Indexed OCR Text
Pages 381-400
- ٣٧٨ - لا يضره التبعيض ، وقد يرد الاستحقاق على بعضه، فيكون الباقى مقابلا بمثله من المسلم فيه ، وإذا لم يكن رأس المال معلوم القدر فى الأصل ، لا تعلم نسبة المستحق إلى الباقى من غير استحقاق ، وعلى ذلك لا يعرف مقدار ما يعادله من المسلم فيه حتى يجب أداؤه ، جهالة القدر قد تفضى إلى جهالة المسلم فيه كما رأيت، وهى مفسدة لعقد السلم مفضية إلى النزاع . ويرى من هذا أن نظر أبى حنيفة مع دقته ينحو نحواً عملياً ، ولعل ما يقوله بما رآه وعاينه ، ويكون ما رآه وعاينه قد وجهه إليه، وجعله يتجه ذلك الاتجاه . ٢٠٤ - وقد انبنى على ذلك الخلاف خلاف بينهما فى مسائل أخرى تتصل بذلك . ١ - منها الحال التى يكون فيها رأس المال مقابلا بنوعين من المسلم فيه، بأن يكون رأس المال مثلا مائة جنيه، ويكون المسلم فيه نوعين من القطن ، فإن أبا حنيفة يشترط أن يبين مقدار رأس المال لكل نوع منهما، والصاحبان لا يشترطان ذلك اكتفاء بالتعريف الإجمالى والقبض . ٢ - ومنها إذا كان رأس المال نوعين مختلفين، والمسلم فيه واحداً، كأن يكون رأس المال دنانير ودراهم ، والمسلم قطناً من نوع واحد عرف تمام التعريف، فإنه فى هذه الصورة يرى أبو حنيفة أن العقد فاسد ، ويرى الصاحبان أن العقد صحيح ويقول صاحب البدائع فى بيان بناء الخلاف فى هذه المسألة وسابقتها على الأصل السابق . (((ووجه البناء على هذا الأصل، أن أعلام القدر لما كان شرطاً عنده، فإذا كان رأس المال واحداً قوبل بشيئين مختلفين كان انقسامه عليهما من حيث القيمة، لا من حيث الأجزاء، وحصة كل واحد منهما من رأس المال لا تعرف إلا بالظن، فيبقى قدر حصة كل منهما من رأس المال مجهولا ، وجهالة قدر رأس المال مفسدة للمسلم عنده، وعندهما إعلام قدره ليس بشرط، جهالته لا تكون ضارة))(١) (١) البدائع الجزء الخامس ص ٢٠٢. - ٣٧٩ - ٢٠٥ - هذا ومن المقرر عند أبى حنيفة والصاحبين أن عقد السلم يبطل(١) إذا انتهى المجلس ، يقبض المسلم إليه رأس المال، وذلك لأن المسلم فيه دين ، فإذا لم يقبض الثمن فى المجلس كان ديناً يدين ، وذلك لا يجوز. ولقد روى أن التى صِّ نهى عن بيع الكالىء بالكالىء، أى النسيئة بالنسيئة، ولأن حقيقة هذا العقد تقتضى أن يسلم رأس المال معجلا، لأن معنى السلم والسلف يقتضى أن يقدم مال حتى يعد سلماً أو سلفاً، ولقد روى من أسلف فليسلف فى كيل معلوم . كما روى من أسلم فليسلم فى كيل معلوم، والسلم ينى عن التسليم ، والسلف(٢) يقىء عن التقدم . فكانت حقيقة ذلك العقد الشرعية والعرفية تقتضى لا محالة تسليم رأس المال . ولقد وفق أبا حنيفة فى ذلك النظر الشافعى وأحمد من بعد ، وارتضى مالك أيضاً أصل الفكرة ، ولذلك لم يجز تأجيل رأس المال بشرط فى العقد ، ولكنه لا يبطله ، لتأخر القبض يوماً أو يومين على سبيل التسامح ، فهو لا يشترط القبض فى المجلس لبقاء العقد صحيحاً، كما أنه لا يجيز التأجيل أيضاً . ويقول السرخسى فى تقرير مذهب مالك رضى الله عنه: ((وقال مالك يجوز وإن لم يقبض رأس المال يوماً أو يومين، بعد ألا يكون مؤجلا، بمنزلة الثمن فى البيع، فإنه لا يشترط قبضه فى المجلس ، إلا أن هنا، الشرط أن يكون أحالا، لأن ما يقابله مؤجل ، والنسيئة بالنسيئة حرام ، ولا تنعدم صفة الحلول بترك القبض يوماً أو يومين (٣)). وقبض رأس المال لازم فى المجلس لكيلا يبطل العقد ، سواء أكان ديناً أم عيناً ، أى سواء أكان مثلياً معرفاً بالوصف ، أم كان معيناً بالتعيين ، ولكن يقرر الفقهاء أن القياس كان يوجب أن يكون رأس المال إذا كان عيناً لا يلزم (١) لقد قلنا يبطل العقد بعدم القبض فى المجلس، ولم نقل إنه شرط صحة ، لأن العقد ينعقد صحيحاً فى أول الأمر . (٢) البدائع . (٣) المبسوط الجزء الثاني عشر ص ١٤٤ . - ٣٨٠ - قبضه فى المجلس لأن ضرورة القبض لكيلا يكون العقد ديناً بدين ، وليس هنا دين بدين ، بل دين بعين ، ولأن التعيين وتمام العقد على أساسه جعل الملكية فى رأس المال تنتقل إلى المسلم إليه بمجرد العقد، فلا حاجة إلى القبض لتعين حقه ، إذ حقه قد آل إليه ، من غير حاجة إلى أمر زائد. هذا هو القياس، ولكنهم استحسنوا القبض فى حال العين ، ووجه الاستحسان أن الأحكام تناط بالغالب الشائع، لا بالقليل النادر ، وغالب ما يكون رأس المال أو الثمن فى عقود البيوع غير معين بالتعيين ، فكان الحكم على موجب هذه الكثرة الغالبة ، لا على موجب القلة النادرة ، فالحق الأقل وجوداً بالأكثر . ٢٠٦ - ولاشتراط القبض فى المجلس لكيلا يبطل العقد منع الفقهاء الخيارات التى تؤخر حكم العقد عن المجس ، والتى تجعله غير لازم بالنسبة لأحد العاقدين ، أولهما معاً . ولذلك لا يجيزون اشتراط خيار الشرط لأحد العاقدين ، لأنه يمنع تمام القبض إذ القبض لا يتم إلا إذا كان بناء على الملك الذى يثبته العقد ، وخيار الشرط يمنع ثبوت الأحكام ، حتى لا يصير العقد باتاً لازماً ، فلا يثبت ملكية المسلم إليه فى رأس المال، والافتراق قبل ذلك مبطل للعقد، وعلى ذلك إذا اشترط أحد العاقدين الخيار لنفسه مدة معلومة ، فإن افترقا على ذلك الشرط، فالعقد غير صحيح وإن تم القبض ، لأنه قبض غير مبنى على الملك. ولكن لو أسقط صاحب الخيار الخيار قبل تفرق المجلس، وقبض رأس المال، فإن العقد يكون صحيحاً، لأنه إذا تم القبض فى المجلس يندفع السبب الموجب للبطلان ، فيصح العقد، والقبض لم يكن شرطاً لصحة العقد ، بل كان شرطاً لاستمرار العقد صحيحاً، ومنع عروض البطلان بسبب بيع الدين بالدين. ولقد قال زفر إن العقد لا ينقلب صحيحاً ، جرياً على قاعدة عامة عنده ، وهو أن العقد الذى يولد فاسداً . لا ينقلب صحيحاً بزوال سبب الفساد؛ كما - ٣٨١ - الو باع بثمن مؤجل إلى أجل غير معلوم ، فإنه لا ينقلب العقد صحيحاً عنده ، إذا أسقط المشترى حق التأجيل ، وعند أبى حنيفة وصاحبيه ينقلب صحيحاً بزوال سبب الفساد فى المجلس . وخيار الرؤية لا يثبت أيضاً ، فلا يثبت فى رأس المال إذا كان ديناً ، ولا فى المسلم فيه إذا كان مثلياً ، لأن ثبوته فى واحد منهما لا يفيد ، لأنه دين فى الذمة ، وخيار الرؤية إنما يثبت فى الأبدال المعينة ، لا فى الأبدال المعروفة بالوصف . ولكنه يثبت هو وخيار العيب فى رأس المال إذا كان معيناً بالتعيين ، لأنهما يفيدأن الفسخ بالرد، ولأن خيار العيب لا يمنع تمام الصفة بالقبض . ٢٠٧ - هذه نظريات عاجلة ، وإلمامة سريعة محملة ببعض أحكام عقد السام عند أبى حنيفة، وإنك لتلمس فيه روح التاجر الخبير ، العالم بشئون الناس ، العارف لأساليب التجارة ، وصفق الناس فى الأسواق ، وما يثير نزاعهم ، وما يزيل خلافهم، ورأيت كيف كان يستفبط الأحكام على ذلك الضوء المنير . - ٣٨٢ - المرابحة والتولية والإشراك والوضيعة ٢٠٨ - هذه عقود تجارية كانت كثيرة بين التجار فى عصر أبى حنيفة، ولعل الأحكام الشرعية التى استنبطها أبو حنيفة تحت ظل كتاب الله، وسنة رسوله صَّ اله وهدى الدين الحنيف فيها أدق الأحكام فى دلالتها على روح العصر، وعرف الناس، مع المواءمة بينها وبين أحكام الدين الإسلامى عامة، وفى البيوع خاصة ومع مراعاة الأمانة ، والاستمساك بها، والابتعاد عن كل ما يثير النزاع. وإنا سنذكر فى هذا الجزء من بحثنا بعض الأحكام التى استنبطها أبو حنيفة فى هذه العقود، لنتعرف منها عقل أبى حنيفة التاجر ، وروحه الدينية، وهديه الإسلامى. وقبل أن نخوض فى ذلك نتجه إلى تعريف هذه العقود ، وبيانها ، ليكون القارىء متصوراً لها ، قبل معرفة بعض أحكامها . يقسم الفقهاء عقد البيع بالنسبة للثمن إلى أربعة أقسام : الأول بيع مساومة وهو البيع الذى لا يلتفت فيه المشترى إلى الثمن الذى اشترى به البائع ، ولا يتقيد فيه بذلك الثمن ، ولا فى مقدار الربح بالنسبة إليه . والثانى بيع مرابحة ، وهو أن يبيع الشخص ما ملكه بالثمن الذى اشترى به مع ربح زائد عليه معلوم يذكره للمشترى ويعرفه بالقدر، أو بالنسبة للثمن السابق كعشرة أو خمسة أو نحو ذلك. والثالث بيع التولية ، وهو أن يبيع ما ملكه بمثل الثمن الذى اشترى به من غیر زيادة عليه . والرابع الوضيعة وهى أن يبيع ما ملكه بأقل من الثمن الذى اشترى به بقدر معلوم . هذه هى أقسام البيوع بالنسبه للثمن ، وهناك قسم يدخل فى عموم التولية ، ويسمى الشركة أو الإشراك، وهو أن يشترى بعض الشىء بما يقابله من الثمن الذى - ٣٨٣ - اشترى به من البائع ، فهو نوع من التولية ، إذ هو شراء بما قام عليه من الثمن ،. ولكنه ليس شراء لكل المبيع، بل هو شراء لبعضه . ٢٠٩ - وأنت ترى من هذا الكلام أن المرابحة والتولية والإشراك الوضعية يقوم تقدير الثمن فيها على الثمن الأول ، إذهو وثيق الاتصال به ، لأنه إما أن يكون مساوياً له، أو زائداً عليه أو أنقص منه ولذلك يشترط أبو حنيفة وأصحابه أن يكون الثمن الأول معلوماً للمشترى الثانى، وذلك شرط ضروري لصحة العقد ، فإذا قال بعتك مرابحة بزيادة قدرها كذا ، أو تولية ، أو وضيعة بنقص قدره كذا من غير أن يبين الثمن الأول، فالبيع فاسد ، ولكنه فساد قابل للزوال ، إن علم الثمن فى المجلس ، فإن لم يعلم الثمن ، حتى تفرق المجلس ، فقد تقرر الفساد ، ولا ينقلب من بعد صحيحاً، لتقرر الفساد ، وإن بين الثمن فى المجلس ، فللمشترى أن يختار إمضاء البيع ، وبذلك ينقلب العقد صحيحاً، أو يختار الفسخ، فيبطل ، وإنما كان له الخيار، لأنه قد حدث خلل فى الرضا. إذ أساس الرضا علم كان بموضوعه ، وتقدير صحيح قد توافرت فيه كل أسباب الحكم الصحيح ، وجهالة الثمن لا تتفق مع ذلك، إذ قد يرضى بشراء شىء بثمن يسير، ولا يرضى بشرائه بثمن كثير ، فلا يكمل الرضا إلا بمعرفة الثمن، فإذا لم يعرف كان الخلل فى الرضا، واختلال الرضا يوجب الخيار . ٢١٠ - ولكى تكون المماثلة كاملة بين الثمن الأول والثانى مع الزيادة أو النقص أو عدمهما، ويوجب أبو حنيفة، ويوافق أصحابه على ذلك - أن يكون الثمن الأول. مثلياً أى ما له مثل فى الأسواق، ولا يكون قيمياً ، أولا مثل له فى الأسواق، وذلك لأن تقدير الثمن الثانى مبنى على تقدير الثمن الأول، فلا بد أن يتوحد الجنس والنوع والصفة ، وأن يكون التقدير بمقاييس ثابتة لا يدخلها الحدس والظن ، ولا يتوافر ذلك إلا فى المثليات . أما القيميات ، فلا يمكن ضبطها بمقاييس ثابتة لا يدخلها الحدس والتخمين ، فإذا كان معلوم الجنس والنوع والصفة والقدر ، أمكن أن يكون الثمن الثانى من - ٣٨٤ - جنسه ونوعه وعلى وصفه ، وبقدره فى التولية ، وبأزيد منه زيادة معلومه فى المرابحة ، وبأنقص منه بقدر معلوم فى الوضيعة ، وذلك لا يتأتى فى القيمى. وقد استثنيت صورة يجوز فيها أن يكون القيمى ثمناً فى المرابحة والتولية والوضيعة ، وهى الصورة التى يكون المشترى قد آ لت إليه ملكية القيمى الذى كان ثمنا فى البيع الأول، فإنه فى هذه الصورة تجوز المرابحة والتولية ، والوضيعة ، لأن الثمن هو عين الأول ، فهذا اتحاد فى الثمن ، لا مماثلة فى القدر فقط ، والاتحاد أولى بالجواز من المماثلة فى القدر مع الزيادة أو النقص أو غيرهما ، بشرط ألا يدخل فى تقدير الزيادة والنقص الحدس والتخمين ، بل تكون الزيادة قد علم أنها زيادة قطعاً من غير ظن ، والنقص قد علم أنه نقص قطعاً من غير ظن . وذلك لأن الزيادة فى المرابحة ، والنقص فى الوضيعة يجب أن يكون كلاهما معلوماً من غير حدس وتخمين . ٢١١ - وكل ما أنفقه البائع على المبيع فى سبيل نماته، أو الوصول إليه يضاف إلى الثمن ، ويعتبر منه، فيضاف إليه ( إذا كان المبيع ثوباً) أجرة القصار والخياط ، والسمسار ، وإذا كان المبيع من النعم يضاف إليه أجرة السائق ، والعلف وغير ذلك مما به نماؤه وبقائه ، وفى الجملة كل ما جرى العرف بإضافته إلى رأس المال يعد منه ، وما لم يجرى عرف التجار بإضافته لا يعد منه ، هذا ضابط صحيح مستقيم ، وهناك ضابط آخر لما يضاف ، وهو أن ما تزداد بة المالية صورة أو معنى يضاف إلى رأس المال، والخياطة والقصارة والطعام تزداد به المالية صورة ، وما تزداد معنى أجر الانتقال من مكان إلى مكان ، ومن ذلك أجرة الحمال، وغير ذلك ، وذلك لأن ماله حمل ومؤونة تختلف قيمته باختلاف البلدان، فنقله من بلد إلى البلد لغرض الاتجار يزيد من قيمته ، وقد قال فى ذلك السرخسى : ((( إن عرف التجار متعبر فى بيع المرابحة، فما جرى العرف بإلحاقه برأس المال يكون له أن يلحق به ، ومالا فلا ، أو نقول ما أثر فى المبيع ، فتزداد به ماليته صورة أو معنى فله أن يلحق به ما أنفق فيه ـ برأس المال . والقصارة والخياطة وصف - ٣٨٥ - العين تزداد به المالية، والكراء كذلك معنى. لأن مالية ماله حمل ومؤنة تختلف قيمته باختلاف الأمكنة، فنقله من مكان إلى مكان لا يكون إلا بكرى ... ولكنه بعد إلحاق ذلك برأس المال لو قال اشتريته بكذا يكون كذباً ، فإنه ما اشتراه بذلك، فإذا قال قام علىّ بكذا فهو صادق؛ لأن الشىء إنما يقوم عليه بما يغرم فيه ، وقد غرم فيه القدر المسمى ،(١) ٢١٢ - وإذا زاد البائع الأول شيئاً على الثمن، وقبله المشترى وباع مرابحة، فإن التمن يكون الأصل والزيادة؛ لأن الزيادة مادام المشترى قد قبلها. فقد التحقت بأصل العقد. وقد خالف فى ذلك أبا حنيفة صاحبه زفر، وجاء الشافعى بعد ذلك ورأى مثل ما رأى زفر. وذلك لأن الزيادة فى نظر هما هبة مبتدأة لا تلحق بأصل العقد، ولذلك يشترطان فيها للتسليم كسائر الهبات . ومثل ذلك الخلاف يجرى فى حط الثمن، فإذا حط جزءاً من الثمن يبيع مرابحة وتولية على أساس الثمن بعد نقصه عند أبى حنيفة وصاحبيه ، وعند زفر والشافعى تجرى المرابحة والتولية وغيرهما على أساس الثمن من غير حط لأن الحط هبة مبتدأة، أو إبراء عن حق ثابت ، فلا يلحق بأصل العقد . وحجتهما فى ذلك ((أن الثمن لا يستحق بالعقد إلا عوضاً، والمبيع كله صار ملوكا للمشترى بالعقد الأول، فيبقى ملكه ما بقى ذلك العقد، ومع بقاء ملكه فى المبيع لا يمكن إيجاب الزيادة عليه عوضاً ، إذ يلزم العوض عن ملك نفسه ، وذلك لا يجوز ... وكذلك الحط ، لأن الثمن كله إذا صار مستحقاً بالعقد فلا يخرج البعض من أن يكون ثمناً إلا بفسخ العقد فى ذلك القدر ، والفسخ لا يكون فى أحد العوضين دون الآخر ، (٢). وقد احتج لأبى حنيفة بأن العقد قد تم بتراضى العاقدين ، فكان الرضا أساس وجوده، وأصل اعتباره، وإذا أنشآه بالتراضى، فلهما أن يغيراه بالتراضى أيضاً (١) المبسوط الجزء الثالث عشر من ٨٠ (٢) المبسوط الجزء ١٣ ص ٠٨٤ (٢٥ - أبو حنيفة) - ٣٨٦ - والبيوع تجرى بين الناس للكسب، والريح، ويعتمدون فيها على طيبة النفس وسماحتها: وحسن المعاملة بينهم، والتراحم الرابط . وقد يستدعى ذلك أن يغير العاقدان وصف العقد من كسب كثير لأحدهما إلى كسب قليل ، أو من كسب قليل إلى كسب كثير ، أو يتراضيا على أن لا كسب، وتغييره من وصف مشروع إلى وصف آخر مشروع جائز، والعقد قائم بينهما يملكان التصرف فيه رفعاً وإبقاء، فيملكان التصرف فيه بالتغيير من وصف إلى وصف ، لأن التصرف فى صفة الشىء أهون من التصرف فى أصله، فإذا كانا باتفاقهما يملكان التصرف فى أصل العقد ففى صفته أولى. وترى من هذا السياق أن أبا حنيفة فى هذا الخلاف كان التاجر العملى ، والفقيه النظرى ، وترى مخالفيه قد استولى عليهم القياس الفقهى فقط. ألا ترى أبا حنيفة وهو يلحق الحط والزيادة بأصل العقد يتجه اتجاه التاجر الرحيم الذى يرتبط بغيره من التجار ارتباطاً أساسه حسن التعامل ، فهو لا يفرض العقد ضربة لازب ، بل يرى أن المشترى قد يكون مغبوناً، فإذا عاد إلى البائع وطلب منه حط الثمن فقد يحط منه ، لأن الثقة وحسن المعاملة ، وترغيب الناس توجب عليه ذلك التسامح وكذلك المشترى إذا طلب إليه البائع زيادة الثمن لغبن لحقه . حسن المعاملة التجارية أن يزيد، والتبادل التجارى مستمر ، وليس فى ذلك منة الهبة ، وغضاضة الأبراء ولكنه أساس الاتجار ، وحسن المعاملة المقررة بين التجار . ٢١٣ - وإذا كان الثمن فى هذه البيوع مبنياً على الثمن الأول، وأنه لابد من ذكره، والتعريف به تعريفاً كاملا فالرضا فيها مرتبط كل الارتباط به، فإذا علمت خيانة ، بل تبين أن البائع لم يذكر الثمن الأول على حقيقته، بل دلس فيه بأن ذكر قدراً أكثر منه ، أو صفة غير صفته ، بأن كان نسيئة، فذكر أنه معجل أو أبهم كان لذلك أثره فى لزوم العقد فى حدود قد اختلف الفقهاء بشأنها . ولنذكر ذلك ببعض التفصيل : - ٣٨٧ - إذا كان الثمن الأول نسيئة، ولم يبين عند عقد المرابحة ، ثم تبين أنه كان نسيئة، فقد قال أبو حنيفة إن المشترى مرابحة أو توليه له الخيار به إن شاء أمضى العقد ، وإن شاء فسخه؛ لأن عقد المرابحة أو التولية مبنى على الأمانة ، إذ المشترى فيهما قد اعتمد على البائع فى خبرته ، ووثق بأمانته ، فكان من اللازم صيانته عن الخيانة ؛ وصارت كأنها شرط ضمنى، فقواتها يوجب الخيار ، كفوات السلامة عن العيب . وإنما كان من الضرورى بيانه أنه نسيئة، ويعتبر الإبهام فى العقد خيانة ، توجب الخيار، إذ لم يبين ، لأن البيع بالفسيئة يكون الثمن فيه أكثر من البيع بالثمن العاجل ، هكذا اعتاد الناس، وهكذا تعارفوا، فكان من الحق على البائع فى المرابحة أو التولية أن يبين ذلك ؛ ليكون المشترى على بينة من الأمر من كل الوجوه ؛ فيكون إقدامه إقدام العارف بالأمر من كل نواحيه . وكذلك إذا كان الثمن الأول بدل صلح عن شىء أو كان مصالحاً عنه؛ لأن الصلح فى كثير من الأحيان أو فى أغلب أحواله يبنى على الحطيطة ، وتسامح أحد العاقدين عن بعض حقه فضاً للنزاع ، وإنهاء للخصومة ، فكان حقاً على البائع أن يبين أن الثمن كان بدل صلح أو مصالحاً عنه، لتفتفى كل شبهة ؛ إذ العقد مبنى على الأمانة، كما قلنا وكل عقد مبنى على الأمانة، تؤثر الشبهة فى الرضا به ، فيكون للعاقد حق الفسخ . ٢١٤ - وإذا كانت الخيانة فى قدر الثمن بأن كان الثمن عشرين مثلا ، فذكر البائع أنه خمسة وعشرون ، ثم تبين ذلك للمشترى مرابحة أو تولية ، فقد قال أبو حنيفة فى المرابحة للمشترى الخيار بين إمضاء العقد على القدر الذى اتفقا عليه ، أو فسخه، وفى التولية يحط الثمن إلى القدر الذى تبين أنه كان الثمن الأول ، ولم يوافقه على ذلك صاحباه موافقة مطلقة، بل قال أبو يوسف يحط فيهما، وافقه فى التولية وخالفه فى المرابحة ، وقال محمد له الخيار فيهما ، فوافقه فى المرابحة ، وخالفه فى التولية . - ٣٨٨ - ووجه قول محمد أن المشترى قد حصل خلل فى رضاه، لأنه قد رضى على أساس ثمن معين ، تبينت الخيانة فيه، فيثبت له الخيار بظهور الحال، كمن يثبت له الخيار بسبب ظهور عيب ، لأن البيع كان على أساس السلامة ، فإذا فات وصف السلامة يثبت الخيار، وكمن اشترى على أساس وصف مرغوب فيه، فإذا فات ذلك الوصف يثبت الخيار . وحجة أبى يوسف أن الثمن الأول هو الأساس فى تقدير الثمن الثانى ، وعلى ذلك تراضى العاقدان ، فإذا ظهرت خيانة ، وثبتت حقيقة الثمن الأول كان كلا العاقدين ملزماً به ، فيلغى الجزء الزائد، وينزل الثمن إلى ما تراضيا عليه ، بعد أن كشفت الخيانة ، وعرفت الحال، فتلغى الزيادة وتعتبر كأن لم تكن ، أخذاً لمن رضى برضاه، وحتى لا ينفع المدلس بتدليسه . وحجة أبى حنيفة تقوم على أمرين: (أحدهما) احترام ما ترمى إليه عبارة العاقدين فى العقد، فالنولية تقتضى أن لا يربح قط ، والمرابحة تقتضى وجود ربح مطلقاً ، فيجب إذا ظهرت الخيانة أن يعمل على تحقيق مدلول لفظ التولية أو لفظ المرابحة، فإذا تحقق مدلولها، وتحقق عند ذلك غرض المشترى أمضى العقد وإن لم يتحقق غرض المشترى الذى كان مطلبه من العقد ثبت للخيار . ثانيهما - أنه إذا ظهرت خيانة فى المرابحة فات وصف مرغوب فيه، لأن الرغبة كانت على أساس نسبة معينة بين الربح والثمن ، وإذا فات وصف مرغوب فيه حدث خلل فى الرضا، فيثبت للمشترى الخيار بين الإمضاء والفسخ. وبتطبيق هذين الأصلين يكون ثمة الفرق بين المرابحة والتولية ، فإن الخيانة إذا ظهرت فى التولية أخرجت العقد عن حقيقته ، وما تدل عليه عبارته . فوجب لكى يتحقق مداول لفظ العقد حط الثمن إلى الثمن الأول . ولم يثبت الخيار للمشترى . لأنه لو ثبت الخيار للمشترى لكان فى أحد الاحتمالين يوجد العقد. وقد خرج عن مدلول اللفظ الذى انعقد به . لأنه انعقد على أساس أنه تولية. - ٣٨٩ - وفى إمضائه بالثمن الزائد توجيه له إلى معنى المرابحة ، وذلك يكون بصيغة جديدة وإنشاء جديد، ولذلك قرر أن يحط الثمن إلى الأصل فى التولية من غير خيار . أما فى حال ظهور الخيانة فى قدر الثمن فى المرابحة ، فإن العقد لا يخرج عن أصل معناه ، ومدلول لفظه، لأن المرابحة بيع بالثمن الأول وزيادة ربح ، وذلك ثابت مع وجود الخيانة ، ولكن المشترى رضى على أساس أن الربح قدر معلوم، فتبين أنه قدر أكبر، فيثبت له الخيار لتبين الخلل فى الرضا عند الإنشاء. وهكذا ترى أبا حنيفة فى هذه المسألة كان حريصاً على إبعاد العقد عن الخيانة وشبهتها ، وكان حريصاً على تحقيق مدلول الألفاظ فى العقود ليؤخذ العاقدون بأقوالهم ويمتنعون عن الرجوع فيها ، ولترد عليهم مقاصدهم التى سلكوا لتحقيقها سبلا غير مشروعة ، وحريصاً على أن يكون أساس إمضاء العقد صحيحاً ، لكى تنتفى آثار التدليس والخيانة. وكأن ذلك التاجر الفقيه عرف أدواء الناس فى السوق ، فطب لها، وعمل على ملاقاة آثارها بجعلها فى الدائرة المشروعة لا تعدوها، وكان الدواء فيها على قدر الداء لا يعدوه . ٢١٥ - ولم تر فى آراء أبى حنيفة فى هذا الباب من أبواب الفقه فكر التاجر الذى تمرس بالسوق ، وخالط الناس ، وعرف ألوانهم فقط، بل ترى مع ذلك التاجر الأمين المبالغ فى أمانته إلى درجة تجاوزت الحد الذى تعارفه الناس فى الأمانة فإذا كان أبو حنيفة التاجر قد بالغ فى الأمانة ، وبلغ أقصى مداها ، بل تجاوز المدى الذى يرتضيه الخلقيون والدينيون للناس ، فقد أراد أن يكون ذلك هو الفقه فى عقود التجارة . لقد رأينا أبا حنيفة يبيع ثوب الحرير بدرهمين عندما تستحلفه عجوز بأن يبيعه بما قام عليه ، فإذا استنكرت ذلك بين لها أنه اشتراه وآخر بعشرين ديناراً ، - ٣٩٠ - ودرهمين فباع الآخر بعشرين ديناراً. وبقى عليه بدرهمين، رأينا ذلك من أبى حنيفة التاجر الأمين . ثم وجدنا فقهاً له فى هذا الباب مماثلا لذلك تمام المماثلة ، فيقرر فى باب المرابحة أنه لو اشترى شخص شيئاً، ثم باعه بريح، ثم اشتراه، فأراد أن يبيعه مرابحة، فإنه يطرح كل ربح كان قبل ذلك، ويبيعه مرابحة على ما يبقى من رأس المال بعد الطرح، فإذا اشتراه بعشرين ، وباعه بخمسة وعشرين ، ثم اشتراه بعد ذلك بعشرين ، فإنه ينزل من رأس المال خمسة ، ويبيعه على أساس أن رأس المال خمسة عشرة. وقد خالفه فى ذلك صاحباه ، وقالا إنه يبيع مرابحة على أساس الثمن الأخير الذى اشترى به من غير نظر إلى ما كسبه منه أولا . وحجتهما فى ذلك أن العقود المتقدمة لا عبرة بها ، لأنها انقضت بكل أحكامها . وأما العقد الأخير فحكمه قائم ، إذ الملك الذى كان ثابتاً للبائع وقت المرابحة كان مبنياً عليه ثابتاً به ، فكان هو المعتبر، فيبيع مرابحة على الثمن الأخير. وأما حجة أبى حنيفة فأساسها أمران: (أحدهما) أنه مادامت الأمانة هى المعتبرة فى هذا العقد؛ إذ العاقد ما عقد إلا على أساسها . فشبهة الخيانة مؤثرة ، كما تؤثر الخيانة نفسها، ونظير ذلك الربا يؤثر فى العقد، وشبهته تؤثر كما يؤثر هو. ثانيهما - أن العقد الأخير غير منقطع الصلة بما سبقه من عقود، ما دام موضوع العقد واحداً، إذ المبيع فيها جميعاً لم يتغير . ولأن العقد الأخير أكد الربح السابق. إذ كان من الجائز أن يرد البائع بخيار العيب، وبالعقد الأخير تقرر العقد الذى قبله، وتقرر الربح الذى صاحبه ، فلا يمكن عدم اعتبارها ما دامت ذات صلة بالعقد الأخير . على هذين الأصلين قامت حجة أبى حنيفة رضى الله عنه ، فالتحرز عن الخيانة وشبهتها ، وصلة العقد الأخير بالعقد الذى سبقه، والربح الذى اكتسبه بالعقد السابق ، كل هذا يوجب عليه البيان ، فإذا لم يبين لا يبيع مرابحة إلا على أساس - ٣٩١ - إطراح كل ربحه ، ويكون ما بقى هو رأس المال ، ولا يكون ريح إلا ما ذكر فى العقد الأخير . ٢١٦ - وهكذا ترى أبا حنيفة يسير فى تفكيره الفقهى فى هذا الباب الخاص ببعض العقود التجارية فى الفقه الإسلامى على أساس الأمانة المطلقة ، يستحفظ عليها . ويستمسك بها مع خبرة تامة بحال الناس وصفقهم فى الأسواق وعرفهم فيها . وإن ما سقناه فى هذا ما قصدنا به شرح هذه الأبواب فى الفقه شرحاً كاملا مستوفى العناصر ، تام البيان ، قد استقصيت أطرافه ، وبينت كل عناصره، وإنما قصدنا أن نقبس منها أمثلة تبين عقل أبى حنيفة ، وفكره الفقهى، وتأثره بممارسة التجارة الأمينة التى كان حريصاً فيها على الأمانة يبالغ فى التشدد فيها، والاستمساك بها، وكيف بدا ذلك فى فقهه . - ٣٩٢ - صورة من فقه أبى حنيفة يطلق فيه إرادة الإنسان ولا يقيدها ٢١٧ - كان أبو حنيفة رجلا حراً يقدر الحرية فى غيره ، كما يريدها لنفسه،. ولذلك كان فى فقهه حريصاً كل الحرص على أن يحترم إرادة الإنسان فى تصرفاته ما دام عاقلا ، فهو لا يسمح لأحد أن يتدخل فى تصرفات العاقل الخاصة به ، فليس للجماعة ، ولا لولى الأمر الذى يمثلها أن يتدخل فى شئون الآحاد الخاصة ، ما دام لم يوجد أمر دينى قد انتهك، ولا حرمات قد أبيحت، إذ تكون حينئذ الحسبة الدينية موجبة للتدخل لحفظ النظام العام . لا لحمل الشخص على أن يعيش فى حياته الخاصة على نظام معين ، أو يدبر أمر ماله بتدبير خاص . ولقد نجد أن النظم القديمة والحديثة للأمم ذوات الحضارات تنقسم فى اتجاهاتها إلى إصلاح الناس إلى قسمين: اتجاه تغلبت فيه النزعة الجماعية، إذ تكون أكثر تصرفات الشخص فى كل ما يتصل بالجماعة عن قرب أو بعد تحت إشراف الدولة ، وهذا كما نرى فى بعض النظم القائمة والتى بادت . والنظام الآخر نظام تنمية الإرادة الإنسانية وتوجيهها بوسائل التهذيب والتوجيه نحو الخير ، ثم ترك حبلها على غاربها من غير رقابة ، وقد قيدت النفس بشكانم خلقية ودينية تعصمها من الشرور والبعد عن الفساد . ولعل أبا حنيفة كان يميل إلى هذا القسم الثانى ، ولذا رأيناه يجعل البالغة العاقلة تمام الولاية فى أمر زواجها، ولم يجعل لوليها عليها من سلطان، وانفرد من بين الأئمة الأربعة بذلك ، ووجدناه يمنع الحجر على السفيه ، وذوى الغفلة ، وعلى المدين ثم وجدناه يمنع كل قيد على ما يملك الإنسان إلا القيود الدينية النفسية ، فوجدناه يبيح للمالك أن يتصرف فى ملكه بكل التصرفات ما دام فى دائرة ملكه ، ثم وجدناه فى سبيل هذه الإرادة يمنع الوقف ، وهكذا تراه يتجه إلى ترك إرادة الإنسان حرة ليس للقضاء شأن معها إلا عند الاعتداء على غيره، وهى فى كلنا حاليها مقيدة بأوامر الدين ، يحاسبها عليها الملك الديان، إن خيراً نخير، وإن شراً فشر - ولنبين كل مسألة من هذه المسائل ببعض التفصيل ، موضحين رأى أبى حنيفة، ورأى مخالفيه . - ٣٩٣ - ولاية المرأة أمر زواجها ٢١٨ - تعطى الشريعة الإسلامية المرأة من الأهلية - سواء أكانت أهلية. وجوب أم أهلية أداء - ما تعطيه الرجل، فهما فيها سواء، فيثبت للمرأة من الحقوق. المالية ما يثبت للرجل ، ويجب عليها مثل ما يجب عليه ، ولها الحق فى مباشرة الأسباب التى تنشىء التزامات ، وتوجب حقوقاً لغيرها ، ما دامت عاقلة ميزة رشيدة فلها ذمة صالحة لكل الالتزامات ، ولها إرادة مستقلة تنشىء بها تصرفات يقرها الشارع . ٢١٩ - بيد أن الفقهاء إذ يقررون ذلك الحق للمرأة، وتلك الأهلية الكاملة يقرر جمهورهم أنها ليست لها الحرية المطلقة فى الزواج ، وإن عبارتها لا تصلح لإنشائه ، فهى إذا كانت بالغة عاقلة رشيدة لا يفرض عليها زوج، وليست مسلوبة الإرادة فى اختيار العشير ، بل لها أن تختار من تشاء من الأزواج ، ولكن ليس لها أن تنفرد فى ذلك الأمر ، بل يشترك معها أولياؤها، ويتولاه بالنيابة عنها أقربهم، وليس لهم أن يعضلوها فيمنعوها من الزوج الكفء الذى ترتضيه ، فإن أساءوا وامتنعوا عن زواجها من الكفء، فلها أن ترفع أمرها إلى القضاء ، لمنع ذلك الظلم فيأمر من يتولى عقد الزواج. هذا ما يقرره جمهور الفقهاء ، وقد خالفهم أبو حنيفة ، ولم يوافقه من فقهاء الجماعة إلا أبو يوسف فى إحدى الروايتين عنه، وانفرد رحمه الله بذلك الرأى الحر وهو أن تتولى زواجها بنفسها، وليس لأحد عليها من سبيل، وإذا كان الزوج كفئاً، والمهر مهر المثل، وإن كان يستحسن أن يتولى عنها وليها العقد ، فإن تولت هى الصيغة فعلت غير المستحسن، ولكن ما عدت ولا ظلمت، ولا أثمت ، وكلامها نافذ ، لأنه فى حدود سلطانها . ٢٢٠ - ولم يكن ذلك الرأى الذى ارتآه أبو حنيفة بدعاً فى الشرع الإسلامى. ولا خروجاً عن سننه ، بل له مستند من الكتاب والسنة والقياس ، وإن كان - ٣٩٤ - يوافق ذلك المنزع الحر فى ذلك الفقيه الحر ، ولنذكر بعض ما يمكن أن يكون .دليلا له : (١) أن الولاية على الحر لا تثبت إلا للضرورة، لأنها تتنافى مع الحرية، إذ تقتضى الحرية أن يكون الشخص مستقلا فى أموره مديراً لكل شئونه ، لا يحد من سلطانه فى شأن نفسه إلا أن يمتد تصرفه إلى غيره بضرر يناله ، ومنع انعقاد النكاح إلا بعبارة الأولياء، ولاية تثبت من غير ضرورة إليها ، وتتنافى مع حرية البالغ العاقل من غير حاجة ماسة ، ولا يحتج بثبوت تلك الولاية قبل البلوغ ، لأنها كانت للعجز بسبب نقصان المدارك، ولا عجز بعد البلوغ . ومن جهة ثانية من المقرر أن المرأة لها الولاية كاملة على مالها ، فتثبت كاملة بالنسبة لزوجها ، ولا فرق بين الأمرين ، ومناط كمال الولاية واحد فيهما ، لأن مناط كمال الولاية البلوغ مع الرشد ، وقد ثبت كمالها فى المال فيثبت فى الزواج أيضاً. ومن جهة ثالثة قد ثبت للفتى بمجرد بلوغه عاقلا ولاية عقد زواجه بنفسه ، فيثبت ذلك أيضاً للفتاة بمجرد بلوغها عاقلة بطريق القياس عليه ، ولا فرق بين الذكر والأنثى بالنسبة للزواج، فإذا كان الزواج خطيراً فهو خطير عليهما ، وإذا كان فى الزواج احتمال ضرر بالأولياء ، فهذا الاحتمال ثابت بالنسبة للفتى ، وإن لم يكن بقدر الفتاة ، لأن الأولاد من خضراء الدمن يجر للأسرة عاراً، وإذا كان الأولياء يتعيرون بزواج المرأة من غير كفء فقد أعطى لهم حق الاعتراض بل لقد فسد الزواج إذا كان بغير كفء، وإذا كان لها ولى عاصب على ما روى الحسن بن زيادة عن أبى حنيفة، وفى ذلك كفاية للمحافظة على حقوقهم، ولا يصح أن يتجاوز ذلك إلى حد التضييق عليها فى حريتها ، ولا سلبها ولايتها . (ب) هذا اعتماد أبى حنيفة من القياس ، ولذلك القياس سند يؤيده من النصوص الشرعية فى الكتاب ، فقد وجدنا الكتاب الكريم يسند النكاح إليها .وهو العقد، وإضافة العقد إليها دليل على أن لها أن تتولاه بنفسها ، ومن ذلك - ٣٩٥ - قوله تعالى: ((فإن طلقها فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله)) ففى هذه الآية الكريمة أضاف الله سبحانه وتعالى النكاح إليها ، وهو حدث، والحدث يضاف إلى فاعله ، فإضافته إليها دليل على اعتبار الشارع للعبارات الصادرة عنها المنشئة للعقد ، ولقد أضاف إليها النكاح مرتين: أحدهما فى قوله تعالى: ((حتى تنكح زوجاً غيره))، والثانية فى قوله تعالى: ((أن يتراجعا)) فلا يصح أن يشك فى أن تلك الإضافة دليل على اعتبار ما صدر عنها نكاحاً يقره الشارع، وإلا ما سماه نكاحاً ، وما سمى ما كان بينها وبين زوجها الأول بعد طلاق الثانى تراجعاً، وعوداً للقديم . ومن جهة ثانية قد جعل هذا الفعل منها غاية للتحريم وإنهاء له ، ولا ينهى تحريم الشارع إلا أمر يعتبره الشارع مزيلا لذلك التحريم ، وذلك لا يكون إلا إذا اعتبر الشارع النكاح الصادر عنها المضاف إليها شرعياً من كل الوجوه. ومن الآيات الكريمة التى أضيف النكاح فيها إليها أيضاً قوله تعالى: ((وإذا طلقتم النساء ، فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن))، وقد أضاف النكاح هنا إليها ، فدل على أنه يعتبر إن أنشأنه ، وفوق ذلك فى الآية دلالة أخرى على أن الولاية لها كاملة ، وليس للأولياء عليها سلطان أن اختارت من الأكفاء لأن الآية فيها نهى الأولياء عن منعها من الزواج بالأكفاء، إذ فيها نهى عن العضل، وهو التضييق الظالم ، وذلك يكون بمنعها من زواج الكفء والنهى عن شىء يثبت أنه غير حق ولا يرضاه الشارع، فنهى الأولياء إذن عن المنع دليل على أن المنع ليس من حقهم، ولا يسوغ لهم ، وذلك يدل على أن للمرأة كامل الولاية فى اختيار الأكفاء. (ح) واقد ورد أيضاً من الأحاديث الشريفة ما يعد سناداً لمذهب أبى حنيفة فى حرية المرأة فى الزواج من الأكفاء، من ذلك قوله صت له: «الأيم أحق بنفسها من وليها)) والأيم من لا زوج لها. وقوله تعَ الى: (( ليس للولى مع الثيب أمر، وذلك بلا ريب يدل على أن نكاح - ٣٩٦ - الشيب بنفسها معتبر من الشارع صحيح عنده ، ولو كان زواجها لا يجوز إلا بالولى. لكان له أمر معها، وذلك ينافى الحديث. ٢٢١ - هذا ما يصح أن يكون حجة لأبى حنيفة الحر فما انفرد به من بين. الفقهاء فى تقرير الحرية الكاملة للمرأة فى الزواج. ولكى يلم القارئ" بالموضوع من طرفيه، يجب أن يكون على بينة بحجة غيره، ودليلهم ، حتى لا يكون ثمة تحيف عليهم ، وعدم إنصاف لهم ، ولذلك نسوق حجتهم مفصلة : لقد احتج الذين قيدوا حرية المرأة فى الزواج ، ولم يجعلوا حقها فى الاختيار مطلقاً، ولم يجعلوا ولاية إنشاء الزواج لها بأدلة من القرآن، والسنة ، والقياس. (١) أما حجتهم من القرآن فقوله تعالى: ((وأنكحوا الأيامى منكم، والصالحين من عبادكم وإمائكم ، فالنكاح إذا أضيف للمرأة فى القرآن ، فباعتبار أن آثاره ترجع إليها، وإلى زوجها، ولا ترجع أحكامه إلى الأولياء. وأما الإنكاح، وهو إحداث عقد النكاح فقد أضيف فى هذه الآية ومثيلاتها إلى الأولياء، وهو نص فى إحداث عقد الزواج، ومثل ذلك قوله تعالى: ((ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا)) فى مقابل قوله تعالى: ((ولا تنكجوا المشركات ، حتى يؤمن ، فلما كان الفعل متعلقاً بإنشاء العقد للرجل أضيف النكاح وأثره إليه . ولما كان الأمر متعلقاً بتزويج المشركين من نساء مسلمات لم يجعل الخطاب للنساء ، بل لأوليائهن بنهيهم عن الإنكاح بأن يعقدوا للنساء اللاءى فى ولا يتهم عقداً على مشرك، وفى كل هذا كانت إضافة الصيغة للرجل ، مع أنها كانت تتعلق بالمرأة ، ولا تتعلق بغيرها ، فإذا كانت الإضافة تكون لمن له الولاية، فالولاية للرجل، وليس فى القرآن كله عبارة تضيف الإنكاح إلى المرأة. (ب) وأما السنة فما ورد فى الآثار من أنه عَّ الّه، قال: ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه، فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض، وفساد كبير)) ومن أنه قال ◌َّ له: ((أيما امرأة زوجت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، باطل، باطل - ٣٩٧ - وإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها، فإن اشتجروا فالسلطان ولى من الأولى له )) أخرجه الترمذى، وقال فيه: ((حديث حسن ))، ولقد جاء فيما رواه ابن عباس عن النبى عَّ الّه أنه قال: ((لا نكاح إلا بولى وشاهدى عدل))، وغير ذلك من الآثار ، وكلها تؤدى إلى معنى واحد، وهو أن النكاح لا يعقد بعبارة النساء، بل الذى يتولى الصيغة وإنشاءه الرجل . (ح) وأما دليل العقل فهو أن النكاح عظيم الخطر، عميق الأثر فى حياة الرجل والمرأة، يربط أسرتين، وهو بالنسبة لأسرة المرأة إما أن يجلب خزياً، وإما أن يفيد شرفاً، فأسرة المرأة ينقصها أن تتزوج من خسيس ، والرجل لا ينقصه ولا ينقص أسرته أن يتزوج من الخسيسة ، لأن عقد النكاح بيده، لذلك كان لا بد من اشتراك أولياء المرأة معها فى الرأى، ولا يصح أن تنفرد دونهم، لأن عقى الزواج لا تعود عليها وحدها، بل تتعدى إليهم ، إما بالاطمئنان ، وإما بالعار . ثم إن معرفة أحوال الرجال ، ومكنون نفوسهم، وخفايا شئونهم، لا تتم إلا بالممارسة والمخالطة ، وتقصى أحوالهم والاتصال بهم ، ومعرفة كفاءتهم للمرأة فى الزواج تستدعى كل هذا، وهى لا تتم للمرأة التى تقر فى بيتها ، وتسكن إلى أهلها بل حتى التى تغشى الأسواق ، ولا تمتنع عن مخالطة الرجال . ومن السهل على الرجل أن يتعرف بهم ، ويستقصى أخبارهم ، وله من هدوء النفس والاطمئنان ما يجعله يوازن ويقايس، حتى يصل إلى اليقين الجازم ، أو الظن الراجح . أما المرأة فقد تدفعها غرارتها وسذاجتها ، أو الرغبة الجامحة ، إلى أن ترى حسناً ما ليس بالحسن وكفئاً من ليس بالكفء، فكان من مصلحتها أن يشترك غيرها معها فى ذلك الأمر الجليل الذى يمتد إلى حياتها كلها، ولا بد إذن من أن يكون وليها معها فى عقد زواجها. ٢٢٢ - هذه أدلة الفريقين فى الأمر الذى خالف أبو حنيفة فيه جمهور الفقهاء .وقد انفرد من بينهم بذلك الرأى الحر ، الذى يقدر حرية المرأة كاملة فى اختيارها الزوج، وإنشاء عقد الزواج.