Indexed OCR Text
Pages 241-260
- ٢٤١ - ١ - الكتاب ٩٨ - القرآن الكريم هو عمود هذه الشريعة، وأصلها، وينبوعها الأول وبه التعريف العام لها ، وفيه قواعدها والأحكام التى لا تتغير بتغير الأزمة، والأمكنة، والتى تعم بأحكامها الناس جميعاً، ولا تخص فريقا دون فريق وبه الأحكام الكلية وبيان العقيدة الإسلامية الصحيحة ، وفيه الحجة القائمة على صحة هذا الدين المنين . ولأنه الينبوع الأول للشريعة الإسلامية عى العلماء قديماً بدراسته ، وطرق استخراج الأحكام من عباراته وإشاراته وظاهره ونصه ؛ كما اجتهدوا فى طريقة تأويل متشابهة، وتفصيل مجمله ، وتبين ماعساه يحتاج إلى بيان منها ، وبيان عامه وخاصه، وناسخه ومنسوخه ، وطريق نسخه ، وكيف يكون إن وقع، وقد اختلف العلماء تحت ظله فى هذا ، واتفقوا جميعاً على أنه المصدر الأول لكل شرائع الإسلام، لايختلفون فى ذلك، ثم لقد اختلفوا فى مقام السنة بجواره ، أتأتى بأحكام زائدة عليه أم كل ما تأتى به مرده إليه . وقد خضنا فى شرح فقه الأئمة الثلاثة أبى حنيفة ومالك والشافعى فى شىء من هذا. ووضحنا رأى أولئك الأئمة وأتباعهم فى هذه الأمور، وأجملنا فى ذلك ما وجدنا الإجمال فيه شافياً، وفصلنا ما وجدنا الحاجة إلى بيانه ماسة، واقتضى المقام فيه الإطناب فيه بدل الإيجاز. ٩٩ - ولا نريد أن نخوض فيما خضنا فيه، وخصوصاً أن أحمد رضى الله عنه لم يؤثر عنه فى هذا قول ، ولم ينسب إليه أصحابه فى هذا نظر والخوض فيه إعادة - لما قلنا، والبدء أولى من الإعادة. ولكن أمراً من الأمور يجب أن نتكلم فيه بشىء من الوضوح، وهو (١٦٢ - ابن حنبل) -٢٤٢ - موضح لنظر أحمد، وقد أجملناه فمامضى، لأن الإجمال فيه كان كافياً ، وهنا لا يكفى فيه الإجمالى ، لأنه يتصل بلب الفقه الحنبلى، ولأحمد فيه كلام منسوب إليه، ذلك الأمر هو مرتبة السنة من القرآن ، أهى متأخرة عنه ، أم مساوية له فى استنباط الأحكام، لا يقول أحد من العلماء إن السنة فى مقام القرآن من حيث الاءبار، بل العلماء مجمعون على أنها متأخرة عنه فى الاعتبار، لأنه حجة الإسلام الأولى، والنبوع الأول ، ولأن الاحتجاج بها ثبت منه لقول الله تعالى: ((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ولقوله تعالى ((وما آتاكم الرسول :فذوه، وما نها كم عنه فانتهوا، ولقوله تعالى ((من يطع الرسول فقد أطاع الله)) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على حجية السنة، وإذا كان اعتبار السنة حجة قد ثبت بالقرآن ، فهى بلا ريب متأخرة عنه فى الاعتبار، إذ لولا القرآن ما اعتبرت حجة . فكون السنة متأخرة عن القرآن اعتباراً واستدلالا أمر لا مرية فيه ولا اختلاف عند أهل النظر، وإنما موضع النظر هو فى كون استخراج الأحكام من القرآن لا بد فيه من السنة ، إذ هى بيانه، وأنه مزحيث دلالته على ما فيه من أحكام ، تعتبر هى المبينة له، لقوله تعالى: (« إنا أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)). لقد وجدنا الحنفية والمالكية يستخرجون الأحكام من الكتاب، ويعرضون آحاد الأحاديث على الكتاب. فما كان منها متفقاً مع الكتاب قبلوه، وما لا يتفق مع الكتاب، أو يخص عامه ردوه، يفعل الحنفية ذلك، ويقع من المالكية ذلك أحياناً كما كان منهم إذردوا حديث ولوغ الكلب فى الإناء لمعارضته لظاهر القرآن، وغير ذلك . ووجدنا الشافعية يجعلون السنة بياناً للقرآن ، فيما كان ظاهر القرآن مخالفاً لسنة لا ترد السنة، بل تخصص ظاهر القرآن ، ويفهم القرآن عن - ٢٤٣ - طريقها، وهى بيانه المبين، ومفسره ، حتى لقد عبر بعض الفقهاء عن هذا المعنى بأن السنة حاكمة على القرآن ، من حيث إنها طريق تفسيره ، والسبيل لبيانه، وإنها تفصل مجمله ، وتبين الناسخ من المنسوخ من القرآن ، وتقيد المطلق، وهكذا؛ ولذا يجعلهما الشافعى فى الاستدلال فى مرتبة واحدة، لأن الثانية مبينة الأول ، وإن كان الاعتبار الأول للقرآن ونسارع ، فنقرر أن أحمد ابن حنبل ينظر ذلك النظر ، وأن ابن القيم كان صادقاً تمام الصدق فى ذكر استنباط أحمد رضى الله عنه عندما قرر أن الأصل الأول هو النصوص، ولم يقدم نصوص القرآن على نصوص السنة فى البيان الأحكام ، وإن كانت مقدمة فى الاعتبار والاستدلال كما ذكرنا . ولأن ذلك النظر من لب النظر الحنبلى يوضح القول فيه ويفصله . ١٠٠ - لقد شدد أحمد رضى الله عنه فى اعتبار السنة النبوية مفسرة تفسيراً صحيحاً للقرآن الكريم، ولم يفرض أن يقع تعارض بين ظاهر القرآن والسنة ، لأن ظاهر القرآن يحمل على ما جاءت به السنة ، فهى مبينة، وهى الحاكم المفسر لما اشتمل عليه من فقه وأحكام ، ولقد ألف كتاباً فى الرد على من أخذ بظاهر القرآن، وترك السنة، ولقد جاء فى مقدمة كتابه هذا ما نصه : ((إن الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه بعث محمداً بالهدى، ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون ، وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه، وجعل رسول اللّه على ما أراد من ظاهره وباطنه ، وخاصه وعامه ، وناسخه ومنسوخه ، وما قصد له الكتاب ، فكان رسول اللّه هو المعبر عن كتاب الله الدال على معانيه، شاهده فى ذلك أصحابه الذين ارتضاه الله لنبيه، واصطفاه له، ونقلوا ذلك عنه ، فكانوا أعلم الناس برسول الله لتم، وبما أراد الله من كتابه بمشاهدتهم وما قصد له الكتاب فكانواهم المعبرين عن ذلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . - ٢٤٤ - ثم ساق أحمد بعد ذلك آيات كريمات كثيرة تدل على وجوب إطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويرد على من يقدمون ظاهر القرآن على السنة. ١٠١ - وإن هذا الكلام يدل على ثلاثة أمور: أحدهما: أن ظاهر القرآن لا يقدم على السنة ، وذلك صريح قوله . وثانيهما: أن رسول الله عَ الفن هو الذى يفسر القرآن، وليس لأحد أن يتأول فيه أو يفسره ، لأن السنة وحدها بيانه، فلا يطلب البيان من غير طريقها . وثالثها : أن الصحابة هم الذين يفسرون القرآن، إذا لم يكن ثمة أثر عن النبى صلى الله عليه وسلم، لأنهم هم الذين شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل، وعرفوا سنة محمد صلى الله عليه وسلم فتفسيرهم من السنة . ولقد صرح بأنه لا تفسير إلا من أثر - ابن تيمية فى رسالته التى كتبها فى التفسير، بل لقد صرح بأنه إذا لم يكن عن الصحابة فى الآية تفسير أخذ بتفسير التابعين على بعض الآراء . ولذلك قال : إذا لم تجد التفسير فى القرآن، ولا وجدته عن الصحابة ، فقد رجع كثير من الأئمة فى ذلك إلى التابعين. وقال شعبة وغيره: ((أقوال التابعين فى الفروع ليست حجة ، فكيف تكون حجة فى التفسير ، يعنى أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم ، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشىء فلا يرتاب فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم على بعض وعلى من بعدهم حجة ويرجع فى ذلك إلى لغة القرآن أو السنة، أو عموم لغة العرب ، أو أقوال الصحابة فى ذلك(١). ولقد يستنكر ابن تيمية أن يفسر القرآن بالرأى، كما كان يفعل الزخشرى وغيره، وإن هذا الاستنكار لا موضع له إذا لم يكن فى الآية سنة، ولا (١) رسالة مطبوعة بعنوان مقدمة فى أصول التفسير. - ٢٤٥ - تفسير صحابى، لأن ذلك القول يؤدى إلى ألا يفهم القرآن ، أو يمنع الناس على تفهمه فيستغلق عليهم، وهذا مناف لما وصف الله تعالى به كتابه من أنه كتاب مبين، أى بين واضح، ولقد قرر جواز تفسير القرآن بالرأى علماء كثيرون متازون ، منهم حجة الإسلام الغزالى وغيره ، ولكن الشرط ألا يخرج القرآن تخريجاً مذهبياً بأن يحاول المفسر حمل الكلام بطريق من التكلف على مقتضى مذهبه فى أصول الدين أو الفروع كما كان يفعل الزمخشرى أحياناً فى تفسير بعض الآيات التى تمس عن قرب أو بعد مسائل تتصل ببعض مسائل تتصل بآراء للمعتزلة . ١٠٢ - هذه استطرادة جرنا إليها وقوف الإمام أحمد بن حنبل فى فهم القرآن عند نصوص مأثورة عن السلف إن لم يكن عن النبى صلى الله عليه وسلم شىء . وإنه إذ يقرر ذلك لا يرى أن ظواهر القرآن ترد السنة، بل إن السنة هى التى تعين دلالتها ، فلا يمكن أن ترد السنة لمعارضة عموم القرآن لها، بل يحمل عام القرآن على خاص السنة، ومطلقه على مقيدها، ومجمله على مفصلها. ولقد قسم ابن القيم السنة بالنسبة للقرآن ، إلى ثلاثة أقسام ، وقال فى ذلك، ((السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: (أحدها) أن تكون موافقة له من كل وجه فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها . ( الثانى) أن تكون بياناً لما أريد بالقرآن، وتفسيراً له. ( الثالث) أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرمة لما سكت عن تحريمه، ولا تخرج عن هذه الأقسام. فلا تعارض القرآن بوجه ما، فما كان منها زائداً على القرآن فهو تشريع مبتدأ عن النبى صلى الله عليه وسلم تجب طاعته، ولا تحل معصيته ؛ وليس هذا تقويمالها على كتاب الله، بل هو امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله، وكيف يمكن أحداً من أهل العلم ألا يقبل - ٢٤٦ - حديثاً زائداً على كتاب الله ، فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عمتها ، ولا على خالتها، ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب (١). ١٠٣ - وتنتهى من هذه النقول إلى أن الإمام أحمد رضى الله عنه والحنابلة من بعده لا يرون أن ظاهر القرآن لا يفسر إلا بالسنة لتعيين أحد الاحتمالين ، وإذا لم يكن فى موضوعه سنة مأثورة أخذ بظاهره، لأنه لا يوجد ما يتعارض مع ذلك الظاهر ، ولا يرجح أحد احتماليه . وإن من الظاهر لفظ العام ، فإن ألفاظ العموم كما يقول المالكية ظاهرها الدلالة على العموم ، ويفسر الكلام على ذلك الظاهر، إلا إذا وجدمن السنة ما يدل على الخصوص فإن العام يحمل عليه، وعلى ذلك فالسنة سواء أكانت أحاديث مستفيضة أم متواترة أم أكانت أحاديث آحاد ، فإنها تخص عام القرآن ، وتقيد مطلقه . وتفصل مجمله ، لأن ذلك بيان ، فلا يكون النعارض بين السنة والقرآن، حتى يقدم أقواها ثبوتاً ((وهو القرآن، على حديث الآحاد ، إذ لا تعارض حينئذ، بل بيان. من أجل هذا النظر اعتبرت السنة عند أحمد عاكمة على القرآن من حيث هى بيانه، ومقررة أحكامه ، ولقد فصل الشاطبى معنى قضاء السنة على الكتاب فقال: ((السنة عند العلماء قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة، لأن الكتاب يكون محتملالأمرينفأكثر، فتأتى السنة بتعيين أحدهما، فيرجع إلى السنة ، ويترك مقتضى الكتاب ، وأيضاً فقد يكون ظاهر الكتاب أمراً فتأتى السنة ، فتخرجه من ظاهره ... وحبك أنها تقيد مطلقه، وتخصص عمومه، وتحمله على غير ظاهره . فالقرآن آت بقطع اليد ، خصت السنة ذلك بسارق النصاب المحرز ، وآت بأخذ الزكاة (١) إعلام الموقعين = ٢ ص٢٣٢ - ٢٤٧ - من جميع المال ظاهراً، خصته بأموال مخصوصة، وقال تعالى: ((وأحل لكم ما وراء ذلكم، فأخرجت السنة من ذلك نكاح المرأة على عمتها أو خالتها (١). ١٠٤ - هذا مذهب أحمد رضى الله عنه فى القرآن الكريم ، لا يستقيه إلا من السنة، وهو مسلك الشافعى رضى الله عنه ، قد أثبته فى رسالته، ولعل ذلك النحو هو الذى أعجب به أحمد رضى الله عنه، عندما سمع الشافعى لأول مرة يلقى دروسه فى مكة ، فقد روى أن تلك الدروس كانت فى بيان الناسخ والمنسوخ ، وطرائق ذلك ، ولعل هذا إنما أعجب أحمد رضى الله عنه، لأنه يرضى فزعته الأثرية ، ويوافق ما فى نفسه من اعتبار السنة مفسرة هذا الدين ، ولعلنا لا نذهب بعيداً إذا استعنا فى توضيح المذهب الحنبلى فى هذا بما وضح به الشافعى رأيه؛ وهو فى نفس هذه الطريقة . لقد قسم الشافعى ما جاء فى القرآن إلى قسمين (أحدهما) لا يحتاج إلى بيان مثل آية اللعان ، فإن فيها البيان من حيث حقيقة اللعان وعدده، وموضعه، وإن لم تذكر النتائج المترتبة عليه، وقد بينتها السنة النبوية، ومنها آية الصوم ، فقد بينته السنة بيانا كاملا من حيث وقته وأعذاره ، وقد قررت السنة هذا البيان ثم ذكرت سائر الأحكام الخاصة بالصيام . القسم الثانى : من بيان القرآن ألا يكون البيان فيه على وجه الكمال ويحتاج إلى السنة ، وقد ضرب لهذا أمثلة ، نقسمها إلى ثلاث طوائف . أولاها : أن يكون الكلام محتملا احتمالين، فتعين السنة أحدهما، ومن ذلك قوله تعالى فى شأن المطلقة طلقة ثالثة ,فإن طلقها، فلا تحل له من بعد ، حتى تنكح زوجا غيره ، فاحتمل ذلك أن يتزوجها غيره ، ولو لم (١) = ٤ س٩ - ٢٤٨ - يدخل بها، وأن عقد النكاح كاف لإحلالها للأول، واحتمل ألا يحلها حتى يدخل بها، لأن اسم النكاح يقع بالإصابة، ويقع بالعقد، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة طلقت الثلاثة وتزوجها بعده رجل.ولاتحلين له، حتى تذوقى عسيلته، ويذوق عسيلتك، تعين أن الإحلال لا يكون إلا بنكاح حصل فيه دخول . الثانية : أن يكون القرآن مجملا فيذكر النبى صلى الله عليه وسلم المفصل، وكذلك شأن أكثر الفرائض، فالصلاة مفروضة فى القرآن إجمالا ، فى مثل قوله تعالى ((إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً، والزكاة مفروضة إجمالا فى قوله تعالى: ((خذ من أموالهم صدقة تطهرهم، وتزكيهم بها)) وكذلك الحج، وهكذا، ولقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد الصلوات ، وكيف تكون فى السفر؛ وفى الحضر. وكذلك الزكاة قدبينت السنة المقادير الواجبة فى كل نوع من أنواع الأموال ، وشروط هذا الوجوب ، وبينت السنة مناسك الحج ومواقيته، وما يتبع، فكانت السنة فى هذا تفسيراً للقرآن . الثالثة : بيان الخصوص فى العام، فإذا كان لفظ القرآن عاما، وجاء من السنة ما يدل على خصوصه ؛ كان ذلك الخصوص تفسيراً له، وبيان أنه أريد به الخاص، ومن عام القرآن الذى أريد به الخاص ، ودلت السنة على ذلك التخصيص قوله تعالى : ((والسارق والسارقة، فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله)) فهذه الآية الكريمة بعمومها تفيد أن من يسرق شيئا تقطع يده ، سواء أكان قليلا أم كثيراً، ومهما يكن نوع المسروق، ولكن سن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا قطع فى ثمر، ولا كثر (١)، وألا (١) الكثر بفتحتين جمار النخل . - ٢٤٩ - يقطع إلا من بلغت سرقته ربع دينار فصاعداً ، فكان لفظ القرآن عاما ، وظاهره الدلالة على العموم، وأريد الخصوص بتخصيص السنة، وهو أنه لاقطع إلا من سرقة محرز ، وبلغت سرقته ربع دينار . ومن العام الذى جاء فى القرآن وأريد به الخاص آلة المواريث، فقد قال تعالى (( يوصيكم الله فى أولادكم، للذكر مثل حظ الأنثيين؛ فإن كن نساء فوق اثنتين ، فلهن ثلثا ما ترك، وإن كانت واحدة فلها النصف ، ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك ، إن كان له ولد ، فإن لم يكن له ولدوورثه أبواه ، فلأمه الثلث، فإن كان له إخوة فلأمه السدس ، ثم قال تعالى (( ولكم نصف ماترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد، فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ، ولمن الربع ما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن ما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ، وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ، وله أخ أو أخت ، فلكل واحد منهما السدس ، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فى الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين ، غير مضار وصية من الله، والله عليم حليم)). وهذه الآيات بظاهر عمومها تفيد أن الوصية مقدمة على الميراث أباً كان مقدارها ، فجاءت السنة ، وبينت أن الوصية التى تقدم على الميراث هى الوصية التى لا تزيد عن الثلث ، فكانت الآيات بذلك مخصصة أريد بها كلها الخاص ، وإن كان اللفظ عاما . ١٠٥ - قد بينا فى هذا الجزء من بحثنا أن أحمد يجعل السنة مفرة لظاهر القرآن، وأنها مبينة لمعناه، وأن أحاديث الآحاد ترتفع إلى مرتبة تخصيص عام القرآن وإن ذلك فى الواقع قد يعد هو فيصل التفرقة بين الفقهاء الذين غلب عليهم الرأى، والفقهاء الذين غلب عليهم الأثر فإن الدين غلب - ٢٥٠ - عليهم الرأى لا يأخذون بأخبار الآحاد فى مقام تعرض له القرآن، ولو بصيغة العموم ، إذ يجعلون عمومات القرآن فى عمومها ، ولا يجعلون خبر الآحادفى مرتبة تخصيصها، أما الفقهاء الذين غلب عليهم الأثر فيخصصون عام القرآن بالخبر مطلقاً ، وقد وضح منزعهم الشافعى فى رسالته ، وأحمد فى كتابه الناسخ والمنسوخ ، وابن تيمية وابن القيم فيما كتبا من كتب تعرضت لذلك ، كمنهاج السنة لابن تيمية ، وإعلام الموقعين لابن القيم . وقد شرحنا ذلك من ناحية أصوله الفقهية فى كتاباتنافى الأئمة الثلاثة، رضوان الله تعالى عليهم. ولكن وقد بينا وجهة نظر فقهاء الأثر فما سقنا من بيان ، نشير إلى ما اعتمد عليه فقهاء الرأى من قول مأثور، ومنهاج مسلوك، نسبوه إلى الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عليهم . فقد قالوا فى تبرير ردهم الأحاديث بعموم القرآن : إن أبا بكر جمع الصحابة وأمرهم أن يردوا كل حديث مخالف للكتاب، وعمر رضى الله عنه رد حديث فاطمة بنت قيس فى المبتوتة أنها لا تستحق النفقة ، وقال لانترك كتاب الله بقول امرأة لا ندرى أصدقت أم كذبت (١. وردت عائشة تعذيب الميت ببكاء أهله ، وتلت قوله تعالى ( ولا تزر وازرة وزر أخرى » . ومن هذا نرى أن فقهاء الرأى الذين لا يقبلون الأحاديث إلا بعد عرضها على المحكم من كتاب الله سبحانه وتعالى الذى لا يحتاج إلى بيان، قد اعتمدوا فى منهجهم على الصحابة أبى بكر وعمر وعائشة، وغيرهم رضوان (١) وكتاب الله الذى يخالف الحديث هو ما جاء فى سورة الطلاق من وجوب نفقة المدة ويلاحظ أن أحد أخذ بحديث فاطمة هذه . - ٢٥١ - الله تعالى عليهم، وحاكوهم فى منهاجهم، ولم يبأعدوا عن سمتهم، فما كانوا مبتدعين ، ولكن كانوا متبعين . 5 ١٠٦ - وإذا وقد قررنا إجمالا طريقة أهل العراق وهو اعتمادهم على القرآن وظواهره ونصوصه أكثر من اعتمادهم على أخبار الآحاد، وأنهم لا يقبلون خبر الآحاد فى مقام بينه القرآن ، ولو بلفظ عام ، نذكر فى هذا المقام فقيها جليلا، يعد إماماً فى السنة ، وهو الإمام مالك رضى الله تعالى عنه، فقد قارب فقهاء العراق فى عرضهم أخبار الآحاد على الكتاب ، وهو بالنسبة لعام القرآن قارب العراقيين ، وإن لم يسلك كل مسلكهم. وذلك أن مالكا يختلف عن فقهاء العراق فى نظره إلى عام القرآن ، فيحكم بأن دلالته من قبيل الظاهر أى ظنية ويتفق معه فى ذلك الشافعى وأحمد، ولكنه لا يلبث حتى يفترق عنهما، لأنه لا يجعل حديث الآحاد مخمصا أو معارضا لعام القرآن فى كل الأحوال، بل وجدناه أحياناً يجعل له ذلك، وأحياناً يرده لعموم القرآن . فقد وجدنا إمام دار الهجرة بأخذ بالقرآن الكريم ، ولو كانت دلالته من قبيل الظاهر والعام، فقد رد خبر: (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذى مخلب من الطير، إذ مشهور مذهب مالك إباحة كل الطيور، ولو كانت ذات مخلب ، وأخذ فى ذلك بعموم قوله تعالى: (قل لا أجد فما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا، أولحم خنزير، وترك الحديث وضعفه لهذه المعارضة . أما حديث النهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، فقد أخذ به ، وحمله على الكراهة لا على التحريم ، فكانت الآية على ظاهرها ، وهذا ماذكره المالكية منسوبالمالك ، ولكن فى الموطأ تحريم كل ذي ناب من السباع أخذاً من صريح الحديث . - ٢٥٢ - وقد وجدناه أيضاً يحرم أكل الخيل لظاهر القرآن الكريم: (( والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، فلم يذكر طعامها، فكان ظاهر القرآن تحريمه ، وقد ورد صريح بعض الأحاديث يحللها . وقد قدم السنة على ظاهر القرآن الكريم فى الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها إذ قد جعل الحديث الوارد فى ذلك مخصصاً لعموم قوله تعالى : (( وأحل لكم ما وراء ذلكم،. فتبين من هذا أنه فى بعض الأحوال يجعل الحديث معارضاً لظاهر القرآن، وبخصصه، وفى بعضها يرد خبر الآحاد بظاهر القرآن؛ وقد اهتدى المالكية على ضوء الاستقرار إلى أن مالكا يقدم ظاهر القرآن على السنة وهو فى ذلك كأبى حنيفة إلا إذا عاضد السنة أمر آخر من قياس أو عمل أهل المدينة، فإنها فى هذه الحال تعتبر مخصصة لعموم القرآن ، أو مقيدة لإطلاقه ، فإذا عاضد السنة عمل أهل المدينة كما فى تحريم أكل كل ذى ذاب من السباع ، فإنه قد أخذ بالسنة فيه مع مخالفته لعموم القرآن لأن كل عمل أهل المدينة كان على ذلك، ولذا جاء فى الموطأ بعد حديث النهى عن أكل كل ذى ناب ((وهو الأمر عندنا)) وهذا يفيد أن أهل المدينة على ذلك . وكذلك الشأن فى حرمة الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها ، فإن الإجماع وفيه أهل المدينة قد انعقد على ذلك ، فكان مزكياً للسنة فكانت مخصصة لعموم آية: ((وأحل لكم ما وراء ذلكم)). وإذا لم تعاضد السنة بعمل لأهل المدينة، أو قياس ، فإن النصر يسير على ظاهره، ويرد خبر الآحاد الذى يعارض ذلك الظاهر، أما الحديث المتواتر أو المستفيض ، فإنه يرتفع إلى مرتبة نسخ القرآن فبالأولى يرتفع - ٢٥٣ - إلى تخصيص عامه وتقييد مطلقه، وترجيح بعض الاحتمال فى ظاهره، وذلك إعمال للنصين ، وأخذ بهما . وقد وجدنا مالكا أخذ بظاهر القرآن ، وترك خبر الآحاد فى مسألة ولوغ الكلب فى الإناء، إذ رد خبر « إذا ولغ الكلب فى إناء أحدكم فليغسله سبعاً إحداهن بالتراب، لظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: ((وما علمتم من الجوارح مكلبين، إذ إباحة ما يصطاده تدل بظاهرها على طهارته ، فرد خبر الآحاد الذى يدل على نجاسته . هذا نظر مالك إلى عموم القرآن مع السنة ، وهو يتقارب مع فقهاء العراق ولا يبعد عنهم إلا قليلا . ١٠٧ - وهذه أنظار العلماء فى خبر الآحاد مع عموم القرآن ، ويرد الحنفية كل خبر آحاد يخص عموم القرآن ، إلا إذا خص العموم من قبل ، ويقاربهم مالك فيرده إن لم يعاضد بعمل أهل المدينة أو قياس، ويخالفهم الشافعى فيعتبر كل خبر صحيح مفسراً لعموم القرآن، ويخصه ، ويعتبر ذلك تفسيراً ، وبياناً لمراد الله سبحانه . وكذلك يعمل أحمد رضى الله عنه، ويسير على ذلك المنهاج الذى وضحه الشافعى ، ولقد قال ابن القيم فى مناصرة رأى أحمد والشافعى . « لو ساغ رد سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فهمه الرجل من ظاهر الكتاب لردت بذلك أكثر السنن، وبطلت بالكلية، فما من أحد يحتج عليه بسنة صحيحة تخالف مذهبه ونحلته إلا يمكنه أن يتشبث بعموم آية أو إطلاقها، ويقول هذه السنة مخالفة لهذا العموم، أو هذا الإطلاق، فلا يقبل ، وهؤلاء الروافض ردوا حديث : (نحن معاشر الأنبياء لانورث)) بعموم آية ((يوصيكم الله فى أولادكم -- ٢٥٤ - للذكر مثل حظ الأنثيين ، وما من أحد رد سنة بما فهمه من القرآن إلا وقد قبل اضعافها مع كونها كذلك .. هذا كلام ابن القيم فى مناصرة طريقة الإمام أحمد فى قبول كل سنة صحيحة ، وعدم عرضها على الكتاب قبل قبولها، بل يؤخذبها ، وتعتبر مفسرة للقرآن إن كان يحتاج إلى تفسير، ومؤولة له ، إذا كانت معارضة له فى الظاهر، فالسنة حاكمة باعتبار قيامها مقام المفسر، وإن كانت فى الاعتبار قالية للقرآن الكريم. ولننتقل إلى الكلام فيها . -- ٢٥٥ - ٢ - السنة ١٠٨ - هذا هو الأصل الثانى من أصول الأمام أحمد، وبعبارة أدق هذا هو الشطر الثانى من الأصل الأول عند ذلك الإمام ، فقد علمت أن ابن القيم عندما حكى أصول أحمد اعتبر النصوص الصحيحة المسندة أصلا واحداً، فجعل الكتاب والسنة الصحيحة المتصلة أصلا واحداً ، وقد تبينت حكمة ذلك من البيان الذى قدمناه ، إذ السنة بيان القرآن ، فكانت متممة له، ولا يفرض تعارض بينهما، لأنها مفسرة له ومؤولة إذا تعارض ظاهره معها. وإن هذا لا يتنافى مع جعل القرآن الأصل الأول فى الاعتبار ، لأنه المهين لمقدار الاحتجاج فى السنة ، والأصل الذى تقوم عليه الشرائع الثابتة بها؛ والتقدم فى الاعتبار لا ينافى التلاقى بينهما فى بيان أحكام الشريعة من غير تعارض . ولقد وضح الشاطبى تقديم القرآن فى الاعتبار على السنة فقال : ((رتبة السنة التأخر عن الكتاب فى الاعتبار، والدليل على ذلك أمور: (أحدما ) أن الكتاب مقطوع به، والسنة مظنونة ، والقطع فيها إنما يصح فى الجملة لا فى التفصيل، بخلاف الكتاب فإنه مقطوع به فى الجملة والتفصيل، والمقطوع به مقدم على المظنون ، فلزم من ذلك تقديم الكتاب على السنة .. ( الثانى ) أن السنة إما بيان للكتاب أو زيادة عليه ، فإن كانت بياناً فهى ثان على المبين فى الاعتبار ، إذ يلزم من سقوط المبين سقوط البيان ، ولا يلزم من سقوط البيان سقوط المبين، وما شأنه هذا فهو أولى فى التقدم، وإن لم يكن بياناً ، فلا تعتبر زائدة، إلا بعدأن لم تكن فى الكتاب ، وذلك دليل على تقدم اعتبار الكتاب. - ٢٥٦ - (الثالث ) مادل على ذلك من الأخبار والآثار كحديث معاذديم تحكم؟ قال بكتاب الله. قال فإن لم تجد ؟ قال بسنة رسوله؟ قال فإن لم تجد ؟ قال أجتهد رأيي .. إلخ(١)). ١٠٩ - وتقدم الكتاب فى الاعتبار بهذا مع كونهما أصلا واحداً، وتقديم الكتاب فى الاستدلال كما جاء فى حديث معاذ إنما هو من قبيل تناول الأسهل الأقرب الثابت، فإن القرآن ثابت ثبوتاً لامجال للشك فيه، أما السنة فقبولها يحتاج إلى تحر واستيثاق، وقلق من مصادر مختلفة، حتى يصل بها إلى مرتبة التواتر، أو الشهرة والاستفاضة، أو الاكتفاء بمصدر واحد ، وتحرى أمانته، وصدقه فى النقل، وضبطه فيما ينقل ، ولا يصح الاتجاه إلى ذلك الأمر الذى يشق مادام فى القرآن حكم صريح، أما السنة الثابتة فإنها تدرس مع القرآن وعند تعرف الحكم منه يستعين بها فى ذلك ، فإنها البيان والشرح، والمكمل أو المفصل لشرائعه . ١١٠ - وإنه من الحق علينا ونحن ندرس إمام السنة فى دار السلام، والذى استمسك بها من وقت أن شدا فى طلب العلم إلى أن لقى ربه - أن تذكر فوق ما ذكرنا مقام السنة فى الفقه الحنبلى بجوار الكتاب بتفصيل قليل ؛ موضحين فى ذلك نظر أحمد الذى أجملناه آنفاً ، عند الكلام فى الكتاب، وعند موازنننا بينه وبين غيره فى معارضة السنة لظواهر القرآن؛ وتفسيرها له، أو تأويلها لظاهره. لقد قرر أحمد رضى الله عنه فى كلام كثير من المأثور عنه أن طلب علم الكتاب يكون عن طريق السنة، وأن طلب هذا الدين يكون عن طريق السنة وأن السبيل المعبد لطلب فقه الإسلام وشرائعه الحق يكون عن طريق السنة، وأن الذين يقتصرون على الكتاب من غير الاستعانة بالسنة فى بيانه، (١) الموافقات جـ ٤ ص ٧ - ٢٥٧ - وتعرف شرائعه يضلون سواء السبيل، ولا يهتدون إلى الحق القويم، وذلك لأمور كثيرة : أولها : أن نصوص القرآن الكريم واردة بوجوب طاعة الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، وليست طاعته إلا باتباع سنته، وإن الاحتكام إلى الرسول فى حياته وإلى المروى عنه بعد وفاته ، أمر ثابت فى الدين ولذلك قال الله تعالى: ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، وهذه الآية يقول الرواة إنها قد نزلت عندما قضى رسول الله صلى عليه وسلم للمزيد ابن العوام، إذ اختلف مع أنصارى أيهما يسقى أولا من شراح الحرة، فقد خاصم الأنصارى الزبير إلى رسول الله، وكانت أوض الزبير أقرب إلى إلى الماء، وأرض الأنصارى دونه، فقال التى مسلم: «اسق يازبير وأرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصارى وقال: ((أن كان ابن عمتك، فتلون وجه التى يُلِّ، وقال: «أسق يازبير، ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر، فطلب النبى ماتم من الزبير أولا التسامح مع جاره بأن يرسل الماء عندما تبتل أرضه، فلما لم يرض الأنصارى بيّن النى الحكم كاملا، وهو أن للأعلى حق حبس الماء عن الأسفل حتى يسقى سقياً تاماً ، ونزول الآية لهذايدل على وجوب الخضوع التام لحكم السنة . ولقد أمر الله تعالى بالحذر من مخالفة الرسول، فقال تعالى: ((وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول، واحذروا)) وقال تعالى ((وليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)، وقال تعالى ((وما آتاكم الرسول نفذوه وما نها كم عنه فانهوا،. فهذا كله يدل على وجوب طلب فقه هذا الدين من قبل السنة ، وطلب فقه القرآن من قبل السنة . الثانى: من الأدلة ما ورد من الأحاديث التى تثبت وجوب الأخذ بالسنة (م ١٧ - ابن حنبل) - ٢٥٨ - وعدم الاقتصار على الكتاب، فلقد روى أنه صلى الله عليه وسلم قال : (( يوشك أحدكم أن يقول: هذا كتاب الله، ما كان فيه من حلال أحالنا.، وما كان فيه من حرام حرمناه ، ألا من بلغه عنى حديث فكذب به ، فقد كذب ثلاثة ، الله ورسوله، والذی حدث به . وقال صلى الله عليه وسلم: ((يوشك رجل منكم متكئاً على أريكته يحدث بحديث عنى فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللتاه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذى حرم الله. وهكذا نجد النصوص الكثيرة الدالة على وجوب طلب شرائع هذا الدين من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الاقتصار على علم الكتاب بدع من القول لا يجدى فى الحق ولا يستطيع لمتفقه أن يأخذ به. الثالث: أن الأحكام الإسلامية الكثيرة التى أجمع المسلمون على كثير منها مأخوذ من السنة، أو الاعتماد الأكبر فيها كان على السنة ، فالتحريم بالرضاع، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها كانت من السنة، وأحكام الزكاة مفصلة والتى أجمع على أكثرها كانت من السنة ، وتفصيل مقادير الديات كانت من السنة وبيان أحكام السلم والحرب والمعاهدات والمهادنات، وعقود الذمة، ووجوب الوفاء ، وغير ذلك من السنة ، فمن لم يطلب الفقه من السنة، فقد ضيع على نفسه تسعة أعشار الفقه الإسلامى أو أكثر ، ومن حسب أن الاقتصار على الكتاب والرأى يؤدى إلى الفقه ، فقد ضل ضلالا مبيناً . ١١١ - لهذا اتجه أحمد فى طلب الدين إلى السنة، فمنها طلب علم الكتاب ومنها طلب سائر علوم الدين ، وفقه الإسلام وشرائعه. وإنه من المقرر أن السنة ليست مرتبة واحدة فى قوة سندها، بل هى فيه - ٢٥٩ - مراقب، ولذلك حق علينا أن نبين مراتبها ثم نذكر مقدار الاستدلال فى كل مرتبة والحكم عند تعارضها، وما يقرره أحمد فى ذلك وموافقته أو مخالفته لغيره من الأئمة يقسم الفقهاء وعلماء الأحاديث من حيث سندها إلى أربعة أقسام : أحاديث متواترة ، وأحاديث مشهورة أو مستفيضة، وأحاديث آحاد، وأحاديث غير متصلة بسند، بل منقطعة فى طبقة من طبقاتها . والأحاديث المتواترة هى التى تروى عن قوم لا يحصى عددهم، ولا يتوهم تواطؤهم على الكذب لكثرتهم وعدالتهم، وتباين أماكنهم، ويدوم هذا الحد فيكون آخره وأوسطه كطرفيه، وذلك مثل نقل الصلوات الخمس وأعداد الركعات ومقادير الزكوات، وما أشبه ذلك . ١١٢ - والأحاديث المتواترة بالمعنى موجودة بكثرة ومتفق عليها، أما الأحاديث المتواترة المروية بالنص فنادرة ، وليس العلماء متفقين على تواترها وقد أدعى التواثر باللفظ فى قوله صلى الله عليه وسلم من كذب على متعمداً فليقبوأ مقعده من النار . ومن الأحاديث المتواترة المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجر ته إلى الله ورسوله فهجر ته( إلی الله ورسوله ومن كانت هجر ته لدنیایصیها أو امرأة ينكحها، فهجرته لما هاجر إليه)). والحديث المتواتر يوجب العلم اليقينى، وقد قال الكثرة من العلماء، إن العلم الحادث من النواتر، كالعلم الناشىء من العيان. وقالت طائفة إن المتواتر من الأخبار يوجب علم طمأنينة لا يقين ، ومعنى الطمأنينة أن يحتمل الوهم أو الشك ، ولكن يكون الاحتمال من غير أصل يعتمد عليه ، بل مجرد احتمال عقلى من غير سند، وقد قال فى توجيه رأيهم إن المتواتر صار جمعاً بالآحاد، وخبر كل واحد محتمل للكذب حال الانفراد، وبانضمام المحتمل - ٢٩٠ - إلى المحتمل لا ينقطع الاحتمال إذ لو انقطع الاحتمال ، واستحال الكذب حال الاجتماع لانقلب الجائز متنعاً ، إذ ينقلب الكذب الذى كان جائزاً . مستحيلا، وذلك باطل، فما يؤدى إليه باطل وهو انقطاع الكذب . ولقد يؤدى هذا التفكير المنطقي الواقع العملى، فقد وجدنا جماعات تتفق على قبول أخبار غير صادقة ، وتتواتر بين جموعها، ويتلقاها الخلف عن السلف مع بطلانها وقيام الدليل على كذبها. وقد احتج الجمهور لقولهم، (وهو أن الخبر المتواتر يفيد العلم اليقيقى كالعلم بالعيان ) بأن الناس تواضعوا على ذلك بمقتضى فطرهم ، فإن الناس يعرفون آباءهم بالأخبار المتواترة كما يعرفون أبناءهم بالعيان ، ويعرفون بالتواتر نشأتهم صغاراً ثم صيرورتهم كباراً، كما يرون ذلك عياناً فى أولادهم، ويعرفون جهة الكعبة بالخبر المتواتر، كما يعرفون جهات منازلهم بالعيان. وقد أثبت التحقيق المنطقى صحة ما تواضع الناس عليه منذ القدم، وذلك لأن الناس خلقوا على مشارب متباينة ، وطبائع مختلفة لا يتفقون ، فإن أنفقوا فى خبر فإما عن سماع أو اختراع، واتفاقهم على الاختراع باطل، لآن كثرتهم وعدم إحصائهم تحميل اتفاقهم فيما يخترعون فلم يبق إلا أن الاتفاق كان مبنياً على السماع، وبذلك يثبت العلم قطعاً بالخبر المتواتر . والأحاديث المتواترة حجة بإجماع علماء المسلمين ، إلا من لا يؤبه بقوله من ينتحل اسم الإسلام ، كأولئك الذين حكى الشافعى فى كتاب الأم أنه ناقشهم فى إحدى مناظراته بالبصرة، وقد انقرضوا ، ولا أحد منهم بعد عصر الاجتهاد الفقهى . ١١٣ - والأحاديث المشهورة أو المستفيضة هى الأحاديث التى تكون الطبقة الأولى أو الثانية فيها آحاداً ، ثم تنتشر بعد ذلك ، وينقلها قوم لا يتوهم تواطؤهم على الكذب ، والطبقة الأولى هى الطبقة الصحابة،