Indexed OCR Text
Pages 41-60
عام - ٤١ - الفقير فى مجلس أعز منه فى مجلس أبى عبدالله. كان مائلا إليهم ، مقصراً عن أهل الدنيا، وكان فيه حلم ، ولم يكن بالعدول، بل كان كثير التواضع، تعلوه السكينة والوقار ، إذا جلس مجلسه بعد العصر، لا يتكلم حتى يسأل،(١). قرى من هذا النقل كيف كان لا يقول إلا إذا سئل ، حتى يكون البيان وقت الطلب ، ويظهر أنه لما كتب مسنده كان يمليه على أولاده وخاصة تلاميذه من غير طلب، بخلاف ما كان من الشأن لغيره، فإنه ما كان يذكر حديثاً حتى يسأل عنه . ويروى ابن الجوزى عن أبى حاتم الرازى فيقول (( أتيت أحمد بن حنبل فى أول ما التقيت به فى سنة ثلاث عشرة ومائتين ، وإذا هو قد أخرج معه إلى الصلاة، كتاب الأشربة، وكتاب الإيمان. فعلى، فلم يسأله أحد ، فرده إلى بيته، وأتيته يوماً آخر فإذا هو قد أخرج الكتابين، فظننت أنه يحتسب فى إخراج ذلك، لأن كتاب الإيمان أصل الدين . وكتاب الأشربة يفرق الناس عن الشر، فإن أصل كل شىء من السكر، (٢). وهذا النص يدل على أن أحمد كان يخرج إلى المسجد ومعه كتب يظن الناس يسألونه عن وضوح ما فيها من حديث، فهو يخرج كتاب الإيمان من الأحاديث لمظنة أن يسأله الناس عن أحاديث الإيمان فى وقت قد اضطربت فيه العقائد. وتعددت أسباب الزيع، ويخرج أيضاً كتاب الأشربة فى وقت كثرت فيه الأشربة المحرمة . وتعددت أنواعها. وخشى فيه أهل التقى أن يقعوا فى المحرم من حيث لا يشعرون . ويقعوا فى خبيث الشراب . من حيث يظنونه من طيبات ما أحل الله سبحانه . وهذه الأخبار كلها تنى عن أن أحمد رضى الله عنه ما كان يذكر حديثاً حتى يسأل عن موضوعه، وأنه لا يجيب إلا عن كتاب منقول، وإن كان الحافظ الثابت الثقة. بل الذى يجمع الرواة على أنه لم يكن فى عصره أحفظ منه وأثبت وأو ثق. (١) راجع ترجمة الذهبى لأحمد بن حنبل التى نقلت فى مقدمات طبع مكتبة المعارف المسند أحمد بتحقيق الأستاذ الشيخ أحمد شاكر . (٢) حلية الأولياء ج ٩ ص٠١٦٠ - ٤٢ - ولقد قال ولده عبد الله: ((ما رأيت أبى حدث من حفظه من غير كتاب. إلا بأقل من مائة حديث)) (١). ولقد كان يحث تلاميذه وأصحابه على ذلك ، وينهاهم أن يحدثوا من غير كتاب خشية أن يضلوا، يروى أن على بن المدينى كان لا يحدث إلا من كتاب، وقال: ((إن سيدى أحمد بن حنبل أمر نى ألاأحدث إلا من كتاب)). وابن المدينى الذى يحكى عن الإمام أحمد ذلك الأمرهو الذى يقول فيه: (((ليس فى أصحابنا أحفظ من أبى عبد الله)). ٤١ - وثالث الأمور التى كانت تلاحظ على مجالس أحمد بن حنبل فى دروسه أنها كانت من حيث موضوعها قسمين: (أحدهما) رواية الحديث ونقله: وهذه يمليها على تلاميذهمن كتاب، كما رأيت، ولا يعتمد على حفظه إلا نادراً. (وثانيهما) فتاويه الفقهية التى كان يضطر إلى استنباطها، وهذه لا يسمح لتلاميذه أن يدوفرها، ولا يسمح لهم أن ينقلوها عنه، إذ أنه ما كان يستجيز الندوين إلا لأحاديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: وبرى أن علم الدين وحده هو علم الكتاب والسنة، وأن من البدع تدوين آراء الناس فى الدين بجوار كتاب الله وسنة رسوله، وكان أبغض الأشياء إليه أن يرى كتاباً قددونت فيه فتوى له رضى الله عنه، وكان يكره من أصحابه أن ينقلوا عنه فتاويه ، وربما أفكر نسبتها إليه لأنه لم يحفظ ما قال ، ولم يقصد إلى حفظه ، لأن ذلك غير جائز فى نظره . لقد بلغه أن بعض تلاميذه روى عنه مسائل ونشرها بخراسان، فقال : , اشهدوا أنى رجعت عن ذلك كله، وجاء إليه رجل خراسانى يكتب فنظر فى كتاب من بينها، فوقع نظره، فوجد كلامه، فغضب ورمى الكتاب من يديه. ولم يكن ذلك بالنسبة لآرائه هو فقط ، بل بالنسبة لفقه غيره ، فلقد سأله رجل هل يكتب كتب الرأى ، فقال: (لا): قال السائل : فابن (١) غذاء الألباب س ١٥٩. -٤٣ ٠ المبارك كتبها قال أحمد: (( ابن المبارك لم ينزل من السماء، إنما أمرنا أن نأخذ العلم من فوق)، (١) وينهى المحدثين عن أن يكتبوا كتب الشافعى، وأبى ثور، مع أن الشافعى منزلته بمنزلة الأستاذ ، وله عنده المكان المكين ، ولكن أحمد الذى ينهى ذلك النهى جمعت كل الروايات عنه فى مجلدات ضخام ، وكان للناس فيما نظر نرجئه إلى الكلام فى رواية فقهه . ٤٢ - وقبل أن نترك الكلام فى درس أحمد : ونحن سرد مجرى حياته ، يجدر بنا أن نشير إلى أمر ذى بال هنا وهو أن أحمد رضى الله عنه كان يحيا وهو يطلب الحديث والفقه، ثم وهو يلقى الحديث والفقه إذا سئل عنهما - حياة سلفية خالصة، تجرد فيها من ملابسات العصر، ومناحراته، وما يجرى من منازلات فكرية وسياسية أو اجتماعية أو حربية، واختار أن يحلق بروحه فى جو الصحابة والصفوة من النابعين، ومن جاء بعدهم ، من نهج نهجهم، واختار سبيلهم . لذلك كان علمه وفقهه هو السنة وفقهها ، لا يخوض فى أمر، إلا إذا علم أن الصحابة خاضوافيه. فإن علم ذلك اتبع رأيهم، وففى غيره، وإن لم يعلم أن الصحابة خاضوا فى ذلك الأمر كف عنه، واستعصم متوقفاً حذراً ، فلا يقف ما ليس له به على، لأنه يعتقد أن الخروج عن تلك الجادة زيغ عن منها ج السلف، وإلحاد فى دين الله سبحانه وتعالى، لا يتكلف التعمق فى مسائل عقلية قد تكون متاهات العقل البشرى ، وإن خرج من وعثائها سالماً فقد جهد نفسه فى غير طائل، وشغل فكره فى غير جدوى ، ولها عن ذكر الله، وقسا قلبه، وصد نفسه عن سبيل العبادة. ٤٣ - ولماذا سلك أحمد ذلك المسلك؟ من أجل الإجابة عن هذا السؤال يجب أن تمس عصره ببعض البيان مساً رفيقاً مرجئين بيان ذلك العصر بياناً مناسباً إلى موضعه من بحثنا . إن عصر أحمد قد غلب فيه العنصر الفارسى العنصر العربى ، وسادت الحضارة الفارسية أو غير العربية بشكل عام - المجتمع الإسلامى، (١) راجع هذه النقول في المتاقب لابن الجوزى ص ١٩٢-٠١٩٣ - ٤٤ ٠ وماجت المدن الإسلامية بعناصر مختلفة من أمم متباينة الأرومة، وترجمت العلوم الفلسفية من اللغة السريانية واليونانية وغيرهما، وامتزجت مدنيات؛ وتصادمت حضارات . ومن طبيعة العصر الذى تكثر فيه المنازعات ويضطرم باحتكاك المدنيات المختلفة بعضها ببعض أن تظهر فيه آراء منحرفة، وأخلاق منحرفة، ويكثر الشذوذ الفكرى والشذوذ الاجتماعى ، حتى يصبح الشاذ هو الكثير، والغريب هو المألوف. ظهرت كل هذه الأمور فى العصر العباسى من وقت أن استقرت الأمور لهذه الدولة التى قامت على السيوف الفارسية ، ولكن المنصور حكمها بشكائم قوية ، فلم تستمكن ، فلما جاء المهدى ظهرت فتن هائجة ثائرة حاملة السيف، ولكنه استطاع أن يقمعها، وأراد الرشيد أن يغالب هذه المنازع، وقد تحوات إلى المجتمع الإسلامى تسرى فيه من غير حرب تحمل السيف ، فأدنى إليه الفقهاء والمحدثين ، وكان لهم فى دولته مكان الصدارة ، ولكن جاء المأمون وما تم له الأمر على أخيه الأمين إلا بنصرة الفرس - فقويت العناصر غير العربية واشتدت ، وكان الفلسفة والعلوم الجديدة فى المأمون أعظم ناصر. كثر الشطار والمفسدون وكثر المخربون فى المجتمع الإسلامى من وراء ستار، وكثرت الآراء الغريبة على العقل الإسلامى، فنهج السلفيون منهاجين مختلفين، فريق نهج منهاج المقاومة والمغالبة ، واختار أحمد أن يعيش فى وسط تلك المنازع غريباً عنها، محلقاً فى سماء السلف الصالح بروحه، حتى لقد وصفه بعض معاصريه بأنه تابعى كبير تخلف به الزمن . ٤٤ - إن أحمد رضى الله عنه قاطع الذين يخضعون فى غير ما أثر عن السلف مقاطعة تامة ، حتى أنه ما كان يستجير لنفسه الرد عليهم ، وكان على ذلك إلى أن مات . ولقد كتب رجل إليه يسأله عن مناظرة أهل الكلام، فكتب إليه أحمد رضى الله عنه الكتاب التالى: ((أحسن الله عاقبتك، الذى كنا نسمع، وأدركنا عليه من أدركنا، أنهم كانوا يكرهون الكلام، والجلوس مع أهل الزيغ، وإنما الأمر فى التسليم والانتهاء إلى ما فى كتاب الله، لا تعد ذلك، ولم يزل الناس يكرهون كل محدث، من وضع كتاب ، وجلوس مع مبتدع، ليردوا عليه بعض مايلبس عليه فى دينه)،(١). لقد كان أحمد ينهى الناس عن علم الكلام، وهو العلم الذي يتكلم فى العقائد · بطرق فلسفية، فكان يذم أهل الكلام، وإن أصابوا، وينهى عن تدقيق النظر فى أسماء الله تعالى وصفاته . وما كان ذلك النهى، إلا لأن هذا مسلك لم يسلكه السلف، ولأنه إن أدى إلى الصواب مرة فقديؤدى إلى الضلال ، وقديتيه العقل به فى متاهات لا جدوى عند النجاة منها، وفيها الضلال البعيد إن لم تكن النجاة . ٤٥ - انصرف أحمد إلى دراسة انصراف المؤمن المطمئن الذى يعيش فى جو المؤمنين، ويرفع نفسه إلى عصر الصحابة والتابعين، ويدعو تلاميذه إلى أن ينهجوانهجه، يدعوهم بالقول، ويدعوهم بالفعل، لقد كان هو مثالا صالحاً للرجل السلفى النقى، وكان فى ذلك يتهج منهاج من عاشوا فى مثل ماعاش، كسفيان الثورى ، وعبد الله بن المبارك وغيرهم من سنتكلم عنهم فى موضعهم من بحثنا إن شاء الله تعالى. ولقد كان يحق لذلك الورع التقى أن يعيش مطمئناً هادئاً قاراً فى بينه ومسجده لايزعجه مزعج، ولكن قدر لذلك الغدير الساكن المطمئن أن تلقى فيه الأحجار فنفسد عليه اطمئنانه، وتزعجه فى اعتقاده وإيمانه، قد قدر لذلك الإمام الجليل أن يمتحن أبلغ المحنة، وأن يكرث فى جسمه، وأن يهزاعتقاده هزاً عنيفاً، وأن يكوى جلده بالسياط ، وأن يساق مقيداً مغلولا يثقله الحديد، لا لشىء إلا لأنه لا يخوض فى أمر مما كان بخوض فيه المأمون والذين ارتضاهم صفوة له من العلماء، وإنا نفضل الكلام فى هذه المحنة فيما يلى : (١) ترجمة الحافظ الذهبي لأحمد المطبوعة فى مقدمة المسند طبع المعارف. -٤٩ - المحنة وأسبابها وأدوارها ٤٦ - سبب هذه المحنة دعوة المأمون للفقهاء والمحدثين أن يقولوا مقالته فى خلق القرآن فيقولوا إن القرآن مخلوق محدث ، كما يقول أصحابه من المعتزلة الذين اختار منهم وزراءه ، وصفوته الذين جعلهم بمنزلة نفسه، وجعل منهم شعاره ودثاره . ولا نفصل هنا رأى أحمد فى هذه القضية ، لأن رأيه قد اختلف فيه العلماء من بعده، فلنرجئه إلى موضعه من دراسة آرائه، وإنما الذى يتأكده العلماء أن أحمد لم يوافق المأمون فى رأيه، ولم ينطق بمثل مقالته، وأنه نزل به الأذى الشديد لذلك، وابتدأ فى عصر المأمون ، وتوالى عصر المعتصم والوائق بوصية من المأمون، واتباعاً لمسلكه، فلنكتف فى هذا الموضع ببيان هذه المحنة ، ثم بمخاطبة أحمد الولاة والخلفاء، لأننا الآن فى صددسرد أدو ار حیاته. ٤٧ - وإذا كان سبب المحنة هو أن المأمون أرادأن يحمل أحمد على أن يقول مقالته فى خلق القرآن ، فلنفصل بعض التفصيل قول المأمون هذا، ومن سبقه إليه من العلماء أو أصحاب الفرق . يروى أن أول من قال إن القرآن مخلوق الجعد بن درهم فى العصر الأموى ، فقتله خالد بن عبد الله القسرى يوم الأضحى بالكوفة، وقدأتى به مشدوداً فى الوثائق عند صلاة العيد ، فصلى خالد ، وخطب، ثم قال فى آخر خطبته : اذهبوا ، وضحوا بضحاياكم ، تقبل ، فإنى أريد أن أضحى بالجعد ابن درهم ، فإنه يقول ما كلم الله موسى تكليماً، ولا اتخذ الله إبراهيم خليلا، تعالى الله عما يقول علواً كبيرا (١)، ثم نزل وقتله. وقال مثل ذلك القول الجهم بن صفوان، وقد نفى صفة الكلام عن الله سبحانه وتعالى، تنزيهاً له عن الحوادث وصفاتها، وحكم بذلك بأن القرآن مخلوق ، وليس بقديم . (١) شرح العيون ص ١٨٦. - ٤٧ - ولما جاء المعتزلة، ونفوا صفات المعانى، ثم بالغوا، فأنكر وا أن يكون الله سبحانه وتعالى متكلماً، وماورد فى القرآن من أن الله سبحانه وتعالى كلام موسى تكليما أولوه بأنه سبحانه وتعالى خلق الكلام فى الشجرة ، فهم لا يصفون اللّه بأنه متكلم ولكنهم يعتقدون أن الله سبحانه وتعالى يخلق الكلام، كما يخلق كل شىء، وعلى هذا الاعتقاد بنوا دعواهم أن القرآن مخلوق لله سبحانه وتعالى . ولقد خاض المعتزلة فى حديث خلق القرآن خوضاً شديداً فى العصر العباسى ، وشاركهم بعض قليل من الفقهاء، فقد كان بشر بن غياث المربى من المصرين على ذلك القول، وقد نهاه أبو يوسف أستاذه وصاحب أبى حنيفة فلم ينته ، فطرده من مجلسه . ولقدا بتدأخرض المعتزلة بشتد فى عهد الرشيد ، فأخذوا يدعون الناس إلى ذلك . ولكن الرشيد لم يكن من يشجعون الخوض فى العقائد، والجدل فيها على ضوء أقوال الفلاسفة، ولذلك لم يشجع المعتزلة على ذلك الخوض ، بل يروى أنه حبس طائفة من المجادلين من هؤلاء المعتزلة ، ولما بلغته مقالة بشر بن غياث قال: وإن أظفر فى الله به أقتله ، فظل بشر مستخفياً طول خلافة الرشيد . ٤٨ - فلما جاء المأمون أحاط به المعتزلة، وكان جل حاشيتهم من رجالهم ، وأدناهم هو إليه، وقربهم زلفى نحوه ، وأ كرمهم أبلغ الإكرام، حتى يروى أنه كان إذا دخل عليه أبو هشام الفوطى من أئمة المعتزلة تحرك له، حتى يكاد يقوم، ولم يكن يفعل ذلك مع أحد من الناس . والسبب فى ميل المأمون للمعتزلة ذلك الميل أنه كان تلميذاً لأبى الهذيل العلاف فى الأديان والمقالات ، وأبو هذيل من رءوس المعتزلة. ولما عقد المأمون المجالس للمناظرات والمناقشات فى المقالات والنحل كانوا الفرسان السابقين فى الحلبة والبارزين على الخصوم لما اختصوا به من دراسات عقلية واسعة، فكان لذلك لهم الأثر الكبير فى نفوس المأمون يحتى منهم من يشاء - ٤٨ - لصحبة ، ويختار منهم من يريد لوزارته ، وخص منهم أحمد بن أبي دؤاد بالرعاية والعطف والتقريب، حتى أنه أوصى أخاه المعتصم بإشراكه معه فى أمره، وقال فى وصيته : «وأبو عبد الله بن أبي دؤاد ، فلا يفارقك ، وأشركه فى المشورة فى كل أمرك فإنه موضع لذلك منك)، (١). فلما أحسن المعتزلة بهذه المنزلة زينوا له إعلان قوله فى خلق القرآن، نشراً لمذهبهم، وليكنسبوا بذلك إجلال العامة واحترامهم، وصادف ذلك هوى فى نفسه فأعلن ذلك سنة ٢١٢ هـ، وناظر من يغشى مجلس مناظرته فى هذا الشأن، وأدلى فها بحججه وأدلته ، ترك الناس أحراراًفى عقائدهم، لا يحملون على فكرة لايرونها ولا عقيدة لا يستسيغون الخوض فى شأنها . ٤٩ ولكن فى سنة ٢١٨ هـ، وهى السنة التى توفى فيها بدا له أن يدعو الناس بقوة السلطان إلى اعتناق فكرة خلق القرآن فأراد أن يحملهم على ذلك قهراً ، وابتدأ ذلك بإرسال كتبه وهو بالرقة إلى إسحاق بن إبراهيم نائبه فى بغداد بامتحان الفقهاء والمحدثين، ليحملهم على أن يقولوا إن القرآن مخلوق. ويظهر أنه ابتدأيحمل الذين لهم شأن فى مناصب الدولة، والذين يتصلون بالحكام بأى نوع من أنواع الاتصال، ولو كانوا شهوداً فى نزاع يفصل فيه القضاء ، فقد جاء فى آخر أول كتاب أرسله إلى نائبه فى بغداد : « فاجمع من بحضرتك من القضاة، واقرأعليهم كتاب أمير المؤمنين إليك فابدأ بامتحانهم فيما يقولون، وتكشيفهم عما يعتقدون فى خلق القرآن وإحداثه، وأعلمهم أن أمير المؤمنين غير مستعين فى عمله، ولاواثق فيمن قلده واستحفظه من رعيته بمن لا يوثق بدينه،وخلوص توحيده ويقينه، فإذا أقروا بذلك، ووافقوا أمير المؤمنين فيه، وكانوا على سبيل الهدى والنجاة قمرهم بنص من يحضرهم من الشهود على الناس ، ومسألتهم عن علمهم فى القرآن، وترك شهادة (١) تاريخ الطبرى . - ٤٩ - من لم يقر أنه مخلوق محدث ولم يره، والامتناع عن توقيعها عنده ، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يأتيك عن قضاة أهل عملك فى مسألتهم، والأمرلهم بمثل ذلك، ثم أشرف عليهم وتفقد آثارهم حتى لا تنفذ أحكام الله إلا بشهادة أهل البصائر فى الدين، والإخلاص للتوحيد (١))). وترى من هذا أنه لم توضع عقوبة لمن لم يعتقد هذه العقيدة سوى الحرمان من مناصب الدولة أو عدم سماع شهادته إن كان شاهداً، ولم يعد كتابه الثانى ذلك فأحضر إسحاق بن إبراهيم القضاة ، واختبرهم ، ولم يكتف بذلك ل أحضر المحدثين أيضاً، وكل من تصدى للفتوى والتعليم والإرشاد، وامتحنهم، وأرسل إجابتهم عن مسألته فى خلق القرآن إلى المأمون (٢) فأرسل هذا كتاباً يين سخف هذه الإجابات فى نظره، ومحرح المجيبين، ويسلقهم قارص القول وعنيف الكلام ثم ذكر فى هذا الكتاب عقوبات لمن لم يقل مقالته، إذا مر يحمل من لم يقل إليه موثقاً، وقال: ((من يرجع عن شركة ممن سميت لأمير المؤمنين فى كنا إك، وذكره أمير المؤمنين لك، أو أمسك عن ذكره فى كتابه هذا، ولم يقل إن القرآن مخلوق بعد بشر بن الوليد، وإبراهيم بن المهدى(٣)؛ فاحملهم أجمعين موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين ، مع من يقوم بحفظهم وحراستهم فى طريقهم ، حتى يؤديهم إلى عسكر أمير المؤمنين وتسليمهم إلى من يؤمن بتسليمهم ، لينصهم أمير المؤمنين ، فإن لم يرجعوا ويتوبوا حملهم جميعاً على السيف إن شاء الله، ولاقوة إلا بالله . ٥٠ - وترى من هذا كيف ترقى من عقوبة الحرمان من المناصب، وقبول الشهادة إلى الإنذار بعقوبة الإعدام. وقدسارع إسحاق بن إبراهيم إلى تنفيذ رغبته، فأحضر المحدثين والفقهاء والمفتين، وفيهم أحمد بن حنبل، وأنذرهم بالعقوبة الصارمة ، والعذاب العنيد (١) تاريخ الطبرى. (٢) سننقل له قريبا هذه الإجابات ورد الأمون عليها (٣) قد خصهما فى كتابه بالقتل إن أم يةولا : (م ٤ - ابن حنبل) ٥٠ سك إن لم يقروا بما يطلب منهم ، وينطقوا بما سئلوا أن ينطقوا به ، ويحكموا بالحكم الذى ارتآه المأمون من غير تردد ، أو مراجعة ، فنطقوا جميعاً بما طلب منهم، وأعلنوا اعتناق ذلك المذهب . ولكن أربعة ربط الله على قلوبهم، واطمأنوا إلى حكم الله، وآثروا الباقية على الفانية، لم يرضوا بالدنية فيما اعتقدوا فأصروا على موقفهم إصراراً جريئاً، وهم أحمد بن حنبل ، ومحمد بن نوح، والقواريرى ، وسجادة، فشدوا فى الوثاق ، وکبلوا بالحديد ، وباتوا ليلتهم مصفدين فى الأغلال ، فلما كان الغد أجاب سجادة إسحاق فيما يدعوه إليه ، خلوا عنه وفكوا قيوده، واستمر الباقون على حالهم . وفى اليوم التالى أعيد السؤال عليهم، وطلب الجواب إليهم، فارت نفس القواريرى، وأجابهم إلى ما طلبوا، ففكرا قيوده وبقى إثنان اللّه معهما، فسيقا فى الحديد ، ليلتقيا بالمأمون فى طرسوس، وقد استشهد ابن نوح فى الطريق. والذين أجابوا طلب منهم أن يواجهوا المأمون أحراراً وقدمواكفلاء بأنفسهم ، ليوافوه بطرسوس كأخويهم. ٥١ - وبيناهم فى الطريق فعى الناعى المأمون، ولكنه عفا الله عنه لم يودع هذه الدنيا من غير أن يوصى أخاه المعتصم بالاستماك بمذهبه فى القرآن، ودعوة الناس إليه بقوة السلطان، وكأنه فهم أن تلك الفكرة التى استحوذت على رأسه دين واجب الاتباع ، لا يبرأ عنقه منها من غير أن يوصى خلفه به ، فوصاه . فقد جاء فى مطلع وصيته: ((هذا ما أشهد عليه عبد الله بن هارون الرشيد أمير المؤمنين بحضرة من حضره ، أشهدهم جميعاً على نفسه أنه يشهد هو ، ومن حضره أن اللّه عز وجل وحده ، لا شريك له فى ملكه ، ولا مدير ١٫٠١ لأمره غيره، وأنه خالق، وماسواه مخلوق ، ولا يخلو القرآن أن يكون شيئاً له مثل كل شىء، ولا شى مثله تبارك وتعالى، وجاء فى وسط الوصية : (يا أبا إسحاق، أدن منى، وأتعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيك فى خلق القرآن)). =٥١ ولهذه الوصية لم تنقطع المحنة بوفاة المأمون ، بر اتسع نطاقها ، وزادت ويلانها وكانت شراً مستطيراً على المتوقفين من الزهاد والعلماء، ودفقهاء)، والمحدثين ، وعلى رأسهم أحمد بن حنبل . ٥٢ - فقد بلغ البلاء أشده، والمحنة أقصاها فى عهد المعتصم، ثم فى عهد الواثق ، وقبل أن نبين ذلك ننقل المراسلات التى جرت بين المأمون ، ونائبه فى بغداد، ففيها حجته فيما يقول ، ويدعو إليه ، وفيها إجابة أحمد، ثم تهديد المأمون وها هى ذى الكتب كما جاءت فى ((تاريخ الطبرى)). کتاب المأمون الأول إلى إسحاق بن إبراهيم نائبه فى بغداد ( أما بعد ) فإن حق الله على أئمة المسلمين وخلفائهم الاجتهاد فى إقامة دين الله الذى استحفظهم، ومواريث النبوة التى أورثهم، وأثر العلم الذى استودعهم ، والعمل بالحق فى رعيتهم ، والتشمير لطاعة الله فيهم، والله يسأل أمير المؤمنين أن يوفقه لعزيمة الرشد وصريمته ، والإقساط فيما ولاه الله من رعيته برحمته ومنته، وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم، والسواد الأكبر من حشو الرعية ، وسفلة العامة ممن لا نظر له ، ولا روية ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته ، والاستضاءة بنور العلم وبرهانه فى جميع الأقطار والآفاق ، أهل جهالة وعمى عنه، وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده، والإيمان به، ونكوب عن واضحات أعلامه ، وواجب سبيله، وقصور أن يقدروا الله حق قدره، ويعرفوه كنه معرفته ويفرقوا بينه وبين خلقه، لضعف آرائهم ، ونقص عقولهم، وجفائهم عن التفكر والتذكر وذلك أنهم ساووا بين الله تبارك وتعالى، وبين ما أنزل من القرآن، فأطبقر امجتمعين واتفقوا غير متعاجمين على أنه قديم أول لم يخلقه الله و يحدثه ويخترعه، وقد قال الله عز وجل فى كتابه الذى جعله لما فى الصدور شفاء، وللمؤمنين رحمة وهدى: (فا جعلناه قرآناً عربياً، فكل ما جعله الله، فقد خلقه، وقال سبحانه: ((الحمدلله الذى ٥ - - ٣ خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور»، وقال عز وجل : (( كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق)) فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها ، وقلا به متقدمها، وقال تعالى: ((الر. كتاب أحكمت آياته، ثم فصلت من لدن حكيم خبير)، وكل محكم مفصل دخله محكم مفصل، والله محكم كتابه ومفصله، فهو خالقه ومتدعه . ثم هم الذين جادلوا بالباطل ، فدعو إلى قولهم، ونسبوا أنفسهم إلى السنة، وفى كل فصل من كتاب الله قصص من تلاوته مبطل قولهم ، مكذب دعواهم ، يرد عليهم قولهم وتحلتهم ، ثم أظهروا مع ذلك أنهم أهل الحق ، والدين، والجماعة، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر والفرقة ، فاستطالوا بذلك على الناس، وغروا به الجهال ، حتى مال أهل قوم من أهل السمت الكاذب ، والتخشع لغير الله، والتقشف لغير الدين إلى موافقتهم عليه ومواطأتهم على سىء آرائهم، تزينا بذلك عندهم ، وتصنعاً للرياسة والعدالة فيهم، فتركوا الحق إلى باطلبهم، واتخذوا دين اللّه وليجة إلى ضلالتهم ، فقبلت بتزكيتهم لهم شهادتهم، ونفذت أحكام الكتاب بهم، على دغل دينهم، وثقل أديمهم، وفساد دياتهم ويقينهم ، وكان ذلك غايتهم التى إليها جروا، وإياها طلبوا فى متابعتهم، والكذب على مولاه. وقد أخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا - على اللّه إلا الحق، ودرسوا ما فيه، أولئك الذين أصمهم الله وأعمى أبصارهم ، أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها، فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة ورموس الضلالة المنقوصون من التوحيد حظاً والمخسوسون من الإيمان نصيباً وأوعية الجهالة، وأعلام الكذب ، لسان إبليس الناطق فى أوليائه، والمائل عن أهوائه من أهل دين الله ، وأحق من يتهم فى صدقه، وتطرح شهادته، ولا يوثق بقوله ولاعمله، فإنه لاعمل إلا بعد يقين ، وإلا بعد استكمال حقيقة الإسلام وإخلاص التوحيد، ومن عمى عن رشده وحظه من الإيمان به وتوحيده كان عما سوى ذلك من عمله والقصد فى شهادته أعمى وأضل سبيلا ، ولعمر - ٠٣ - أمير المؤمنين إن أحجى الناس بالكذب فى قوله ، وتخرص الباطل فى شهادته من كذب على الله ووحيه، ولم يعرف الله حقيقة معرفته، وإن أولاهم برد شهادته فى حكم الله ودينه من رد شهادة الله على كتابه، وبهت حق الله بباطله ، فاجمع من بحضرتك من القضاة واقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين هذا إليك، فابدأ بامتحانهم فيما يقولون ، وتكثيفهم عما يعتقدون فى خلق اللّه القرآن، وإحداثه وأعليهم أن أمير المؤمنين غير مستعين فى عمله ولا واثق فيما قلده واستحفظه من أمور رعيته بمن لا يوثق بدينه ، وخلوص توحيده ويقينه ، فإذا أقروا بذلك ، ووافقوا أمير المؤمنين فيه، وكانوا على سبيل الهدى والنجاة ، فمرهم بنص من يحضرهم من الشهود على الناس ومسألتهم عن عليهم فى القرآن ، وترك إثبات شهادة من لم يقر أنه مخلوق محدث، ولم يره، والامتناع من توقيعها عنده، واكتب إلى أمير المؤمنين ما يأتيك عن قضاة أهل عملك فى مسألتهم، والأمر لهم بمثل ذلك ، ثم أشرف عليهم، وتفقدآثارهم، حتى لا تنفذ أحكام الله إلا بشهادة أهل البصائر فى الدين ، والإخلاص للتوحيد ، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون فى ذلك إن شاء الله . کتب فى شهر ربيع الأول سنة ٢١٨ ٥ الكتاب الثانى وكتب المأمون إلى إسحق بن إبراهيم فى أشخاص سبعة، منهم محمد ابن سعد الواقدى وغيره، فأشخصوا إليه ، فامتحنهم. وسألهم عن خلق القرآن ، فأجابوا جميعاً إن القرآن مخلوق ، فأشخصهم إلى مدينة السلام وأحصرهم إسحاق بن إبراهيم داره، فشهر أمرهم ، وقولهم بحضرة الفقهاء والمشايخ من أهل الحديث، فأقروا بمثل ما أجابوا به المأمون ، نخلي سبيلهم، - ٥٤ - وكان ما فعل إسحاق بن إبراهيم من ذلك بأمر المأمون وكتب المأمون بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم. (أما بعد ) فإن من حق الله على خلفائه فى أرضه وأمنانه على عباده الذين ارتضاهم لإقامة دينه ، وحملهم رعاية خلقه ، وإمضاء حكمه وسننه ، والاتمام بعدله فى بريته أن يجهدوا لله أنفسهم، وينصحوا له فيما استحفظهم وقادهم، ويدلوا عليه تبارك وتعالى بفضل العلم الذى أودعهم، والمعرفة التى جعلها فيهم، ويهدوا إليه من زاخ عنه ، ويردوا من أدبر عن أمره، وينهجوا الرعاياهم سمت نجاتهم، ويقفوهم على حدود إيمانهم، وسبيل فوزهم وعصمتهم، ويكشفوا لهم عن مغطيات أمورهم ، ومشتبهاتها عليهم، بما يدفعون الريب عنهم، ويعود بالضياء والبينة على كافتهم، وأن يؤثروا ذلك من إرشادهم وتبصيرهم، إذ كان جامعاً لفنون مصالحهم ومنتظما لحظوظ عاجلتهم وآجلتهم؛ ويتذكروا أن الله مر صدمن مساء لتهم عما حملوه وبما أسلفوا وقدموا عنده، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله وحده، وحتبه الله، وكفى به . وما بينه أمير المؤمنين برويته ، وطالعه بفكره ، فتبين عظيم خطره، وجليل ما يرجع فى الدين وكفه وضرره ما ينال المسلمون بينهم من القول فى القرآن الذى جعله الله إماماً لهم، وأثراً من رسول اللّه وصفيه محمد ربيع باقيالهم واشتباهه على كثير منهم، حتى حسن عندهم وتزين فى عقولهم ألا يكون مخلوقاً، فتعرضوا بذلك لدفع خلق الله ، والذى بان به من خلقه، وتفرد بجلالته من ابتداع الأشياء كلها بحكمته، وإنشائها بقدرته ، والتقدم عليها بأولويته التى لا يبلغ أولاها ، ولا يدرك مداها، وكان كل شىء خلقاً من خلقه، وحدثا هو المحدث له وإن كان القرآن ناطقاً به، ودالا عليه، وقاطعاً للاختلاف فيه، وضاهوا به قول النصارى فى ادعائهم فى عيسى بن مريم أنه ليس بمخلوق ، إذ كان كلمة الله، والله عز وجل يقول: ((إنا جعلناه قرآناً عربياً، وتأويل - ٥٠ -- ذلك: (( إنا خلقناه))، كما قال تعالى: ((وجعل منها زوجها، ليسكن إليها، وقال تعالى: (( وجعلنا الليل لباساً، وجعلنا النهار معاشاً وقال تعالى: وجعلنا من الماء كل شىء حتى، فسوى عز وجل بين القرآن بين وهذه الخلائق التى ذكرها فى شية الصنعة ، وأخبر أنه جاعله وحده، فقال تعالى: (« بل هو قرآن بجيد فى لوح محفوظ، فدل ذلك على إحاطة اللوح بالقرآن، ولا يحاط إلا بمخلوق، وقال تعالى لنبيه موقع: «لا تحرك به لسانك لتعجل به، وقال سبحانه: ((ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث)) وقال سبحانه:(فمن أظلم عن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته، وأخبر عن قوم ذمهم بكذبهم أنهم قالوا : ما أنزل الله على بشر من شىء، ثم كذبهم على لسان رسوله: فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم ((قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى نوراً، فسمى الله تعالى القرآن ذكراً ، وإيماناً ، ونوراً ، وهدى ، ومباركا عربياً، وقصصاً، قال تعالى: ((نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن، وقال جل من قائل «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله)، وقال سبحانه: قل فأتوا بعشرسور مثله مفتريات وقال جل وعلا: ((لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، فجعل له أولا وآخراً، ودل عليه أنه محدود مخلوق، وقد عظم هؤلاء الجهلة بقولهم فى القرآن الثلم فى دينهم، والجرح فى أمافتهم ، وسهلوا السبيل العدو الإسلام واعترفوا بالتبديل والإلحاد فى قلوبهم، حتى عرفوا ووصفوا خلق الله وفعله بالصفة التى هى لله وحده ، وشبهوه، والأشباه أولىبخلقه ،و ليس يرى أمير المؤمنين لمن قال هذه المقالة حظا فى الدين ، ولا نصيباً من الإيمان اليقين، ولا يرى أن يحل أحداً منهم محل الثقة فى أمانة، ولا عدالة ولا شهادة ، ولا صدق فى قول ، ولا حكاية ولا تولية لشىء من أمر الرعية ، وإن ظهر قصد بعضهم، وعرف بالسداد مسدد فيهم ، فإن الفروع مردودة إلى أصولها ومحمولة فى الحمد والذم عليها، ومن كان جاهلا بأمر دينه الذي أمره الله - ٠٦ ٠ به من وحدانيته ، فهو بما سواه أعظم جهلا ، وعن الرشد فى غيره أعمى وأضل سبيلا . فاقرأ على جعفر بن عيسى، وعبد الرحمن بن إسحاق القاضى كتاب أمير المؤمنين بما كتب به إليك ، وانصصهما عن علمهما فى القرآن، وأعلمهما أن أمير المؤمنين لا يستعين على شىء من أمور المسلمين إلا بمن وثق بإخلاصه وتوحيده ، وأنه لا توحيد إلا لمن يقر بأنه القرآن مخلوق . فإن قالا بقول أمير المؤمنين فى ذلك فتقدم إليهما فى امتحان من يحضر مجالسهما بالشهادات على الحقوق ، ونصهم عن قولهم فى القرآن . فمن لم يقل منهم إنه مخلوق أبطلا شهادته، ولم يقطما حكماً بقوله وإن ثبت عفافه بالقصد والسداد فى أمره، وأفعل ذلك بمن فى سائر عملك من القضاة، وأشرف عليهم إشرافاً يزيد الله به ذا البصيرة فى بصيرته ، ويمنع المرتاب من إغفال دينه، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون منك فى ذلك إن شاء الله . ١٣ - هذان هما الكتابان الرسميان اللذان صدرت عنهما المحنة، وقد أخذ إسحق بن إبراهيم فى الامتحان عقب وصول الكتاب الأول ، وتمم الامتحان عقب صدور الكتاب الثانى. ويحسن أن نبين كيف كانت الإجابة ثم تعليق المأمون أو بعبارة أدق أحمد بن أبى دؤاد عليها، ثم نبين المحنة المادية بعد ذلك . ٥٤ - أحضر إسحق للامتحان جماعة من الفقهاء والحكام، والمحدثين، فأحضر أبا حسان الزيادى ، وبشر بن الوليد الكندى، وعلى بن أبى مقاتل ابن غانم والذيال بن الهيثم ، وسجادة ، والقواريرى، وأحمد بن حنبل ، وقتيبة، وسعدوية الواسطى. وعلى بن الجعد، وإسحق بن أبى إسرائيل، وابن الهرش، وابن علية الأكبر، ويحيى بن عبدالرحمن العمرى، وشيخاً آخر من ولد عمر بن الخطاب كان قاضى الرقة، وأبا نصر التمار، وأبا معمر القطيعى، ومحمد بن حاتم بن ميمون، ومحمد بن نوح، وابن الفرخان ، وجماعة منهم النضر بن شميل ، وابن على بن عاصم ، وأبو العوام البزاز، -٠٧ - وابن شجاع، وعبد الرحمن بن إسحق. فأدخلوا جميعاً على إسحق . وابتدأ الامتحان بقراءة كتاب المأمون هذا عليهم مرتين حتى فهموه، ثم أخذ فى إلقاء الأسئلة . قال لبشر بن الوليد: ما تقول فى القرآن؟ فقال قد عرفت مقالتى لأمير المؤمنين غير مرة . قال: فقد تجدد من كتاب أمير المؤمنين ماقد ترى، فقال: أقول القرآن كلام الله، قال لم أسألك عن هذا، أمخلوق هو ؟ قال الله خالق كل شىء، قال القرآن شىء ؟ قال هو شىء. قال فمخلوق ؟ قال ليس بخالق ، قال ليس أسألك عن هذا، أمخلوق هو؟ قال ما أحسن غير ما قلت لك، وقد استعهدت أمير المؤمنين ألا أتكلم فيه ، وليس عندى غير ما قلت لك . فأخذ إسحق بن إبراهيم رقعة كانت بين يديه ، فقرأها عليه ، ووقفه عليها فقال : أشهد أن لا إله إلا الله، أحد فرد، لم يكن قبله شىء ولا بعده شىء ولا يشبهه شىء من خلقه فى معنى من المعانى ولا وجه من الوجوه قال نعم، وقد كنت أضرب الناس على دون هذا، فقال للكاتب : اكتب ما قال . ثم قال لعلى بن أبى مقاقل ما تقول ياعلى ؟ قال سمعت كلامى لأمير المؤمنين غير مرة ، وما عندى غير ماسمع ، فامتحنه بالرقعة ، فأقر بما فيها ، ثم قال له : القرآن مخلوق؟ قال: القرآن كلام اللّه . قال: لم أسألك عن هذا، قال: هو كلام اللّه، وإن أمرنا أمير المؤمنين بشىء، سمعنا وأطعنا. فقال الكاتب: أكتب مقالته ، ثم قال للذيال نحواً من مقالته لعلى بن أبى مقاتل ، فقال له مثل ذلك . ثم قال لأبى حسان الزيادى ما عندك ؟ قال سل عما شئت ، فقرأ عليه الرقعة ووقفه عليها ، فأقر بما فيها ، ثم قال من لم يقل هذا القول فهو كافر . فقال القرآن مخلوق «و؟ قال القرآن كلام الله، والله خالق كل شىء وما دون - ٥٨ - الله مخلوق. وأمير المؤمنين إمامنا، وبسببه سمعنا عامة العلم، وقد سمع ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم ، وقد قاده الله أمرنا فصار يقيم حجنا وصلاتنا ، وتؤدى إليه زكاة أموالنا، ونجاهد معه ونرى إمامته إمامة، وإن أمرنا انتمرنا، وإن نهانا انتهينا، وإن دعانا أجبنا، قال القرآن مخلوق هو؟ فأعاد عليه أبو حسان مقالته ، قال إن هذه مقالة أمير المؤمنين ، قال قد تكون مقالة أمير المؤمنين، ولا يأمر بها الناس ، ولا يدعوهم إليها ، وإن أخبرتنى أن أمير المؤمنين أمرك أن أقول قلت ما أمرتنى به، فإنك الثقة المأمون عليه فما أبلغتنى عنه من شىء ، فإن أبلغتنى عنه بشىء صرت إليه قال ما أمرنى أن أبلغك شيئاً قال على بن أبى مقاتل، قد يكون قوله كاختلاف أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فى الفرائض والمواريث، ولم يحملوا الناس عليها. قالو أبو حسان ما عندى إلا السمع والطاعة، فرنى آتمر، قال ما أمرنى أن آمرك؛ وإنما أمرنى أن أمتحنك . ثم عاد إلى أحمد بن حنبل ، فقال ما تقول فى القرآن ؟ قال هو كلام اللّه قال أمخلوق هو ؟ قال هو كلام الله، لا أزيد عليها، فامتحنه بما فى الرقعة فلما أتى إلى لا يشبهه شىء فى خلقه فى معنى من المعانى ، ولا وجه من الوجوه، قال أقول ليس كمثله شىء، وهو السميع البصير ، فاعترض عليه ابن البكاء الأصغر ، فقال أصلحك الله: إنه يقول سميع من أذن، بصير من عين. فقال إسحاق لأحمد بن حنبل ما معنى قوله سميع بصير ؟قال هو كما وصف نفسه. قال فما معناه؟ قال لا أدرى ، هو كما يصف نفسه. ثم دعا بهم رجلا رجلا ، كلهم يقول القرآن ، كلام اللّه، إلا هؤلاء النفر: قتيبة وعبيد الله بن محمد بن الحسن، وابن علية الأكبر ، وابن البكاء وعبد المنعم بن إدريس ابن بنت وهب بن منبه، والمظفر بن مرجا، ورجلا ضريراً ليس من أهل الفقه ولا يعرف بشيء منه إلا أنه دس في - ٥٩ - ذلك الموضع، ورجلامن ولد عمر بن الخطاب قاضى الرقة، وابن الأحمر، فأما ابن البكاء الأكبر فإنه قال: القرآن مجمعول، لقول الله تعالى ((إنا جعلناه قرآنا عربياً، والقرآن محدث ، لقوله تعالى ((ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث)) قال له إسحق فالمجمعول مخلوق ، ؟ قال نعم ، قال فالقرآن مخلوق؟ لا أقول مخلوق، ولكنه مجعول وكتب مقالته . فلما فرغ من امتحان القوم، وكتب مقالاتهم اعترض ابن البكاء الأصغر فقال أصلحك الله إن هذين القاضيين أئمة فلو أمرتهما، فأعادا الكلام . قال له إسحاق هما من يقوم بحجة أمير المؤمنين ، قال فلو أمرتهما أن يسمعانا مقالتهما لتحكى ذلك عنهما، قال له إسحق إن شهدت عندهما بشهادة، فستعلم مقالتهما ، إن شاء الله . فكتب مقالة القوم رجلا رجلا ، ووجهت إلى المأمون فمكث القوم تسعة أيام ثم دعابهم وقد ورد كتاب المأمون جواب كتاب إسحاق بن إبراهيم فى أمرهم وها هو ذا: الكتاب الثالث ( بسم الله الرحمن الرحيم) أما بعد: فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك جواب كتابه. فيما ذهب إليه متصنعة أهل القبلة ، وملتمو الرياسة فيما ليسوا له بأهل من أهل الملة من القول فى القرآن، وأمرك به أمير المؤمنين من امتحانهم وتكثيف أحوالهم، إحلالهم محالهم. تذكر إحضارك جعفر بن عيسى، وعبد الرحمن بن إسحاق عندورود كتاب أمير المؤمنين مع من أحضرت من كان ينسب إلى الفقه، ويعرف بالجلوس للحديث وينصب نفسه للفتيا بمدينة السلام ، وقراءتك عليهم جميعاً - ٦٠ - لكتاب أمير المؤمنين ، ومساءلتك إياهم اعتقادهم فى القرآن، والدلالة لهم على حظهم، وإطباقهم على نفى الشبيه ، واختلافهم فى القرآن ، وأمرك من لم يقل منهم إنه مخلوق بالإمساك عن الحديث والفتوى فى السر والعلانية، وتقدمك إلى السندى وعباس مولى أمير المؤمنين بما تقدمت به فيهم إلى القاضيين بمثل ما مثل لك أمير المؤمنين من امتحان من يحضر مجالسهما من الشهود ، وبث الكتب إلى القضاة فى النواحى من عملك بالقدوم عليك لتحملهم وتمتحنهم على ما حده أمير المؤمنين ، وتثبيتك فى آخر الكتاب أسماء من حضر ومقالاتهم، وفهم أمير المؤمنين ما اقتصصت، وأمير المؤمنين يحمد الله كثيراً. كما هو أهله ، ويسأله أن يصلى على عبده، ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ويرغب إلى الله فى التوفيق لطاعته، وحسن المعونة على صالح قيته برحمته . وقد تدبر أمير المؤمنين على ما كتبت به من أسماء من سألت عن القرآن، وما رجع إليك فيه كل امرىء منهم، وما شرحت من مقالتهم. (( فأما ما قال المغرور بشر بن الوليد فى نفى التشبيه، وما أمسك عنهمن أن القرآن مخلوق وادعى من تركه الكلام فى ذلك واستعهاده أمير المؤمنين فقد كذب بشر فى ذلك وكفر ، وقال الزور والمنكر ، ولم يكن جرى بین أمير المؤمنين وبينه فى ذلك ولافى غيره عهد ولا نظر أكثر من إخباره أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص ، والقول بأن القرآن مخلوق فادع به إليك ، وأعلمك به أمير المؤمنين من ذلك. وأنصصه عن قوله فى القرآن وأسقتبه منه، فإن أمير المؤمنين يرى أن تسقتيب من قال بمقالته ، إذ كانت تلك المقالة للكفر الصراح، والشرك المحض عند أمير المؤمنين ، فإن تاب منها فأشهر أمره ، وإن أصر على شركه، ودفع أن يكون القرآن مخلوقاً بكفره وإلحاده، فاضرب عنقه، وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه ، إن