Indexed OCR Text

Pages 261-280

- ٢٦١ -
والثانية هى طبقة التابعين، فإذا اشتهر الحديث بين التابعين ، أو اشتهر فى
الطبقة التى على التابعين اعتبر مشهوراً مستفيضاً، وإن لم يشتهر فى الطبقة التى
على التابعين، بل اشتهر بعدها لا يعتبر مشهوراً لأن الأحاديث قد دونت
كلها بعد ذلك فصارت معروفة ، فلا يعتبر الاشتهار إلا قبل ذلك .
والمشهور الذى تلقاه علماء القرن الثانى أو الثالث بالقبول، واستفاض
بينهم ، وإن كان من قبيل حديث الآحاد فى أول طبقاته قد جعله الحنفية فى
مرتبة بين الآحاد ، وبين المتواتر ، خصصوا به القرآن ، وزادوا به على
أحكامه ، وليست أحاديث الآحاد عندهم لها هذا الشأن .
فالتفرقة بين المشهور والآحاد تظهر ثمرتها عند الحنفية الذين لا يجعلون
أحاديث الآحاد تبلغ درجة تخصيص القرآن ، أما غيرهم الذى يجعل أحاديث
الآحاد مخصصة للقرآن بإطلاق كأحمد والشافعى أو عند معاضدتها بعمل أهل
المدينة ، أو قياس، كما هو رأى المالكية، فإنهم لا يفرقون بين الآحاد
والمشهور إلا من حيث كثرة الرواة وهى تعطيه قوة عند الترجيح .
١١٤ - وحديث الآحاد أو خبر الخاصة كما يسميه الشافعى، ومن
كان فى عصره من العلماء هو كل خبر يرويه الواحد، أو الإثنان، أو الأكثر
من ذلك ، ولا يتوافر فيه سبب الشهرة .
ونسبة حديث الآحاد إلى رسول الله عليه وسلم إنما هو على سبيل الظن
الراجح، لاعلى سبيل العلم اليقينى ، ولذلك سار جمهور علماء المسلمين على
أحاديث الآحاد من الثقة والعدل ، والاحتجاج بها فى العمل دون الاعتقاد؟
لأن الاعتقاد يجب أن يبنى على أدلة يقينية لا شبهة فيها، إذ الاعتقاد علم جازم
عن دليل ، وذلك ألا يكون بدليل ظنى فيه شبهة، أما العمل، فيبنى على
الرجحان ؛ ويكفى فيه نفى الاحتمال الناشىء عن دليل ، لا نفي مطلق احتمال

- ٢٦٢ -
وكون الراوى عدلا ثقة يغلب جانب الصدق على جانب الكذب ، فيكون
احتمال الكذب غير ناشىء عن دليل ، واحتمال الصدق يؤيده الدليل، فيكون .
العمل على مقتضاه ، هكذا يسير الناس فى أقضيتهم، وهكذا يسيرون فى
معاملاتهم أو عملهم، ولو كانت الأحكام والأعمال لا تستقيم إلا إذا بنيت
على أدلة لاشبهة فيها لتعطلت الأحكام ، وما استقامت أمور الناس ، وما
قضى بحق ، ولا دفع باطل .
١١٥ - هذا رأى الجمهور فى حديث الآحاد يأخذون به فى العمل
دون الاعتقاد فهل يسلك أحمد ذلك المسلك ، فيرده فى الاعتقاد ، ويقبله
فى العمل ؟
إن الدارس للآراء التى أعلنها أحمد فى المقائد، وفيما عليه السلف
الصالح، وفى منهاج السنة فى رسائله وإجاباته عما كان يسأله عنه أهل عصره
يجدها تدل على أنه كان يقبل أحاديث الآحاد فى الاعتقاد ، ويسيرعلى
مقتضاها (( ولا يقتصر فى الأخذ بها على العمل ، فالإيمان بعذاب القبر ،
والإيمان بمنكر ونكير ، والإيمان بالحوض والشفاعة ، والإيمان بأن
الموحدين يخرجون من النار بعدأن يمتحنوا بها، كل هذا أخذه من الأحاديث،
وهى أخبار آحاد ، فدل على أنه لفرط تورته يسلم بكل ما جاءت السنة فى
اعتقاد، وعمله معاً .
وإنه ليقول فى رسالته إلى مسدد بن مسرهد البصرى: والميزان حق ،
والصراط حق .. والإيمان بالحوض والشفاعة حق، والإيمان بالعرش
والكرسى، والإيمان بملك الموت. وأنه يقبض الأرواح، ثم يرد الأرواح
إلى الأجاد ، والإيمان بالنفخ فى الصور، والدجال خارج فى هذه الأمة،
وينزل عيسى بن مريم فيقتله)، (١) .
(١) س١٦٩ من المناقب لابن الجوزي .

- ٢٦٣ -
وهذه الأمور أكثرها ثابت بأخبار الآحاد .
وإن أحمد رضى الله عنه قد أشربت روحه حب التى وأصحابه ، فصار
كل ما يسند إليه مع الم بسند يرقضيه يقبله، ويستولى على نفسه، ويتغلغل
فى إحساسه وشعوره، حتى يصير ما يتضمنه فى ضمن معتقداته ، فيؤمن بكل
ما جاءت به السنة ، كما يؤمن بكل ما جاء به الكتاب الكريم ، ولا يفرق
فى الأخذ بأحاديث رسول اللّه مَ الله وسلم بين عمل واعتقاد، ولا بين أعمال
الخوارج، وإذان القلب والعقل .
١١٦ - والقسم الرابع من الأحاديث التى جرى الاحتجاج بها
الحديث المرسل ، وللحديث المرسل اصطلاحان (أحدهما) اصطلاح
المحدثين فيطلقوته على الحديث الذى يتصل فيه السند إلى التابعى ، ويترك
التابعى ذكر الصحابى الذى روى عنه بل يسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم،
وإذا انقطع السند دون التابعى سمى منقطعا ولا يسمى مرسلا .
( وثانيهما) أن كل حديث لم يذكر فيه السند متصلا إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم يسمى مرسلا، سواء كان الانقطاع عند الصحابى أو دونه،
ويشمل هذا إرسال التابعى وعدم ذكر الصحابى، وإرسال الصحابى فيما لم
يسمعه عن النبى صلى الله عليه وسلم بأن يروى الصحابى خبراً أثبت يقيناً
أنه لم يكن فى صحبة النبى فى الوقت الذى أسند القول إلى النبى صلى الله عليه
وسلم، ويشمل إرسال العدل فى أى عصر من العصور .
وهذا الإطلاق الأخير شائع فى لغة الفقهاء فى عصر الأئمة ، وبعض
الكتاب فى علم أصول الفقه، والإطلاق الأول هو المشهور عند المحدثين.
١١٧ - وحجية المرسل فى الأحكام الشرعية موضع نظر عند العلماء،
فقد رده بعض المحدثين واعتبره من الأحاديث الضعيفة التى لا يحتج بها

- ٢٦٤ -
فى العمل ، وقد ذكر النووى فى التقريب أن ذلك رأى جميع المحدثين ،
وكثير من الفقهاء وأصحاب الأصول، والعلة فى رده هو جهل من روى عنه
وعدم تسميته ، لأنه إذا كانت الرواية عن المسمى المجهول مردودة فأولى
أن ترد عمن لا يسمى قط (١).
ولكن ذلك الرأى هو غير المشهور عند الفقهاء، بل المشور عند الفقها.
غيره إذ المذاهب الأربعة على قبوله ، وبعضهم قبله بإطلاق ، وجعله فى
مرتبة المسند على سواء ، وبعضهم قبله بإطلاق ، ولكن أخره عن المسند .
وبعضهم مع تأخيره عن المسندقيد قبوله بشروط أوجب تحققها فيه، وذلك
هو الشافعى .
فأبو حنيفة رضى الله عنه قبل المرسل إذا كان الذى أرسل صحابياً أو
تابعياً بأن لم يذكر الصحابى الذى روى عنه، أو تابعاً للتابعين ، بأن لم
يذكر التابعى الذى روى عنه، أما الإرسال من بعد تابع التابعين فغير مقبول،
كما تقول كتب الحنفية ومالك رضى الله عنه يقبل المراسلات ويقبل البلاغات
ويفتى على أساسها مع أنه هو الذى كان يتشدد فى قبول الرواية ، وذلك لأنه
كان يقبل المرسل من الرجل الذى يثق به، وينتقيه، فهو كان يتشدد فى البحث
عن الرجل الذى يكون ثقة ، فإذا كان مستوفياً لكل شروطه اطمأن إليه ،
وقبل منه سنده، ومرسله، وبلاغته، فالتشدد فى الاختيار هو سبب
الاطمئنان ، وقبول الإرسال .
فليس قبول مالك وأبى حنيفة للإرسال دليلا على التساهل فى الروية ،
وليسوا يجيزون الإرسال من كل شخص ويقبلون الإرسال من أى شخص،
بل يقبلون إرسال الثقات الذين عرفوهم متصفين بالصدق، وأنهم إن أرسلوا
(١) ويستدل النووى لذلك أيضاً بقوله: ((إن الراوى الذى يصل التابعى بالرسول
يحتمل أن يكون محابيا ، ويحتمل أن يكون تابعيا . وإذا كان تابعيا، فيحتمل أن يكون
ضعيفا ، ويحتمل أن يكون ثقة ، ويحتمل أن يكون هذا التابعى الذى لم يذكره روى عن
ممابي أو تابعي ضعيف أو ثقة ، ومع كل هذه الاحتمالات لا يمكن أن يكون حجة .

- ٢٦٥ -
فعن بينة ، وعن ثقة . وربما كان إرسالهم سببه شهرة ما يرونه ، وكثرة من
أخذوه عنهم ، ولقد صرح بذلك بعض التابعين ، فالحسن البصرى يقول :
((كنت إذا اجتمع أربعة من الصحابة على حديث أرسلته إرسالا)، ويقول:
« متی قلت حدثنی فلان، فهو حديثه لا غير، ومتى قلت قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقد سمعته من سبعين أو أكثر)).
ولقد روى أن الأعمش قال: قلت لإبراهيم: ((إذا رويت لى حديثاً
عن عبد الله فأسنده لى، فقال: إذا قلت لك حدثنى فلان عن عبد الله ،
فهو الذى روى لى ذلك ، وإذا قلت : قال عبد الله . فقد رواه لى غير
واحد » .
ويظهر أن الإرسال كان هو الكثير بين التابعين وتابعى التابعين قبل
أن يكثر الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كثر اضطر العلماء
إلى الإسناد ، ليعرف الراوى ، فتعرف نحلته، ولقد قال فى ذلك ابن سيرين
من التابعين: ((ماكنا لسند الحديث إلى أن وقعت الفتنة)).
لهذا كله قبل مالك وأبو حنيفة الإرسال فى الحدود التى لاحظناها ،
ويظهر من تتبع موطأ مالك ، وكتب الآثار المتصلة فى إسنادها إلى أبى حنيفة
أن المرسل عندهما فى مرتبة خبر الآحاد ، فعند تعارضهما يرجح بينهما بطرق
الترجيح التى تتبع عند تعارض خبرين ، قوتهما من حيث النسبة المجردة
واحدة، وإذا كنا قد وجدنا نظراً مختلفاً عند أتباع هذين الإمامين من بعد،
فإن هذا رأيهما ونظرهما .
هذا رأى الذين قبلوا المرسل من الأئمة بإطلاق ، ولم يشترطوا إلا
الضبط والعدالة فيمن يروى إليهم .
١١٨ - أما رأى الشافعى، وهو الذى لم يضع المرسل فى مرتبة
المسند، ولم يقبله بعد تنزيل رتبته إلا بقيود ، فلأنه أستاذ أحمد نبين رأيه

- ٢٦٦ -
بعض التبيين ، لأن بيانه بيان لرأى تلقاه أحمد، وكان موضع دراسة له ،
وقبله أو تأثر به .
إن الشافعى يقبل المرسل من الأحاديث فى الجملة ، ولكنه يشترط
لقبوله شرطين أحدهما فى المرسل، وثانيهما فى الحديث المرسل ،
فهو يشترط فى الراوى المرسل أن يكون تابعياً، ومن كبار التابعين الذين
التقوا بعدد كبير من الصحابة ، كسعيد بن المسيب والحسن البصرى ، فهو
لا يقبل من التابعين الذين لم يلتقوا بكثير من الصحابة .
وأما الشرط الذى يشترطه فى الخبر المرسل ليقبله فهو أن يكون له شاهد
يزكى قبوله ، وذلك بواحد من أمور أربعة :
أولها : أن يكون الحفاظ الثقات المأمونون قد رووا معناه مسنداً إلى
النبى صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك شهادة بصحة الخبر الذى أرسل، وعندى
أن الحجة حينئذ تكون فى معنى ما رووا، وهو مروى يسند متصل .
ثانيهما: أن يشهد له مرسل آخر غيره روى بغير طريقه ، فإن وجد ذلك
كان مسوغا لقبولهما، لمعاضدة بعضهما للآخر، ومرتبة هذه الشهادة دون
الأولى، لأن معاضدة المسند أقوى من معاضدة المرسل .
ثالثها : أن يشهد له فتوى أو قول الصحابى من أصحاب رسول الله على
الله عليه وسلم فإن هذه الموافقة دليل على أن المرسل له أصل معتبر عند
الصحابة، أو بعضهم ولذلك أفتوا بمثله ، وهذه مرتبة فى الشهادة دون الثانية .
ورابعها : أن تقبل هذا المرسل جماعات من أهل العلم ، ويفتون بمثل
ما جاء به ، فإذا قبل مالك أو أبو حنيفة أو إبراهيم أو سفيان بن عيينة
أو سفيان الثورى ، كان ذلك شهادة مزكية أو مسوفة للقبول ، وهذه دون
المراقب الثلاث السابقة .
والمرسل عند الشافعي لا يكون فى قوة المتصل ، كما قررنا ، فإن

- ٢٦٧ -
تعارض متصل ومرسل، قدم المتصل، ويقول الشافعى فى تعليل ذلك ((إن
معنى المنقطع مغيب ، يحتمل أن يكون حمل عمن يرغب عن الرواية عنه إذا
سمى ، وإن بعض المنقطعات وإن وافقه مرسل مثله ، فقد يحتمل أن يكون
مخرجهما واحداً من حيث لو سمى لم يقبل)).
١١٩ - هذا نظر الشافعى أستاذ أحمد فى ذلك، ونراه قد وافقه فى
بعض قوله ، وخالفه فى بعض آخر ، وقد اعتبر أحمد المرسلات من
الأحاديث حجة، ولكنه أخرها عن فتوى الصحابة ، ووضعها فى قرن
مع الأحاديث الضعيفة، وهو بهذا خالف شيخه ، ووافقه، خالفه فى أن
المرسل مؤخر عن فتوى الصحابى ، فهو يقدمها عليه ؛ إذ يعتبر فتاوى
الصحابة من السنة على ما سنبين إن شاء اللّه تعالى عند الكلام فيها.
وفى حال الضرورة يقبلها كما يقبل الأحاديث الضعيفة ؛ لأنه يؤثر
الفتوى بها على القياس والرأى ، إذ لا يقدم على القياس إلا عند الضرورة
القصوى . ولا يمكنه أن يكون فى ضرورة قصوى ، وعنده مندوحة بقبول
حديث منسوب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان منقطع السند .
وليس متصلا .
ولكنا ونحن نقرر هذا نجد من الحق أن نقول أن أحمد رضى الله
عنه أعتبر المرسل من قبيل الأخبار الضعيفة التى يكون الأصل ردها ،
وعدم قبولها . ولذلك قدم عليه فتوى الصحابى وهو لا يقدم هذه الفتوى
على حديث صحيح قط فتقديمها عليه دليل على أنه يعتبره ضعيفاً لا صحيحاً ،
وهو بذلك ينحو نحو المحدثين الذين يقررون أن الحديث المرسل من قبيل
الحديث الضعيف ، لا من قبيل الحديث الصحيح وإنما أفتى به فى حال
الضرورة، لأنه لا يريد أن يفتى فى الدين بشىء عنده، وعنده أثر يستأنس
به ، فهو يأخذ به ، ما دام ليس له إمام من الصحابة يفتى بفتواه.

- ٢٦٨ -
وبذلك نستطيع أن نقول إن أحمد لم يكن متسامحاً فى قبول المرسلات
أكثر من شيخه الشافعى، بل كان لها أكثر رداً، لأنه وضعها فى سجل
الأحاديث الضعيفة . وإن أفتى بها عند الضرورة ، فلأنها مثلها.
١٢٠ - وهنا نلاحظ تدرجاً زمنياً فى قبول المرسلات، والأحاديث
المنقطعة والاحتجاج بها، فإنه كلما كان الإمام أسبق زمناً كان أكثر قبولا
للمرسل فأبو حنيفة ومالك والأوزاعى ، وسفيان بن عيينة وغيرهم من
عاصرهم كانوا يقبلون مرسلات الأحاديث، ولا يشترطون إلا الثقة من ينقل
إليهم ، ويحكمون عنه ، فلما جاء الشافعى وجدناه قد شدد فى شروط قبوله،
ووضع القيود، وضبط الضوابط ، واشترط الشهادات المزكية، حتى إذا
جاء أحمد وضعه فى سجل الأحاديث الضعيفة وقبله فى حال قبولها، وشيخه
قدم عليه المتصل بإطلاق ، وهو قدم عليه فتوى الصحابى ، ولما جاء
المحدثون من بعد أحمد كانوا بالنسبة للمرسلات أكثر رداً، فضعفوها ،
ولم يأخذ أكثرهم بها .
ولم كان ذلك الندرج الزمنى؟ الجواب عن ذلك واضح من مطور ما قلناه
فإنه كلما كان الزمن أقرب إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم كان المجمولون
الذين لم يذكروا أقرب إلى فرض الثقة، ولأن الرواة الذين ذكروا الحديث
من غير أن يذكروهم أهل الثقة بهم ، والإطمئنان إلى أنهم لا ينقلون إلا
عن ثقات عدول ضابطين ، وما كان فى الإمكان بعد أن تعددت الطبقات
بين الفقهاء والنبى صلى الله عليه وسلم، كما فى عصر أحمد والشافعى أن يطعنوا
ذلك الاطمئنان ، وأن يثقوا بحال الذين لم يذكروا تلك الثقة.
وننبه هنا إلى أن أحمد رضى الله عنه لم يكن يشترط فى الرواة الذين
يتلقى عليهم ويأخذ عنهم بالشفاء والكتابة ما كان يشترطه أبو حنيفة ومالك
رضى الله عنهما من الضبط، ولذلك ما كان له أن يطمئن إلى من لا يذكرون -
اطمئنانهم.

-- ٢٦٩ -
١٢١ - ولننتقل بعد ذلك إلى بيان ما كان يشترطه أحمد فى الرواة،
ومقدار تشدده أو تساهله ، ونقده ، ونقده الأحاديث عند دراستها ، أكان
يصنع صنيع السابقين وشيخه الشافعى ، أم كان ينحو غير منحاهم ومنحاه ؟
كان أحمد فى مسنده لا يروى عن الكذابين ، بل يروى عن الثقات
العدول ، فهو يروى عمن عرف بالتقوى ، واشتهر بالصدق ، ولا يرد
الحديث لنقد فى متنه إلا إذا عارضه غيره ، ولا يشترط لقبوله عرضه على
كتاب الله سبحانه وتعالى، بل يعتبر السنة مفسرة الكتاب. ودلائله. وهى
بهذه المرتبة الموضحة. ولذا جاء فى رسالته لمسدد بن مسرهد البصرى مانصه.
((السنة عندنا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسنة تفسر القرآن
وهى دلائل القرآن ، وليس فى السنة قياس ولا تضرب لها الأمثال ، ولا تدرك
بالعقول والأهواء إنما هى الاتباع ، وترك الهوى ،.
فهو لا يشترط لقبول السنة . موافقتها للقواعد، ولا عرضها عليها ، بل
يقبلها جميعها، ولا يرد من السفن إلا ما يعارض سنناً أقوى سنداً منها، وأوثق
رجالا وأكثر عدداً، وشهرة واستفاضة، فهو يرد الخبر بسنة أقوى ،
لكيلا يخرج عن السنة ، بل يكون فى رد بعض الأخبار فى دائرتها ،
لا يخرج منها .
وكان يقبل عن أهل التقوى الذين لم يعرفوا بالكذب ، وإن كان فى
ضبطهم نقص، فهو يدون ٤٠ يأخذ عنهم، ويقبل روايتهم، ويعتبر بها،
وبوازن بينها وبين غيرها ، وإن عارضها ماهو أوثق منها ردها ، فهو يردها
بسند أقوى ولا يمنع الأخذ بها منعاً مجرداً ، وقد قال فى ذلك ابن تيمية ؛
((قد يكون الرجل عندهم ضعيفاً لكثرة الغلط فى حديثه، ويكون
حديثه الغالب عليه الصحة ، فيروون عنه لأجل الاعتبار والاعتضاد ، فإن
تعدد الطرق وكثرتها يقوى بعضها بعضاً، حتى يحصل العلم بها .. وهذا مثل

- ٢٧٠ -
عبد الله بن لهيعة فانه كان من أكابر علماء المسلمين، وكان قاضياً بمصر، كثير
الحديث ، ولكن احترقت كتبه، فصار يحدث من حفظه ، فوقع فى حديثه
غلط كثير مع أن الغالب على حديثه الصحة، قال أحمد بن حنبل: قد أكتب
حديث الرجل للاعتبار به مثل ابن لهيعة .
ويقول أيضاً: هذه طريقة أحمد بن حنبل، لم يرو فى سنده عمن
يعرف أنه يتعمد الكذب ، لكن يروى عمن عرف منه الغلط للاعتبار
به ، والاعتضاد ».
وترى من هذا أن أحمد رضى الله عنه ما كان يمتنع عن رواية إلا من
عرف بأنه يتعمد الكذب ، أما أهل النقى ، فانه يروى عنهم، ويأخذ بحديثهم،
ولو كانوا غير ضابطين، ولكن إن وجد حديث لغيرهم أو ثق منهم لضبطه
رد حديثهم، وأخذ بغيره.
ولكن يجب التنبيه إلى أمر دلت عليه النصوص السابقة، وهو أن يدرس
أحاديث غير الضابطين ، وينقدها بما عنده من آثار أخرى ، لجريان بعض
الشك فى شأنها ، لأن كثرة الغلط مهما تكن تقوى الراوى لا تمنع الاحتمال
أو الشك بسبب ضعف الضبط .
١٢٢ - تكلمنا فيما مضى عن السنة من حيث اتصال سندها. وانقطاعه
ومن حيث تواترها، واشتهارها، وانفرادها بالثقة بها، وذكرنا ما يقبله
أحمد ، ودرجته فى الاحتجاج ، ومقدار قوته فى الاستدلال .
وبقى بعد ذلك أن نتكلم فى ترتيب المحدثين للأحاديث ، أو ترتيبهم
لأخبار الآحاد، وما يأخذ به أحمد منها، ولن نخوض بالتفصيل فى أسماء
الأحاديث، بل سنذكر مراقب ثلاثا الأحاديث عندهم ، وهى الأحاديث
الصحيحة، والأحاديث الحسنة، والأحاديث الضعيفة، وكيف كان يفتى
أحمد بالأحاديث الضعيفة ، إن لم يجد صحيحاً ولا حسناً .

- ١٧١ -
١٢٣ - يعرف المحدثون الحديث الصحيح بأنه ما اتصل سنده بنقل
العدل الضابط عن مثله، وسلم من شذوذ، وعلة ، خرج بالاتصال المنقطع
والمرسل على رأى من يقبله، لأن السعد لم يتصل بر سول الله صلى الله عليه وسلم
وبالعدالة من لم يكن معروف العدالة ومن كان مجروحاً ، وخرج بالضابط
ما يكون رواية غير حافظ ولا مستيقظ أو كان فيه غفلة ، وكثير الخطأ ،
ونحو ذلك ، ويراد بالشذوذ ما يروبه الثقة مخالفاً لرواية الناس ، وبالعلة
ما فيه أسباب خفية قادحة ، كأن يدل البحث على وجود ذى غفلة فى إسناده،
أو يكون المسند مخالفاً لقاعدة عامة دل الاستقراء الشرعى على وجودها
وتضافرت المصادر من السنة عليها .
والحديث الحسن هو الحديث المتصل ، الذى يرويه راوغير كامل الثقة،
ولكنه قريب منها ، أو يرويه ثقة ، ولكن السند غير متصل بل مرسل ،
ولكن يروى كلاهما من أكثر من وجه ، والشرط فيه أيضاً سلامته
من الشذوذ والعلة ، فتعدد الأوجه جعله حجة ، وجعله المتفقه يحسن الظن
بالرواة .
والحديث الحسن مرتبته دون مرتبة الحديث الصحيح ، ولذا يقدم هذا
عليه فى الاستدلال إن تعارضا .
وقد ذكر ابن تيمية فى الحسن: إن الحسن ما تعددت طرقه ، ولم يكن
فيهم متهم بالكذب ، ولم يكن شاذاً ، وهو دون الصحيح الذى عرفت عدالة
فاقليه وضبطهم .
والضعيف كما عرفه النووى ما لم توجد فيه شروط الصحة ، ولا شروط
الحسن بأن كان رواته غير عدول ، ولم يكونوا مستورين ، بل عرفوا
بالكذب ، أو كانوا مستورين ، ولم تتعدد أوجه روايتهم، أوكان فى الخبر
شذوذ أو علة مخفية ، فإن هذه الأسباب توجب ضعف الخبر، كما كان عكسها
موجبا الحكم بصحتها أو حسنها .

٠
- ٣٧٢ -
وإن الأخبار الضعيفة مراقب ، أبعدها عن القبول فى الموضوع الذى
قام الدليل على كذبه، ولقد قال السخاوى (( وأعلم أنهم كما تكلموا فى أصح
الأسانيد، تكلموا فى أوهى الأسانيد، وفائدته ترجيح بعض الأسانيد
على بعض ، وتمييز ما يصلح للاعتبار .
وإن من الضعيف ما يرتقى عند الدراسة إلى درجة الحسن ، بأن تكثر
طرقه كثرة ترفعه إلى درجة رواية المستورين أو ذوى الحفظ السي ء فيرتفع
إلى درجة الحسن ، ولقد جاء ذلك فى التدريب ، ففيه :
((إن الضعيف الكذب راويه أو لفسقه لا ينجبر بتعدد طرقه الماثلة له
لقوة الضعف، وتقاعد هذا الجابر، نعم يرتقى بمجموعه عن كونه منكراً،
أو لا أصل له وربما كثرت الطرق، حتى أوصلته إلى درجة المستور))
والسيء الحفظ بحيث إذا وجد له طريق آخر، فيه ضعيف قريب محتمل .
أرتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن .
ولقد قال النووى: ((الحديث الضعيف عند تعدد الطرق يرتقى عن
الضعف إلى الحسن ، ويصير مقبولا به ((وترى من هذا أن الضعيف قد
يصير حسنا يعمل به، ولكن لا يكون العمل بالضعيف منفرداً ، بل
بالمجموعة التى تعددت طرقها ، وكونت ثقة بالمنقول ، لا بآحاد الناقلين)).
١٢٤ - وتقسيم الحديث إلى هذه الأقسام الثلاثة لم يكن معروفا فى عصر
أحمد رضى الله عنه، بل جاء من بعده، إنما كانت الأحاديث عند أحمد
إما صحيحة تتوافر فيها كل حدود الحديث الصحيح، فتقبل ، وإما أحاديث
ضعيفة لا يتوافر فيها ذلك الحد، ولا ينطبق عليها، فتكون ضعيفة، وعلى
ذلك يدخل الحسن فيها كما يدخل الضعيف الذى تعددت طرقه ، ورفعته
إلى درجة الحسن .
ولقد قال فى ذلك ابن تيمية: ( أول من عرف أنه قسم الحديث إلى صحيح،

٠
- ٢٧٣ -
وحسن وضعيف أبو عيسى الترمذى ، ولم تعرف هذه القسمة عن
أحد قبله ، وقد بين أبو عيسى مراده بذلك، فذكر أن الحسن ما تعددت
طرقه، ولم يكن فيهم متهم بالكذب ، ولم يكن شاذاً ، وهو دون الصحيح
الذى عرفت عدالة ناقليه ، وضبطهم وقال : الضعيف الذى عرف أن ناقله
متهم بالكذب ردىء الحفظ ، فإنه إذا رواه المجهول خيف أن يكون كاذباً ،
أو سيء الحفظ ، فإذا وافقه آخر لم يأخذ عنه عرف أنه لم يتعد كذبه ،
واتفاق الاثنين على لفظ واحد طويل قد يكون ممتنعاً، وقد يكون بعيداً،
ولما كان تجويز اتفاقهما فى ذلك ممكناً نزل من درجة الصحيح - وأما من كان
قبل الترمذى من العلماء ، فما عرف عنهم هذا التقسيم الثلاثى ، لكن كانوا
يقسمونه إلى صحيح وضعيف ، والضعيف كان عندهم نوعين: «ضعيف ضعفاً
لا يمنع العمل به، وهو يشبه الحسن فى اصطلاح الترمذى ، وضعيف ضعفاً
يوجب تركه ، وهو الواهى)).
وترى من هذا التوضيح أنه فى عصر أحمد لم يكن إلا صحيح ، رواته
ثقات لا شذوذ فيه، ولا علة ، وضعيف لم يكن رواته من الثقات ، وأنه
أحياناً يعمل به إذا لم يكونوا من المتهمين بالكذب، وتعددت الأوجه ،
أو كانوا متهمين وكثرت أوجه الروايات بهم، وهذا هو الحسن ، وما فى
منزلة الحسن ، فإن لم يكن كذلك كان واهياً أو موضوعاً لا يلتفت إليه.
١٢٥ - وإنما خضنا فى ذكر هذه الأقسام ، وتوضيح هذه الضروب
من الروايات ، لأنه روى عن الإمام أحمد رضى الله عنه أنه كان يعمل
بالضعيف من الأخبار ، وإن كانت منزلته فى العمل بعد فتاوى الصحابة ،
ولقد قرر العلماء أن مسند أحمد كان فيه الضعيف من الأخبار كما ذكرنا ،
وكان هو يقبل الرواية عن الضعفاء، إذا لم يعرفوا بالكذب ، فكان
يروى عن بعض الذين لم يشتهروا بالضبط ، كابن لهيعة وغيره ممن كثر
( ٢ ١٨ - ابن حنبل)

- ٢٧٤ -
خطؤهم فى الرواية والنقل ، وإن لم يكونوا من أهل الكذب الذين يتعمدئه،
بل كانوا من أهل التقوى والصلاح .
١٢٦ - وقبل أن نحرر رأى الإمام أحمد رضى الله عنه ونبين الأسس
التى بنى عليها الأخذ بضعيف الأخبار - نقول إن المذاهب ثلاثة فى العمل
بالخبر الضعيف .
أولها - أنه لا يعمل به مطلقاً، لا فى الأحكام الشرعية ولا فى المواعظ،
وهو مذهب كبار الحفاظ والمحدثين ، كالبخارى ومسلم ، ولقد شنع مسلم على
كل من يأخذ بحديث ضعيف ، وقال فى ذلك فى المقدمة التى افتتح بها صحيحه :
((إن الواجب على كل واحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها،
وثقات الناقلين لها من المتهمين ألا يروى منها إلا ما عرف صحة نجاحه
والستارة فى ناقليه ، وأن ينفى منها ما كان من أهل التهم، والمعاندين من أهل
البدع، والدليل على أن الذى قلنا هو اللازم دون ماخالفه قول الله جل
ذكره: (ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة
فتصبحوا على مافعلتم نادمين )) وقال جل ثناؤه ((ممن ترضون من الشهداء))
وقال عز وجل: ((وأشهدوا ذوى عدل منكم)، فدل بما ذكرنا من هذه
الآى أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول ، وأن شهادة غير العدل مردودة ،
والخبر ، وإن فارق معناه الشهادة فى بعض الوجوه ، فقد يجتمعان فى أعظم
معانيهماء .
ويروى فى التحذير من أخبار القصاص والصالحين الذين يروون أخباراً
فى الترغيب والترهيب ، عن عاصم لاتجالسوا القصاص. وعن يحيى بن سعيد
القطان لم نر فى الصالحين شيئاً أكذب منهم فى الحديث. وفى رواية لم نرأهل
الخبر فى شىء أكذب منهم فى الحديث ، يعنى أنه يجرى الكذب على لسانهم.
ولا يتعمدون الكذب .

- ٣٧٥ -
ووجه ذلك الرأى، أن هذا الدين لا يؤخذ فيه إلا بكتاب أو سنة ثابتة
والأخبار الضعيفة ليست سنة ثابتة، والأخذ بها زيادة فى الدين بغير علم
وحجة، بل الأخذ بها يدخل فى ضمن المنهى عنه فى قوله تعالى: ((ولا تقف
ما ليس لك به علم ، والأخذ بها أخذ بأقوال الفسان ، ومن لا يحسنون النقل
فى الدين ، وذلك كله لا يجوز وإنه خير للرجل أن يقول برأيه فى أمرلا نص
فيه، وإن أخطأ خطؤه منسوب إليه من أن ينسب إلى الرسول ما لم يثبت
أنه قال، ولأجل هذا لم يأخذ أولئك بحديث ضعيف قط، إلا إذا روى
من وجوه كثيرة، وارتفع إلى مرتبة الحسن .
١٢٧ - (الرأى الثانى) أنه يعمل به فى الفضائل، وبنسب هذا القول
إلى طائفة من علماء الفقه والأثر، فابن عبد البر يقول: ((أحاديث الفضائل
لا يحتاج فيها إلى ما يحتج به ، وقال الحاكم: « سمعت أبا زكريا العنبرى يقول:
« الخبر إذا لم يحرم حلالا، ولم يحل حراما، ولم يوجب حكما، وكان فى
· ترغيب أو ترهيب أغمض عنه وتسوهل فى روايته ، وعن عبد الرحمن بن
مهدى كما أخرجه البيهقى: إذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم فى الحلال
والحرام والأحكام شددنا فى الأسانيد وانتقدنا فى الرجال ، وإذا روينا فى
الفضائل والعقاب سهلنا فى الأسانيد وتسامحنا فى الأحاديث ، وروى مثل
هذا عن أحمدبن حنبل رضى الله عنه فقد قال كما روى الميمونى عنه: الأحاديث
الرقائق يحتمل أن يتساهل فيها ، حتى يجىء شیء فيه حكم ، وقد روى عنه
أنه قال فى سيرة ابن إسحق: ابن إسحق رجل يكتب الأحاديث ( أى فى
المغازى ونحوها ) وإذا جاء الحلال والحرام أرونا قوماً هكذا ، وقبض
أصابعه الأربعة ، إشارة إلى القوة فى الوثوق .
وإن هذا الكلام يدل بنصوصه على أمرين :
( أحدهما) أن من كبار العلماء من يتساهل فى قبول أخبار الضعاف ،

- ٢٧٦ -
إذا كانت فى ترغيب أو ترهيب، وعندى فى هذا الأمر أنهم قصدوا
قبول معانى هذه الأحاديث فأمر صحيح، ولكنه لاجدوى فيه ، لأنها تأتى
فى فضائل مقررة بالأحكام العامة فى الإسلام. فلا جدوى فى قبول الأحاديث
لأن هذه الأمور ثابتة من غير طريقها ، ولا تحتاج إلى تقريرها ، وإن
قصدوا الحكم بصحة النسبة إلى الرسول فإن ذلك حكم بأن الرسول قال ،
مع أنه لم يأت بسند صحيح نسبة القول إليه، وإن كلامهم إن حملناه على
وجه يقبل نقول إنهم لم يتشددوا فى تحرى النسبة إلا عند التحليل والتحريم
حيث تكون الثمرة تكليفاً فيه طلب أو منع أو إباحة ، وذلك أخطر من
مجرد النسبة .
(وثانى الأمرين) اللذين قدل علهما النقول السابقة أن أحمد بن حنبل
كان يتساهل فى الرواية إذا لم تكن فى تحليل أو تحريم وأنه يشدد إذا كانت
ذلك ، وإن هذا ينتهى إلى أن أحمد كان يقبل الضعاف فقط فى الفضائل
والمغازى والترغيب والترهيب، وأما التحليل والتحريم، فإنه لا يقبل إلا
ما يكون من ثقة مقبول ، لاسبيل إلى رد روايته. ولكن نقل عنه الأخذ
بالضعاف إذا لم يكن ما يعتمد عليه إلا الرأى أو قبل خبر ضعيف ، فيختار
الثانى حتى لا يقول فى دين الله برأى نفسه .
١٢٨ - (الرأى الثالث) هو العمل بالضعيف إذا لم يكن فى الباب
حديث صحيح أو حسن، وعزى ذلك القول إلى أبى داود ، وهو قول
أحمد بن حنبل رضى الله عنه، ولكن ذلك إذا لم يكن ثمة فتوى صحابى ،
فإن فتوى الصحابى تقدم عليه ، وسنقرر ذلك قريباً .
ولقد شرط الحافظ بن حجر ثلاثة شروط للأخذ بالضعيف عند من
يأخذون ، وذلك الشروط الثلاثة هى :
2 (١) أن يكون الضعف غير شديد فيخرج من انفرد من الكاذبين

-٢٧٧ -
والمتهمين بالكذب ، ومن خش غلطه ، ولقد قال بعض العلماء إن ذلك
الشرط متفق عليه .
(٢) أن يندرج تحت أصل معمول به ، بحيث لا يكون العمل به غريباً
عن قواعد الإسلام المعروفة الثابتة المقررة .
(٣) ألا يعتقد عند العمل به ثبوته ، بل يعتقد الاحتياط، أى أنه
يأخذ به، لأنه لا يريد أن يتهجم على الدين برأيه ويأخذ بالخبر ، لا على أنه
حديث صحيح النسبة ، بل على احتمال صحة النسبة .
١١٩ - هذه هى الأقوال الثلاثة فى العمل بالحديث الضعيف، وأحمد
من الذين يأخذون بالحديث الضعيف ويقدمونه على الرأى ، وقد نقلنا لك
فى صدر كلامنا فى أصوله عن ابن القيم ما يؤيد ذلك ، ولكنه لا يجعل
الحديث الضعيف فى مرتبة الصحيح ، بل يؤخره عن فتوى الصحابى كمابينا.
ولقد نصح أحمد بذلك فى رواية ابنه عبد الله؛ فقد روى عنه أنه قال:
لاتكاد ترى أحداً ينظر فى الرأى إلا وفى قلبه غل ، والحديث الضعيف
أحب إلى من الرأى وقال عبد الله: سألته عن الرجل يكون بيلد لا يجد فيه
إلا صاحب حدیث لايدرى صحيحه من سقيمه ، وصاحب رأى فمن يسأل ؟
قال يسأ صاحب الحديث ، ولا يسأل صاحب الرأى .
ولقد ذكر ابن الجوزى أن أحمد كان يقدم الحديث الضعيف على القياس،
ولقد روى عنه أنه قال لا بنه عبد الله: يابنى لا أخالف ماضعف من الحديث
إذا لم يكن فى الباب شىء يدفعه )).
ولقدقررنا أن مسند أحمدرضى الله عنه كما قرر أهل الخبرة فيه الضعيف ،
لأنه كان يريد أن يكون جامعاً لكل ما روى عند أهل عصره، وبجرى على
ألسنة الرواة من معاصريه ، فكان يجمع كل ما يتلقاه عنهم، ولا يرد إلا
ما يثبت لديه أن هناك ما يخالفه ، ويكون أقوى منه من حيث الثقة وعدد

- ٢٧٨ -
الرواة، واشتهارهم بالصدق، فهو لا يرد شيئاً مما أخذ إلا إذا كان فى الباب
شیء يدفعه ، كما نقله عنه ابنه عبد الله .
١٣٠ - ولنا أن نأخذ شاهداً لهذا القول من المسند نفسه، وإنك
تفتح أى جزء من أجزائه ، وأى مسند لواحد من الصحابة تجد بعض
الضعيف المروى ، دع المنقطع الذى يكون المذكورون من سنده ثقات ،
كمرسل سعيد بن المسيب وغيره، ولكن اتجه إلى المروى بسند فيه بعض
الضعفاء، سواء أكان متصلا أم منقطعاً، ولنضرب لذلك أمثلة ثلاثة ، فتحنا
مسند عمر فوجدناها فيها ، ووجدنا غيرها مما يشابها ؛ وليس أمراً نادراً ،
وهذه الأمثلة هى :
(١) أنه يروى عن أبى اليمان الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر عن
عبد الله عن راشد بن سعد عن حمزة بن عبد كلال قال :
« سارع عمر بن الخطاب إلى الشام بعد سيره الأول ، كان إليها ، حتى
إذا شارفها بلغه ، ومن معه أن الطاعون فاش فيها ، فقال له أصحابه ارجع ،
ولا تقحم عليه ، فلو نزلتها ، وهو بها لم تر لك الشخوص عنها ، فانصرف
راجعاً إلى المدينة ، فعرس من ليلته تلك، وأنا أقرب القوم منه، فلما انبعث
انبعثت معه فى أثره ، فسمعته يقول ردونى عن الشام بعد أن شارفت عليه،
لأن الطاعون فيه ، وما منصر فى عنه مؤخراً فى أجلى ، وما كان قدوميه
معجلى عن أجلى ، ألا لو قدمت المدينة ، ففرغت من حاجات لا بدلى منها
سرت، حتى أدخل الشام، ثم أنزل حمص ، فإنى سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول : ليبعثن الله منها يوم القيامة سبعين ألفاً، لا حساب ولا
عذاب عليهم، مبعثهم فيما بين الزيتون ، وحائطها فى البرث الأحمر (١).
(١) البرث الأرض اللينة، وقد قال ابن الأثير: ((يريد بها أرضا قريبة من حمص قتل
بها جماعة من الشهداء والصالحين» .

- ٢٧٩ -
فهذا الخبر قال أهل الخبرة بالحديث إنه ضعيف ، لأن بعض رجال
سنده ضعيف، وهو أبو بكر بن عبد الله بن أبى مريم(١) فهو من الضعفاء.
(ب) حديث أبى داود الطيالسى ، إذ قال : حدثنا أبو عوانة عن داود
الأودى عن عبد الرحمن المسلى عن الأشعث بن قيس قال : ضفت عمر ،
فتناول امرأته فضربها ، وقال يا أشعث احفظ عنى ثلاثاً حفظتهن عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم .
(( لا تسل الرجل فيما ضرب امرأته ، ولا تتم إلا على وتر ،
ونسيت الثالثة » .
وقد قال المحدثون إن إسناده ضعيف ، لأن فيه دواد بن يزيد الأودى،
ليس بقوى، ويتكلمون فيه، وعبد الرحمن المسلى ذكر أنه من الضعفاء .
(جـ) حديث أبى سعيد، عن عبد العزيز بن محمد ، عن صالح بن محمد
ابن زائدة ، عن سالم بن عبد الله، أنه كان مع مسلمة بن عبد الملك فى أرض
الروم، فوجد فى متاع رجل غلولا ، فسأل سالم بن عبد الله ، فقال حدثتی
عبد الله عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من وجدتم فى
متاعه غلولا فأحرقوه، قال وأحبسه قال واضربوه قال فأخرج متاعه فى
السوق، قال فوجد مصحفاً، فسأل سالماً. فقال بعه. وتصدق بثمنه(٢).
وفيه صالح بن زائدة ، وقد قال فيه البخارى ((منكر الحديث)).
ـت
وهكذا نجد فيه بعضاً من الأحاديث التى حكم الخبراء فى هذا الفن أو
- العلم بأنها أحاديث ضعيفة، وإن كان بعض العلماء يحسنون بعضها ، أو
وجد ما يعاضد هذه الأحاديث ، ويرفعها إلى مرتبة الحسن .
(١) راجع المسند بتحقيق الأستاذ شاكر .
(٢) الفلول هو الخيانة أو السرقة من الغنائم.

= ٢٨٠ -
١٣١ - أحمد رضى الله عنه يأخذ بالأحاديث الضعيفة، ويظهر أنه
يتقيد فى الأخذ بالشروط التى ذكرها العلماء الذين قرروا الأخذ بهذه
الأحاديث ، وهى ألا يكون الضعيف الذى كان راويه فى الحديث ، من
يتعمد الكذب ، وأن يرجع الحديث إلى أصل عام ، وألا يعتقد ثبوت
الحديث ، بل يعمل به للاحتياط .
:
فقد رأيناه رضى الله عنه يذكر الضعيف، ويقرر أن العمل به أحب
ليحتاط فى دينه للرأى، ووجدنا الضعفاء الذين كانوا فى إسناد رواياته لم
يكونوا ممن يتعمدون الكذب ، بل منهم من زكاه بعض العلماء ، ومنهم من
تتقوى روايته بأسناد أخرى، وإن بعضهم كان ضعفه بسبب قلة ضبطه ،
ولم يكن متهماً قط فى روايته بل لقد يقرر ابن تيمية أن الحديث الضعيف
فى نظر أحمد ، والذى يقبله هو من قبيل الضعيف الذى يرتفع إلى مرتبة
الحسن ، وأن أحمد كان يعتبر الضعيف قسيم الصحيح، ولا يعتبر الحسن
إلا ضعيفاً، ويقبله بهذا الاسم ، ويقول فى ذلك :
وأما قولنا أن الحديث الضعيف خير مر الرأى ، ليس المراد به
الضعيف المتروك، لكن المراد به الحسن ، وكان الحديث فى اصطلاح من
قبل الترمذى إما صحيح ، وإما ضعيف ، والضعيف نوعان ضعيف متروك،
وضعيف ليس بمتروك فتكلم أئمة الحديث بذلك نجاء من لا يعرف
إلا اصطلاح الترمذى، فسمع قول بعض الأئمة: «الحديث الضعيف أحب
إلىّ من القياس ، فظن أنه يحتج بالحديث الذى يضعفه مثل الترمذى، وأخذ
يرجح طريقة من يرى أنه اقبع للحديث الصحيح)).
وترى من هذا أن ابن تيمية يرى أن ما يسمى ضعيفاً ، ويقبله أحمد
هو من القسم المسمى بالحسن، ولكن الأحاديث التى ذكر ناها ، وهى
من المسند لم تكن مما حكم عليه المحدثون بأنه من قبيل الحسن ، بل هى من