Indexed OCR Text
Pages 361-380
- ٣٦١ -
أصابها، وليكون ما يلزمه من المثل غرماً يكون عقوبة لما أثم به فى جنب
الله ، والاعتداء على الناس .
هذا مسلك المخرجين والمجتهدين فى المذهب الحنبلى يبينون وجوه المصالح
فى النصوص والأخبار، ولو ضعيفة، ولا يفرضون المعارضة للصالح بأى
وجه من الوجوه .
وعلى ذلك نقرر أن مسلك الطوفى بعيد عن مذهب أحمد ، وبعيد عن
مسلك كل المخرجين، والمجتهدين والمرجحين فى المذهب الحنبلى، فهو رأى شاذ
بين علماء الجماعة الإسلامية عموماً، وعلماء المذهب الحنبلى خصوصاً .
٢٠٢ - ولم نجد من يجوز تخصيص النصوص بكثرة، ونسخ بعضها
بالاجتهاد إلا بعض الشيعة ، كالشيعة الإمامية ، فإنهم لم ينهوا النسخ وتخصيص
النصوص بانتقال النبى صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، بل أجازوا
لأئمتهم مخالفتها بعلوم تلقوها، ولقد وجدنا الطوفى يقاربهم ، لأنه جعل
المصلحة تنسخ النصوص، وتخصصها فأحل المصلحة محل الأئمة ، والتقى
الرأيان فى أن النص بعد الرسول لازال قابلا للنسخ ، والإخراج من عمومه،
إن جدت مصالح على مسلك الطوفى، أو رأى الإمام ، على مذهب الإمامية.
فهل استقى رأيه من أصل شيعى ؟ ثم هذب فيه، أو غير فى منحاه،وإن
كانت النتيجة فى الجملة واحدة ؟ إن دراسة حياة العاوفى نجد فيها الجواب
الصريح من غير تلمس، ولذلك فلم بها إلمامة موجزة.
٢٠٣ - الطوفى هو سليمان بن عبد القوى وقد تلقى علومه ببغداد ، ثم
رحل إلى دمشق، وتلقى على علمائها ، والتقى بابن تيمية وغيره من كبار
الحنابلة ، وأخذ عنهم ، وكان عالما بالأصول، وأديباً، وفقيهاً، ولكنه لم
يكن عالما بالحديث، وقد قال فيه ابن رجب («اختصر كثيراً من كتب
الأصول ، ومن كتب الحديث أيضاً، ولكن لم يكن له فيه يد ، ففى كلامه
فيه تخطيط كثير ))(١).
(١) طبقات الحنابلة ٢٠ س ٤٩٥ من المخطوط المحفوظ بدار الكتب المصرية.
- ٣٦٢ -
ولقد ذكر ابن رجب أنه كان شيعياً، وقال فيه: وكان مع ذلك كله
شيعياً منحرفا فى الاعتقاد عن السنة ، حتى أنه قال فى نفسه: حنبلى، رافضى،.
أشعرى، هذه إحدى العبر، ووجد له فى الرفض قصائد ، وهو يلوح به فى
كثير من تصانيفه، حتى أنه صنف كتاباً سماه «العذاب الواصب على أرواح
النواصب)، ومن دسائسه الخبيثة أنه قال فى شرح الأربعين للنواوى: اعلم
أن من أسباب الخلاف الواقع بين العلماء تعارض الروايات والنصوص وبعض
الناس يزعم أن السبب فى ذلك عمر بن الخطاب، وذلك أن الصحابة استأذنته
فى تدوين السنة من ذلك الزمان ، فمنعهم ذلك وقال: لا أكتب مع القرآن
غيره مع علمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اكتبوا لأبى شاه - خطبة
الوداع ، وقال: قيدوا العلم بالكتاب .. فلو ترك الصحابة يدون كل واحد
منهم ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم لا نضبطت السنة ولم يبق بين آخر
الأمة وبين النبى وَلَّم فى كل حديث إلا الصحابى الذى دون روايته، لأن
الدواوين كانت تتواتر عنهم إلينا، كما تواتر البخارى ومسلم ونحوهما، فانظر
إلى هذا الكلام الخبيث المتضمن أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله
عنه هو الذى أضل الأمة قصداً منه وتعمداً ، ولقد كذب فى ذلك ،
وجر (١) )).
هذا ما قاله ابن رجب فيه، وقد أخذ بعد ذلك يبين أن السنة علمت ،
وبينت صحة نظر عمر رضى الله عنه .
لقد تلقى الطوفى العلم الشيعى بالمدينة، وقد رحل إلى الديار المصرية ،
ولاذ فيها بحمى الحنابلة ، ولكن انكشفت نحلته الشيعية ، فعوقب على ذلك
بتعزير شديد وأبعد عن التدريس الذى تولاه بها، فرحل عنها إلى الحجاز
وجاور بالحرم المدنى، وأقام مع شيخ الشيعة إبان ذاك بالمدينة إلى أن توفي
سنة ٠٥٧١٦
٠٠٠
(١) الکتاب المذ کور
P
١
- ٣٦٣ -
٢٠٤ - كان الطوفى إذن شيعياً وأظهر نفسه حنبلياً، وكتب فى الفقه
والأصول على ذلك النحو ، وشرح الأحاديث على أنه فقيه حنبلى وكان
يبث فى أثناء شرحها ما يؤيد به آراء الشيعة ، وقد رأيت كيف يحمل عمر
تبعة اختلاف الأمة إلى يوم القيامة .
وعلى ذلك نقرر أن مهاجمته للنصوص، ونشر فكرة نسخها أو تخصيصها
بالمصالح هى أسلوب شيعى أريد به تهوين القدسية التى تعطيها الجماعة الإسلامية
لنصوص الشارع ، والشيعة الإمامية يرون أن باب النسخ والتخصيص لم يغلق،
لأن الشارع الحكيم جاء بشرعه لمصالح الناس فى الدنيا والآخرة، وأدرى
الناس بذلك الإمام فله أن يخصص، كما خصص النبى والقلم ، لأنه وصى
أوصيانه، وقد أتى الطوفى فى رسالته بالفكرة كلها. وإن لم يذكر كلمة
الإمام ليروج القول ، وتنقشر الفكرة .
وعلى هذا نقرر أن هذا الرجل ليس من الحنابلة ، ولم تكن رسالته فى
المصالح تفكيراً حنبلياً ، لأنه يخالف الإمام وكل الحنابلة .
/
- ٣٦٤ -
٨ - الذرائع(١)
٢٠٥ - هذا أصل فقهى اعتمد عليه الحنابلة تابعين لإمامهم؛ إذ كان
أصلا من أصول الفتوى عنده، وذلك لأن الشارع إذا كاف العباد أمراً ،
فكل ما يتعين وسيلة له مطلوب بطلبه، وإذا نهى الناس عن أمر، فكل
ما يؤدى إلى الوقوع فيه حرام أيضاً ، وقد ثبت ذلك باستقراء للتكليفات
الشرعية طلباً ومنعاً، فقد وجدنا الشارع ينهى عن الشىء، وينهى عن كل
ما يوصل إليه ، ويأمر بالشىء ؛ ويأمر بكل ما يوصل إليه؛ أمر بصلاة
الجمعة، وأمر بالسعى إليها . وأمر بترك البيع لأنه سبيل السعى إليها، وأمر
بالمحبة بين الناس ، ونهى عن التباغض والفرقة، ونهى عن كل ما يؤدى إليها
فنهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، وأن يستام على سوم أخيه أو
يبتاع على بيعه، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى التباغض المنهى عنه، وقد
قسم الشارع المواريث بين أهلها ، ونهى عن كل ما يؤدى إلى تغيير قسمته ،
فهى عن الوصية لوارث، وعن منع الوارث حقه ، ولذلك قرر السابقون
الأولون من المهاجرين والأنصار أن المطلقة طلاقا بائنا فى مرض الموت
ترث حيث يتهم بقصد حرمانها من الميراث ، وإن لم يقصد الحرمان ، لأن
الطلاق فى الغالب فى هذه الحال يقصد به الحرمان ، إلا إذا قام الدليل على
خلافه ، كأن يكون الطلاق بطلبها ، فإن ذلك يكون دليلا على أنه لم يقصد
حرمانها ، ولذلك كان هذا موضع نظر، والفى مؤثّ نهى أن تقطع الأيدى
فى الغزو ، لئلا يكون ذريعة إلى التحاق السارق بالعدو فيكون عيناً على
المسلمين ، يكشف عوراتهم ..
وهكذا كان كل مطلوب بالقصد الأول قد طلبت وسائل بالقصد الثانى،
أو باعتبارها وسائل مجردة ، وكل منهى عنه بالذات ، تكون وسائله منهياً
(١) قد بينا ذلك الأصل فى كتاب مالك، وهنا ننظر إليه بقدر ما يوضح الفقه
الحنبلي فيه .
-٣٩٥ -
عنها، لأنها تؤدى إليه، وبذلك المنهاج أخذ الإمام أحمد، ومن تبعه،
والإمام مالك ومن تبعه .
٢٠٦ - وعلى ذلك تكون موارد الشريعة قسمين : مقاصد ، وهى
الأمور المكونة للمصالح والمفاسد فى أنفسها، أى التى هى فى ذاتها مصالح
أو مفاسد، ووسائل، وهى الطرق المفضية إلى المقاصد، وحكمها كحكم
ما أفضت إليه من تحريم أو تحليل ، غير أنها أخفضت رتبة من المقاصد
فی حكمها .
ولقد قال ابن القيم فى بيان ذلك الأصل :
«ولما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضى إليها كانت
طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصى فى كرامتها،
والمنع بها بحسب إفضائها إلى غاياتها، وارتباطها بها ، ووسائل الطاعات
والقربات فى محبتها والإذن بها، بحسب إفضائها إلى غاياتها، فوسيلة المقصود تالية
للمقصود، وكلاهما مقصود، ولكنه مقصود قصد الغايات ، وهى مقصودة
قصد الوسائل ، فإذا حرم الرب شيئاً ، وله طرق ووسائل تفضى إليه فإنه
يحرمها، تحقيقاً لتحريمه، وتثبيتاً له ومنعاً أن يقرب حماه ، ولو أباح
الوسائل والذرائع المفضية لكان ذلك نقضاً للتحريم وإغراء للنفوس به ،
وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك،
فإن أحدهم إذا منع جنده، أو رعيته ، أو أهل بيته من شىء ثم أباح لهم
الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعد متناقضاً ، ولحصل من رعيته
وجنده ضد مقصوده، وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه
من الطرق والذرائع الموصلة إليه. وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه،
فما الظن بهذه الشريعة التى هى فى أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال
ومن نأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع
- ٣٩٩ -
المفضية إلى المحارم، بأن حرمها ونهى عنها (١) .
٢٠٧ - والنظر إلى الوسائل يتجه اتجاهين :
(أحدهما) نظر إلى الباعث الذى يبعث الشخص على الفعل، أقصد به أن
يصل إلى حلال أم يصل إلى حرام .
(وثانيهما) أن ينظر إلى المآلات المجردة من غير نظر إلى البواعث
والنيات ومن الأول أن يعقد عقداً لا يقصد به مقتضاه الشرعى، بل يقصد
به أمراً محرماً، كمن يعقد عقد زواج لا يقصد به أصل العشرة الدائمة، بل
يقصد به أن يحلها لمطلقها الثلاث ، وكمن يعقد عقد بيع لا يقصد به مجرد نقل
الملكية وقبض الثمن بل يقصد به التحايل على الربا، فإنه فى هذه الأحوال
وأشباهها يكون العاقد آثماً ولا يحل له ما عقد عليه فيما بينه وبين الله ، وإن
قامت الدلائل عند إنشاء العقد على نيته، واعتبرت تلك النية الظاهرة سبباً
فى فساد العقد وبطلانه ، لأن اعتبار النية التى قام عليها دليل مادي ظاهر اقترن
بإنشاء العقد أولى من اعتبار الألفاظ المجردة بل إن ذلك تفسير لهذه الألفاظ
لأن قرائن الأحوال تعين المراد، وتكشف المقاصد ، وإن الألفاظ
مقصودة للدلالة على مقاصد العاقدين ، فاذا ألغيت تلك المقاصد واعتبرت
العبارات مجردة كان ذلك إلغاء لما يجب اعتباره واعتباراً لمالم يقصد لذاته.
وترى فى هذه الحال كان النظر إلى الباعث ، من حيث التأثيم أولا ، ثم
من حيث بطلان التصرف إن قام دليل .
٢٠٨ - أما النظر الثانى، فهو النظر إلى المآلات من غير اعتبار
للباعث، فالاتجاه هنا إلى الأفعال ، وما تنتهى فى جملتها إليه ، فإن كانت تنحو
نحو المصالح التى هى المقاصد والغابات من معاملات الناس بعضهم مع بعض
كانت مطلوبة بمقدار يناسب طلب هذه المقاصد، وإن كانت مآ لاتها تنحو
.. (١) أعلام الموقعين جـ٣ ص١١٩
- ٣iv -
نحو المفاسد، فإنها تكون محرمة بما يتناسب مع تحريم هذه المقاصد، وإن
كان مقدار التحريم أقل فى الوسيلة .
والنظر إلى المآلات على ذلك النحو لا يكون كما ترى إلى مقاصد العامل
ونيته ، بل إلى نتيجة العمل وثمرته ، وبحسب النية يثاب الشخص أو يعاقب
فى الآخرة على نحو النظر الأول، وبحسب النتيجة والثمرة يحسن العمل فى
الدنيا أو يقبح، ويطلب أو يمنع ، لأن الدنيا قامت على مصالح العباد ، وعلى
القسطاس والعدل ، وقد يستوجبان النظر إلى النتيجة والثمرة دون النية
المحتسبة والقصد الحسن ، فمن سب الأوثان مخلصاً العبادة لله سبحانه وتعالى،
فقد احتسب نيته عند الله فى زعمه، لولا أن الله سبحانه وتعالى نهى عن السب
إن أثار ذلك حنق المشركين ، فسبوا الله عدواً بغير علم، فقد قال تعالت
كلماته: ((ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم))
فهذا النهى الحازم الكريم كان الملاحظ فيه النتيجة الواقعة، لا النية الدينية
المحتسبة .
٢٠٩ - ونرى من هذا السياق أن المنع فيما يؤدى إلى الإثم أو إلى
الفساد لايتجه فيه إلى النية فقط ، بل إلى النتيجة المثمرة أيضاً ، فيمنع
للنقيجة ، وإن كان قد علم الباعث الحسن ، والنية المحتسبة .
وقد يقصد الشخص الشر بفعل المباح، فيكون آثماً فيما بينه وبين الله،
ولكن ليس لأحد عليه من سبيل، ولا يحكم على تصرفه بالبطلان الشرعى،
كمن يرخص فى سلعته، ليضر بذلك تاجراً ينافسه ، فإن هذا بلاشك عمل
مباح، وهو ذريعة إلى إثم هو الإضرار بغيره، وقد قصده، ومع ذلك
لا يحكم على عمله بالبطلان بإطلاق، ولا يقع تحت التحريم الظاهر الذى ينفذه
القضاء، فإن هذا العمل من ناحية النية ذريعة للشر ، ومن ناحية الظاهر قد
يكون ذريعة للنفع العام والخاص ، فإن البائع بلاشك ينتفع من بيعه ، ومن
- ٣٩٨ -
رواج تجارته، ومن حسن الإقبال عليه ، ويفتفع العامة من ذلك الرخص،
وقد يدفع إلى تنزيل الأسعار، ومع ذلك كرهه أحمد إن تبين أن فيه
إضراراً بصاحبه على ما تبين .
فبدأ سد الذرائع لا ينظر فقط إلى النيات والمقاصد الشخصية كما رأيت
بل يقصد مع ذلك إلى النفع العام، أو إلى دفع الفساد العام ، فهو ينظر إلى
القصد والنتيجة أو إلى النقيجة وحدها .
٢١٠ - والحق أن أصل الذرائع من حيث المنع القضائى، أو بعبارة
عامة من حيث الحكم الدنيوى لا تعتبر فيه النية على أنها الأمر الجوهرى فى
المنع أو الإباحة إنما النظر الجوهرى إلى النتائج والثمرات ، فإن كانت نتيجة
العمل مصلحة عامة كان واجباً بوجوبها ، وإن كان يؤدى إلى فساد ، فهو
ممنوع بمنعه، لأن الفساد ممنوع ، فما يؤدى إليه منوع ، والمصلحة
مطلوبة ، فما يؤدى إليها مطلوب وإن المقصود بالمصلحة النفع العام ،
وبالفساد ما ينزل من الأذى بعدد كبير من الناس ، ولذلك إذا كان ما هو
مباح للشخص من المنافع الخاصة يؤدى الاستمساك به إلى ضرر عام ،
أو يمنع مصلحة عامة ، كان منع الاستمساك مطلوباً سداً للذريعة، وإيثاراً
للمنفعة العامة على الخاصة ، ولنضرب لذلك بعض الأمثال :
(١) تلقى السلع قبل نزولها فى الأسواق وأخذها للتحكم منوع، لأنه
وإن كان فى أصله جائزاً، لأنه بيع وشراء - إن أجيز كان الناس فى ضيق،
ولم تستقيم حرية التعامل، فيكون فى بقاء الإذن ضرر عام، فيمنع الأمر
لسد الذرائع، ويكون المنع عاماً، ولوكان لبعض المتلقين نية حسنة محتسبة،
وفوق ذلك فإن هناك غبناً محتملا على البائع، ولذا أثبت أحمد رضى الله
عنه له الخيار ، سواء أ كان غين بالفعل أم لم يكن .
(ب) احتكار الطعام وما يحتاج إليه الناس، فإنه حرام بنص النى مع
- ٣٦٩ -
((لا يحتكر إلا خاطىء، أى آثم، ولولى الأمر أن يمنع الأحشكار ، ما
يترتب على ذلك من مضار بالناس ، فله أن يكره المحتكرين على بيع ماعندهم
بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه، مثل ما عنده طعام لا يحتاج إليه
والناس فى مخمصة ، أو سلاح لا يحتاج إليه والناس يحتاجون إليه فى الجهاد
وغير ذلك ، فإن من اضطر إلى طعام غيره وأخذه منه بغير اختياره بقيمة
المثل ، ولو امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره، فأخذه منه بما طلب لميحب
عليه إلا قيمة المثل .
وفى هذا نرى أن ولى الأمر يتدخل لمنع الاحتكار سداً لذريعة الفساد،
والأذى الذى ينزل بالناس .
(حـ) وبما أفتى به الإمام أحمد متعمداً على هذا الأصل، أن من احتاج
إلى طعام شخص أو شرابه، فلم يعطه ، حتى مات جوعاً، وجبت عليه الدية،
فكان وجوب الدية ، مع أنه لم يقتل لا عمداً ولا خطأ ، ولكن كان منعه
وسيلة الموت ، فكان كالمتسبب فيه ، فتجب الدية لهذا السبب، ولسدذريعة
الشر والفساد ، ولبث روح التعاون بين الناس .
٢١١ - ولقد قسم ابن القيم الوسائل بالنسبة إلى نتائجها إلى أربعة
أقسام فقال: ((القول أو الفعل المفضى إلى المفسدة قسمان:
( أحدهما) أن يكون وضعه للإفضاء إليها، كشرب المسكر المفضى إلى
السكر ، وكالقذف المفضى إلى مفسدة الفرية ، والزنى المفضى إلى اختلاط
المياه وفساد الفرس، ونحو ذلك ، فهذه أقوال وأفعال وضعت مفضية لهذه
المفاسد، وليس لها ظاهر غيرها .
(والثانى) أن تكون موضوعة للإفضاء إلى أمر جائز أو مستحب ،
فيتخذ وسيلة إلى المحرم، إما بقصده أو بغير قصد منه، فالأول كمن يعقد
النكاح قاصداً به التحليل، أو يعقد البيع قاصداً به الربا .. والثانى كمن
(م٢٤ - ابن حنبل)
- ٣٧٠ -
يسب أرباب المشركين بين أظهرهم، ثم هذا القسم من الذرائع نوعان، أحدهما
أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته، فهنا أربعة أقسام ، هذا كلام
ابن القيم، والأقسام الأربعة التى أشار إليها هى:
(الأول) أن يكون الأمر منهياً ، وهو مفض إلى مفسدة لا محالة
كتناول الخمر والقذف والزنى كما مثل .
( والثانى) أن يكون الأمر جائزاً وقصد به التوصل إلى مفسدة، وهو
مفض إليها لا محالة .
( والثالث ) أن يكون الأمر جائزاً، وإفضاؤه إلى مفسدة احتمال أو
جانب المصلحة غالب .
( والرابع) ما يكون جانب المفسدة هو الغالب.
وهذه الأقسام سليمة من حيث الفرض العقلى، ولكن القسم الأول
لا يعد من الذرائع، بل يعد من المقاصد ؛ لأن الخمر والزنى والقذف ،
كالربا وأكل أموال الناس بالباطل ، والنصب والسرقة مفاسد فى ذاتها ،
وليست ذرانع ولا وسائل .
إنما الكلام فى الذرائع هو فى الوسائل التى تؤدى إلى المفاسد فتدفع ،
ويسمى ذلك سد الذرائع، أو تؤدى إلى جلب المصالح فتطلب.
وعلى ذلك لا يدخل فى الذرائع إلا الأقسام الثلاثة ، ولكن يلاحظ
أن الفعل أو القول قد يكون فى ذاته محرماً، واتخذ ذريعة لمحرم آخر أكهر،
فينال حظه ، كالنميمة بقصد التحريض على القتل، وهذا يكون حراماً لذاته،
ولأنه ذريعة لإثم أكبر منه فيجتمع له السوء من ناحيتين؛ إذ يجتمع له
المنعان ، المنع لذاته، والمنع لغيره، فتضاعف المنع ، وقوى التحريم.
وإذا كان الأمر فى ذاته جائزاً أو مطلوباً، ولكنه يؤدى إلى محرم ،
فإن تحريمه بتفاوت بتفاوت مقدار إفضائه إلى ذلك المحرم، وبمقدار الحرمة
- ٧١ ٣ -
فى القصد فإذا كان إفضاؤه إلى المحرم حتمياً كان حراماً، وإن كان إفضاؤه
بغلبة الظن كان على قدر ذلك، وإن كان الإفضاء إلى المفسدة نادراً لم يلتفت
إلى ذلك ، لأن النادر لا حكم له .
٢١٢ - وفى الصورة السابقة كلها كان الطريق إلى المحرم إما أن يكون
جائزاً أو مطوباً، وإما أن يكون ممنوعاً، وكلها كان إلى المحرم، وهناك صور
أخرى تكون الوسيلة طريقاً المطلوب كتيقن الزواج طريقاً لتحصين
الفرج فإنه يكون فى هذه الحالة فرضاً إذا استيقن الوقوع فى الزنى إن لم
يتزوج، وهكذا كل ما يؤدى إلى المصلحة يكون مطلوباً بطلبها ، إذا كان
فى أصله حلالا مشروعاً، فإقضاؤه إلى المصلحة يعلى مرتبة الطلب بمقدار
طلب هذه المصلحة ، وتحققها بوجوده.
ولكن إذا كانت الوسيلة ممنوعة لذاتها، وهى تؤدى حتما إلى مطلوب،
أو لحق وإقامة عدل ، فهل تكون مطلوبة أو تستمر على حرمتها، كشهادة
الزور لإثبات حق قد أنكره المدعى عليه، لقد أجاب عن ذلك ابن تيمية .
مقرراً مذهب الحنابلة بأنه لا يجوز، فقال : هذا محرم عظم ، عند الله
قبيح ، لأن ذينك الرجلين شهدا بمالا يعلمانه، وهو حملهما على ذلك(١)) .
وهذا إذا كان الأمر الذى اتخذ وسيلة محرماً لذاته كالكذب فإن
كان أصل تحريمه لأنه ذريعة إلى محرم كالنظر إلى عورة الأجنبية، فانه
حرام لأنه ذريعة إلى الزنى غالباً، فإن الحكم فى هذه الحال يختلف، إذ يباح
إذا كان يدفع حاجة ، كعلاج مرض ، فاذا كانت المرأة مريضة، ولا بد
لتمام علاجها من رؤية عورتها ، تباح له الرؤية، لأن المحرم لغيره يباح عند
الحاجة، لأن المنع فى هذه الحال يكون جانب المفسدة أكبر من جانب
المصلحة، أو جانب المفسدة نادراً فلا يلتفت إليه ، أما إذا كان المحرم
حرم لذاته فإنه لا يباح إلا عند الضرورة ، ولا يباح للحاجة.
(١) فتاوى ابن تيمية الجزء الثالث ص ٨٥
- ٣٧٢ -
٢١٢ - ولنضرب أمثلة من الفقه الحنبلى توضح أخذ أحمد بالذرائع.
(١) أن أحمد رضى الله عنه كان يكره الشراء من يرخص السلع، لمنع
الناس من الشراء من جار له، أو نحو ذلك، وكان ذلك ، من الذريعة ، لأن
الامتناع عن الشراء منه ذريعة إلى امتناعه عن إنزال ذلك الضرر بأخيه ،
ولأن فى الشراء منه إغراء له بالسير فى طريقه هذا، ولقد ورد نهى النبى
راح عن طعام المتباريين ، وهما رجلان يقصد كل منهما مباراة الآخر
فى التبرع، والذى يرخص فى السعر للإضرار من ذلك النوع أو أشد قبحاً،
لأنه يعمد إلى الإضرار بغيره، وقد يؤدى فعله إلى الاحتكار بأن تزول
منافسة غيره ، فيستبد بالأسعار. كما قد ينتفع الناس من الرخص كما ذكرنا
آنفاً، ولكل حال ، تبدو فيها البواعث، ويحتاط ولى الأمر للنتائج .
(ب) أن أحمد يحرم بيع السلاح عند الفتنة، لنهى التى تؤيتم، لذريعة
الشر لأنه إعانة على معصية، ولم يجز أحمد هذا البيع، لأنه إعانة على العدوان
غالباً ، وفى معنى هذا البيع عند أحمد كل بيع أو إجارة أو ١٠وضة تعين على
معصية، كبيع السلاح لمن يحاربون المسلمين ، وكبيعه للبغاة، وبيعه لقطاع
الطريق، وإجارة الدور والحوانيت، لمن يقيم فيها سوقا للمعاصى، كالمراقص
والملاهى المحرمة .
(حـ) أن من المقرر عند الحنابلة - أن من وقع فى معصية، وفى أثناء
قلبسه بها وجدت منه النوبة حال طاعة، كمن يغتصب أرضاً أو داراً ، ثم
يندم، وهو باق فيها فيتوب فإنه عند خروجه منها يكون فى حال طاعة أو عفو
على اختلاف التخريج، كمن تطيب وهو محرم بالحج ثم قدم ، وأراد النوبة
وشرع فى غسله بيده قصداً لإزالته .
وإن الحكم بأن الفعل مع أنه تلبس بالمعصية يصبح مطلوبا هو فى الحقيقة
من باب الذرائع ، لأن السبيل للطاعة صار طاعة ، وإن كان فى أصله
معصية، وقد اختلف علماء المذهب الحنبلى فى تخريجه ، خرجه بعضهم
- ٣٧٣ -
بأن الفعل ينقلب طاعة لأنه السبيل للطاعة ، وخرجه بعضهم على أنه
عفو عن المعصية، وإن كان مطلوباً، وإليك نص ما جاء فى كتاب القواعد
لابن رجب ، فقد جاء فيه ما نصه :
« والكلام ها هنا فى مقامين».
( أحدهما) هل تصح التوبة فى هذه الحال ويزول الإثم بمجردها، أم
لا يزول حتى ينفصل عن ملابسات الفعل بالكلية، فيه لأصحابنا وجهان .
( أحدهما) وهو قول ابن عقيل إن توبته صحيحة، ويزول عنه الإثم
بمجردها ويكون تخلصه من الفعل طاعة، وإن كان ملابساً له، لأنه مأمور به
فلا يكون معصية ، ولا يقال من شرط النوبة الإقلاع ولم يوجد، لأن هذا
هو الإقلاع بعينه ، وأيضاً فالإقلاع إنما يشترط مع القدرة عليه دون العجز،
كما لو تاب الغاصب، وهو محبوس فى الدار المغصوبة أو توسط جمعاً من الجرحى
متعمداً ثم تاب، وقد علم أنه إن أقام قتل من هو عليه، وأن انتقل قتل غيره،
ولكن هذا من محل نوع النزاع(١) أيضاً).
((والوجه الثانى، وهو قول أبى الخطاب إن حركات الغاصب، ونحوه
فى خروجه ليست طاعة، ولا مأموراً بها، وهى معصية، ولكن ما يفعله
لدفع أكبر المعصيتين بأفلهما، وأبو الخطاب وإن قال ليست طاعة هو يقول
لا إثم فيها، بل يقول بوجوبها، وهو فى معنى الطاعة(٢)).
(د) ومن الأخذ بالذرائع عدم قبول توبة الزنديق الذى ارتد ، وكان
مشهوراً بالزندقة ، فان المقرر فى الإسلام أن المرقد يستتاب ، فإن
(١) صورة هذه أن يكون هناك جرحى منغنون: قد ألقوا فى الأرض ؛ فيمر عليهم
عامداً ، وهذا إثم ؛ يبدو أن يرجع نائباً فإن عاد قتل وإن بقى قتل ، وهذا نتيجة لتوبته
بمجرد صدورها ، لأن الإفلاع متعذر من غير معصية أكبر إذ من يمر عليهم سيقتلون فيكون
فى الإقلاع أم مؤكد .
(٢) قواعد ابن رجب .
- ٣٧٤ -
تاب كان مسلماً ، وإن لم يتب قتل، ولكن استثنى من المرتدين الزنادقة
إذا ارتدوا، لأنهم يتخذون عنوان الاسلام سبيلا للكيد له، وإفساد العقيدة،
ونشر البدع ، وبث الخفية لإفساد المسلمين ، فهم منافقون عند إعلانهم
الإسلام ، فاذا تمكن ولى الأمر من رقابهم بإعلان ردتهم ، فلا يصح له
أن يمكنهم من الإفلات بالتوبة غير الحقيقية التى يتخذونها طريقاً للإيغال فى
شرهم، وكان ذلك من باب سد الذرائع، وهذا المسلك هو أصح الروايات
عن أحمد، وهو مذهب مالك، ورواية عن أبى حنيفة، وأما الشافعى فهو
الذى خالف فى ذلك .
٢١٤ - وترى من هذا أن أحمد رضى الله عنه، ومثله فى ذلك مالك رضى
الله عنه كان عند الحكم ينظر إلى المآلات، فيقررها، ويمنع كل ما يؤدى فى
مآله إلى محرم ويقرر كل ما يؤدى إلى مطلوب، وينظر فى ذلك نظراً كاياً
وجزئياً، فيحرم تلقى الركبان، لكيلا يؤدى إلى غلاء الأسعار على العامة ،
ولكيلا يكون فى ذلك خداع للقادمين من الأمصار، ولم يكونوا على علم
بالأسعار، فكان التحريم لأنه يؤدى إلى ضرر خاص بالبائعين، وضرر عام
بالمستهلكين وكان المنع بالنسبة للمآلات منظوراً فيه إلى النتيجة المترتبة ،
سواء أ كانت مقصودة أم غير مقصودة، أما الإثم الأخروى فإنه ينظر
فيه إلى الباعث .
وقد قرر أنه إذا كان الباعث الخير، والنتيجة كانت شراً غالباً أو مؤكداً
منع الفعل مع نية الخير، اعتباراً بالمآل والنتيجة، قياساً على قوله تعالى:
((ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم).
هذه مبينة خلاصة لأخذ أحمد بالذرائع كمالك رضى الله عنهما، وقد
عنينا فيها بضرب الأمثال من الفقه الحنبلى، ولم نعن ببيان الأدلة التى قام
قام عليها ذلك الأصل اكتفاء بما ذكرناه فى كتابنا مالك(١).
(١) قد شرحنا أصل الذرائع فى كتاب مالك طبعة ١٩٦٤ الناشر دار الفكر العربى
فليرجع إليه من يريد معرفته مفعلا .
= ٣٧٥ -
موازنة بين الشافعى وأحمد فى الذرائع
٢١٥ - كان أكثر الفقهاء أخذاً بالذرائع أحمد ومالك رضى الله
عنهما، وأقل الفقهاء أخذاً بها الشافعى، وكان أبو حنيفة وأصحابه أقرب إلى
الشافعى من القلة ولم يقاربوا مالكا وأحمد ، وذلك بعد إجماع الجميع على
نوع من الذرائع، أخذاً ، وعلى نوع آخر رداً، فقد أجمعوا على أن
ما يؤدى إلى إيذاء جمهور المسلمين منوع لا محالة كحفر الآبار فى الطرق
العامة ، أو إلقاء السم فى طعامهم، ولعل من ذلك فى عصرنا رمى جرائم
الأمراض فى مياه الشرب ، ومن هذا النوع الذرائع التى جاء بها النص
كسب الأصنام عندما يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى إن سمع ذلك.
وقد أجمعوا أيضاً على أن ما يكون سبيلا للخير والشر، ويكون فى فعله
فوائد للناس لا يكون ممنوعاً كغرس العنب ، فإنه يؤدى إلى عصره ،
وتخميره ، ولكن لم يكن لذلك بأصله ، ولأن استخدامة لذلك احتمالى ،
والمنفعة فى غرسه أكبر من هذه المضرة، والعبرة بالأمر الغالب أو الراجح
فى الظن .
٢١٦ - وفما عدا القسمين السابقين كان الخلاف ، فالشافعى رضى الله
عنه نظر إلى الأحكام الظاهرة ، وإلى الأفعال عند حدوثها ، ولم ينظر إلى
غاياتها ومآلاتها وقال فى ذلك :
«الأحكام على الظاهر، والله ولى الغيب، من حكم على الناس
بالأزكان (١) جعل لنفسه ما حظر الله تعالى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم،
لأن الله عز وجل إنما يتولى الثواب والعقاب على المغيب، لأنه لا يعلمه إلا هو
جل ثناؤه، وكلف العباد أن يأخذوامن العباد بالظاهر، ولو كان لأحد أن
(١) الأركان الفهم بالظن ، والاسم الزكانة .
٠
- ٣٧٦ -
يأخذ بباطن عليه دلالة - كان ذلك لرسول الله { وما وصفت من هذا
يدخل فى جميع العلم ، .
وهذه الظاهرية هى التى يستمسك بها أشد الاستمساك وينهى فيها عن
تظنن غابات الأمور لم تكن قائمة ولا ثابتة وقت الفعل أو التصرف، لأن
الأخذ بذلك أخذ بالأزكان والظن ، والشريعة عنده ظاهرية تنظر إلى
صور الأفعال ومادتها، لا إلى مآلاتها أو بواعثها ، إذا لم يكن هناك دليل
ظاهر على المآلات أو البواعث .
وإن هذه النظرة تخالف نظر الإمامين أحمد ومالك ، فإنهما عند
اتجاههما إلى الذرائع نظراً إلى المآلات نظرة مجردة، ونظراً إلى البواعث،
فمن عقد عقداً قصد به أمراً محرماً، واتخذ العقد ذريعة له ، فإن المآل
والباعث يحرمان العقد، فيأثم عند الله ويكون العقد باطلا، لأنه ربا،
فيبطل سداً للذريعة.
٢١٧ - ولقد نظر الشافعى تلك النظرة الظاهرية ، أو على حد
تعبير رجال القانون المادية ، وعم شمولها ، ولم يقتصر فيها على ناحية
من نواحى الشريعة دون الناحية الأخرى، وطبق قاعدته على العقود
والتصرفات .
فكان فى تفسيره للعقود، وإعطائها أو صافها الشرعية من الصحة والبطلان،
وترتيب الأحكام ينظر نظرة ظاهرة مادية لا ينظر إلى البواعث ، ولا إلى
المآلات فهو لا يحكم على العقود من حيث آثارها وأوصافها، بحسب
مآلاتها الواقعة فى المستقبل ولا بحسب النيات المقترنة بالعقد ، وقام الدليل
عليها من أحوالهما وما لابس العقد من أمور سبقته ولحقته، ولكن يحكم
على العقد بحسب ما تدل عليه ألفاظه ، وما يستفاد منها فى اللغة وعرف
وعرف العاقدين ، ولذلك يقول مصرحاً بعدم أخذه بالذرائع .
ويبطل حكم الأزكان من الذرائع فى البيوع وغيرها ، وبحكم بصحة
- ٣٧٧ -
العقد ، وإن أراد رجل أن ينكح امرأة، ونوى ألا يحبها إلا يوماً أو شهراً،
إنما أراد أن يقضى منها وطراً، وكذلك نوت هى منه ، غير أنهما عقدا
النكاح مطلقاً على غير شرط .
ويقول فى كتاب إبطال الاستحسان: إنه لا يفسد عقد أبداً إلا
بالعقد نفسه، لا يفسد بشىء تقدمه ولا تأخره، ولا بتوهم ، ولا بأغلب،
وكذلك لا يفسد كل شىء إلا بعقده، ولا تفسد البيوع بأن يقول: هذه
ذريعة، وهذه نية سوء ولو جاز أن فبطل من البيوع بأن يقول هذه ذريعة،
وهذه نية سوء ، ولو جاز أن نبطل من البيوع بأن يقال متى خاف أن
تكون ذريعة إلى الذى لا يحل - كأن يكون اليقين من البيوع بعقد مالايحمل
أولى أن يرد به (١) من الظن، ألا نرى أن رجلا لو اشترى سيفاً، ونوى
بشرائه أن يقتل به كان الشراء حلالا ، وكانت النية بالقتل غير جائزة ، ولم .
يبطل بها البيع، وكذا لو باع البائع سيفاً من رجل يراه أنه يقتل به رجلا
كان هكذا .
ومعنى هذا الكلام أنه لا يفسد العقد للمآل الذى يؤدى إليه تنفيذه ،
كما لا يفسده للنية ، ولو قام عليه دليل سابق ولاحق ، ويقول إننا لو جعلنا
العقد باطلا أو فاسداً ، لظن فى المآل أو لظن النية الفاسدة لكان بيع
السيف لمن يشتريه ليقتل بيعاً باطلا لا يملك المشترى السيف به، لأن النية
مؤكدة، ولكن حكمنا بأن البيع بنقل الملكية ، فيكون صحيحاً والنية
فيها العقاب الأخروى، وإذا كان ذلك صحيحاً ، فمثله فى الصحة بيع
السلاح فى الفتنة ، لأن مآله أن يكون بيعاً لمن يظن أنه سيقتل به ، وقد
صححنا البيع لمن ينوى يقيناً.
. ويقول الشافعى أيضاً : فإذا دل الكتاب ثم السنة ، ثم عامة حكم
الإسلام على أن العقود إنما يثبت بالظاهر عقد هالا تفسدها نية المتعاقدين كانت
(١) الأم الجزء السابع ص٢٧٠.
- ٣٧٨ -
العقود إذا عقدت فى الظاهر صحيحة أولى ألا تفسد بتوهم غير عاقدها على
عاقدها ، ثم إذا كان توهما ضعيفاً. وانته سبحانه وتعالى أعلم(١).
٢١٨ - وفى هذا ترى الشافعى يستنكر الحكم بأن بيع السلاح فى
الفتن باطل لأنه لا يصح أن يتوهم على العاقد نية عنده إذا كان البيع صحيحاً
عند تأكده نية نفسه وهذا مالم يقله أحمد ، ولا مالك رضى الله عنهما، لأنهما
نظرا إلى المآل .
وإنه ليطبق مبدأه هذا على النكاح كما بينا، فيحكم بأن النكاح يكون .
صحيحاً ولو كان العاقدان ينويان قضاء وطر ، وتبينت تلك النية من سابق
العقد ولاحقه، فكان النكاح مؤقتاً فى نيتهما الظاهرة الثابتة، ولايحكم
ببطلان النكاح لذلك إلا إذا صرح العاقدان باشتراط التوقيت فى صيغة
العقد عند إنشائه .
ويطبق الشافعى نظره فى العقود التى يقصد بها الربا، أو يظن من عقدها
أن المقصود بها الربا، فيكم بأن الثمن إذا كان مؤجلا ، وقبض المشترى
العين كان له أن يبيعها إلى البائع بأقل من الثمن ، ولو كانت فية الربا ثابتة فى
ذلك العقد، بأن تكون النتيجة أن يكون المشترى قد استدان من البانع
ديناً، وأداه بأكثر منه، وأمارات الربا فيه واضحة ، ولكن مادام لم
يقترن بالعقد عند إنشائه ما يدل على قصد الربا فالبيع صحيح ، وقد نص على
صحته فى الأم . فيقول: وإذا اشترى طعاما إلى أجل فقبضه ، فلا بأس
أن يبيعه ممن اشتراه منه، ومن غيره بنقد، وإلى أجل، وسواء فى هذا
المعين وغير المعين .
أى سواء فى ذلك مايعين على الربا، وما لا يعين على الربا ، أى سواء
أكان ذريعة إلى محرم أم لم يكن ذريعة إلى محرم ، لأنه نظر إلى الصورة
الظاهرة ، وترك لله المغيب .
(١) الأم الجزء الثالث ص٣٣
- ٣٧٩ -
٢١٩ - وإن ذلك الجزء من البحث كما ترى قد اختلف فيه التلميذ
عن شيخه اختلافا بينا، واختار مسلك مالك رضى الله عنه، لأنه وجده
أنزه فى الدين، وأقرب إلى المقاصد العامة للشريعة الإسلامية التى جاءت
لإصلاح الناس، وقيام بناء الجماعة الإسلامية على أسس صالحة من الخير فى
نظمها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ولذلك حكم بإبطال بيوع العينة
مادامت تؤدى إلى التعامل بالربا ، كما أبطل كثيراً من العقود، لأن تنفيذها
يؤدى إلى فساد عام فى الجماعة الإسلامية، كماذكرنا فى الاحتكار والتسعير،
وتلقى السلع ، وهكذا .
ولعل أوضح مثال للخلاف بين الفقهين المالكى والحضبلى، وبين الفقه
الشافعى فى مسألة الذرائع ، هو تلك البيوع الربوية فقد توسع مالك
وأحمد فى تحريمها، وإبطالها ، وضيق الشافعى باب الإبطال وقاربه فى ذلك
أبو حنيفة وأصحابه رضى الله تبارك وتعالى عنهم أجمعين .
ولقد استدل على تحريم البيوع الربويه التى تسمى ببيع العينة أى التى
يتوسط فى التعامل فيها بالربا عين بأن يبيع الشخص عيناً مؤجل ، ثم يبيعها
لبانعها بثمن معجل أقل فيكون الفرق ربا ـ بما ذكر من سد الذرائع للرباء
وبحديث تكلم العلماء فى سنده، وهو ماروى عن النبى ◌ّ قال: ((إذا
ضن الناس بالدينار والدرهم ، وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر ، وتركوا
الجهاد فى سبيل الله، أنزل الله عليهم بلاء، فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم))
ولقد توسع المالكية والحنابلة فى معنى هذه البيوع الربوية ، وضيق
الشافعى باب التفسير ، جازت بمقتضى ذلك عقود ربوية كثيرة ، ولقد قال
القرافي فى ذلك :
من باع سلعة بعشرة دراهم إلى شهر ، ثم اشتراها بخمسة قبل الشهر
- ٣٨٠ -
فالك ( ومعه أحمد) يقول إنه أخرج من يده خمسة الآن، وأخذ عشرة
إلى آخر الشهر فهذه وسيلة السلف خمسة بعشرة إلى أجل بإظهار صورة
البيع لذلك ، والشافعى ينظر إلى صورة البيع ، ويحمل الأمر على ظاهره .
فيجوز ذلك، وهذه البيوع يقال أنها تصل إلى ألف مسألة اختص بها مالك
( ومعه أحمد) وخالفه الشافعى .
٢٢٠ - وترى من هذا كيف اختلف النظر الحنبلى والمالكى عن نظر
الشافعى ، فإنهما ينطران إلى مآلات الأفعال نظرة اجتماعية تقدر الوقائع
المترتبة ، ولا تقتصر فى نقارها، على الصور الفردية الواقعة، فهما ينظران
إلى الثمرات المترتبة فى مجموعها لا إلى الوقائع فى آحادما، ولاشك أن ذلك
النظر كما قلنا أسلم، وأجدر بالشرائع التى تجىء قاصدة إلى إصلاح الجماعة.
وترمى إلى تكوين بنيانها على أسس من الفضائل الخلقية والاجتماعية .
٢٢١ - ولنن قررنا أن أحمد يتفق مع مالك فى النظر فى المآلات
ومخالفة الشافعى فى عدم النظر إلى ذلك . فإن هناك أمراً، نرى فيه الحنابلة
وقد انفردوا بمخالفة الشافعى فيه، وهو النظر إلى المقاصد التى يرمى إليها
العاقد من عقده، فإن الشافعى قد رأيناه يقرر أن النية ليس لها أثر فى الحكم
على العقد من حيث الصحة والفساد قط مادامت هذه النية لم يكن هناك شرط
صريح مقترن بالإنشاء يدل عليها ، فإذا لم يكن ذلك ، فان العقد يكون صحيحاً
مهما يقم من الدلائل قبله أو بعده على نيته التى لا تتفق مع معنى العقدوب قصد
الشرعى منه، ولكن الحنابلة يرون أن القصد إذا قام الدليل عليه مما لابس العقد
سواء أصرح به أو لم يصرح وسواء أكان التصريح به مقترناً بالعقد أم قبله.
فإن العقد يكون الحكم فيه على أساس ذلك القصد ، فإن كان القصد
حراماً كان العقد على حرام وكان فاسدا لا ينشأ به التزام ، وقدرد ابن القيم
على الشافعي ، وأحسن الرد ، وجاء فى أثناء كلامه ما نصه :