Indexed OCR Text
Pages 341-360
- ٣٤١ - بالموت يعتبر من وقت الفقد ، وكان ذلك سيراً على قاعدتهم التى تقرر أن الاستصحاب حجة فى الدفع لا فى الإثبات . ١٨٢ - هذا وللاستصحاب صور كثيرة، ومما أثبته أحمد بن حنبل أو الحنابلة منها : (١) استصحاب ما دل العقد والشرع على ثبوته واستمراره كالملك عند وجود سببه فإنه يثبت حتى يوجد ما يزيله ، وكشغل الذمة بدين ثبت بسبب قرض، أو كان ثمن مبيع ، أو كان عن إتلاف أوجب ضماناً، ففى كل هذه الأحوال تشغل الذمة بالدين ، حتى يؤدى ، أو تكون البراءة منه أو تجرى المقاصة فيه، ومن ذلك دوام الحل بسبب النكاح ، حتى يوجد ما يزيله من نحو طلاق بائن . (ب) ومنها استصحاب العدم الأصلى المعلوم ما أقره الشرع كبراءة الذمة من التكليف حتى يقوم الدليل على ذلك التكليف ، فإنه إذا لم يكن التكليف بأن لم يقم دليل عليه كانت الأمور فى مرتبة العفو الأصلى ، فيكون للشخص أن يتناولها، لأن ذلك من العفو الذى لم يكن فيه تكليف ثابت . (جـ) ومنها استصحاب الوصف الشرعى الذى ثبت تابعاً لحال قائمة، كالحل إن ثبت مرتبطاً بأمر ثابت، فإنه يستمر حتى يقوم الدليل على خلافه والحياة بالنسبة للمفقود فقد قررنا ثبوتها ، حتى يصدر الحكم بزوالها ، وهكذا الأوصاف التى ثبتت مقترنة بحال ، فإنها تستمر ، حتى يقوم الدليل على زوالها . (د) ومن صور الاستصحاب استصحاب حكم الإجماع فى محل النزاع، وقد ضربوا لذلك مثلا، والشخص الذى لا يجد الماء قط ، فإنه قد أجمع الفقهاء على أنه يجوز له التيمم، والصلاة بهذا التيمم، فإذا أتم الصلاة قبل - ٢٤٢ - رؤية الماء فقد صحت الصلاة ، ولو رآه بعد ذلك ، ولو رآه قبل الصلاة لا تصح إلا بوضوء ، ولكن إذا رآه فى أثناء الصلاة أتبطل الصلاة، ويستأنفها من وضوء؟ قال الذين يحكمون بأن استصحاب حال الإجماع دليل يستمر - إن الصلاة تصح، ويتمها ، ولا يستأنفها. ومن الأمثلة على ذلك أم الولد، وهى الأمة التى يترى بها سيدها ، ويستولدها فتلد ولداً له ، فقد قال جمهور الفقهاء لاتباع، وقال الظاهرية، تباع لأن الإجماع منعقد على جواز بيعها قبل أن تله، والولادة لم تزل هذا الإجماع ، فيستمر حكمه بمقتضى استصحاب الحال . وهذا النوع من الاستصحاب محل خلاف بين الأصوليين ، وهو محل خلاف بين الحنابلة أيضاً ، فبعضهم يعتبره حجة ، والقاضى أبو يعلى وابن عقيل وأبو الخطاب وغيرهم لا يعتبرونه حجة، لأن انعقاد الإجماع على صفة لا يستلزم الإجماع على صفة أو حال أخرى ، فقد انعقد الإجماع على صحة الصلاة من غير رؤية الماء ، وهذا لا يقتضى بقاء الإجماع مع رؤية الماء ، والاستصحاب شرطه بقاء الحال على الصفة التى كانت وقت الحكم ، فإن هذه هى التى تعد مناطه، فإذا تغيرت الصفة ، فقد زالت الحال ، أو تغير موجب الحكم، فيكون الأمر خاضعاً لحكم آخر ، ومن جهة أخرى فإن استصحاب الحال لا يصلح حجة أمام دليل آخر ، فإذا كان الصحابة أجمعوا على جواز بيع الأمة من غير استيلاد ، فقد قام الدليل على عدم جواز بيعها عند الاستيلاء، فإن فرض بقاء الحال ، فإن الاستصحاب لا يصار إليه فى الفتوى إلا عند فقد غيره من الأدلة كما قررنا .. وهكذا. ١٨٣ - من هذا القول تبين أن الحنابلة يأخذون بالاستصحاب أصلا من أصول الفتيا، ويتوسعون فيه أكثر من الحنفية، وأكثر من المالكية، ويقاربون الشافعية فى ذلك ، وإنه فى الواقع كلما أكثر الفقهاء وسعوا فى باب الاستدلال بالرأى قل اعتمادهم على الاستصحاب ، وكلما قالوا من الاستدلال - ٣٤٣ - بالرأى أكثروا من اعتبار الاستصحاب ، وذلك استقراء ثابت، فالظاهرية الذين ضيقوا على أنفسهم، وسدواكل أبواب الرأى فى وجوههم أكثروا من الاستصحاب، حتى كانوا أكثر الفقهاء أخذاً به . والشافعية الذين منعوا الاستنباط بالمصالح والإستحسان وسد الذرائع وغير هذا قد أخذوا بهذا الأصل، وكانوا أكثر اعتماداً عليه من الحنفية والمالكية ، والحنابلة الذين كانوا يميلون إلى الآثار، ويعد فقههم فقه الآثار بحق أكثروا منه، أما الحنفية والمالكية الذين ساروا فى الرأى إلى أبعد مداه من غير خروج على النصوص فقد قلارا منه . وهذا الاستقراء الفقهى يؤيده المنطق ، لأنه كلما كثرت طرائق الاستدلال وجدت الأحكام المغيرة للأمور التى تستصحب فى الأحوال ، وكلما كثر المغير قل استصحاب الحال ، والله سبحانه وتعالى أعلم. - ٢٤٤ - ٧ - المصالح() ١٨٤ - نقلنا لك الأصول التى ذكر ابن القيم أنها أصول الاستنباط عند أحمد ولم يذكر المصالح منها وليس عدم ذكرما دليلا على عدم اعتبارها، بل إن فقهاء الحنابلة، يعتبرون المصالح أصلا من أصول الاستنباط ، وينسبون ذلك الأصل إلى إمامهم جميعاً وإن أبن القيم نفسه يعد المصالح أصلا من أصول الاستنباط ، بل إنه يقرر أنه مامن أمر شرعه الشارع إلا وهو متفق مع مصالح العباد، وإن أمور الشريعة التى تتصل بمعاملات الناس تقوم على إثبات المصلحة، ومنع الفساد والمضرة، ويتكرر ذلك فى كل الكتب التى كتبها، فتراه مثبوتاً فى أعلام الموقعين، ومفتاح دار السعادة، وزاد المعاد فى هدى خير العباد ، وغير ذلك مما كتب فى الأصول والفروع ، وينسب ذلك إلى الإمام أحمد، ولكنه لم يذكره عند ذكر أصوله، لأنه يرى أنه داخل فى باب القياس الصحيح، وقدعدت فيما نقلناه لك عنه وعن شيخه ابن تيمية أنهما ومعهما كثيرون من الحنابلة ينظرون فى الأقيسة نظرة أوسع مما ينظر غيرهم من الفقهاء الذين ضبطوا قواعد القياس ، ومسالك العلة فيه، لأنهم يجعلون الأوصاف المشتركة التى تبنى على أساسها الأقيسة الصحيحة، وتسير معها طرداً وعكساً تكون مستمدة من أغراض الشريعة العامة ومقاصدها السامية، ولذلك يعتبرون الحكم، والأوصاف المناسبة هى أساس الأحكام، واطراد الأقيسة، وليست هذه الحكم والأوصاف المناسبة إلا المصالح، ودفع المضار ، ومنع الحرج من الضيق . ولقد قرر علماء الأصول أن أحمد بن حنبل ، ومالكا رضى الله عنهما ، (١) تكامنا فى كتاب مالك عن أصل المصالح المعتبرة، ووازنا بين أقوال الفقهاء وأقوال علماء الأخلاق ولا نريد أن نكرر ماقلناه هناك، ولذا نقتصر هنا على النظر الحنبلى إليها. - ٣٤٥ - قد أخذا عبدأ المصالح المرسلة من غير نكير من اتباعهما، بل إن بعض كتاب الحنابلة قد أغرقوا فى اعتبار المصالح إغراقاً قد خلع فيه الربقة فى نظرنا ، وعلى رأس هذا الفريق الطوفى الحنبلى، ولعله لم يتبعه فى طريقته أحمد ، وسنناقشها وسنبين أن مسلكه ليس حنبلياً، وإن كان هو حنبلياً . ١٨٥ - وإن الأخذ بالمصالح المرسلة، واعتبارها أصلا فقهياً ينى عليه الاستنباط فى غير مواضع النص ، هو الذى يتفق مع أتباع أحمد رضى الله عنه السلف الصالح فى استنباطهم، وعدم الخروج عن طريقتهم، حتى عد تابعياً، وذلك لأن الصحابة الذين اقتدى بهم، وتخرج على فتاويهم قد كانوا يأخذون بالمصالح المرسلة ، وإليك طائفة مما أخذوا به . (١) فهم قد جمعوا القرآن الكريم فى المصحف ، ولم يكن ذلك فى عهد الرسول صلوات الله وسلامه عليه، لأن المصلحة تقاضتهم ذلك ، إذ خشوا أن ينسى القرآن الكريم بموت الحفاظ، وقد رآهم عمر رضى الله عنه يتهافتون على الموت فى حرب الردة ، يخشى نسيان القرآن بموتهم فأشار على أبى بكر بجمعه فى المصحف واتفق الصحابة على ذلك وارتضوه . (ب) واتفقوا من بعده صلى اللّه عليه وسلم، على حد شار الخمر ثمانين جادة مستندين فى ذلك إلى المصلحة، أو الاستدلال المرسل، إذا رأوا الشرب ذريعة إلى الافتراء وقذف المحصنات بسبب كثرة الهذيان . (حـ) واتفق الخلفاء الراشدون على تضمين الصناع مع أن الأصل أن أيديهم على الأمانة ، ولكن وجد أنهم لو لم يضمنوا لاستهانوا بالمحافظة على أمتعة الناس وأموالهم، وفى الناس حاجة شديدة إليهم ، فكانت المصلحة فى تضمينهم، ليحافظوا على ماتحت أيديهم، ولذلك قال على فى تضمينهم ((لا يصلح الناس إلا ذاك ». (د) وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يشاطر الولاة الذين يتهمهم - - ٢٤٦ - فى أموالهم لاختلاط أموالهم الخاصة بأموالهم التى استفادوها بسلطان الولاية ، وذلك من الاعتماد على المصلحة المرسلة ، لأنه رأى فى ذلك صلاح الولاة ، ومنعهم من استغلال سلطان الولاية لجمع المال ، وجر المغانم من غير حل . (هـ) وقد نقل عن عمر رضى الله عنه أنه قتل الجماعة بالواحد إذ اشتركوا فى قتله ، لأن المصلحة تقتضى ذلك، إذلانص فى الموضوع ، ووجه المصلحة أن القتيل معصوم ، وقد قتل عمداً ، فإهداره داع إلى خرم أصل القصاص، واتخاذ الاستعانة والاشتراك ذريعة إلى القتيل، إذا علم أنه لاقصاص عند الاشتراك، فإن قيل هذا أمر بدعى ، وهو قتل غير القاتل ؛ لأن كل واحد لا يعد قاتلا بمفرده ، قيل فى رد ذلك : إن القاتل هو الجماعة من حيث الاجتماع، فقتلها كلها يشبه قتل القاتل وحده إذ القتل مضاف إليها ، كإضافته إلى الشخص الواحد ، فنزل الأشخاص المجتمعون لغرض القتل منزلة الشخص الواحد ، وقد دعت إلى هذا مصلحة ؛ لأن فيه حقناً للدماء وصيانة للمجتمع (١). (و) ولقد نفى عمر بن الخطاب نصر بن حجاج، وكان شاباً جميلا نفاه من المدينة ، لأنه سمع بعض النساء يتشبب به، فوجد الفاروق رضى الله عنه(٢) أن فى إبعاده عن المدينة مصلحة عامة، وإن كان فيه ضرر عليه، ولعله وضى الله عنه لاحظ فى سلوكه ما من شأنه أن يغرى النساء ، ويرضى هو بهذا الإغراء ، فنفاه عقوبة له ، وليعتهر غيره. (ز) ولقد منع عمر رضى الله عنه بيع أمهات الأولاد، لأنه رأى فى ذلك مصلحة هى المحافظة على الولد، وتسهيل إنهاء الاسترقاق ، ولأنه إذا (١) هذه الأمثلة من الاعتصام للشاطبي =٢ (٢) راجع الطرق الحكمية س١٢ - ٣٤٧ - ورثها ولدها عتقت عليه، ولقد وافقه كثرة من الصحابة على ذلك ، ومنهم على رضى الله عنه ثم بدا له بيعهن، وقال لقاضيه إن عدم البيع كان رأياً اتفق عليه هو وعمر، فقال له القاضى: يا أمير المؤمنين رأيك ورأى عمر فى الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك، فقال: ((اقضوا كما كنتم تقضون، فإنى أكره الخلاف)) (١). ١٨٦ - رأى أحمد رضى الله عنه فتاوى الصحابة التى بنيت على المصالح، وهى كثيرة جداً، ولعل أكثر فتاويهم بالرأى كان النظر فيها إلى المصلحة، وإذا كان ذلك الرجل الأثرى المستمسك بما عليه السلف يأخذ بفتاويهم المنصوص عليها فهو إذا لم يجد نصاً لهم أخذ منهاجهم، واتبع مثل طريقهم، حتى يكون دائماً مستضيئاً بمشكلاتهم ، وقد أخذوا بالمصلحة سبيلا من سبل الفتوى ، فق عليه أن يأخذ بها ، وقد أخذ بها فى كثير من المسائل، ولنضرب لك بعض الأمثلة . ١٨٧ - فقد أخذ بها رحمه الله فى السياسة الشرعية بشكل عام، وهى ماينهجه الإمام لإصلاح الناس وحملهم على مافيه مصلحة، وإبعادهم عمافيه مفسدة ، وقرر رضى الله عنه فى ذلك عقوبات فى الأخذ بها إصلاح للناس، وإن لم يرد فيها نصوص لأن العقوبات تكون للناس بمقدار ما يحدثون من جرائم، كل ما يدفع عن الناس شر هذه الجرائم ، فهو مشروع ما لم يكن منهياً عنه بصريح النصوص ، وفى مثل هذه الأحوال . وإن فتاوى أحمد التى هى من قبل السياسة الشرعية كثيرة منها نفى أهل الفساد والدعارة إلى با يؤمن فيه من شرهم ، ومنها تغليظ الحد على شرب الخمر فى نهار رمضان ، ومنها عقوبة من طعن فى الصحابة ، وقرر أن ذلك (١) الطرق الحكمية ص ١٧ - ٣٤٨ - واجب ، وليس للسلطان أن يعفو عنه، بل يعاقبه ، ويستتيه ، فإن تاب ، وإلا كرر العقوبة، (١) . ولقد تبع أحمد فى ذلك الحنابلة ، فأكثروا من الإفتاء فى باب السياسة الشرعية بكل ما فيه مصلحة للرعية، وإقامة للحق والعدل ، ورفع الفساد والشر . ولقد ناظر شافعى أبا الوفاء على بن عقيل بن محمد، فقال الشافعى « لا سياسة إلا ما وافق الشرع، فقال ابن عقيل الحنبلى: «السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد ، وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحى ، فإن أردت يقولك إلا ما وافق الشرع أى لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح ، وإن أردت لاسياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط ، وتغليط للصحابة ، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل ما لا يجحده عالم بالسنن ، ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف ، فإنه كان رأياً اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة وتحريق على الزنادقة لكفى (٢)، ولقد سار أصحاب أحمد وتلاميذهم فى باب السياسة الشرعية إلى مدى بعيد ، وأفتوا فتاوى كثيرة كان أساسها مصلحة الجماعة معتمدين على أن المصلحة أصل أساسى لإقامة الشريعة العادلة ، والحكم العادل، وحماية الجماعة الإسلامية ، ومن ذلك قتل الجاسوس على المسلمين إذا اقتضت المصلحة قتله. وقتل من يدعو إلى بدعة يخشى على الجماعة الإسلامية منها ، وليس من مصلحة المسلمين بقاؤه ... الخ ... ١٨٨ - ولقد أفى أصحاب أحمد بجواز إجبار المالك على أن يسكن (١) أعلام الموقعين ج٤ ص٣١٣ (٢) الطرق الحكمية ص ١٣ -- ٣٤٩ - فى بيته من لا مأوى له إذا كان فيه فراغ يتسع له ، ولقد قال ابن القيم فى ذلك: إذا قدر أن قوما اضطروا إلى السكنى فى بيت إنسان لا يجدون سواه، أو النزول فى خان ملوك، وجب على صاحبه بذله بلا نزاع ، لكن هل له أن يأخذ أجراً؟ فيه قولان للعلماء ، وهما وجهان لأصحاب أحمد، ومن جوز له أخذ الأجرة حرم عليه أن يطلب زيادة على أجرة المثل (١). وهذا بلا شك الأساس فيه المصلحة ، ودفع المضرة، إذ يسكن المحتاجون من غير ضرر يقع بالمالك إلا منع المغالاة فى الأجرة ، وذلك ليس فيه ظلم يدفع . ١٨٩ - وما أفتى به أصحاب أحمد أن الناس إن احتاجوا إلى أرباب الصناعات كالفلاحين وغيرهم أجبروا عليها بأجرة المثل ، وليس لهم أن يمتنعوا، ويعاقبون إذا لم يفعلوا، فإنه لا تتم مصلحة إلا بذلك، ولقد افترضوا للمصلحة الواجبة الرعاية أن تعلم الصناعات فرض كفاية لحاجة الناس إليها (٢)). ١٩٠ - ومن الفتاوى التى كان أساسها المصلحة العامة والعدل إفتاء بعض متأخرى الحنابلة بجواز التسعير أى وضع حد أعلى لثمن الأشياء ، إذا كان الناس فى حاجة إلى ذلك ، وكان الناس فى حرج من دونه ، وقد خالفوا فى ذلك عموم نهى النبي ولم عن التسعير، وقرروا أن نهى النبى عن التسعير خاص ببعض الأحوال ، ولقد قال فى ذلك ابن القيم : « التسعير منه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه أو منعهم ما أباح الله تعالى لهم فهو حرام . (١) الكتاب المذكور ص٢٣٩ (٢) الكتاب المذكور س٢٢٧ - ٣٥٠ - وإذا تضمن العدل بين الناس ، مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل فهو جائز ، بل واجب. ٠ فأما القسم الأول فمثل ماروى أنس قال: غلا السعر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا يارسول الله: لو سعرت لنا فقال: ((صلى الله عليه وسلم: (( إن الله هو القابض الرازق الباسط المسعر وإنى لأرجو أن ألقى الله، ولا يطالبنى أحد بمظلمة ظلمتها إياه فى دم، ولا مال)، رواه أبو داود والترمذى وصحه ، فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم ، وقد أرتفع السعر إما لقلة الشىء، وإما لكثرة الخلق ، فهذا إلى الله، فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق ... ((وأما الثانى فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزبادة على القيمة المعروفة ، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل ، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، والتسعير هنا إلزام بالعدل الذى إلزمهم الله به(١). ١٩١ - وهكذا نرى الفقه الحنبلى خصباً؛ إذ أخذ بالمصالح، ونهج فيه الإمام أحمد منهج السلف ، وسار على مثل طريقهم، ولم يعتبر كل مصلحة صالحة للأخذ ، بل كانوا فى ذلك كالمالكية بقبدون المصلحة المقيدة بقيود شرعية . فقد اشترط الحنابلة: ١ - أن تكون المصلحة متفقة مع مقاصد الشارع الإسلامى بأن تكون ملائمة للمصلحة التى أخذبها السلف الصالح رضى الله عنهم ، وبالأولى لا تنافى أصلا من أصوله ، ولا دليلا من أدلته، بل تكون (١) الطرق الحكمية ص٢٢٤ - ٣٥١ - متفقة مع المصالح التى قصد الشارع إلى تحصيلها بأن تكون من جنسها، وليست غريبة عنها، وإن لم يشهد لها دليل خاص . ٢ - ويشترط أن تكون معقولة فى ذاتها جرت على المناسبات المعقولة التى إذا عرضت على أهل العقول تلقوها بالقبول . ٣ - وإن يكون بالأخذ بها رفع حرج لازم فى الدين فلو لم يؤخذ بالمصلحة فى موضعها لكان الناس فى حرج، والله تعالى يقول: « ما جعل عليكم فى الدين من حرج (١))). النصوص والمصالح ١٩٢ - الفقهاء بالنسبة لاعتبار المصالح أصلا من أصول الاستنباط ، وهو ما يسمى أصل المصالح المرسلة، أو الاستدلال المرسل ثلاث طوائف: طائفة لم تعتبر المصالح إلا إذا كان لها أصل خاص يشهد لها بالاعتبار، فإذا لم يكن لها أصل شاهد بالاعتبار أو المنع ردوها وهم الشافعية والحنفية، فالشافعية لا يأخذون إلا بالنصوص أو الحمل على النصوص بالقياس الذى يقيدون علته ومسالكها، ويندر أن يأخذوا بمصلحة مرسلة لا يشهد لها دليل خاص بالاعتبار . والحنفية يأخذون بالاستحسان مع القياس ولكنهم يردونه إلى القياس الخفى أو الإجماع أو النص، أما الاستدلال المرسل أو المصلحة المرسلة، فليس له عندهم اعتبار، وإن كان الاستحسان يفتح الباب قليلا لها . والطائفة الثانيه، تأخذ بالمصلحة المرسلة ، ولو لم يكن لها شاهد بالاعتبار ولكنهم يؤخرونها عن النصوص، فلا يقدمون مصلحة على حديث ، ولو كان حديث آحاد، بل لا يقدمونها على فتوى الصحابى، ولا الحديث (١) الاهتمام الشاطبي =٢ س٣٠٧ = ٢٠٢ - المرسل أو الخبر الذى لم يصل إلى درجة الصحة والقوة، وهؤلاء هم الحنابلة فهم يعتبرونها فى مرتبة القياس أو على التحقيق ضرباً من ضروبه، والقياس لاموضع له حيث النص ، بل حيث فتوى الصحابى ، بل حيث الخبر الذى لا يصل إلى مرتبة الصحيح أو الفتوى، ذلك بأن أحمد رضى الله عنه قد قرر أن الخبر الضعيف أحب إليه من القياس فتبعه أكثر الحنابلة على ذلك ، ومن كان من المنسوبين إلى الحنابلة يرى غير ذلك الرأى فقد شذ عنهم، وسلك غير سبيل إمامه ، وسنتكلم عنه فى الطائفة الأخيرة . « الطائفة الثالثة)، وهى تأخذ بالمصالح المرسلة وتقفها موقف المعارضة للنصوص وأولئك فريقان، المعتدلون المقتصدون فى الأخذ بالمصالح، وهم أكثر المالكية يأخذون بالمصالح المرسلة ، ويخصصون بها النصوص التى لا تكون قطعية فى دلالتها أو التى لا تكون قطعية فى ثبوتها ، فيخصصون العام فى القرآن أحياناً بالمصلحة وتقف المصلحة معارضة لبعض أخبار الآحاد وقد يرجح الأخذ بها، أو يرجح الأخذ بخبر الآحاد. أما النصوص القطعية ، فى دلالتها وثبوتها ، فلا يمكن أن تقف المصالح معارضة لهما، بل على التحقيق لا يمكن أن تكون ثمة مصلحة فى غير موضع النص القطعى ، فى دلالته وثبوته ، وما يتوهمه العاقل مصلحة معارضة للنص هو من مثارات الهوى لبست لبوس المصالح، وليست منها . الفريق الثانى من هذه الطائفة الأخيرة الغلاة فى الآخذ بالمصالح،وهؤلاء يقدمون المصالح المقطوع بها على النصوص القطعية ، وأظهر من يقول هذه المقالة الطوفى المنسوب إلى الحنابلة . ١٩٣ - وإذا كان الطوفى حنبلياً، أو منسوباً إلى الحنابلة، فإنه مذكور فى طبقاتهم، ومعروف بأنه من رجالهم وله كتابات فى أصول المذهب الحنبلى يؤخذ بها فى هذا المذهب ، ويعتبر من المرجحين والمخرجين - ٣٥٣- فيه - فكان لذلك من الحق أن نشرح رأيه، ونبين وجهته، وننقده، فنبين زبفه وصحيحه، ثم نوازن بينه وبين المذهب الحنبلى، أو على التحقيق مسلك أحمد ، ثم نذكر كلمة معرفة به . ١٩٤ - لقد حمل الطوفى لواء المغالاة فى اعتبار المصالح والوقوف بها أمام النصوص، بل تقديمها على النصوص، وتخصيص هذه النصوص فى معاملات الناس، وبين ذلك فى حديث (( لاضرر ولا ضرار)) وقال فى المصلحة إذا عارضت النص أو الإجماع إن خالفها، وجب تقديم رعاية المصالح بطريق التخصيص والبيان لها، لا بطريق الافتيات عليها، ثم يقول: إن الطريقة التى قررناها مستفيدين لها من الحديث المذكور ، ليست هى القول بالمصالح المرسلة على ماذهب إليه مالك ، بل هى أبلغ من ذلك وهى التعويل على النصوص والإجماع فى العبادات والمقدرات على اعتبار المصالح فى المعاملات وباقى الأحكام، وإنما اعتبرنا المصلحة فى المعاملات دون العبادات وشبها، لأن العبادات حق للشارع خاص به ، ولا يمكن معرفة حقه كما، وكيفا، وزمانا، ومكانا ، إلا من جهته، فيأتى به العبد على ما رسم له ، ولأن غلام أحدنا لا يعد مطيعاً خادماً له إلا إذا امتثل مارسم له سيده، وفعل ما يعلم أنه يرضيه، فكذلك هاهنا، ولهذا لما تقيدت الفلاسفة بعقولهم، ورفضوا الشرائح أسخطوا الله عز وجل، وضلوا وأضلوا، وهذا بخلاف حقوق المكلفين فإن أحكامها سياسية شرعية وضعت لمصالحهم، وكانت هى المعتبرة وعلى تخصيصها المعول . ولا يقال إن الشارع أعلم بمصالحهم، فلتؤخذ من أدلته، لأننا قد قررنا أن المصلحة من أدلة الشرع، وهى أقواها وأخصها، فلنقدمها فى تحصيل المصالح ثم إن هذا إنما يقال فى العبادات التى تخفى مصالحها عن مجارى العقول والعادات ، أما مصلحة سياسة المكلفين فى حقوقهم فهى معلومة لهم بحكم العادة (٢٣٢ - ابن حنبل) -٣،٤ - والعقل، فإذا رأينا الشرع متقاعداً عن إفادتها علمنا أنا أحلنا فى تحصيلها علی رعایتنا (١) . ١٩٥ - ومقصد الطوفى من كلامه أن يقدم المصلحة على النص والإجماع، فى معاملات الناس كماهو واضح، إذ أنه يصرح بذلك، فيقول: ((إن الاستدلال بالمصلحة أقوى أنواع الاستدلال، ففى رسالته : المصلحة وباقى الأدلة إما أن يتفقا أو يختلفا، فإن اتفقا فيها ونعمت كما اتفق النص والإجماع والمصلحة على إثبات الأحكام الكلية الخمسة، وهى قتل القاتل ، والمرقد ، وقطع يد السارق ، وحد القاذف والشارب ، ونحو ذلك من الأحكام التى وافقت فيها الأدلة المصلحة، وإن اختلفا ، فان أمكن الجمع بينهما يوجه ما - جمع مثل أن يحمل بعض الأدلة على بعض الأحكام والأحوال دون بعض على وجه لا يخل بالمصلحة ، ولا يفضى إلى التلاعب بالأدلة أو بعضها ، وإن تعذر الجمع بينهما قدمت المصلحة على غيرها، بقوله برقم: ((لا ضرر ولاضرار)) وهو خاص فى نفي الضرر المستلزم لرعاية المصلحة ، فيجب تقديمه ، ولأن المصلحة هى المقصودة من سياسة المكلفين بإثبات الأحكام ، وباقى الأدلة كالوسائل ، والمقاصد واجبة التقديم على الوسائل (٢). ولقد ساق الأدلة لإثبات دعواه، فذكر الحديث: (لاضرر ولاضرار)) ثم قوله تعالى: (( يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم، وشفاء لما فى الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين ، قل بفضل الله وبرحمته ، فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون)). ثم أخذ يسوق آيات قد لوحظت المصلحة فى أحكامها مثل قوله تعالى : ((ولكم فى القصاص حياة يا أولى الألباب)). (١) تفسير المنار المجلد السابع ص ١٩٤، ورسالة الصالح للطوفى ص ٧٧٩ من المنار (٢) الرسالة بالمجلد التاسع من المنار ص ٧٦٧. المجلد التاسع. وقد بين وجه تقديم المصلحة على النص فذكر أن النصوص تقبل النسخ ، والمصلحة لا تقبله، وإن سلمت النصوص من النسخ لا تسلم من التخصيص، وما يكون غير قابل للإلغاء فى بعضه أو كله - هو أقوى مما يقبل الإلغاء فى كله بالنسخ أو فى بعضه بالتخصيص . وإن قيل له إن المصالح ملاحظة فى أحكام الشارع من غير شك ، ولكن جعلت النصوص معلمة لها ، وأدلة عليها، وإن الأخذ بها من غير أدلته تعطيل لتلك الأدلة ، أجاب عن ذلك بأن الشارع هو الذى جعل المصلحة أصلا، فتقديمها تقديم بعض الأصول، وإليك كلامه ، فهو يقول : فإن قيل : الشارع أعلم بمصالح الناس ، وقد أودعها أدلة الشرع ، وجعلها أعلاماً عليها تعرف بها، فترك أدلته لغيرها مراغمة ومعاندة له - قلنا فأماكونه أعلم بمصالح المكلفين، فنعم، وأما كون ما ذكرناه تركا لأدلة الشرع بغيرها . فممنوع ، إنما فترك أدلته بدليل شرعى راجح عليها، مستند إلى قوله عليه السلام. (( لا ضرر ولا ضرار) كما قلتم فى تقديم الإجماع على غيره من الأدلة ، ثم إن اللّه عز وجل جعل لنا طريقاً إلى معرفة مصالحنا عادة، فلا نتركه لأمر مبهم، يحتمل أن يكون طريقاً إلى المصلحة ، ويحتمل ألا يكون ». ١٩٦ - هذا مسلك الطوفى يرمى فى جملته كما رأيت إلى تقديم رعاية المصالح على النصوص، بل النصوص التى يؤيدها الإجماع فى مدلولها، وذلك التقديم فى المسائل المتعلقة بمعاملات الناس ، وذلك لأن شرع الله قاصد إلى المصلحة ، ونصوصه وسائل مرشدة إليها ، فإن تحققت هى من غير هذه الوسائل قدم اعتبارها إن عارضتها ، لأن المقاصد مقدمة على الوسائل ، ولأن النصوص قابلة للنسخ والتخصيص ، فتخصص بموضع المصلحة ، فيعمل الدليلان . م - ٣٥٩ - ١٩٧ - ولنا فى كلامه نظرة فاحصة ، وقبل أن نخوض فى خص قوله نبين موضع النزاع بينه وبين غيره من الفقهاء الذين ارتضينا طريقتهم ، وهم الذين اعتبروا المصلحة أصلا فقهياً قائماً بذاته يؤخذ بها، وإن لم يكن هناك نص خاص شاهد لها أو لنوعها بالاعتبار ، فإن بيان موضع النزاع هو الأساس الأول لحسم الخلاف بين المختلفين ، بل إن سقراط يحسب أن كل خلاف بين المتجادلين أساسه جبل بموضع النزاع عند أحد الطرفين . ولو حرر لكليهما لحسم الخلاف ، وتم الوفاق . لقد اتفق الذين قالوا إن المصلحة أصل قائم بذاته يؤخذ به ، حيث لانص فى الموضع - على أنه حيث وجدت المصلحة المحققة أو التى يغلب على الظن وجودها فهى مطلوبة، وإنما موضع النزاع فى التعارض بين المصلحة المحققة والنص القاطع فى سنده ودلالته ، لقد فرض الطوفى أن التعارض يتحقق، وأنه يقدم المصلحة على ذلك النص، وقرر المالكيون ، ومن سلك مسلكهم من الحنابلة غير الطوفى أن المصلحة ثابتة حيث وجد النص ، فلا يمكن أن تكون هناك مصلحة مؤكدة أو غالبة ، والنص القاطع يعارضها، إنما هى ضلال الفكر ، أو نزعة الهوى ، أو غلبة الشهوة، أو التأثر بحال عارضة غير دائمة ، أو منفعة عاجلة سريعة الزوال ، أو على التحقيق م فعة مشكوك فى وجودها ، وهى لا تقف أمام النص الذى جاء عن الشارع الحكيم وثبت ثبوتاً قطعياً لا مجال للنظر فيه ، ولا فى دلالته، أما إذا ثبت الحكم بنص قد ثبت بالظن ، إذ كان الاحتمال فى سنده ، أو كانت دلالته ظنية ، فقد قرر أحمد بن حنبل رضى الله عنه أن النص أولى بالاعتبار ، والمصلحة الحقيقية فيه، وما عارضه قوهم مصلحة كيفما كان. وأما مالك فقد أثر عنه أنه يخصص ما يثبت بالظن - بالقياس إن تضافرت شواهد القياس واعتمد على أصل مقطوع به، والمصلحة عنده من - ٣٠٧ - ذلك الصنف إن ثبتت بطريق قطعى إذ يكون بين أيدينا أصلان متعارضان، أحدهما فى سنده أو دلالته، والآخر قطعى فى دواعيه وثبوته ، وفى هذه الحال يقدم القطعى على الظنى ، وإن كان النصر قرآنا فانى الدلالة خصص، وإن كان خبر آحاد يكون هذا تضعيفاً لنسبته عن طريق الشذوذ فى متنه ؛ لأنه إن خالف مصلحة راجحة مؤكدة يكون مخالفاً لمجموع الشواهد الشرعية المثبتة لطلب المصالح ودفع المضار . لم يقف الطوفى عند الحد الذى وضعه المالكيون ، ولم يقيد نفسه بما قيد به أحمد بن حنبل اجتهاده ، بل تجاوز الحد ، فزعم أن المصالح تقف معارضة للنصوص القطعية ، وأردف ذلك بزعمه أنها تقف أمام الأمور المجمع عليها، وهذا محز الخلاف : ومفصل القول . ١٩٨ - وإن الأدلة التى ساقها ليست قاطعة فى دلالتها على مطلوبه، بل الارتباط بينها وبين دعواه ارتباط واه لا يصلح شرطاً لإنتاج دعوى خطيرة كهذه الدعوى الذى تفرض أن نصوص الشارع القطعية تجىء مضادة للمصالح، وإن هذه المقدمات التى ساقها لإثبات دعواه تصلح حجة لمخالفه، بل تكون فى إثبات النقيض أقوى دلالة وأكثر إنتاجاً، فإن قول الله تعالى: ((يأيها الناس قد جاء تكم موعظة مزربكم وشفاء لما فى الصدور) تدل على اشتمال نصوص الشريعة على المصالح ، لا على احتمال معارضة المصالح لها فإن الموعظة والهداية والرحمة والشفاء فى مطويات نصوصها ، فلا يمكن أن تكون معارضة لمصلحة ، وإلا ما كانت موعظة ، ولا شفاء ولارحمة ، والآيات التى ساقها تثبت أن الأحكام المنصوص عليها فيها جاءت بالمصالح فلا يمكن أن يكون فى نصوص الشارع ما يعارض المصالح الحقيقية المعتبرة عند العقلاء مصلحة لا مجال للشك فيها ، والحديث يصرح بأن الشريعة، تمنع الضرر والضرار ، وما يكون كذلك من الشرائح لا يمكن أن تكون - ٣٠٨ - نصوصه معارضة للمصالح مناهضة لها ، ففرض التعاقد إذن بين النصوص والمصالح فرض باطل ، وما ينبغى عليه من تقديم المصالح على النصوص القطعية على دلالتها وسندها باطل أيضاً . ١٩٩ - بقى أن نناقش ما زعمه من أن طريق معرفة المصالح طريق واضح فإنه يقرر ذلك، ويقرر أن طريق النصوص المعارضة للمصالح مبهم، وأنه لا يصح أن تترك المصالح لأمر مبهم يحتمل أن يكون طريقاً للمصلحة، ويحتمل ألا يكون . وهنا نجد الطوفى مؤمناً بالمصلحة الإيمان كله، وليته قد تخلف به الزمان ، حتى رأى عصرنا الحاضر ، وتشابك الاجتماع فيه ، وتعقد مسائله ، وحيرة العلماء فىعلا جه، و تضارب آرائهم، وتباین مذاهبهم ، حتى أن بعضهم لیری فى الأمر المصلحة كلها ، وهى واضحة لديه وحده ، ويرى الآخر غيرها . وتنحدر المذاهب من فلسفة الخاصة إلى متناحر العامة ، فهذا فوضوى ، وذاك اشتراكى، وذلك يناصر رأس المال فى قوة ، وهذا يناصره باعتدال، وأولئك يدعون أن تكون المناجم ملكا للدولة، لتكون منفعتها للكافة، وهؤلاء يدعون إلى أن تكون الأراضى على الشيوع لكل آحاد الأمة ، وهؤلاء يمنعون الوراثة، وآخرون پچیزونها بقدر محدود« و کل حزب بما لديهم فرحون » . فإذا رأينا النصوص القاطعة تحرم الربا، وجاء أنصار رأس المال من غير اعتدال برون المصلحة القاطعة عندهم توجب تقييد تحريم الربا، أو تقييد أحواله، فيخصص قوله تعالى: ((وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ، ببعض الأحوال ، أو ببعض الناس، أو نحو ذلك، أنكون قد تركنا النص لأمر واضح بين غير مبهم؟ ألا أن الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات ولا عاصم لنا من مشتبهات الأزمنة إلا الاعتماد على النصوص - ٣٥٩ - القاطعة ، ففيها المعاد، وفيها النور ، وفيها الجادة التى لاعوج فيها ، والاستمساك بها استمساك بالعروة الوثقى التى لا انفصام لها. ٢٠٠ - إن المصالح ليست كلها بينة واضحة المناهج، بل منها ما هو بين لايحتاج إلى بيان وتعريف ومنها ما هو متلبس غير بين ، والناس فى حياتهم الخاصة والعامة يبتلون بمسائل لا يعرفون فيها وجه الصواب والمصلحة، وأمور الكافة قد يختفى فيها وجه المصلحة ، فتكون الدراسة ، ولا يمكن أن ينتهى الناس إلى الاجتماع على أن أمراً فيه مصلحة، ويمكن أن يكون من النصوص القرآنية والأحاديث الصحيحة ما يعارضه أو يمنعه. إن الطوفى يسلك فى إثبات قضيته مقدمتين ، كلتاهما لا يقرهما أحد : فيفرض فى الأولى أن المصالح كلها بينة واضحة غير مبهمة ، وأن الاعتماد عليها اعتماد على أمر بين لا إبهام فيه ، والعلماء جميعاً يرون أن من الأمور ما لا يعرف وجه المصلحة فيه على وجه اليقين ، فيكون النص هو النور ، ولا يجعلون القرآن عضين، يؤخذ به عند من يتبينون المصلحة فيه، ويخصص، أو لا يعمل به عند من لايرونها فيه، وقد تختلف بعد ذلك آراؤهم ، فيرى الأولون عكس ما كانوا يرون، ويرى الآخرون ما كان يرى الأولون ، فتكون نصوص الشارع هزواً ولعباً . ويفرض فى الثانية أن النصوص غير شاملة للمصالح أو ليست أمارات عليها فى كل الأحوال، ويقرر العلماء أنه لا يمكن أن توجد مصلحة مسقيقن بها ، ويعارضها نص قطعى فى سنده ودلالته . وإنه من الملاحظ على الطوفى فيما ساق من قول أنه لم يأت بمثل واحد، يستيقن الناظر فيه بوجه المصلحة والنص القاطع يخالفها ، وأنه كان يتبين له خطأ نظره عندما يحاول أن يجد هذا المثال ، فإنه لا يجده بعدطول الاستقراء والتقبع ، وعندئذ يرى أن العقول تخفى عليها وجوه المصالح فى النصوص، ولكنها تهدى إليها بالبحث والميزان. - ٣٦٠ - ٢٠١ - هذا مسلك الطوفى شرحناه، ومحصناه ، وبينا زيقه ولاشك أنه تجافى مسلك الإمام أحمد رضى الله عنه، فقد علمت شدة استمساكه بالنصوص، واعتماده عليها، وتقفيه الآثار، وتأثر طريقها، بل إنا لانجد أحداً من الحنابلة غالى مغالاة الطوفى فى الإيمان بالمصلحة، وفرض معارضتها للنصوص ، وإنا نجد فقيهين جمعهما به العصر ، ولكن فرق بينهم النظر ، وهما ابن تيمية، وابن القيم ، فقد قرر كلاهما أن النصوص لا يمكن أن تخالف المصالح ، ولقد ساقا طوائف من النصوص كانت تخفى وجوه المصالح فيها، فبيناها بجلاء ووضوح ، وأسعفهما فى ذلك عقل مدرك أريب ، عارف بوجوه المصالح، بل إنا نجد ابن قيمية فى رسالته فى القياس يبين موافقة بعض الأخبار الضعيفة للمصلحة، فكيف بالنصوص الثابتة. ولنضرب لذلك مثلا ، فإنه روى أن رسول اللّه تع قضى فى رجل وقع على جارية امرأته، بأنه إن كان استكرهها فهى حرة ، وعليه لسيدتها مثلها وإن طاوعته فهى له ، وعليه لسيدتها مثلها . فإن هذا الخبر ضعيف عند أهل الخبرة بالحديث، ومع ذلك أخذ ابن تيمية يبين وجه القياس والمصلحة فيه؛ لأن بعض العلماء عده حسناً لا ضعيفاً . فبين أنه موافق للمصلحة وللقواعد الفقهية عند طوائف الفقهاء فعلل ضمان مثلها لسيدتها بأن ماصنعه اعتداء فيه إتلاف لقيمة الأمة ، ومن أتلف شيئاً أو نقص من قيمته وجب عليه مثله ، وأن المثل يكون من الجنس ، ومن الفقهاء من يضمنون الحيوان بمثله، فتضمن بمثلها، وساق على ذلك الأمثلة والشواهد ، وعلل كونه يملكها فى حال المطاوعة بأنه لم يكن ثمة اعتداء عليها بغير إرادتها ، وعلل كونها حرة باستكراهها بأنه اعتداء على الأمة وهى لا تملك حولا ولا طولا ، وقد حكم النبى فى مثل هذا الاعتداء بالحرية ، فى حال من مثل بعيده ، فإنه يكون حراً ، فإن الذى مكن له من هذا الاستكراه ، مع عدم العقوبة ، كونها أمة ، فيزيل اللّه عنها هذه الرق ليكون ذلك تعويضاً لها عما