Indexed OCR Text

Pages 321-340

- ri -
الحنفية ، فكثيراً ما يجرى على أقلامهم عبارة هذا الحكم جاء على خلاف
القياس للنص .
إن الحنفية يقررون أن القياس أساسه الملة المشتركة بين الأصل والفرع،
وهى التى تؤثر فى ثبوت الحكم فى الأصل، فيثبت بمقتضاها الحكم
فى الفرع، ويفرقون بين العلة والوصف المناسب أو الحكمة، إذ الحكمة
أو الوصف الملائم غير المنضبط هى المصلحة التى تتحقق مع غرض الشارع
فى إثبات الطلب، أو المنع، وأما العلة فهى الوصف الملائم المنضبط الذى
من شأنه أن يكون الحكم أثر الارتباط بينهما، والعلة فى أكثر الأحوال
تتلاقى مع الوصف المناسب، بل إن الملاءة المشتركة بينهما هى التى اقتضت
أن يكون ذلك الوصف علة مؤثرة فى ثبوت الحكم، ولكن قد توجد العلة
ولا تتحقق الحكمة فيها ، ولا يمنع ذلك من كون العلة مؤثرة فى وجود
الحكم ، ولذلك قالوا إن العلة مناط الحكم وجوداً وعدماً ، حيثما وجدت
وجد الحكم، وحيثها أنتفت افتفى، أما الحكمة فليس لها هذه القوة .
ولقد قرر الحنفية لهذا أن العلة لها عموم ، فهى تثبت الحكم دائماً
كلما تحققت فى أى أمر من الأمور ، وبذلك تنقرر الأصول ، وتضبط
الأحكام ، ويكون الحمل على النصوص الشرعية، وتعرف الأحكام القياسية،
والأحكام التى تجىء مخالفة للقياس، ولكنها موافقة للنصوص ، فتقتصر
على موضع النص ، ولا تكون سائرة على مقتضى القواعد الفقهية،
ومع ذلك لها احترامها ، لمقام النص عليها .
هذا نظر الفقهاء القياسيين الذين جرى على أقلامهم عبارة أن هذا النص
مخالف للقياس، أما ابن تيمية وتبعه فى هذا تلميذه ابن القيم ، وهو نظر
كثيرين من الحنابلة ، ولعله هو الذى يتفق مع نظر الإمام أحمد نفسه
فى أقيسته ، فقد اعتبروا الوصف المؤثر فى الحكم هو الحكمة، أى الوصف
(م ٢١ - ابن حنبل)

٣٢٢
المناسب الذى يتفق مع أغراض الشارع العامة، وهى جلب المصالح ودفع
المضار ، فهم نظروا إلى ذلك الوصف ، دون العلة التى قيدها الحنفية
بالقيود السابقة .
وماداموا قد نظروا إلى ذلك الوصف الملائم ، فلا يمكن أن يوجد
نص إسلامى مخالف له ، وإذا اعتبروا الصلة الرابطة بين الأشباه والنظائر
هى الحكمة الشرعية، فلا يمكن أن يجىء نص شرعى مخالف لنظائره ،
وإن هذا النظر فيه فائدة ، وهى تبين مرامى الشريعة فى أغراضها العامة ،
وفى كل حكم من الأحكام، وإن بدا للناس أنه غريب، فهى موضحة
لأغراض الشريعة فى الجزئيات والكليات معاً .
وإذا كانت هذه فائدة ذلك النظر ، فإن نظر الحنفية وأشباههم له فائدة
علمية ، وهى ضبط الفقه الإسلامى بقواعد محكمة قوية، وليس فى قولهم
إن ذلك النص مخالف للقياس تشويه له ، أو نقص لقدره، لأنهم أخذوا
به، واعترفوا بتحقق المصلحة فيه، ولكنهم سيروا قاعدتهم على اطرادها
لتضبط موازين الاستنباط ولتجمع قواعد الأحكام، ولكل وجهة هو موليها.
١٧٠ - بعد بيان أساس الاختلاف النظرى بين هؤلاء الحنابلة،
وأئمة القياس الحنفية ، نتجه إلى تخريجات ابن تيمية فى المسائل التى سماها
الحنفية مخالفة للقياس ، مع الاعتراف بوجه المصلحة فيها ، ولسنا فى سبيل
ذلك نحصيها إحصاء، بل نضرب لها الأمثال، ونختار من هذه الأمثال ، مسائل
بعضها كلى وبعضها جزئى فى بيان حكم حديث مثلا قضى الحنابلة به ، وخالفهم
فى صحته غيرهم ، واعتبروه مخالفاً لحديث أقوى منه، وهاهى ذى الأمثلة :
(١) حوالة الحقوق ، فقد قرر الفقهاء القياسيون أنها مخالفة للقياس؛
لأنها تمليك الدين قبل وفائه، لغير من عليه الدين ، إذ أن مقتضى هذه
الحوالة أن يملك شخص ديناً له على آخر ، فيستوفيه دون الدائن ، ويحل
محل الدائن فيه، وذلك لا يجوز فى القياس، لأن الدين وصف فى الذمة

٣٣٣
لايجرى عليه التمليك ، أما تمليكه للمدين فهو إبراء ، وفوق ذلك فإن حوالة
الحق داخلة فى عموم النهى عن بيع الكالى بالكالىء، وقد بين ابن قيمية
بطلان القياس ، وبطلان انطباق الحديث ، فقال :
((وأما الحوالة فمن قال إنها تخالف القياس قال إنها بيع دين بدين، وذلك
لا مجوز وذلك غلط من وجهين :
(أحدهما) أن بيع الدين بالدين ليس فيه نص عام، ولا إجماع، وإنما
ورد النهى عن بيع الكالى بالكالى؛ والكالى. هو المؤخر الذى لم يقبض،
وهذا كما لو أسلم فى شىء من الذمة؛ وكلاهما مؤخر، فهذا لايجوزبالاتفاق،
وهو بيع كالى· بکالی . .
( الوجه الثانى) أن الحوالة من جنس إيفاء الحق لا من جنس البيع،
فإن صاحب الحق إذا استوفى من المدين ماله كان هذا استيفاء ، فإذا أُحاله
على غيره كان قد استوفى ذلك الدين عن االدين الذى له فى ذمة المحيل، ولهذا
ذكر النبى صلى الله عليه وسلم الحوالة فى معرض الوفاء، فقال فى الحديث
مطل الغنى ظلم، وإذا اتبع أحدكم على على. فليقبع ، فأمر المدين بالوفاء ونهاه
عن المطل ، وبين أنه ظالم إذا مطل ، وأمر الغريم بقبول الوفاء إذا أحيل
على ملىء، وهذا كقوله تعالى ((فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان، أمر
المستحق أن يطالب بالمعروف، وأمر المدين أن يؤدى بإحسان ، ووفاء
الدين ليس هو البيع الخاص ، وإن كان فيه شوب المعاوضة، وقد ظن بعض
الفقهاء أن الوفاء إنما يحصل باستيفاء الدين بسبب أن الغريم إذا قصد الوفاء
صار فى ذمته للمدين مثله يتقاضى ما عليه بماله، وهذا تكلف أفكره جمهور
الفقهاء، وقالوا : بل نفس المال الذى قبضه يحصل به الوفاء، ولا حاجة أن
فقدر فى ذمة المستوفى دينا؛ وأولئك قصدوا أن يكون وفاء الدين بدين
وهذا لاحاجة إليه .
ونراه فى هذا يثبت أن حوالة الحق ليست خارجة على القياس، أى لم

٦
- ٣٤
تجىء شاذة عن حكم النظائر ، لأنها ليست بيع الكالى بالكالى. المنهى عنه
ولأنها ليست من قبيل البيع أو التمليك، ولكنها من قبيل استيفاء الحقوق ،
والتعاون فى استيفائها .
والأقيسة فى المذهب الحنفى لا تتسع لقبول حوالة الحقوق ، وإن كان
المذهب قد قبل حوالة الدين ، ولذلك قرر بعض القانونيين ، وبعض رجال
الفقه الإسلامى أن حوالة الحقوق لا يقرها المذهب الحنفي، ولكن ذلك
المذهب المتسع الأفق الذى امتاز فقهاؤه بالقدرة على المخارج الفقهية إذا
ضيقت عليهم الأقيسة أبواب الفتوى قد وجدوا لحوالة الحقوق مخرجاً ،
وأفتى بعضهم بها ، ولذلك جاء فى البدائع جوان حوالة الحقوق ، واعتبرها
توكيلا بقبض الدين ، وهذا نص قوله :
أما بيع الديون من غير من عليه، والشراء بها من غير من عليه، فينظر
إن أضاف البيع والشراء إلى الدين لم يجز بأن يقول لغيره بعت منك الدين
الذى فى ذمة فلان بكذا، أو يقول اشتريت منك هذا الشىء بالدين الذى
فى ذمة فلان ، وذلك لأن ما فى ذمة فلان غير مقدور التسليم فى حقه ، والقدرة
على التسليم شرط انعقاد العقد على مامر ، بخلاف البيع والشراء بالدين من
عليه الدين ، لأن ما فى ذمته مسلم إليه، وإن لم يضف العقد إلى الدين
الذى عليه جاز، ولو اشترى شيئاً بثمن دين، ولم يضف العقد إلى الدين
حتى جاز. ثم أحال البائع على غريمه بدينه الذى له عليه جازت الحوالة
سواء أكان الدين الذى أحيل به دينا يجوز بيعه قبل القبض ، أم لا يجوز
كالسلم، ونحوه، وذكر الطحاوى رحمه الله أنه لاتجوز الحوالة بدين
لا يجوز بيعه قبل القبض ، وهذا غير سديد، لأن هذا توكيل بقبض الدين ،
فإن المحال له يصير بمنزلة الوكيل للمحيل بقبض دينه من المحتال له والتوكيل
بقبض الدين جائز أى دين كان، ويكون قبض الوكيل ، كقبض موكله ،(١)
(١) البدائع الجزء الخامس ص ١٨٢:

- ٢٢٠-
هذا نص مافى البدائع، وتراه أقر الحوالة بالحق واعتبرها صحيحة ،
ومن الغريب أنه انتهى فيها إلى ضرب من ضروب القياس ، وأوجد لها
نظيراً، وهو الوكالة باستيفاء الدين ، وهنا يتلاقى الفقيه الحنبلى بالفقيه
الحنفى؟ فى أن الحوالة بالحق من قبيل الاستيفاء لا من قبيل المبادلة، وإن
كان معنى المبادلة ثابتاً ، بل إن كان مقصوداً ، كما فى الصورة التى ذكرها
صاحب البدائع ، وإن اشترط عدم إضافة العقد إلى الدين بيعاً وشراء.
ولا ننسى أن نقول إن كلا الفقيهين المتباعدين زمناً، ومذهباً ومقاماً
التقيا فى النتيجة، ولكن لم يتوحد مسلكهما فى الوصول إليها، فالكاسانى
وصل إليها عن طريق العلمة التى يدور معها الحسكم وجوداً وعدماً ، وهى الإنابة.
أما ابن تيمية فقد قصد إلى المقصد الشرعى من أول الأمر، وهو المعاونة
على استيفاء الحقوق ، وذلك فرق ما بين المنهاجين .
١٧١ - (ب) ومن الأمثلة التى ساقها ابن تيمية ، وبين فيها غرض
الشارع الإسلامى عقود المضاربة والمزارعة، والمساقاة (١) وهذا نص قوله:
وقالوا المضاربة والمساقاة والمزارعة على خلاف القياس ، ظنوا أن هذه
العقود من جنس الإجارة ، لأنها عمل بعوض ، والإجارة يشترط فيها العلم
بالعوض، والمعوض ، فلما رأوا العمل فى هذه العقود غير معلوم، والربح
فيها غير معلوم ، قالوا تخالف القياس وهذا من غلطهم ، فإن هذه العقود من
جنس المشاركات، لامن جنس المعاوضات الخاصة التى يشترط العلم بالعوضين،
والمشاركات جنس غير جنس المعاوضات ، وإن قيل إنها فيها شوب معاوضة،
وكذلك المقاسمة جنس غير جنس المعاوضة الخاصة ، وإن كان فيها شوب
معاوضة ، حتى ظن بعض الفقهاء أنها بيع يشترط فيه شروط البيع الخاص».
(١) المضاربة شركة فى الربح يكون المال من جانب ، والعمل من جانب آخر ، والمزارعة
شركة فى إنتاج الأرض بين صاحب الأرض والعامل ، والمساقاة شركة فى الثمر بين صاحب
الشجر والعامل .

- ٣٢٦ -
((وإيضاح هذا العمل الذى يقصد به المال ثلاثة أنواع: (أحدهما)
أن يكون العمل مقصوداً معلوماً مقدوراً على تسليمه، فهذه الإجارة اللازمة
(والثانى) أن يكون العمل مقصوداً لكنه مجهول ، أو غرر ، فهذه الجعالة،
وهى عقد جائز ليس بلازم ، فإذا قال من رد عبدى الآبق فله مائة ، فقد
يقدر على رده، وقد لا يقدر على رده ، وقد يرده من مكان قريب، وقديرده
من مكان بعيد، فلهذا لم تكن لازمة لكن هى جائزة ، فإن عمل هذا العمل
استحق الجعل، وإلا فلا ، وبحوز أن يكون الجعل فيها إذا حصل جزءاً
شائعاً، ومجهولا جهالة لا تمنع التسليم، مثل أن يقول أمير الغزو: من دل
على حصن فله ثلث مافيه ، ويقول السرية التى يسرى بها لك خمس ما تغنمين ،
أو ربعه، وقد تنازع العلماء فى سلب القاتل هل هو مستحق بالشرع كقول
الشافعى ، أو بالشرط كقول أبى حنيفة ، ومالك على قولين ، وهما روايتان
عن أحمد، فمن جعله مستحقا بالشرط جعله من هذا الباب، ومن هذا الباب
إذا جعل للطبيب جعلا على شفاء المريض جاز، كما أخذ أصحاب رسول
الله يتبع الذين جعل لهم قطيعا على شفاء سيد الحى، فرقاه بعضهم حتى
برىء، فأخذوا القطيع، فإن الجعل كان على الشفاء ، لاعلى القراءة ، ولو
استأجر طبيبا أجرة لازمة على الشفاء لم يجز، لأن الشفاء غير مقدور،
فقد يشفيه الله، وقد لا يشفيه، وهذا ونحوه مما تجوز الجعالة فيه)).
وأما النوع الثالث، فهو مالا يقصد فيه العمل ، بل المقصود المال ، وهو
المضاربة ، فإن رب المال ليس له قصد فى نفس عمل العامل ، ولهذا لو عمل
ما عمل، ولم يربح شيئا لم يكن له شىء، وإن سمى هذا جعالة بجزء ما يحصل
بالعمل كان نزاعا لفظيا، بل هذه مشاركة ، هذا بنفع بدنه ، وهذا بنفع
ماله ، وما قسم الله من الريح كان بينهما على الإشاعة، ولهذا لا يجوز أن
يخص أحدهما بريج مقدر، لأن هذا يخرجهما عن العدل الواجب فى الشركة،

- ٣٢٧ -
وهذا هو الذى نهى عنه رسول الله ◌ٍ لتر من المزارعة (١).
ونرى من هذا النظر كيف كان يتجه ابن تيمية إلى المقصد العام ، وفقها.
الحنفية إلى العلل الخاصة، فهم اعتبروا المضاربة ، والمزارعة ، والمساقاة
إجارات أجيزت استثناء، لأن الأجرة غير معلومة ، وهو بنظرته الشاملة
لم يعتبرها إجارة، بل اعتبرها اشترا كا ثم وضح مقاصد الشريعة فى العقود
التى تجعل المكافأة على نتائجها، والعقود التى يجرى فيها الالتزام ، والتعاقد
الكامل ، والعقود التى يكون الأساس فيها الاشتراك فى الثمرات، والتعاون
فى حال الخسارة لاحتمالطا .
١٧٢ - (جـ) ومن الأسئلة الشفعة، فقدقرر فقهاء الحنفية أن الشفعة
تثبت على خلاف القياس، وأنها أمر استثنائى لأن الأصل ألا ينتقل الملك
من صاحبه إلى غيره إلا بطيب نفسه، ورضاه، وفى الشفعة يملك العقار
جبراً عن صاحبه وهو المشترى إذ بمقتضى البيع صار هو المالك ، ومع
ذلك ينزع ملكه جبراً عنه .
ومن جهة أخرى نرى فى تقرير الشفعة إضراراً بالمالك الأصلى، وهو
البائع ، لأنه إذا علم الراغبون فى الشراء أنهم إن اشتروا نزع ملكهم منهم
لا يقدمون على الشراء ، فإذا كان المالك مضطراً للبيع كان بين حالين :
إما احتمال الضرر النازل به الذى يضطره للبيع، وذلك أذى لاريب فيه ،
وإما الترغيب فى البيع الذى أعرض الناس عنه - بعرضه بثمن بخس فيه
غبن فاحش؛ ولكنه قد اضطر إليه .
هذا ما قرره الحنفية ( وقرر ابن القيم أن الشفعة مشروعيتها على مقتضى
القياس وأصول الشريعة ، فقال: من محاسن الشريعة وعدلها قيامها بمصالح
(١) رسالة القياس من مجموعة الرسائل الكبرى =٢ س٢٢٠ .

- ٢٢٨ -
العباد ، وورودها بالشفعة ، ولا يليق بها غير ذلك ، فإن حكمة الشارع
اقتضت رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن، فإن لم يمكن رفعه إلا بضرر
أعظم منه أبقاه على حاله ، وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه رفعه به ،
ولما كانت الشركة منشأ الضرر فى الغالب فإن الخلطاء يكثر فيهم بغى بعضهم
على بعض شرع الله سبحانه وتعالى رفع هذا الضرر بالقسمة تارة، وانفراد
كل من الشريكين بنصيبه، وبالشفعة تارة أخرى، وانفراد أحد الشريكين
بالجملة ، إذا لم يكن على الآخر ضرر فى ذلك ؛ فإذا أراد بيع نصيبه وأخذ
عوضه كان شريكه أحق به من الأجنبى، وهو يصل إلى غرضه من العوض
من أيهما كان ، فكان الشريك أحق بدفع العوض من الأجنبى ويزول عنه
ضرر الشركة ولا يتضرر البائع، لأنه يصل إلى حقه من الثمن ، وكان هذا
من أعظم العدل ، وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطرة ومصالح العباد.
ويقول فى قول الفقهاء إن الأصل ألا يخرج المال من يد صاحبه إلا
يطيب نفسه، إنما كان الأصل عدم انتزاع ملك الإنسان منه إلا برضاه،
لما فيه من الظلم له، والإضرار به، فأما ما لا يتضمن ظلما، ولا إضراراً،
بل فيه مصلحة له بإعطائه الثمن فلشريكه دفع ضرر الشركة عنه ، فليس
الأصل عدمه، بل هو مقتضى أصول الشريعة، فإن أصول الشريعة توجب
المعاوضة للحاجة والمصلحة الراجحة، وإن لم يرض صاحب المال، وترك
معاوضته لشريكه مع كونه قاصداً للبيع ظلم منه، وإضرار لشريكه ،
فلا يمكنه الشارع منه ، بل من تأمل مصادر الشريعة ومواردها تبين له أن
الشارع لا يمكن هذا الشريك من نقل نصيبه إلى غير شريكه ، وأن يلحق به
من الضرر مثل ما كان عليه أو أزيد منه ، مع أنه لا مصلحة له فى ذلك،(١).
وترى من هذا المثال أن ابن القيم فى تعليله، وفى توجه إلى الأقيسة
(١) القياس فى الفقه الإسلامی س١٨٢ وما يليها .

-- ٣٢٩-
يتجه إلى المقاصد العامة للشريعة من أن الضرر يزال ، وأنه مقدم فى الاعتبار،
ولا يلتفت إلى غير ذلك ، إلا إذا كان هناك تفويت مصلحة يترتب عليه
ضرر أشد وهكذا .
١٧٣ - ومن الأمثلة السلم فقد قرر الحنفية أنه عقد استثنائى ثبت على
خلاف القياس ، لأنه بيع المعدوم أو بيع ما ليس عند البائع، وهو بهذا
داخل فى عموم نهى النبي ◌َّم فى قوله: ((لا تبع ماليس عندك، ولكن
يقرر ابن القيم أنه بيع قياسى جار على أصل الشريعة فى البيوع، والتعاقد
بوجه عام، لأنه بيع مضمون فى الذمة مقدور على تسليمه غالباً كالمعاوضة
على المنافع فى الإجارة، وكالتزام الثمن فى البيوع المطلقة، وأخطأ القياسيون
فى قياسهم بيع السلم على بيع المعدوم، أو بيع ما ليس عنده، لأن بيع العين
المعدومة، بيع مالا وجود له ولا يقدر على تسليمه، وبيع الإنسان عيناً
معينة لا يملكها، بل هى ملك لغيره الالتزام فيها منصب على شىء معين ليس
مضمون التسليم ، بخلاف السلم فإن الالتزام فيه بموصوف، وهو ثابت فى
الذمة، وتسليم جنس مبين النوع والصفة مقدور التسليم غالباً، وإن الالتزام
بأداء شئء يعرف بجنسه، ونوعه، ووصفه، وقدره و ثبت ذلك فى الذمةهو
من قبيل الديون فهو كالثمن ، فأى فرق بين كون أحد العوضين مؤجلا فى
الذمة، وبين الآخر ؟ إن الأولى إذن أن يقاس المسلم فيه على الثمن فى
البيوع المطلقة، وعلى الديون بشكل عام، وهذا محض القياس والمصلحة،
ولقد فهم ابن عباس حل عقد السلم من قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا إذا
قدا ينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه، الآية وقال فى ذلك : أشهد أن
السلف(١) المضمون فى الذمة حلال فى كتاب الله تعالى، وقرأ هذه الآية (٢).
(١) السلف والسلم هما مترادفان يطلقان على عقد يعرفه الشرعيون بأنه بيع أجل
معرف بالجنس والنوع والقدر والقصة بعاجل ، أى يكون المبيع على النحو السابق ، مؤجلا
والثمن معجلا.
(٢) أعلام الموقعين ج١ ص ٣٥٠.

- ٣٣٠ -
١٧٤ - ومن الأمثلة التى اعتبر الحنفية بعض الأخبار فيها مخالفاً
للقياس ، أو لأحكام المسائل الداخلة فى عموم حديث آخر الذى فيه -
أن النبى ◌َلّم قال: « إن الرهن مركوب ومحلوب، وعلى الذى يركب ويحلب
النفقة ، فقد قرر الحنفية أن هذا الخبر لا يتفق مع القياس، ومع المقرر
الثابت، وهو أن الرهن لا ينقل الملكية، ومؤنة الملك على المالك ، ومنافع
المملوك على المالك ، والحديث يجعل المنفعة عائدة على المرتهن ، والنفقة
عليه، وهذا غير المقرر فى أحكام الملكية، ولأن المنفعة قد تكون أكثر
من النفقة ذلك يكون ربا، إذكل قرض جر نفعا فهو ربا، ولذلك كان
الخبر مخالفاً للقياس، وللمشهور المقرر من الأحاديث والأحكام.
ولكن ابن تيمية يثبت أنه موافق القياس من جهة أن الرهن إذا كان
حيوانا فملكيته لصاحبه المدين، وللمرتهن فيه حق الاحتباس للاستيثاق
من الاستيفاء، فهو باق فى يده، وإذا كان فى يده، فلم يركب ولم يحلب
ذهبت منفعته، وأصابه الضر، فإذا استوفى المرتهن هذه المنفعة، وعوض
عنها بالنفقة، وكانت بدلها، فإن فى هذا جمعاً بين المصلحتين وبين الحقين
فإن منفعته حق لصاحبه ، والنفقة واجبة عليه فإذا استوفى المرتمن حقه،
وأدى عنه واجبه، فقد وهب ماله من حق بما عليه من واجب، ومن جهة
أخرى فإن المرتهن باتفاقه عليه، قد أدى ما وجب على غيره فكان دينا
عليه والمنفعة تصلح أن تكون بدلا عما أدى من دين، فأخذها خير من أن
تذهب على صاحبها وتبطل (١) .
هذا نحوى ما قاله ابن تيمية، وعندى أن الحنفية كانوا فى هذه القضية
أقيس من ابن قيمية، وإن كانوا قد أفرطوا فى تضعيف الحديث، أماوجه
كونهم أقيس فلأن المنفعة تصلح بدلا للدين إذا كان ثمة تراض على هذه
(١) رسالة القياس ص٢٥٩.

- ٣٣١ -
البدلية، وإذا كانت تساوى فى قيمتها النفقة الى أنفقت ، فإن كانت
بالرضا ومساوية للنفقة فلا مجال للشك فى الحل ، والقياس الذى يمنع ذلك
مضيق من غير مستند من الشرع، فلا يلتفت إليه، ولكن إن كانت بغير
رضا ولا قضاء، فهو أ كل لمال غيره من غير حكم عادل رافع للظلم، ومن
غير رضا مقرر مثبت. وإن كانت المنفعة، أكثر من النفقة، فإن الزيادة
ربا لا يحلها الرضا، فكيف إن لم يكن ذلك التراضى، ولو أننا تساهلنا فى
مسألة الرضا، وقلنا إن الإنفاق دين مثبت للعرتهن ، وله أن يستوفيه ،ما
يقع تحت يده من مال المدين فذلك يكون إن كان من جنس حقه، والمنفعة
ليست من جنس ذلك الحق ، وما يقوله ابن تيمية من أن المرتهن إن لم
يستوف المنفعة تذهب هدراً لا يستقيم فيه قوله، لأن على المرتهن أن يمكن
الراهن من استيفاء المنفعة بطريقة تجمع بين يد المرتهن وحق المالك ، بأن
تؤجر، وهى تحت يد المرتهن أو نحو ذلك من طرق الاستغلال التى تضيع
المنفعة ، ولا تذهب بحق الاستيثاق من الاستيفاء .
١٧٥ - ومن الأمثلة التى ساقها ابن تيمية مخالفاً الحنفية فى أنها مخالفة
للقياس حديث المصراة (١). وهو قوله ◌َّةٍ: «لا قصروا الإبل ولا الغنم،
فمن ابتاع مصراة ، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن
سخطها ردها وصاعاً من تمر ، فقد قال فيه أنه حديث صحيح، وقال الحنفية
أنه يخالف المقرر من الأحاديث المشهورة، والقياس الصحيح ، لأنه رد
للمبيع من غير عيب ، إذ أن جمع اللبن فى الضرع لا يعد عيباً، ولم يشترط
وصفاً معيناً وتخلف الوصف ، فيرد لفوات وصف مرغوب فيه ، ولأن
الخراج بالضمان ، واللبن الذى حلب كان فى ملك المشترى، وإن هلكت فى
ذلك الوقت كان عليه هلاكها ، وعليه نققاتها ، وما كان كذلك لا يضمن .
(١) التصرية جمع اللبن فى ضرع الحيوان.

- ٣٣٢-
والخير يضمنه ، ولأن الضمان يكون بمثل العين المستهلكة إن كانت مثلية ،
واللبن مثلى فيضمن بمثله، وإذا اعتبرناه قيميا، فالقيمى يضمن بقدر قيمته
من النقد ، والخبر لم يضمنه لا بالمثل ، ولا بالقيمة النقدية ، ولأن تقدير
العوض بالصاع من التمر لا أساس له من التقديرات ، إذ أنه لا تعلم مالية
ما أخذ حتى يعوض بقدره ولو من التمر ، فتقدير العوض تقديراً شرعياً
بذلك فى أمر مالى ، وليس من العبادات - غريب عن الأصول للعامة
للشرع الإسلامى، كما كان الخبر غريباً عن الأصول الخاصة .
وابن تيمية يعتبر الخبر متفقا مع الأصول، ويرجح قول الشافعية
والحنابلة الذين أخذوا به . ويرد الوجوه السالفة بأن سبب الرد قائم ،
لأنه تدليس ، إذأن إظهار المبيع بصفات ليست حقيقية يعد كذكر
وصف ، ثم تخلف ذلك الوصف ، وإنه إذ ذكر الوصف وتخلف فإن
له الرد لفوات ذلك الوصف ، وكذلك هنا ، وفوق ذلك فكل تدليس يجيز
الفسخ كما أثبت النبى رقم الركبان إذا تلقوا، واشترى منهم قبل أن يهبطوا
السوق ويعلموا السعر - الخيار فى الفسخ .
وأما الخراج بالضمان فهو خبر قوى يستدل بمثله ، ولكن حديث
المصراة أقوى فى نظر أحمد والشافعى ومن يتبعهما، والخراج اسم للغلة
فيقتصر عليها ، واللبن نماء لاغلة ، وكان موجوداً وقت العقد، فهو جزء
من المبيع ، فافترق موضوع الحديثين، ولم يجعل الصاع عوضاً عن اللبن
الحادث بعد العقد، بل عن اللبن الذى كان وقت العقد ، وأما تولى الشارع
التقدير فلأن اللبن الموجود وقت العقد اختلط بغيره، فتعذر التقدير الحقيقى،
فتولى التقدير التقريبي حسما لمادة الخلاف .
وأما اعتبار العوض من غير جنس التمر فلكى يكون بيعاً ومعاوضة،
لا تضميناً بالمثل حتى لايكون ذلك أزيد أو أكثر، فتعتبر الزيادة ربا ، فكانت
1

- ٣٣٣ -
المعاوضة بغير الجنس ليكون ذلك تفادياً من الربا الذى يكون عند
التفاوت .
واختير ذات التمر، لأن طعام العرب الذى كان يغلب عليهم اللبن والتمر،
فكان التعويض من جنس ما يجرى الغذاء الغالب، أى أن المشترى فوت
على البائع قدراً من الغذاء، فيعوض بغذاء ثان هو صنو ذلك الغذاء، ولذلك
قرر ابن تيمية أن من موارد الاجتهاد أن يضمن من يرد المصراة مقداراً من
قوت البلد يساوى الصاع من التمر إذا كان قوت البلد غير اللبن أو التمر .
وترى من هذا أن ابن تيمية بدأ قياساً متسع الأفق لا يقتصر فى دفاعه
على باب واحد من أبواب المشاكلة والمشابهة ، بل يوسع طرائق التشبيه ،
وتعدد الأوصاف ويسعفه فى ذلك عقل أريب دارس لخواص الأشياء ،
ولمعانى الأحكام ، ولمرامى الشرائع .
١٧٦ - هذه أمثلة سقناها، وهى تريك صورة دقيقة الانتفاع
الحنابلة بالقياس الفقهى، وإذا كان العراقيون كأبى حنيفة وغيره ، ومن قاربه
فى الاجتهاد بالرأى من غير العراقيين قد أحسنوا وأجادوا وفرعوا وشعبوا
مسالك الاجتهاد ، فتلاميذ أحمد بن حنبل ومن خلفهم من الحنابلة قد استفادوا
هذه الفائدة من القياس وكان قياسهم أحكم، لأنهم كانوا يوائمون من الأقيسة،
وما أوتوه من علم واسع شامل بالسنة وفتاوى الصحابة وأقضيتهم وطرائق
استنباطهم، فهو قياس يستقى من ينابيع الأثر، ويشاكل تمام المشاكلة اجتهاد
السلف ، إذ كان اجتهاد السلف هو المشكاة لهم .
وقد وجدنا من الحنابلة فى الأقيسة الأخرى أمرين زادوهما فى الأقيسة
الفقهية .
(أولها ) أنهم نظروا فى الأحاديث التى زعم الحنفية وغيرهم أنها ليست
متفقة مع القياس ، وأنها استثناء يؤخذ بها إن لم يعارضها - وبينوا اتفاقها

- ٢٣٤ -
مع القياس ، فذكروا فى تفكير دقيق محكم موافقتها للقياس واتفاقهم مع
أصول الشرع ، وعدم بعدها عن مراميه وغاياته .
( ثانيهما) أنهم نظروا فى الأوصاف المشتركة بين الفرع والأصل فى
أقدستهم نظرة جامعة كليه ، فاتجهوا إلى المقاصد الشرعية السامية التى تتجه إلى
إيجاد جماعة فاضلة تقوم على رعاية المصالح ودفع الأضرار فى حياة دينية،
وخلقية تستمد النور من السماء .
وترى من هذا أن هؤلاء الأثر بين قد أفاد عملهم فى القياس الفقهى اتساعاً
فى أبوابه، وسمواً فى غاياته، ونمواً فى طرائقه، كما استفادت الآثار منهم
مدافعين يبينون غاياتهم ومقاصدها ، واتفاقها مع ما تنتجه المقاييس العقلية
السليمة ، وأفاد الاستنباط الفقهى عموماً، فاسقبان الشرع الإسلامى متجانساً
غير متنافر ، فالأشباه والنظائر لما أحكام متشابهة، والأشياء المختلفة
الأوصاف لها أحكام كاختلافها.
'۔

- ٢٢٥ -
٦ - الاستصحاب
١٧٧ - هذا أصل فقهى ، قد أجمع الأئمة الأربعة ومن تبعهم على
الأخذ به ولكنهم اختلفوا فى مقدار الآخذ، فأقلهم أخذاً به الحنفية ،
وأكثرهم أخذاً به الحنابلة ثم الشافعية، وبين الفريقين المالكية ، ويظهر أن
مقدار أخذ الأئمة بالاستصحاب كان تابعاً لمقدار الأدلة التى توسعوا فيها؛
فالذين توسعوا فى القياس والاستحسان ، واعتبروا العرف دليلا من أدلة
الشرع يؤخذ به حيث لا نص ، قلت عندهم مقادير المسائل التى أخذوا فيها
بالاستصحاب، وكذلك كان الحنفية ، وقاربهم المالكية ، لأنهم أيضاً وسعوا
باب الاستنباط بالمصالح المرسلة ، فكان ذلك سبباً فى قلة المسائل التى اعتمدوا
فيها على هذا الأصل .
أما الحنابلة والشافعية الذين يعتبرون القياس أمراً لا يصح الالتجاء
إليه إلا عند الضرورة، فإنهم وسعوا طرائق الاستنباط بذلك الأصل ،
وكان الشيعة أكثر أخذاً من الفريقين .
١٧٨ - والآن نتجه إلى بيان حقيقته، وقد بين معناه الشوكانى
فى إرشاد الفحول، فقال: «معناه أن ما ثبت فى الزمن الماضى، فالأصل
بقاؤه فى الزمن الحاضر والمستقبل مأخوذ من المصاحبة، وهو بقاء ذلك
الأمر ما لم يوجد ما يغيره فيقال الحكم الفلانى، كان فيما مضى : وكل ما كان
فيما مضى ، لم يظن عدمه ، فهو مظنون البقاء.
وعرفه ابن القيم بأنه استدامة إثبات ما كان ثابتاً ، ونفى ما كان منفياً
أى بقاء الحكم القائم نفياً وإثباتاً حتى يقوم دليل على تغيير الحالة. فهذه
الاستدامة لا تحتاج إلى دليل إيجابى، بل تستمر لعدم وجود دليل مغير)،
ومثال ذلك ثبتت الملكية فى عين بدليل بدل على حدوث شرائها ، فإنها
تستمر بدليل هذا الشراء ، حتى يوجد دليل يفيد نقل الملكية إلى غيره ،

- ٢٣٩ -
ولا يكفى احتمال البيع لزوالها، بل لابد من قيام دليل عليه، وكمن علمت
حياته فى زمن معين ، فإنه يغلب على الظن وجوده فى الحاضر والمستقبل،
حتى يقوم الدليل على غيره ، فيحكم باستمرار حياته حتى يوجد ما يثبت
الوفاة، فالمفقود يحكم بحياته ، حتى يوجد ما يدل على وفاته ، أو توجد
الأمارات التى يغلب على الظن معها بأنه توفى ، ويحكم بالوفاء بناء عليها ،
ويكون الحكم بالوفاة هو الذى منع استصحاب الحال من بعده، إذ كان
مغيراً لها ، أو مزيلا لوجودها .
وإذا كانت غلبة الظن باستمرار الحال موجبة لاستمرار حكمها ، فإن
ذلك لا يعتبر دليلا قوياً للاستنباط ، ولذلك إذا عارضه أضعف أدلة
الاستنباط الأخرى قدم عليه، ولذلك قال فيه الخوارزمى ((هو آخر مدار
الفتوى ، فإن المفتى إذا سئل عن حادثة يطلب حكمها فى الكتاب ثم فى
السنة ، ثم فى الإجماع، ثم فى القياس فإن لم يجده يأخذ حكمها من استصحاب
الحال فى النفى والإثبات ، فإن كان التردد فى زواله فالأصل بقاؤه، وإن
كان التردد فى ثبوته، فالأصل عدم بقائه(١).
وعلى ذلك إذا كان الأصل فى شىء الإباحة، فإنها تستمر ، حتى يقوم
دليل على الحظر، وإذا كان الأصل فى شىء الحظر ، فإنه يستمر الحضار
حتى يقوم دليل على الإباحة، وإذا كان الأصل فى أمر الوجوب استمر
الوجوب ، حتى يقوم دليل على عدمه ، فإذا كان الأصل فى العقود والشروط
وجوب الوفاء بها أخذاً من عموم النصوص الموجبة لها، فإن ذلك الوفاء
ثابت لكل عقد وشرط ، مهما يكن ، حتى يقوم الدليل على وجوب الوفاء،
وإذا كان الأصل فى المصالح والمنافع الإباحة فإن كل أمر فيه منفعة يصح
تناولها، حتى يقوم الدليل على حظرها، وهكذا كان ذلك الأصل
(١) إرشاد الفحول ص ٢٠٨

- ٣٣٧ -
فى الاستنباط موسعاً فى المذهب الحنبلى ، وإن كان ذلك المذهب أثرياً
نقلياً يعتمد على اتباع السلف ويشدد فى هذا الاتباع ، لأنه إن كان يشدد
فى قبول الدليل المثبت من حيث موافقته للآثار ، فهو يشدد أيضاً فى
قبول الدليل المغير الأحوال الذى يبطل الاستصحاب، وعلى ذلك تكثر
أحكام الاستصحاب، ولهذا كان ذلك المذهب الكريم من أقل المذاهب
تقييداً وأوسعها إطلاقا، وسلبين عند الكلام فى العقود والشروط أنه
أكثر المذاهب الإسلامية إطلاقا لحرية التعاقد، ولعله المذهب الوحيد
الذى يقرر أن آثار العقود من عمل المتعاقدين ، وأن الشروط مقاطع
الحقوق .
١٧٩ - والحكم الذى يثبت باستمرار الحال، أو على التحقيق يستمر
باستمرار الحال ، له جانبان، جانب إيجابى مثبت، وجانب سلبى مثبت، ولعل
أوضح مثل تقرر به هذين الجانبين المفقود قبل الحكم بوفاته، فإن الحال التى
كانت ثابتة هى الحياة فيفرض استمرارها، وتستمر معها الأحكام ، وهى
ذات جانبين .
أحدهما: اكتساب الحقوق التى تثبت للحى قبل غيره، کمیر اته منغيره،
وانتقال ملك الغير إليه بمثل الوصية والميراث ، فإن هذا جانب إيجابى يجلب
حقوقاً جديدة، وهناك جانب سلى وهو الثانى، وهو ملكيته للأمور الثابتة
ملكيتها قبل الفقد ، ومنع غيرهمنها ، لفرض استمرار حياته ، ويسمى ذلك
الحق سلبياً، لأن قصاراه منع الغير من امتلا كه .
ولقد قرر الحنفية أن استصحاب الحال لا يمكن أن يثبت به إلا الحقوق
السلبية أى يمنع انتقال ملكية مال المفقود لغيره ، بل تستمر هذه الملكية
على ذمته ، لبقاء ذمته ، وقال الحنابلة والشافعية إن استصحاب الحال يثبت
الحقين الإيجابي والسلبي ، ما دام لم يقم دليل مانع لاستمرارها، وعلى ذلك
( م ٢٢ - ابن حنبل)

= ٣٣٨ ستـ
يرث المفقود من غيره ، وتثبت له الوصايا ، وينال استحقاقه فى الأوقاف
وتثبت له العلات التى حدثت وقت فقده، ولذلك يقولون إن الاستصحاب
يصلح دليلا للإثبات والدفع، وأما الحنفية فيقولون إنه يصلح للدفع فقط .
١٨٠ - ولقد قرر ابن القيم معنى قول الحنفية إن الاستصحاب يصلح
حجة للدفع دون الإثبات بقوله :
معنى ذلك أنه لا يصلح لأن يدفع به من أدعى تغيير الحال، لإبقاء الأمر
على ما كان ، فإن بقاءه على ما كان ، إنما هو مستند إلى موجب الحكم ، لا إلى
عدم المغير، فإذا لم نجد دليلا نافياً، ولا مثبتاً أمكننا ألا ثبت الحكم ،
ولا فنفيه، بل ندفع بالاستصحاب دعوى من أثبته ، فيكون حال المستمسك
بالاستحصاب كحال المعترض مع المستدل ، فهو يمنع الدلالة حيث يثبتها ؛
إلا أنه يقيم دليلا على نفى ما ادعاه، وهذا غير حال المعارض، فالمعارض لون،
والمعترض لون، فالمعترض يمنع دلالة الدليل ، والمعارض يسلم دلالته، ويقيم
دليلا على نقيضه(١).
وهذا الكلام يتلاقى مع ما قررناه من أن الحنفية يقررون الأخذ بالجانب
السلبى من دلالة الاستصحاب دون الجانب الإيجابى، إذ أن مؤداه أن
المستمسك بالاستصحاب يستكسك بالأصل الذى كان ثابتاً ، الذى لم يقم
دليل على تغييره ، فهو لا يقيم دليلا على صحة مايدل عليه يثبت به حقوقاً
إيجابية ، ويعارض دعوى تنافيها، ولكن يعترض به على مدعى التغيير من
غير أن يعارض الدعوى بدليل إيجابى مناهض ، ولذلك كانت حاله حال
المعترض على الدليل ، وما يطالب بالدليل عليها ، ومتى قام الدليل سقط
الاعتراض، وليست حال المعارض الذى يكون معه الدليل ، بحيث لا تسقط
المعارضة بمجرد قيام الدليل على الأمر ، بل عند قيام الدليل ، يكون ثمة دليلان
متعارضان ، فيوازن بينهما .
(١) أعلام الموقعين ج ١ س ٢٩٤ و ٢٩٥ و ٢٩٦

- ٣٣٩ -
١٨١ - والمصادر الإسلامية الثابتة التى نقلها السلف الصالح، وتلقوها
بالقبول تثبت ذلك الأصل، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة من المقررات
فى المذهب الحنبلى .
(١) قد قرر الحنابلة آخذين من الآثار أن الصيد إذا غرق فى الماء قبل
الاستيلاء عليه لا يؤكل، ولو وجدت آثار السهام فيه لأنه لا يدرى أقتل
غرقاً فلا يحل، أم قتل بالسهم الذى سمى عليه عند إرساله فيحل ، ولما كان
الأصل فى الذبائح التحريم حتى يثبت الحل بالذبح المسعى عنده، أو بالصيد
الذى يسمى عند إرساله آليه، ولم يثبت دليل الحل بيقين فتبقى القضية على
أصل التحريم .
(ب) لقد قرر الحنابلة أيضاً أن الأصل فى الماء أنه طاهر مطهر ، فيبقى
على ذلك الأصل ، حتى يقوم دليل على انتقاله من هذا الحال ، إلى حال
أخرى تغير الحكم، فلا تزول الطهارة إلا بقيام دليل النجاسة من تغير فى
اللون والرائحة مثلا أو رؤية النجس يخالطه .
(جـ) إذا توضأ شخص فإنه يكون متطهراً، ويستمر على وضوئه ، وله
أن يصلى ما دام لم يعلم يقيناً أو يغلبه ظن أنه حدث منه ما نقض ذلك
الوضوء، فإذا مضت فترة على وضوئه، ولم يعلم أو يظن شيئاً من ذلك ،
ولكنه حدث عنده شك فى الناقض ، فإنه يستمر طاهراً، وله أن يصلى
مع ذلك الشك ، لأن الأصل بقاء الحال الثابتة ، حتى يقوم دليل على نقيضها ،
ولم يقم ذلك الدليل .
(د) إذا حدث زواج بين رجل ومن يظهر أنها أجنبية عنه ، فإن
العاقدين يتعاشران على ظاهر الحل ، فإذا أخبرتهما امرأة أنها أرضعتهما،
والتقت معه على ثديها فإن الحرمة تثبت بينهما، وذلك لأن أصل الإرضاع
على التحريم، وإنما أبيحت الزوجية بينهما بظاهر الحال، وقد عارض هذا

= ٣٤٠ -
الظاهر ظاهر مثله ، وهو الشهادة، فإذا تعارضا تساقطا، وبقى أصل التحريم،
لا معارض له فيثبت .
(هـ) إن المطلق إذا شك فى أنه طلق واحدة أو ثلاثاً، فإن أحمد رضى
الله عنه مع جمهور الفقهاء خلافاً لمالك قد قرروا أنه لا يقع إلا طلقة واحدة
رجعية وذلك لأن الحل ثابت بيقين بمقتضى عقد الزواج المتيقن الخالى عند
إنشائه من كل مانع شرعى ، فكان الحل هو الحال الثابتة المستمرة ، فلا
تزول بالشك، بل لا تزول إلا بما يماثلها فى الثبوت، والواحدة مستيقنة،
فتثبت ، وهى لا تنافى الحل فتثبت معه (١) .
والفرق بين هذه الصورة وسابقتها أنه فى السابقة قد أثبتت شهادة الظهر
بطلان العقد ، فزال سبب الحل ، أو بعبارة أحكم لم يثبت موضوع
الاستصحاب، وهو النكاح المثبت له ، لعدم خلو الزوجين من المواقع
وقت إنشائه ، أما فى هذه المسألة فإن موضوع الاستصحاب قد وجد
وجوداً لا شك فيه، إذ قد وقع الزواج مع الخلو من الموانع الشرعية
فتثبت الحال ، ولا يلتفت إلى المنافى الذى وقع فيه الشك.
(و) ومن الأمثلة المفقود الذى أشرنا إلى حكمه فيما مضى من القول،
فإنه يستمر الحكم بالحياة إلى أن يثبت لدى القضاء ما يدل على موته ، فيحكم
بموقه، والحكم بالموت عند الحنابلة والشافعية يثبت الموت غير مستند إلى ما قبله ،
بل يثبت به الموت فى الزمن الذى بعده، وقد خالف الحنفية فقرروا أن
الحكم بالموت بالنسبة لما له من مال ثبتت ملكيته فيه قبل الفقد ينفذ من
وقت الحكم، فلا يرثه ورثته إلا من ذلك الوقت ، أما بالنسبة لما يكتسبه
من مال بالميراث أو الوصية أو الاستحقاق فى وقف مثلا، فإن الحكم
(١) أعلام الموقعين ج١ ص ٢٩٤ و ٢٩٥ و ٢٩٦