الأرض من أطرافها، وتجلس على أريكتها ، أدرك هذه المغالبة بين بنى مروان ، وبنى العباس ، ثم رأى بنى العباس غالبين جالسين على عرش الخلافة الإسلامية ، ورأى مغالبة أبى جعفر المنصور لبنى عمه أولاد على بن أبى طالب ، واستقرار الأمر له من بعد الغلب عليهم، ورأى مناجزة المهدى للزَنادقة، واستنصاره بالعلماء يقضون على فسادهم فى العقيدة بالعراق فى الوقت الذى كان يقضى على جيوشهم التى كانت بقيادة المقنع الخرسانى فى ميدان القتال ، ثم رأى أمر الدولة ، وقد استقر فى عهد الرشيد ، ورأى الحضارة العباسية وقد 1 -- ٢٤٣ = امتزجت فيها الحضارات المختلفة ما بين فارسية وهندية وعربية، وهضمتها المبادىء الإسلامية ، وكانت العنصر الجامع لوحدتها ، المؤلف لمتنافرها ، المغذى لها بغذاء صالح من التهذيب، والتقى، والمنظم للعلاقات تنظيما محكما ، مهما يكن لون الحاكم، وقرب حكومته فى تأليفها من نظام الحكم فى الإسلام أو بعدها . ١٠٦ - ولقد قسمت حياة مالك التى بارك الله فيها، قسمة تكاد تكون متساوية بين العهدين الأموى والعباسى، فقد عاش نحو أربعين سنة فى العصر الأموى، ونحو ست وأربعين فى العصر العباسى ، فهو قد بلغ أشده عندما سقطت الدولة الأموية ، وكان فى سن الرجولة الكاملة عندما استقر الأمر لبنى العباس . وقد تكون عقله وجسمه فى العصر الأموى ، لأنه بلغ فيه أشده وبلغ أربعين سنة فيه ، وهذه السن كافية لتكون تفكيره وعاداته ، وبلوغه مرتبة الإفادة بعد الاستفادة، والتثمير بعد التحصيل، وعلى ذلك نقول إنه فى العصر المروانى كان يكون نفسه ويربيها ، وفى العصر العباسى كان يكوّن التلاميذ ويغذيهم، ويبادل الصحاب ثمرات الفكر، وما حصل من علم وحديث وسنة. ولا يصح أن نقول إنه فى العصر العباسى لم يستفد علماً جديداً ؛ فإن العقل طلعة يتطلب المعرفة دائماً خصوصاً عقل العالم المخلص ، الذى يطلب العلم لا يبتغى به سوى الحق ، ومالك كان من صفوة العلماء الذين أثروا فى الأجيال ، وكان يرى ما يطلبه من أنواع العلم ديناً، لا يرجو بطلبه إلا ما عند الله، ولذلك نقول إن مالكا لم ينقطع عن طلب المزيد من العلم ، حتى بلغ الشيخوخة من العمر ، ولكنه فى شبابه كان يأخذ الكثير ، ولا يعطى إلا قليلا. وفى كهولته كان يأخذ قليلا ويعطى كثيراً ، وفى شيخوخته يأخذ الأفل، ويعطى الأكثر. ت ٢٤٣ - ١٠٧ - وإذا كان مالك قد عاش فى العصرين - كما علمت وجب علينا أن نشير إشارة موجزة إلى الحياة السياسية فى العصر الأموى، والعصر العباسى ، ثم الحياة الاجتماعية فى البلاد الإسلامية عامة ، وفى المدينة خاصة، ثم الأفكار التى كانت تغزو الفكر الإسلامى فى حواضر العالم الإسلامى فى شتى نواحيه ، وفى المدينة التى اتخذها مالك مقاماً له ، لايرضى بغيرها بديلا . ١٠٨ - ولنبدأ بالناحية السياسية، وإنا لنجد مالكا رضى الله عنه قد أدرك الدولة الأموية فى عهد الوليد بن عبد الملك الذى استقر فيه الملك الأموى بعد النزاع الطويل المستمر، وكان ذلك الاستقرار قد أنتج أطيب الثمرات ، فقد فتحت فى عهده الأمصار النائية ، فوصل الإسلام غرباً إلى جنوب أوربا، وغزت كتائبه وسطها ، ووصل الإسلام شرقاً إلى حدود الصين ، بل دخل إلى أهلها . وبفضل استقرار الأمور سمح الزمان بعمر بن عبد العزيز عادل بنى مروان ، فقد رأى مالك إذن نعمة الاستقرار وثمرته، ثم وصل إلى علمه ما كان من فتن بين معاوية وعلى . وما كان من فتن فى عهد يزيد إستبيحت فيها الحرمات فى المدينة واتهك فيها حمى رسول اللّه صَ لّه. وعلم أمر الفتن بين عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان . وكيف سرى الفساد بسببها بين الجماعات الإسلامية، وهزعت الأخلاق . واضطلى المسلمون بنيران أكلت الأخضر واليابس، وصار بأسهم بينهم شديداً ، ولولا رحمة من ربك لطمع فيهم أعداؤهم . ولكن الله ألقى فى قلوب أولئك الرعب منهم، فلم يكونوا فى حال تسمح بأن ينقضوا عليهم. وسمع مالك وعلم وعاين خروج الخوارج، وإزعاجهم لأمن الناس ، وتخطفهم المسلمين فى أطراف البوادى، لا يبقون على قائم، يفهمون الدين بظواهر الألفاظ، ويمرقون من حقائق الإسلام مروق السهم من الرمية ، - ٢٤٤ - يخلص من يخلص منهم، ولكن يرمون غيرهم بالكفر والفسوق عن جهالة، ومن غير بينة ولا سلطان من الشرع مبين . ورآهم بقيادة أبى حمزة يساورون المدينة، ويقتلون من أهلها القتل الذريع، ثم يدخلونها ، فلا یقیمون حقاً ، ولا يخفضونباطلا ، وقد ذكرنا لك فيما مضى من القول خطبة قائدهم . وكيف كانت طعناً فى أهل المدينة ،. فزاده ذلك نفوراً منهم فوق نفوره. هذا ما رآه من فساد جره الخروج على الحكام ، وجرته الفتن ، لذلك كان مبغضاً لكل خروج، ولكل داعية إليه ، ولم ينظر إلى الخارجين على الحكم المستقر نظرة الرضى، لأن التجارب التى رآها ، والتى علم خبرها فى ماضى الأمة جعلته لا يطمع فى تغيير الحال من ظلم إلى عدل بالخروج ، بل يرى فى الخروج فوضى تفسد ولا تصلح، وتزعج الآمنين ، ولا ترد ظلماً؛ ولعل تلك كانت نظرته إلى العلويين الذين خرجوا فى عصره على الحكم الأموى، كما حكى التاريخ عن خروج زيد بن على وابنه وحفيده على الأمويين ، إذ هى لم تتجاوز أنها فتن أزعجت الآمنين ، ولم تدفع ظلم الظالمين، ولو كان القائمون بها من ذوى الفضل والمكانة كزيد بن على رضى الله عنه. لذلك نجد مالكا يرضى بالاستقرار، ويرى أن صلاح حال الأمة سيؤدى لا محالة إلى صلاح حكامها ، ويرى أنه يجب البدء بإصلاح الرعية ، فإنها الأصل ، وهى الشجرة ، والحكام ثمرتها ، والثمرة دائماً من جنس شجرتها، تستمد عناصر تكوينها منها، فإن كانت طيبة صالحة فهى كذلك ، ولا يجنى أحد من شجر غير ثمره ، ولا تحيا نمرة فى غير شجرها . ١٠٩ - لم يفكر مالك عند خروج الخارجین فی کون بنى أمية كانوا على حق أو كانوا على باطل فى توليهم ، وإنه كان يعتقد أن نظام توليهم لم يكن هو النظام الإسلامى كما سنبين، ولكنه لم يبح الخروج عليهم . لأنه كان i -- ٢٤٥ - يميل إلى الاستقرار، ولأنه كان يستمد حكمه من الوقائع لا من النظر المجرد، فهو رأى الخروج فوضى لا تؤدى إلى إقامة الحق ، ورأى فى الاستقرار- ولو تحت سلطان حكومة لم تكن طريقة توليها طريقة شرعية - ثمرات طيبة . ولعل طبيعته الهادئة المطمئنة ، وميله إلى الدعة والاطمئنان من أسباب ترجيح ذلك المنزع عنده، واتجاهه إلى ذلك النحو من التفكير ، وإن كان هو المخلص التقى الذى لا يخشى فى الله لومة لاثم؛ ولعل بعض الكتاب قد فهم من هذا الموقف رضحاه عن حكم الأمويين ، أو تأييده لهم ، والحق أنه لم يكن بالنسبة لهم راضياً، أو ساخطاً، بل كان يسخط على الخروج ، لأنه فتنة أياً كان داعيها ، وقد يرى فى الاستقرار سبيل التغيير والتبديل ، والانتقال من غير الصالح إلى الصالح، ومن الصالح إلى الأصلح . ١١٠ - جاء الحكم العباسى، وقد سبقته اضطرابات شديدة فى أكثر البقاع الإسلامية ، وحروب شديدة اشتجرت فيها السيوف الإسلامية ، وكان بأس المسلمين بينهم شديداً ، وكان المسلمون فى ديجور من الفتن مدلهم، وغزيت المدينة وقتل أبناء المهاجرين والأنصار على أيدى الخوارج فى ظلمات هذه الفتن ، فلا بد أن يكون مالك الذى لا يستطيب إلا الاستقرار ولا ينزع إلا إلى الأمن والاطمئنان، والذى يرى أن الصلاح يكون للشعب أولا ، غير راض عن ذلك ولم تستقم الأمور فى مطلع الدولة ، فكان يخشى أن يصير أمر الأمة سدداً بدداً وكان الاستقرار حلماً يحلم به أطالبوه ، ولما يحدوه، وأمنية تتمنى، ولا واقع يحققها ، فلابد إذن أن يكون مالك ساخطاً غير راض، لا لأنه يبغض بنى العباس ويحب بنى أمية، بل لأنه قد ذهب الاستقرار الذى كان ينعم به، والاطمئنان الذى كان يمكنه من مواصلة حياته الفكرية آمناً هادئاً . ولما استقرت الأمور بعد أن قضى أبو جعفر على عارجة العلويين عليه، (م ١٠ - مالك) i - ١٤٩- رضى مالك بعد سخطه ، وصار موقفه من العباسيين كموقفه من الأمويين ، لا يرى فى طريقة توليها الطريق الشرعى الذى اتبع فى اختيار أبى بكر،وعمر، وعثمان رضى الله عنهم، ولكنه يرضى بسلطانهم، لأن فيه منعاً للفوضى، وحفظاً للأمن، ودفعاً للفتن ، وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . ١١١ - ولقد وجد فى بنى العباس سامعين لنصائحه ، مسترشدين مواعظه ، فشجعه ذلك على الاتصال بهم ، وقبول هدایام ، غیر باحث عن مصدرها: وذلك لأن الخلفاء العباسيين كانوا لصلتهم القريبة بالنبى عنه يحسبون لأنفسهم منزلة دينية توجب عليهم أن يكونوا على صلة بالعلماء ، وأن تكون أعمالهم لها من الشرع اعتبار، وكانوا يجمعون جمعاً متناسباً بين الانغماس فى اللهو والترف ، وبين النزعة الدينية ، فهم يحترعون من اللذائذ والشهوات، ويوغلون فى بعض المشتبهات ، ويحومون حول حمى المحرمات، بل ربما استساغها بعضهم، وفى الوقت ذاته يستمعون إلى مواعظ العلماء ، ويطلبونها، ويبكون عند سماعها، كأنهم الزهاد الأبدال ، ولقد وجدنا رسائل كثيرة من زهاد وعباد وعلماء كانت ترسل للرشيد ويذكر بعض المؤرخين أنه كان يبكى عند سماعها ، ووجدنا الرشيد فى جبابة الخراج والضرائب يسترشد بأبى يوسف، ويستمع إلى حكم الدين، فيكتب ذلك الإمام له الأوامر الدينية فيها بلغة تجمع بين الحقيقة والكياسة ، وتجعل الحقائق الدينية الثابتة مقبولة لدى ذلك الحاكم المستبد مستساغة . . ويذهب المنصور والمهدى والرشيد إلى الحج، فيكون من عنايتهما بالعلم والعلماء، والدين وحامليه، أن يلتقوا بهم، وأن يختصوا مالكا باللقاء وفضل التقدم والصدارة فى مجالسهم . ١١٢ - وكان مالك لهذا لا يضن بهذه النصائح، ويدل بها، وقد ذكرنا بعض هذه النصائح ومواعظه لهم . -١٤٧- ومن أحوال العصر ، ومن علمه بالآثار ، وأخبار الراشدين رضى الله عنهم، استمد رأيه فى الخلافة وطاعة الحاكمين ، كما سنبين ذلك فى موضعه من بحثنا . × ١١٣ - ولننتقل بعد ذلك إلى الحال الاجتماعية فى العصر الذى أظل مالكا ، وكان مالك على علم بها أو عائشاً فيها . وأظهر مظاهر هذه الحياة أن المدن الإسلامية كانت تموج بعناصر مختلفة من فررس وروم وهنود وعرب ، وقد اتسعت رقعة الدولة الإسلامية فهى من الأندلس غربا إلى المالك التى تصاقب الصين شرقا ، وكثرت فيها الحواضر، وقد تفرق فى القديم أصحاب رسول اللّه مسلم فى عصر عثمان وماوليه من العصور، فكان لكل تلاميذ، وآراء فقهية قوائم ما عليه أهل تلك المدن، ثم إن كل مدينة كانت لمكا خصائصها الاجتماعية ، والتجارية ، والعلمية ، وتريد أن تكون لها المكانة السامية بكثرة علمائها وفقهائها . وقد وصف أستاذنا المرحوم الخضرى، طيب الله ثراه، أحوال تلك المدن فى أول العصر العباسى فقال : وإذا أطللت على منتهى المملكة الإسلامية من جهة الغرب، حيث جزيزة الأندلس ، وجدت مدينة قرطبة تستعد إلى مساواة بغداد تحت نظر الأمير الجليل عبد الرحمن بن معاوية مؤسس الدولة الأموية فى الأندلس ، ونجد فى أفريقيا مدينة القيروان التى ورثت عظمة المدن الإفريقية الرومانية ، وانتهى جمالها ، ونجد بعد ذلك مدينة الفسطاط حاضرة مصبر، وقد جمع مسجدها الأعظم حلقات العلماء الذين أبقوا لهم أكبر الآثار فى الاجتهاد والاستنباط، وهم الذين أظهروا للناس كافة فقه الأئمة المجتهدين على اختلاف مذاهبهم .. والمطلع على ماكتبه مؤرخو هذا البلديرى له من الحضارة فى العلم والتجارة والصناعة ما لا يقل عن - ١٤٨ - مدينة بغداد ، ثم مدينة دمشق ، فهى وإن زايلتها أبهة الخلافة لم تزل حافظة لتلك العظمة التى ورثها إياها بنو أمية، ولاتزال الكوفة والبصرة آهلتين بالعلماء والحكماء، ومع قرب بغداد منهما لم تستطع بعظمتها أن تكسف شمسها ، لأن البصرة كانت الثغر الأعظم التجارة الهند ، والكوفة مقر العنصر العربى. وإذا توجهت إلى الشرق رأيت مدن مرو ، ونيسابور وغيرها من المدن العظام، وقد استلزمت الحضارة اتساع نطاق التجارة والزراعة والصناعة ، وكل هذا قد بلغ أشده فى هذا الدور ، حتى صارت الرقعة الإسلامية تزهو بحضارتها على كل حضارة سبقتها لأنها خلاصة حضارات مختلفة، ولا مراء فى أن لذلك أثراً كبيراً فى الفقه ، لأنه يمكن القائم به من وضع المسائل المختلفة ، ليستنبط الجواب عنها (١). ١١٤ - هذه حال المدائن الإسلامية بشكل عام من ناحية التجارة والصناعة وسائر نواحى الحضارة والنزوع العلمى فى كل مدينة ، وكانتكل مدينة تموج بأمشاج مختلفة من أجناس متباينة الأرومة ، وكل يحمل حضارة جنسه فى أطواء نفسه، ومكان حسه ، وإن المجتمع الذى يكون على هذه الشاكلة تكثر فيه الأحداث الاجتماعية إذ تبدو فيه مظاهر مختلفة من تفاعل تلك الخصائص الجنسية ولكل حادثة حكمها من الشرع ، فإن الشريعة الإسلامية شريعة عامة تحكم بالإباحة أو المنع فى كل الأحداث دقيقها وجليلها ، ومن شأن دراسة هذه الأحداث أن توسع عقل الفقيه ، وتفتق ذهنه إلى استخراج المسائل وتوسع فيه ناحية التصور اللازمة لوضع) ضوابط عامة لجنس الفروع المتباينة . وإذا كانت المدن الإسلامية فيها كل هذه المظاهر، المدن الحجازية ، التى (١) راجع كتاب تاريخ التشريع الإسلامى تجد هذا مستوفى فى باب عصر اجتهاد الأئمة أصحاب المذاهب . ٠٠ .. - ١٤٩ - كانت مزاراً لكل المسلمين ، ولا زالت كذلك إلى اليوم ترى فيها كل الألوان وكل الصور ، وكل أشكال الحياة ؛ فإن الناس يأتون إليها من كل فج عميق، وأفئدتهم تهوى إليها إجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام ، فالمقيم بمدن الحجاز يرى فيها كل الألوان الاجتماعية للمسلمين فى الحجيج الزائرين الذين يفدون إليها ، ويطلع على أعراف الناس المختلفين بالمشاهدة والعيان ، لا بالخبر والبيان . فالمدينة التى كانت إليها الهجرة، وبها الروضة الشريفة، والمسجد النبوى، كانت مزار المسلمين فى حجيجهم، يقيمنون بالمقام فيها، واللبث بجوار رسول اللّه بستّ ◌ٍ ، فلما ارتضاها مالك مقاماً له، كان فيها كل أعراف الناس، وصور معاملاتهم فى الجملة، ومعايشهم وأحوالهم الاجتماعية . ١١٥ - هذه إشارة موجزة أشد الإيجاز إلى النواحى الاجتماعية ، أما النواحى العقلية فى عصر مالك ، فترجع إلى ناحيتين ، إحداهما : الأفكار العقلية التى سادت ذلك العصر ، وثانيهما : الدراسات الدينية فيه ، ومنزلة المدينة منها، ومكانتها من الدراسات التى تتصل بالفقه، والعلوم الدينية عامة. أما الناحية الأولى فمن الحق علينا عند بيانها أن نشير إلى الأفكار التى كانت تبلبل عقول بعض المسلمين ، وذلك أن العصر الأموى ، والعصر العباسى الأول ، كانت البلاد الإسلامية عموما ، والعراق خصوصاً مستراداً لأفكار ومذاهب تدس بين المسلمين فى الخفاء ، لتفسد عقيدتهم ، أو لتحيرهم فى أمور دينهم وتلبس عليهم الواضح السائغ المستقيم بأمور يصعب على العقل ازدرادها ، أو لا يعرف العقل البشرى حقيقة كنها ، مثل البحث فى القضاء والقدر ، وإرادة الإنسان أهى حرة، فيكون التكليف معقولا، والجزاء مقبولا أم أن الإنسان ليس له إرادة حرة ، فيبحث عن حكمة التكليف ، وغايته ، وداعيته(١). (١) الكلام فى مسألة القدر، وحرية الإرادة الإنسانية قديم ، وظهر فى = ۔ - ١٥٠ - = العصور الإسلامية الأولى. ولكنه لم يكن قوياً فى عصر الراشدين ولم يكن يثير جدلا بينهم . يروى أن عمر بن الخطاب أتى بسارق فقال له: لم سرقت : فقال قضاء الله. فأمر به فقطعت يده. وضرب أسواطاً. فقيل له فى ذلك. فقال : القطع للسرقة ، والجلد لما كذب على الله. ولقد زعم بعض الذين اشتركوا فى قتل عثمان أنهم ما قتلوه . إنما قتله الله. وحين حصبوه قال بعضهم له: الله هو الذى يرميك. فقال عثمان رضى الله عنه: كذبتم . لو رمانى الله ما أخطأفى. ولما جاء عهد على رضى الله عنه. وكثرت المناقشات حول الخلافة. ثم حول مرتكب الذنب كانت المناقشة فى أمر القدر . وجاء فى شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد:«قام شيخ إلى على عليه السلام فقال: أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء الله وقدره ؟ فقال على: والذى فلق الحبة . وبرأ النسبة. ما وطئنا موطناً . ولا هبطنا وادياً إلا بقضاء الله وقدره. فقال الشيخ. فعند الله أحتسب عنائى. ما أرى لى من الأجر شيئاً. فقال: أيها الشيخ لقد عظم الله أجركم فى سيركم وأنتم سائرون. وفى منصرفكم وأتم منصرفون. ولم تكونوا فى شىء من حالاتكم مكرهين ولا مضطرين. فقال الشيخ. وكيف والقضاء والقدر ساقانا .! ؟ فقال ومحك لعلك ظننت قضاء لازماً . وقدراً حتما. لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد والأمر والنهى ولم تأت لائمة من اللّه لمذنب ولا محمدة لحسن، ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسىء ، ولا المسىء أولى بالذم من المحسن. تلك مقالة عباد الأوثان وجنود الشيطان وشهود الزور أهل العمى عن الصواب. وهم قدرية هذه الأمة ومجوسها إن الله أمر تخييراً. ونهى تحذيراً وكلف تيسيراً. ولم يعص مغلوباً . ولم يطع كارهاً ولم يرسل الرسل إلى خلقه عبثاً . ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا . فويل الذين كفروا من النار . فقال الشيخ: فما القضاء القدر اللذان ما سرنا إلا بهما . فقال هو الأمر من الله والحكم. ثم تلا قوله تعالى ((وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه، فنهض الشيخ مسرورا ، وهو يقول : يوم النشور من الرحمن وضوانا أنت الإمام الذى نرجو بطاعته جزاك ربك عنا فيه إحسانا أو ضحت من ديننا ما كان ملتبساً - ١٥١ - وكانت هذه المجادلات تثار بين المسلمين بتدبير خفى ، ليضطربوا فى فهم دينهم، وليجد خصوم الإسلام منفذاً ينالونه منه، وليستطيعوا أن يقيموا المحاجزات حتى يمنعوا عنه المعتنقين لدين هؤلاء المدبرين. ولقد كان ذلك الدس الخفى لتشكيك المسلمين ، وتفريق آرائهم، وإثارة المنازعات الفكرية بينهم له مظاهره الواقعة التى لا يشك فى دلالتها على أن أفكاراً غريبة عن الإسلام والمسلمين تذاع بينهم لتثير جدهم ، ووجدنا فى كتاب العصر العباسى من يشير إلى تلك الأيدى الخفية، فوجدنا الجاحظ فى بعض رسائله يحصى بعض ما يذكره النصارى فيما بينهم ؛ ليثيروا بين المسلمين أفكاراً يجدون فيها حماية للمسيحية. ولقد وجدنا فى تاريخ بعض المسيحيين ، وهو يوحنا الدمشقى الذى كان فى خدمة الأمويين إلى عهد هشام بن عبد الملك ما يدل على أنه كان يعلم المسیحیین ما يجادلون به المسلمین فی شأن دينهم، وقد جاء فى كتاب تراه الإسلام أنه كان يقول : إذا سألك العربى ، ما تقول فى المسيح؟ فقل إنه كلمة الله. ثم ليسأل النصرانى المسلم، بم سعى المسيح فى القرآن ؟ وليرفض أن يتكلم بشىء، حتى يجيبه المسلم، فإنه سيضطر إلى أن يقول ((إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه))، فإذا أجاب بذلك فاسأله عن كلمة الله وروحه ، مخلوقة أو غير مخلوقة ، فإن قال مخلوقة ، فليرد عليه بأن اللّه كان ، ولم تكن له كلمة ولا روح ، فإن قلت ذلك ، فسيفحم العربى، لأن من يرى هذا الرأى زنديق فى نظر المسلمين . وفرى من هذا أنه يبين مواضع الحجة فى نظره، وكيف يفحم العربى، ثم يحرم إلى مسألة قدم كلام الله تعالى؛ ليدرى بها فى دعواه، وإن كانت لا تغنى فى الحق فتيلا ، لأن إضافة الكلمة إلى الله، وكون الروح من اللّه لا يدل على قدمها لأن الكلمة التي يخلقها الله سبحانه وتعالى ليست قديمة ، وكذلك الروح الذى يخلقه وسمى عيسى بكلمة الله ؛ لأنه نشأ بمجرد كلمة مے۔ م - ١٥٢ - الله: ((كن)). فكان من غير توسيط أب، وكذلك روحاً، لأن المادة الأولى للحى بمقتضى السنة العامة التى سنها الله فى البشر لم تكن طريقة إيجاده، والأشخاص يوصفون بأظهر أحوالهم. ثم يلقنهم ما يعد نقداً لمبادىء الإسلام ، فيتكلم فى تعدد الزوجات ، وفى الطلاق، وفى المحلل، ثم يثير بينهم أكاذيب حول النبى سَقٍِّ ، فيخترع قصة عشق النی پگ لزينب بنت جحش ، وهی زوج لزید، وهكذا ، ثم بذكر أن تقديس الحجر الأسود ، كتقديس الصليب . ولا يكتفى بكل ذلك ، بل يدفع بالمجادلين ، ليجروا المسلمين إلى الخوض فى مسألة القدر، وإرادة الإنسان ، وحرية هذه الإرادة وجبرها (١). ويقذف بالعقل العربى فى تيه من المجادلات ، ويثير بينهم طائفة من المشاكل الفكرية المعقدة ، تضليلا للمسلمين ، وإيقاعاً للفرقة بينهم، وإثارة للأهواء والنحل ، وليتفرقوا شيعاً وأحزاباً فكرية . وكل ذلك من رجل قد احتضنه البيت الأموى ، ورباه، ورعی أباه من قبل . ١١٦ - ولقد كان بجوار ذلك الاحتكار الفكرى حركة فكرية أخرى ، ابتدأت فى العصر الأموى، ونمت وآنت أكلها فى العصر العباسى، تلك هى حركة الاتصال بالفلسفة اليونانية ، فقد ابتدأت فى عهدالأمويين ، وقال ابن خلكان فى ذلك: إن خالد بن معاوية كان من أعلم قريش بفنون العلم، وله كلام فى صنعة الكيمياء والطب ، وكان بصيراً بهذين العلمين متقناً لهما، وله رسائل دالة على معرفته وبراعته، وأخذ الصنعة عن رجل من الرهبان اسمه بريانس الرومى ، وله فيها ثلاث رسائل ، تضمنت إحداهن ما جرى له مع بريانس المذكور، وصورة تعلمه منه، والرموز التى أشار إليها» . (١) جاء كل ما تقدم فى رسائل الجاحظ التى طبعها فنكل ، وفى كل تراث الإسلام وكتاب المخطوطات العربية للآب لويس شيحو . - ١٥٣ - ولقد نى ذلك الاتصال الفكرى بهذه الفلسفة حركة الترجمة التى نقلت إرسال الفكر اليونانى ، والفارسى والهندى فى العصر العباسى ، وكان لذلك أثره فى الفكر الإسلامی، وكان تأثيره مختلف الأنواع على حساب قوة العقل والدين عند من قال من هذه الفلسفة، فمن الناس من كانت له عقول مستقيمة ، وإيمان صادق ، فكانوا بقوة عقولهم ، وقوة إيمانهم يسيطرون على ما يرد إليهم من أفكار ، فتهضمها نفوسهم ، ويستفيدون منها نماء فى تفكيرهم ومداركهم ، ورياضة لعقولهم ، ومنهم من لا تقوى نفوسهم على احتمالها ، فتضطرب عقولهم عند ورودها بين قديمها وجديدها، فتكون فى فوضى فكرية لا استقرار فيها، ولذلك رأينا قوما بعضهم شعراء، وبعضهم كتاب ، وبعضهم ينتسبون للعلم قد غزتهم تلك الأفكار ، فلم تقو على هضمها عقولهم، فاضطربوا وصاروا حائرين. وقد وجد بجوار هؤلاء زنادقة كما بينا كانوا يعلنون آراء مفسدة للجماعة الإسلامية ، ويتناجون بأمور هادمة للإسلام، ويدبرون الأمر كيداً لأهله، وتهويناً لشأنه، ومنهم من كانوا يريدون نقض الحكم الإسلامى، وإحياء الحكم الفارسى القديم ، كما حدث من المقنع الخراسانى الذى خرج على الدولة العباسية فى عصر المهدى كما أشرنا . ١١٧ - کانت الأمور السابقةكلها سبباً فى حدوث منازعات فكرية، والتحام بين آراء وعقائد متباينة مضطربة ، وإذا كان مالك قد عاش فى هذا العصر ، فلا بد أن يكون قد وصل إلى مسمعه شىء من تلك الأفكار المتضاربة، وقد أشرنا فى أثناء كلامنا فى حياته إلى أنه كان على علم بشئون النحل المتباينة ولكنه ما كان يخوض فى شأنها ، وما كان يسمح لأحد أن يجرى المناقشة حولها، لأنه ما كان يسوغ للعالم أن يتكلم بكل ما يعلم ، بل كان يطالبه بألا يتمكام إلا بما يفيد ، ويطيقه السامعون، وتستسيغه نفوسهم، ويكون مرىء العاقبة ، ولا يكون وبيئاً . - ١٥٤ - نعم إنه لم يكن على علم بها بالقدر الذى كان يعلم به أبو حنيفة الذى عاصره، لأن أبا حنيفة كان بالعراق موطن ذلك التناحر ، وكان مالك بالمدينة ، وهى نائية فى الجزيرة العربية ، ولم يكن العلم الرائج فيها من ذلك الصنف الذى كان يروج فى البصرة والكوفة ، إذ علم الذى كانت تروج سوقه هو علم الكتاب والسنة والاستنباط الفقهى تحت ظلهما، وعلم مالك كان ذلك. ثم علم الملل والنحل وغيرها . ١١٨ - تلك هى المنازع الفكرية فى عصر مالك. وقد كان على علم بها. وكان تأثيرها فيه سلبياً. علم الكثير منها. وتجافت عنها نفسه. كمن يعلم الشر ليجتنبه . لاكمن يعلم الخير ليتبعه . وقد آن لنا أن نتكلم على العصر فى العلوم الدينية : بقـ لقد كان العلم فى صدر الإسلام يتجه إلى التلقى بالسماع ، ولم يدون فى الكتب فلما اتجهت طوائف من الناس للعكوف على العلوم المختلفة يدرسونها .. ويذاكرونها اتجه العلماء فى آخر العصر الأموى إلى التدوين وأخذت العلوم تتميز ، وصار لكل علم علماء قد اختصوا به، يتعمقون فيه . ويضبطون قواعده . لذلك أخذ الفقهاء والمحدثون فى تدوين الحديث والفقه منذ العصر الأموى . فقد كان فقهاء الحجاز يجمعون فتاوى عبد الله بن عمر . وعائشة وابن عباس. ومن جاء بعدهم من كبار التابعين بالمدينة. وينظرون فيها . ويستنبطون منها ويفرعون عليها ، كما كان العراقيون يجمعون فتاوى عبدالله ابن مسعود، وقضايا على وفتاويه ، وقضاياشريح وغيره من قضاة الكوفة، ثم يستخرجون منها ويستنبطون، فلما جاء العصر العباسى اتسعت آفاق التدوين فى الحديث . ودرسوه مرتباً ترتيباً فقهياً . ولم يكن الأمر مقصوراً على هؤلاء، فقد كان فقهاء الشيعة يدونون آراءهم . وقد كشف بعض الآثار فى ميلانو ، وجد من بينها مخطوط منسوب - ١٥٥ - للامام زيد الذى استشهد سنة ١٢٢. وهو فى الفقه ، وكتاب المجموع المطبوع المتداول ينسب إلى ذلك الإمام . وسواء أصحت النسبة أم لم تصح، فمن المؤكد أن الشيعة الزيدية فى عصر مالك كانت لها آراء فقهية معروفة ، وكان مالك متصلا بجعفر الصادق (١) وروى عنه رضى الله عنهما. ١١٩ - هذا ولا ننسى أن العصر كان عصر مناظرات، فمناظرات شديدة اللحب قرية بين الفرق المختلفة ، بين الشيعة والجماعة ، وبين الخوارج وغيرهم وبين أهل الأهواء جملة وغيرهم، يرحل العلماء لأجل هذه المناظرات، فبعض علماء البصرة يرحلون إلى الكوفة ليناظروا علماءها ، وكذلك علماء البصرة . وكانت المناظرات الفقهية فى موسم الحج، فترى أبا حنيفة يتذكر فى المسائل الفقهية مع مالك ، ويتناظر مع الأوزاعى ، وكانت تلك المناظرات الفقهية أخصب ، وأكثر إنتاجاً من غيرها. وإن مالكا رضى الله عنه كان ينفر من الجدل العلمى الذى يكون الغرض منه السبق ، والفوز، ولذلك جبه الرشيد بقوله ليس العلم كالتحريش بين البهائم والديكة لما طلب منه مناظرة أبى يوسف، وكان يعد الجدل فى الدين لا ينتج شيئاً ، وأنه يفسد ، ولكنه قد أثر عنه أنه كان يناظر العلماء المخلصين فى كثير من الأحيان ، فهو يناظر أبا حنيفة حتى يعرق المناظرة معه ويقل لليث أنه لفقيه يامصرى، ويناظر أبا جعفر المنصور، ويرسل الرسائل لمن يخالفونه يدعوهم إلى رأيه، ولعله ما كان يعتبر تلك المناظرت التى يقصد بها إلى طلب الحق المجرد من قبيل الجدل الذى نهى عنه ، لأن الأولى لا يقصد منها الغلب واحتياز المجالس، بل يقصد بها طلب الحق، وهى خالية من المراء وتحرى الغلط بل تحرى الحق ، والإخلاص يسودها. (١) أن الدارس الفقه الشيعة الإمامية يرى تقارباً شديداً بين آرائهم فى العقود وآراء المالكية . -: ١٥٦- ١٢٠ - ولقد ظهرت فى عصر مالك ظاهرة بينة، واضحة الأثر فى تميز الآراء، وهو تميز كل مدينة من المدائن المشهورة بالعلم بناحية من نواحى الفكر ، فالبصرة مثلا كانت تتميز فى علومها الدينية بالمسائل التى تتصل بالعقيدة . فكانت بها الفرق المختلفة التى تتكلم فى فلسفة العقائد ، وكان بها علماء فى الوعظ والقصص كالحسن البصرى ، وكان بهافقه قليل. والكوفة كان بها الفقه العراقى الذى يقوم على آثار ابن مسعود، وآراء إبراهيم النخعى ومدرسته التى كان يمثلها درس حماد بن أبى سليمان، ثم درس أبى حنيفة من بعده، وقد كان فيها الفقه التقديرى ، وفقه القياس والاستحسان بشكل بيّن واضح . ودمشق كان بها الفقه يقوم على تعرف آثار الصحابة والتابعين، وقليل من الآراء ، ويمثل هذا الفقه الأوزاعى ومدرسته، وقد كان الأوزاعى على علم بالسنة ، ولم يكن محدثاً كمالك رضى الله عنه . أما المدينة، فقد كان بها الحديث ، وكانت بها آثار السلف الصالح ، وکانت بها آراء الصحابة الذين امتازوا بالرأى کعمر رضى الله عنه ، وزيد ابن ثابت، ومن تلقى عليهم من بعدهم ، ففيها كان الحديث، والسنة ، والرأى ، ولنخصها بكلمة . المدينة ١٢١ - كانت المدينة مهاجر رسول اللّه صَّ اله، وفيها نزل الشرع الإسلامى وأنشئت المدينة الفاضلة التى كان أساس الحكم فيها حكم الله تعالى، فالشرائع الدينية ما عدا العقيدة والصلوات ، كلها نزل بالمدينة ، وبها سنة رسول الله بيت الله فى القضاء بحكم القرآن، وبيانه ، وتفسيره ، وإعلان أحكامه للناس ، فلما انتقل النبي صَّ اللّه إلى الرفيق الأعلى كانت المدينة قصبة الدول الإسلامية، وموطن الخلافة، وفيها تفتق عقل الصحابة فى استخراج أحكام إسلامية تصلح لما جد من شئون فى المجتمعات الإسلامية، بعد الفتوح - ١٥٧ - التى كثرت ، واتسعت بها رقعة الإسلام، لذلك، ولأسباب أخرى تتصل بحسن السياسة، وتدبير الأمر على أكمل وجه - أبقى أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب أكثر الفقهاء من الصحابة بجواره يستشيرهم ويستفتيهم، وكون منهم مجلس شوراه ، ولما قتل الفاروق رضى الله عنه. وآلت الخلافة إلى عثمان رضى الله عنه، سمح الصحابة الذين احتجزهم عمر أن يخرجوا إلى الأقطار المفتوحة، فکانوا نوراً وعرفاناً بها ، وكذلك كان الأمر فى عهد علىرضی الله عنه، وهو نفسه خرج من المدينة إلى الكوفة، وكان ملازموه الأصل العلمى لمدرسة الكوفة ، بما تلقوه عليه من فتاوى وأقضية ، وما رووه عنه من أحاديث نبوية (١) . فلما جاء الحكم الأموى أرز من بقى من الصحابة ، هم وتابعوهم إلى المدينة ليبتعدوا عن ذوى السلطان ، ولكيلا يكون فى وجودهم على القرب منهم ما يدل على رضاهم بكل ما يأتون وما يفعلون ، ولم يبق حول معاوية إلا الذين شايعوه كعمرو بن العاص ، ومن لف لفه ، وسلك مثل ما سلك . ثم لما جاءت خلافة يزيد، ثم حكم آل مروان، واشتدت الفتن وکثر الخروج كان العلماء من التابعين يحدون فى جوار الحرم النبوى ، حيث آثار الرسول وصحبه الأكرمين قائمة، وعكفوا على الدراسات الدينية، وبيان أمور الدين للناس ، فيما يحد من الأحداث ، حتى إن عمر بن عبد العزيز لما أراد أن يفقه الناس فى أمور دينهم لم يجد إلا المدينة يرجع إلى علمائها، ليجد منهم المرشدين والمفقهين . (١) كانت المدينة مصدر المعرفة فى عصر الراشدين ، حتى أن ابن عباس عندما كان بالبصرة وحث على صدقة الفطر أمر من بالبصرة من أهل المدينة أن يسلموما الناس. - ١٥٨ - ١٢٢ - ولقد قال عمر بن عبد العزيز: ((إن للإسلام حدوداً وشرائع، وسفناً)، فمن عمل بها استكمل الإيمان، ومن لم يعمل بها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش أعلكموها وأحملكم عليها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص ،(١). وفى سبيل ذلك التعليم اتبع ذلك الإمام العادل طريقين ، كلاهما كان يبتدى بالهداية فيه من المدينة - أولهما أنه أمر بتفريق علماء المدينة فى الأمصار ليعلموا الناس ويرشدوهم، ويبينوا لهم حدود الإسلام وشرائعه، فانتشر الفقه، وعم الإرشاد بهم (٢) ولعل هؤلاء التابعين الذين انبعثوا من المدينة هم الذين حيبوا إلى المسلمين فى شمال إفريقية علم المدينة ، حتى إنهم لم يجدوا سوى مالك يتبعونه عندما وجد مذهبه ، لأنه هو الذى عاش بالمدينة طول حياته ، وتلقى علمه بها ولم يرتو من غير مواردها، ولم يصدر فى فقهه عن غیر مصادرها . ثانيهما - أنه أمر بأن تدون السنة المشهورة بالمدينة، فقد كتب إلى قاضيها أبى بكر بن حزم من قبله أن يدون ذلك ، فقد جاء فى الموطأ برواية محمد بن الحسن عن مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبى بكر محمد بن حزم «أن انظر ما كان من حديث رسول الله صلّ أو سنة أو نحوها، فاكتبه لى ، فإنى خفت دروس العلم، وذهاب العلماء، وجاء فى المدارك: «كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبى بكر بن حزم أن يجمع ( له- السنن، ويكتب بها إليه فتوفى وقد كتب له ابن حزم كتباً قبل أن يبعث بها إليه)). وفى الجملة كان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى الأمصار يعلمهم السنن (١) سيرة عمر بن عبد العزيز ص ٦٣ . (٢) تاريخ الفقه للحجوى ص ١١٠ الربع الثانى. ء -- ١٥٩ - والفقه ويكتب إلى أهل المدينة يسألهم عما مضى ويعملون بما عندهم(١). ١٢٣ - ولا يصح لأحد أن يقول إن الفقه والسنة كانا فى المدينة وحدها من كل الوجوه، فإن أصحاب رسول اللّه وَ اللّه قد تفرقوا فى الأمصار، وحيثما حلوا كانوا مصدر النور والعرفان ، ولكن المدينة كانت أوفر حظاً ، فكان من بها من الصحابة والتابعين أكثر عدداً ، فوق ما فيها من أعلام واضحة تكشف عن الشرع الإسلامى ومناهجه، وقدقال ابن القيم فى بيان المفتين من الصحابة وتلاميذهم: ((والدين والفقه انتشروا فى الأمة عن أصحاب ابن مسعود ، وأصحاب زيد بن ثابت ، وأصحاب عبد الله ابن عباس، فعلم الناس - عامته عن هؤلاء الأربعة ، فأما أهل المدينة ، فعلمهم عن أصحاب زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر ، وأما أهل مكة ، فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن عباس ، وأما أهل العراق ، فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن مسعود . ونقل ابن القيم عن ابن جرير أنه قال: ((وقد قيل إن ابن عمر، وجماعةمن بعده بالمدينة من أصحاب رسول الله سطة، إنما يفتون بمذهب زيد بن ثابت وما كانوا حفظوا عنه من يكونوا حفظوا فيه عن رسول الله يبسطله، (٢). وليس القصر الذى ذكره حقيقياً، فإن من أصحاب رسول الله عَ ز اله غير هؤلاء كثيرين، فعمر رضى الله عنه كان من أعلم أصحاب رسول الله صَ لّه إن لم يكن أعلمهم، ولقد كان الشعبى رضى الله عنه يقول: من سره أن يأخذ بالوثيقة فى القضاء فليأخذ بقضاء عمر ، وقال مجاهد : إذا اختلف الناس فى شىء فانظروا ما صنع عمر، فخذوا به، وقال ابن المسيب ما أعلم أحداً بعد رسول اللّه صَّ لي أعلم من عمر بن الخطاب. (١) المدارك ص ٠٣٢ (٢) أعلام الموقعين ص ١٧،١٦ ج ١ جم - ٢٦٠ - ولعلى فتاوى وأقضية، ولعثمان بن عفان فتاوى وأقضية ، ولعائشة رضى الله عنها فتاوى وكانت مقدمة فى العلم، وقد أخذ عنها القاسم ابن أخيها محمد بن أبى بكر ، وعروة بن الز بير ابن أختها أسماء . وفى الحق إن أصحاب أولئك الأصحاب الأربعة السابق ذكرم رورا فقه هؤلاء الأربعة، ورووا معه فقه كثيرين من الصحابة رضى الله عنهم،. فعبد الله بن عمر كان يروى فقه أبيه ، وأصحاب ابن مسعود رووا مع آرائه فقه على ابن أبى طالب بالكوفة ، وفى الحق إن ابن مسعود وابن عمروزيد ابن ثابث كانوا جميعاً ينزعون عن قوس عمر، وكانوا يشاركونه كثيراً فى آرائه وأقضيته . ١٢٤ - وإذا كان عمر رضى الله عنه قد صدر عن رأيه أو وافقه فى رأيه أكثر الصحابة الذين كانوا فى عصره والذين كان يخصهم بشوراه كعلى وزيد وابن مسعود وابن عباس ، وغيرهم من علية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن يروى فقه عمر معه فقه هؤلاء ، وقد كان رواة فقه عمر ، ابنه، وزيد بالمدينة وغير هما . رووا ذلك الفقه وخرجوا عليه، وتابعوه فى مناهجه ، وقد ذكر العلماء فقهاء سبعة، وقرروا أنهم هم التابعون الذين اشتهر ذكرهم ، وحملوا علم زيد، وعمر وابن عمر ، وعائشة ، وهم سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد، وخازجة بن زيد، وأبو بكر بن عبيد بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام ، وسليمان بن يسار ، وعبيد بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود، وقد نظمهم القائل فقال : روایتهم ليست عن العلم خارجة إذا قيل من فى العلم سبة أبحر فقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة (١) (١) أعلام الموقعين ج ١ ص ١٨