Indexed OCR Text

Pages 341-360

- ٣٣٨ -
الأصول التى يقررون نسبتها إليه كما تدل على ذلك الفروع المأثورة عنه - لتنتهى
بنا إلى هذه النتيجة ، وهى تعميم العلل .
فإنه قد روى فيما روى أن أبا حنيفة رضى الله عنه كان يقدر المسائل غير الواقعة
واقعة، ويضع الأحكام لها ، وذلك لا يكون إلا إذا كان يستنط علل الأحكام
المؤثرة فى وجودها ، ويعهم إنتاجها، ويطبقها على المسائل المفروضة، ويختبر تأثيرها
فيها، وإذا كان هو أول الفقهاء الذين أكثروا من الفقه التقديرى ، حتى فان بعض
العلماء أنه أول من سلك سبيله، فهو إذن أول الفقهاء الذين أكثروا من تعميم العلل.
ولقد وجدنا أبا حنيفة عند أخذه بحديث أبى هريرة الذى يقضى بعدم إفطار من
أكل أو شرب ناسياً، يقول: إنه لولا النص لأخذنا بالقياس، فهو بهذا يقرر أن
هناك علة للإفطار تعم ، وأن هذه العلة تشمل بعمومها موضع ذلك النص، وأنه كان
يقضى بهذا العموم ، لولا النص الذى ورد، فمنع إطراده.
وإن أبا حنيفة رضى الله عنه، كما تدل الأخبار الواردة عن اجتهاده ، كان يرى
فى عموم العلة أحياناً ، ما يجعل حكم القياس منافراً لتعامل الناس ، لا يستقيم مع
أحوالهم، ولا يتفق مع ما توجبه المصلحة الواجبة الاعتبار ، والتى شهدت نصوص
الشارع، واستقراء أحكامه باعتبارها ؛ ففي هذه الحال يعدل عن القيام إلى
الاستحسان ، فهو كما يقول عنه الرواة : كان لا يقيس إلا إذا قبح القياس، فيستحسن
وذلك بلا ريب يدل على أنه كان يسير بالعلة المؤثرة فى عمومها، حتى إذا جاء إلى
موضع وجد أن تطبيق العلة فيه يقبح ولا يحسن ، فإنه حينئذ يستحسن؛ ولا يقدح
ذلك فى تأثير العله، فإن مثلها فى ذلك كمثل القوانين التى تعم أحكامها ، فإن تطبيقها
تطبيقاً حرفياً كما يعبر بعض القانونيين لا يخلو أحياناً من ظلم ، وذلك لا يقدح فى
صلاحيتها ، وأصل اعتبارها .
ولقد وجدنا علماء الأصول الذين استنبطوا أصول الفقه الحنفي من فروعه ،
يقررون أن شرط النص الذى يعلل ألا يكون معدولا به عن القياس ، وليس لهذا

- ٣٣٩ -
معنى، إلا إذا كانت علل الأحكام تعم. ويثبت الحكم الذى أثبت الاجتهاد أنه أثر
لهما، فى كل موضع تثبت فيه .
١٧٠ - مما تقدم يتبين بجلاء أن أبا حنيفة رضى الله عنه كان يعمم العلل فى
الأحكام التى يستنبطها، وبذلك يجمع الفروع فى قواعد خاصة هى هذه العلل
المستنبطة ، وهذا ما تميز به فقهه فى عصره، وما تميز به فقهاء الرأى على فقهاء الأثر
فى ذلك العصر .
ولقد تناقش العلماء من بعده فى قبول العلل المستنبطة التى اتفقوا على أنها فى
أصلها عامة - للتخصيص بالاجتهاد وفى غير مواضع الاستحسان ، فقال بعضهم إنها
تقبل التخصيص ، وقال آخرون إنها لا تقبل التخصيص .
وممن رأوا جواز تخصيصها بالاجتهاد القاضى أبو زيد الدبوسى ، وأبو الحسن
الكرخى، وأبو بكر الرازى، ومن رأوا عدم جواز تخصيصها نر الإسلام البزدوى.
وقد اتفق المانعون والمجيزون على أن العلة متى ورد عليها ما يمنع تعدى حكمها
وينقض تأثيرها بطلت ، ويكون ذلك دليلا على أن الوصف لا يصلح علة ، إنما
موضع الخلاف فى الحال التى تكون فيها سارية ، ولم يقم دليل على عدم صلاحيتها،
أهى تقبل مع ذلك التخلف أو عدم ترتب الحكم فى بعض الفروع باجتهاد ورأى
فقهى ، أم لا تقبل التخلف وعدم ترتب الحكم فى بعض الفروع أصلا إلا بنص
يكون معدولا به عن القياس أو باستحسان.؟ هذا موضع الخلاف. وحجة من قال
إن التخصيص جائز، أن الدولة أمارة على الحكم وليست موجبة بنفسها . فقد جعلها
الشارع الحكيم أمارة على الحكم ، وابتلى المجتهد باستنباطها ، جاز أن تكون أمارة
للحكم فى محل، وأن تتخلف فى موضع الخلاف ؛ وإنها أمارة بظهور الحكم بأثرها فى
غالب الأحوال، لا فى كلها، كالغيم الرطب فى الشتاء هو أمارة الأمطار ، وقد يتخلف
فى بعض الأحوال ، ولا يكون ذلك دليلا على أنه لم يعد أمارة للمطر.
وأيضاً فإن الثابت المجمع عليه أن عمل العلة يتخلف عند وجود نص معدول

- ٣٤٠ -
به عن القياس، أو عند إجماع، أو ضرورة، أو استحسان، فيجوز أيضاً تخصيصها
بالاجتهاد ، لوجود مانع يمنع تعميم حكمها .
وحجة من قال إن التخصيص للعلة غير مكن ، أن وجود العلم مع تخلف حكمها
من غير نص نقض لهذه العلة ، وسلب لتأثيرها ؛ فيلغى بذلك كون الوصف علة ،
فلا يصلح، ولا يكون متعدياً لغيره ، ولا يستقيم به قياس، ثم إن التخصيص معناه
قيام الدليل على أن العلة لا تدل على الحكم فى الموضع، وأن ذلك نفى للعلة عن كونها
مؤثرة للحكم فى ذلك الموضع ، ومؤدى ذلك أنها لا تنطبق فيه ، أى لا توجد فيه ،
فلا تخصيص إذن ، أو توجد، ولا تؤدى مؤداها من غير مقتض ؛ وذلك عبث غير
صالح لأن يكون مسلكا من مسالك الاجتهاد الفقهى ؛ وإذا كان ثمة مانع اقتضى عدم
ترقب الحكم، وكان له أثر فى ذلك ، فإن العلة لا تكون فى هذه الحال موجودة
فى الفرع .
وأيضاً فإن مؤدى تخصيصها أن تكون العلة غير أمارة على الحكم فى الفروع
التى خصصت دونها ، ويتبين عدم ملاءمتها للحكم فيها ، وذلك يؤدى إلى ألا تكون
موجودة فى ذلك الفرع ، أو يقتضى إدخال تغيير فى اعتبار الوصف الذى اعتبر
أولا علة بزيادة قيود فيه ، ومثل ذلك مثل من استدل على طريقه فى برية بأميال
منصوبة ، ثم رأى ميلا لا يدل على الطريق ؛ لأنه أسود ، فإنه لا يستدل فيما بعد
على طريقه بوجود ميل دون أن يعلم أنه غير أسود ، فإنه بلا ريب يؤدى إلى أن
اعتبار كون العلة هى هذا الوصف من غير ذلك القيد كان باطلا ، فالتخصيص
يؤدى إلى نقض العلة وبطلانها من هذه الوجوه المختلفة .
ولا يحتج بالنصوص المعدولة عن القياس ، والاستحسان ، لأن شرط القياس
يتخلف فى الأولى ، والعلة لا توجد فى الفروع التى يوجد فيها الاستحسان ، لأن
الملامة لا تتحقق ، إذ لا يتحقق التأثير ، ولا يكون الوصف موجوداً فى الفرع إلا
فى ظاهر الأمر .

- ٣٤١ -
١٧١ - هذا بحث نظرى ساقنا إليه ما قرره فقهاء الرأى من تعميم
العلل فى ترتيب أحكامها ، ومبالغة بعضهم فى ذلك ، حتى لقد قرروا أن ذلك العموم
لا يقبل التخصيص ، مع أن عموم النصوص يقبلها، وإن ذلك العموم والمبالغة
فى الاستمساك به ، هو فيصل التفرقة بين فقهاء العراق وفقهاء الحجاز فى عصر
أبى حنيفة كما بينا، وهو الذى جعل أبى حنيفة، إذ يحرص على تعميم العلل ما استقام
القياس ، يشتهر بالرأى أكثر مما يشتهر بالأثر، وجعل خبر أقيسته وإطرادها يذيع
عنه وينشر ، وإن كان هو إمام يتمسك بالسنة ويتبع ولا يبتدع.

- ٣٤٢ -
٦ - الاستحمان
١٧٢ - أكثر أبو حنيفة من الاستحسان، وكان فيه لا يجارى. حتى لقد
قال محمد رضى الله عنه: (( إن أصحابه كانوا ينازعونه المقاييس، فإذا قال استحسن
لم يلحق به أحد)، ولقد كان يقيس ما استقام له القياس، ولم يقبح، فإذا قبح القياس
استحسن ، ولاحظ تعامل الناس .
وكان إكثار أبى حنيفة من الاستحسان مثار طعن الذين ينتقصون قدره،
ويبخسونه حظه من الفقه والتق ، فإنهم لم يجدوا فى القياس ما يعتبر خروجاً على
النصوص من كل الوجوه، لأنه حمل على النص، ووجدوا فى الاستحسان ذلك
إذا لم يقم على النص .
ولقد قال صاحب كشف الأسرار فى تعليقه على باب الاستحسان الذى كتبه
نغر الإسلام البزدوى ما نصه :
(( أعلم أن بعض القادحين فى المسلمين طعن على أبى حنيفة وأصحابه رضى الله عنهم
فى تركهم القياس بالاستحسان . وقال: حجج الشرع الكتاب ، والسنة ، والإجماع ،
والقياس ، والاستحسان قسم خاص لم يعرف أحد من حملة الشرع سوى أبى حنيفة
وأصحابه لأنه من دلائل الشرع، ولم يقم عليه دليل، بل هو قول بالتشهى ؛ فكان
ترك القياس به تركا للحجة ، لاتباع الهوى. أو شهوة نفس. فكان باطلا: ثم إن
القياس الذى تركوه بالاستحسان إن كان حجة شرعية فالحجة الشرعية حق . وماذا
بعد الحق إلا الضلال، وإن كان باطلافالباطل واجب الترك، ومما لا يشتغل بذكره.
وأنهم قد ذكروا فى بعض المواضع، أنا نأخذ بالقياس، ونترك الاستحسان به ،
فكيف يجوز الأخذ بالباطل ، والعمل به .. وكل ذلك طعن من غير روية ، وقدح
من غير وقوف على المراد !! فأبو حنيفة أجل قدراً. وأشد ورعاً من أن يقول
فى الدين بالتشهى، أو يعمل بما استحسنه من غير دليل قام عليه شرعاً ... فالشيخ
رحمه الله عقد الباب لبيان المراد من هذا اللفظ والكشف عن حقيقته دفعاً لهذا الطعن)).(١)
(١) كشف الأسرار الجزء الرابع .

- ٣٤٣ -
١٧٣ - من هذا الكلام يتبين كيف كان الأخذ بالاستحسان مثار نقد عنيف
لأبى حنيفة، لأنه فتوى فى الدين غير مضبوطة بضابط فى زعمهم ، وكل فتوى
من غير حمل على نص، وبضابط يعتمد على النص ، هى خروج عن نطاق النصوص ،
واتخاذ الهوى شارعاً .
ولقد اختلف العلماء فى عصر أبى حنيفة ومن بعده فى الاستحسان . فمالك الذى
عاصر أباحنيفة كان يقول: ((الاستحسان تسعة أعشار العلم))، والشافعى الذى جاءمن
بعدهما كان يقول: ((من استحسن فقد شرع)) وعقد فصلا فى كتاب الإسم سماه
((كتاب إبطال الاستحسان)) وساق الأدلة لإثبات بطلانه، وقال إن الفتوى يجب أن
تكون من النص ، أو بالحمل على النص ، فالاجتهاد بالرأى لا يكون بغير القياس، لأنه
حمل على النصوص، والاستحسان باطل، لأنه ليس أخذاً بالنصوص، ولا حملا عليها.
١٧٤ - ولكن ما الاستحسان الذى اختلف فيه الفقهاء ذلك الاختلاف ، ولم
يكن الاختلاف فيه بين فقها. الحجاز والعراق ، بل عده إمام المدينة مالك تسعة
أعشار العلم، وناقده تلميذه الشافعى فيه ، وحرر المقال لإثبات أنه باطل فى الدين ؟
لقد بين فقهاء الحنفية الاستحسان المأثور عن أبى حنيفة ووضعوا ضوابط
للفروع التى كان الاجتهاد فيها بالاستحسان، ومن تعريفهم وضوابطهم يتبين أن
استحسانات أبى حنيفة لم تكن خروجاً على النص والقياس، بل كانت من الاستمساك
بهما ، وأن الاستحسان الذى أخذ به أبو حنيفة، إنما كان منعاً للقياس من أن يكون
تعمم علته منافياً لمصالح الناس التى قام الدليل من الشارع على اعتبارها ، أو مخالفاً
للنصوص ، أو الإجماع، أو عندما تتعارض العلل الشرعية المعتبرة، فيرجح أقواها
تأثيراً فى موضوع النزاع، وإن لم يكن هو الظاهر الجلى .
ولقد اختلف الفقهاء فى تعريف الاستحسان الذى كان يأخذ به أبو حنيفة
وأصحابه، فعرفه بعضهم بأنه: «العدول عن موجب القياس إلى قياس أقوى منه))
وهذا تعريف غير جامع لكل أنواع الاستحسان ، فمنها مالا يكون العدول فيه إلى
قياس ، بل إلى نص أو إلى الإجماع. وأحسن تعريف فى نظرى هو ما قاله

- ٣٤٤ -
أبو الحسن الكرخى، وهو: ((أن يعدل المجتهد عن أن يحكم فى المسألة بمثل ما حكم
به فى نظائرها، لوجه أقوى يقتضى العدول عن الأول)) .
وإنما رأينا أن ذلك التعريف أبين التعريفات لحقيقة الاستحسان ، لأنه يشمل
كل أنواعه، ويبين أساسه ولبه، إذ أساسه أن يجىء الحكم مخالفاً قاعدة مطردة،
لأمر يجعل الخروج عن القاعدة أقرب إلى الشرع من الاستمساك بالقاعدة، فيكون
الاعتماد عليه أقوى استدلالا فى المسألة من القياس ، ويصور أن الاستحسان
كيفما كانت صوره وأقسامه يكون فى مسألة جزئية ، ولو نسبياً فى مقابل قاعدة كلية،
فيلجأ إليه الفقيه فى هذه الجزئية ، لكيلا لا يؤدى الإغراق فى القاعدة إلى الابتعاد
عن الشرع فى روحه ومعناه(١).
(١) هذا هو الاستحسان عند الحنفية، أما حقيقة الاستحسان المالكية، فقد اختلف فى تعريفها
فقهاء المذهب المالكى، فعرفه ابن العربى بأنه: «إيثار ترك الدليل على طريق الاستثناء والترخيص
لمعارضة ما يعارض به فى بعض مقتضياته، وقسمه إلى أربعة أقسام وهى : ترك الدليل العرف ، وتركه
للإجماع، وتركه المصلحة ، وتركه التيسير ورفع المشقة والتوسعة، ويرد ذلك التعريف ابن الانبارى ،
ويقول: ((الذى يظهر من مذهب مالك القول بالاستحسان، لا على المعنى السابق، بل هو استعمال
مصلحة جزئية فى مقابل قياس كلى ، فهو يقدم الاستدلال المرسل على القياس ، ومثاله : لو اشترى سلعة
بالخيار، ثم مات ، فاختلف ورثته فى الإمضاء والرد، قال أشهب: القياس الفخ، ولكنا نتحن
إذا قبل البعض الممضى نصيب الراد ، إذا امتنع البائع من قبوله ، أن نمضيه » .
ويقارب ذلك التعريف قول ابن رشد فى الاستحسان: ((الاستحسان الذى يكثر استعماله، حتى
يكون أعم من القياس هو أن يكون طرحاً لقياس يؤدى إلى غلو فى الحكم ومبالغة فيه ، فعدل عنه
فى بعض المواضع، لمعنى يؤثر فى الحكم يختص به ذلك الموضع».
لا شك أن اتجاه هذين التعريفين مصوب نحو غاية واحدة ، وهى ألا يتقيد الفقيه المجتهد عند بحث
الجزئيات بتطبيق ما يؤدى إليه اطراد القياس، بل يترك لتقديره الفقى ما يراه المصلحة أو الأمر الحسن
فى هذه القضية الجزئية ما دام لا يخالف نصاً من كتاب أو سنة ، وحينئذ يقارب هذان التعريفان من
التعريف الذى ساقه بعض المالكية بقوله: « إنه دليل ينقدح فى نفس المجتهد لا تساعده العبارة عنه=

- ٣٤٥ -
١٧٥ - ويقسم الحنفية الاستحسان إلى قسمين : أحدهما استحسان القياس ،
وهو أن يكون فى المسألة وصفان يقتضيان قياسين متباينين أحدهما ظاهر متبادر ،
وهو القياس الاصطلاحى، والآخر خفى يقتضى إلحاقها بأصل آخر، فيسمى استحساناً،
أى أن القضية التى ينظر فى حكمها يرى الفقيه أن كليهما ينطبق عليها، ولكن أحدهما
ظاهر يعمل فى نظائر هذه المسألة، والآخر خفى فى هذه المسألة إذ لا يعمل فى
نظائرها، ولكن يكون فى المسألة ما يوجب عمل هذا الخفى الذى لم يطرد فى نظائره،
ولذلك يقول شمس الأئمة فى هذا النوع من الاستحسان: ((والاستحسان فى الحقيقة
قياسان: أحدهما جلى ضعيف الأثر، فيسمى قياساً، والآخر خفى قوى الأثر فيسمى
استحساناً، أى قياساً مستحسناً، فالترجيح بالأثر لا بالخفاء والوضوح)) (١).
وترى من هذا أن ذلك الاستحسان يتفق تمام الاتفاق مع صنيع فقهاء الرأى
= ولا يقدر على إظهاره»، أى أن الاستحسان هو ما يسمى فى عرفنا الحاضر الاتجاه إلى روح القانون،
والاعتماد فى ذلك على كمال فقه المجتهد وإلمامه التام بالشريعة ، وليس معنى أن العبارة لا تساعده أنه لا
يمكنه إقامة الدليل على وجه المصلحة فيه ، بل معناه ألا يمكنه إظهار الأصل الفقى الذى يعتمد عليه .
والخلاصة أن الاستحسان عند المالكية فيما يظهر أخذ مصلحة جزئية فى مقابل دليل كلى ، والفرق بين
الاستحسان والمصالح المرسلة ، أن المصلحة المرسلة أخذ مصلحة لا يشهد لها دليل خاص بالنفى أو الإثبات ،
فى موضع لا دليل فيه غير كونها مصلحة، وأما الاستحسان ، فأخذ بمصلحة فى مسألة جزئية ينطبق عليها
دليل كلى ليس بكتاب ولا سنة ، وترك ذلك الدليل الكلى .
(١) راجع المبسوط جـ ١٠ ص ١٤٥ وقد جاء فى تعريفه للاستحسان ما نصه: ((الاستحسان ترك
القياس ، والأخذ بما هو أوفق للناس ، وقيل الاستحسان طلب السهولة فى الأحكام فيما يبتلى فيه الخاص
والعام ، وقيل الأخذ بالسعة وابتغاء الدعة ، وقيل الأخذ بالسماحة وابتغاء ما فيه الراحة . وحاصل هذه
العبارات أنه ترك العسر لليسر، وهو أصل فى الدين، وقال الله تعالى: «يريد الله بكم اليسر،
ولا يريد بكم العسر»، وقال صلى الله عليه وسلم: ((خير دينكم اليسر٠٠٠)»، وبيان هذا أن المرأة
عورة من قرنها إلى قدمها وهو القياس الظاهر، «إليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال
المرأة عورة مستورة)) ثم أبيح به النظر إلى بعض المواضع منها الحاجة والضرورة ، فكان ذلك
أرفق بالناس » .
والسرخسى شارح الفقة الحنفى يبين أن أصل مشروعية الاستحسان للتيسير ، ومنع غلو القياس .

- ٣٤٦ -
ومسالكهم فى الاجتهاد ، إذ أنهم يستنبطون علل الأحكام من النصوص ، ثم
يعمدون أحكامها؛ كما بينا فى القياس، ومن المعقول حينئذ أن تتعارض علتان فى
مسألة واحدة، إذ يكون أحد الوصفين يمكن تطبيقه عليها، ولكنه ضعيف الأثر
فيه وإن كان ظاهراً، لأنه مطبق فى كل نظائرها، والآخر قوى غير ظاهر، لأنه
غير مطبق فى نظائرها، فيختار الفقيه قوى الأثر، لأنه أقوى إنتاجاً ، ويسمى ذلك
استحساناً ، وإن كان فى حقيقته وكنهه قياساً .
ومن أمثلة ذلك تحالف البائع والمشترى إذا اختلفا فى مقدار الثمن ، قبل أن
يقبض المشترى والمبيع والبائع الثمن، فإن القياس كان يوجب أن يحلف المشترى
على الزيادة التى يدعيها البائع فى الثمن، إذ هما قد اتفقا على مقدار، وهو الذى يقر
المشترى به ، واختلفا فى الزيادة ، فادعاها البائع، وأنكرها المشترى ، والقاعدة
العامة أن البينة على المدعى واليمين على من أنكر ، فلا يمين على البائع، لأنه المدعى ،
هذا هو القياس، ولكن استحسن أن يحلف البائع ، كما يحلف المشترى ، لأن كلهما
يدعى شيئاً ينكره الآخر، فالبائع يدعى الزيادة، كما علمت، والمشترى يدعى استحقاق
القبض ، ووجوب التسليم بالثمن الذى يقر به ، والبائع ينكر ذلك الاستحقاق،
فكان كلاهما مدعياً، ومدعى عليه، فيتحالفان ، إذا لم يكن ثمة إثبات لأحدهما.
وأما إذا كان الاختلاف بعد القبض، فإنهما يتحالفان استحساناً أيضاً، ولكن
لا لاستحسان القياس. بل لورود الأثر. وهو قوله عنّ اله: ((إذا اختلف المتمايعان،
والسلعة قائمة، تحالفا وترادا)).
ومن هذا يتبين أن الاستحسان قبل القبض كان للعلة الخفية ، ولذلك يتعدى
ذلك الحكم إلى كل العقود إذا كان الخلاف قبل القبض ، ولو كان الخلاف بين
أحد العاقدين وورثة الآخر ، لأن الاستحسان لأجل العلة الخفية يتعدى، طرداً
لعموم العلة، كما نوهنا إلى ذلك فى القياس، وأما عد القبض فالاستحسان للأثر
فيقتصر على البيع، وعلى الحال التى يكون الخلاف فيها بين العاقدين أنفسهما.
ومن أمثلة ذلك النوع من الاستحسان أيضاً مسألة سؤر سباع الطير ، وهو

- ٣٤٧ -
بقية الماء الذى يشرب منه ، فإن سباع الطير تشبه سباع البهائم فى كون لحمها غير
مأكول، وكون لحمها نجساً ، وبما أن سؤر سباع البهاثم نجس، فينبغى أن يكون سؤر
سباع الطير كالنسر، والحدأة، نجساً أيضاً، وهو موجب القياس، ولكن الاستحسان
يتجه لقياس آخر خفى ، وهو أن سؤر سباع البهائم كان نجساً لوجود لعابها فيه ،
واللعاب متصل باللحم، فهو نجس بنجاسته ، أما سباع الطير فهى تشرب بمناقيرها،
فلا تلقى لعابها فى الماء، فلا يتنجس به ، فلا يكون السؤر نجساً، وللاحتياط قالوا
إنه مكروه الاستعمال .
ولا شك أن ذلك إعمالا للعلة الخفية، لأنها أقوى أثراً فى المسألة موضع النزاع.
١٧٦ - والقسم الثانى من أقسام الاستحسان ألا يكون الداعى إلى الاستحسان
علة خفية أقوى أثراً من العلة الظاهرة، ولكن يوجد داع آخر ، ليس أساسه قياساً
معارضاً خفياً يطرد ، بل سببه معارضة القياس لمصادر شرعية أو أمور أوجب
الإسلام مراعاتها .
ومعارض القياس فى هذه الحال هو الأثر ، أو الإجماع ، أو الضرورة التى إذا
لم يؤخذ بها كان الناس فى حرج شديد . ويقسمونه حينئذ إلى استحسان السنة ،
واستحسان الإجماع ، واستحسان الضرورة .
فاستحسان السنة أن يثبت من السنة ما يوجب رد القياس ، كما روى عن صحة
الصيام مع الأكل أو الشرب ناسياً ، فإن القياس كان يوجب الإفطار ، ولكن رد
أبو حنيفة القياس لهذه الرواية كما نقل عنه .
واستحسان الإجماع ، أن يترك القياس فى مسألة ، لانعقاد الإجماع على غير
ما يؤدى إليه ، وذلك كانعقاد إجماع المسلمين على مصحة عقد الاستصناع ، فإن القياس
كان يوجب بطلانه ، لأن محل العقد معدوم وقت إنشاء العقد ، ولكن العمل
فى كل الأزمان على صحته ، وتعارفوا عقده ، فكان ذلك إجماعاً يترك به القياس ،
وكان عدولا عن دليل إلى أقوى منه .

- ٣٤٨ -
وأما استحسان الضرورة، فهو أن توجد ضرورة تحمل المجتهد على ترك القياس
والأخذ بمقتضياتها، مثل تطهير الأحواض والآبار، فإنه لا يمكن تطهيرها إذا أخذنا
بالقياس، إذ كما قال صاحب كشف الأسرار: ((لا يمكن صب الماء على الحوض أو
البئر ليتطهر ، وكذا الماء الداخل فى الحوض، أو الذى ينبع من البئر يتنجس بملاقاة
النجس ، والدلو تتنجس بملاقاة الماء فلا تزال تعود ، وهى نجسة ، فاستحسنوا ترك
العمل بموجب القياس للضرورة المحوجة، وللضرورة أثر فى سقوط الخطاب)) ولذا
قرروا التطهير بمقادير من الأدلاء مختلفة ، على ما هو مبين فى كتب الفقه الحنفى.
وهناك ترك القياس أيضاً إلى دليل شرعى ثابت ، أو أصل كلى مقرر ، وهو
اعتبار الضرورات مسقطة لبعض المحظورات تيسيراً على الناس .
١٧٧ - هذا هو الاستحسان، كما تقرر كتب الأصول فى المذهب الحنفى، وقد
استنبطوه وطبقوه ، وكان معين الاستنباط فروعاً مأثورة ، وكان موضع التطبيق
فروعاً كذلك، وليس لنا إلا أن نقرر أن قواعده مضبوطة مستقيمة .
وما من شك فى أن ما ساقوه من تعارض الأدلة كان موضع نظر أبى حنيفة
رضى الله عنه، فقد رأيناه يترك أقيسته إذا قبحت، ولم تتفق مع تعامل الناس ،
ورأيناه يترك قياسه للأثر ، ورأيناه شديد الاتباع لما عليه الفقهاء من بلده ، فهو بلا
ريب كان يترك أقيسته لهذه الأسباب، وقد سمى العلماء ذلك الترك لهذه العلل المطردة
التى يرى قبحاً فى تطبيقها فى بعض المسائل - استحساناً - فهو أصل الاستنباط عند
أبى حنيفة، وإن لم يؤثر عنه أنه ضبطه، وعرفه ووضع أقسامه ، ودون موازينه .
١٧٨ - وقبل أن نترك الكلام فى الاستحسان، لا بد أن نشير إلى مسألة خاض
فيها علماء التخريج فى المذهب الحنفى ، وهى المسائل التى يتنازعها موجب القياس
والاستحسان ، أتعد مسائل فيها رأيان: أحدهما القياس ، والآخر الاستحسان ،
وأن الأخذ بالاستحسان أرجح من القياس ، ومن سلك مسلك القياس يكون قد
أخذ بقول مرجوح ، أم أنها لا يكون فيها عن أبى حنيفة إلا قول واحد ، وهو
ما يكون متفقاً مع الاستحسان ؟

- ٣٤٩ -
إنى أرى فى الجواب عن هذا السؤال أن وجه القياس لا يمكن أن يكون قولا
لأبى حنيفة، لأنه لم يؤثر عنه أنه رآه قولا ، فلا يمكن أن تحمله قولا لم يقله، ولأن
المأثور عنه أنه يترك القياس إلى الاستحسان إذا قبح القياس، وما لأحد أن ينسب
إليه قولا يقال عنه إنه ترك دليله ، ووجد تطبيقه يقبح ، فكيف يكون رأياً له ،
وهو يحكم بأنه قبيح لا يؤخذ به ، ولأن من أنواع الاستحسان، ما هو أخذ بالحديث
وما كان لأحد أن يقول: إن أبا حنيفة له رأى يتفق مع القياس فى المسألة التى تركه
فيها لأجل الحديث ، وهو يصرح فيها بأنه ترك موجب القياس لأجل الحديث ،
وكذلك الأمر فى الإجماع والضرورة ، فأبو حنيفة فى هذه المسائل كلها يترك موجب
القياس لأجلها ، فلا يصح أن يقال بعدئذ : إن وجه القياس قول له .
ولقد صرح بخطأ من قال ذلك السرخسى، فقال: ((إن بعض المتأخرين من
أصحابنا ظن أن العمل بالاستحسان أولى مع جواز العمل بالقياس فى موضع
الاستحسان .. وهذا وهم عندى، فإن اللفظ المذكور فى عامة الكتب: ((إلا أنا
تركنا هذا القياس))، والمتروك لا يجوز العمل به، وربما قيل: ((إلا أنى أستقبح ذلك
وما يجوز العمل به شرعاً يكون استقباحه كفراً ... فعرفنا أن القياس متروك
فى معارضة الاستحسان أصلا، وأن الأضعف يسقط فى مقابلة الأقوى)،(١).
وبهذا القول الواضح الجلى يتبين خطأ من اعتبر وجه القياس رأياً، والله سبحانه
وتعالى أعلم .
(١) كشف الأسرار الجزء الرابع ص ١١٢٤

-- ٢٥٠ -
٧ - العرف(١)
١٧٩ - نريد أن نعيد هنا نقل كلمة ذكرناها فى صدر كلامنا عن الأصول التى.
بنى عليها أبو حنيفة استنباطه، فقد قال سهل بن مزاحم: «كلام أبى حنيفة أخذ بالثقة
وفرار من القبح ، والنظر فى معاملات الناس ، وما استقاموا عليه وصلحت عليه
أمورهم ، يمضى الأمور على القياس ، فإذا قبح القياس ، يمضيها على الاستحسان
ما دام يمضى له، فإذا لم يمض له رجع إلى ما يتعامل به المسلمون )) ، وهذا النص يدل
على أمرين :
( أحدهما) أنه يمضى الأمور على القياس أو الاستحسان، إن لم يكن نص، وأنه
يأخذ بأيهما يراه أسلم وأوفق وأكثر اتصالا بالقضية وبمعانى الشرع.
( ثانيهما) أنه إذا لم يمض له قياس ولا استحسان فى المسألة ، نظر إلى ما عليه
تعامل الناس ، وتعامل الناس هو العرف الجارى بينهم ، فهو يأخذ بالعرف إذا
لم يكن ثمة نص من كتاب، أو سنة ، ولا إجماع ، ولا حمل على النصوص بطريق
القياس أو الاستحسان، بكل طرائقه . سواء أكان استحسان قياس أم استحسان
أثر أم استحسان إجماع أو ضرورة .
وفى الجملة إن ذلك النص يدل على أنه يأخذ بالعرف مصدراً من مصادر
الاستنباط ، وأصلا من الأصول يرجع إليه إن لم يكن سواه .
(١) قال فى المستصفى: « العرف والعادة ما استقر فى النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة
بالقبول)» وفى شرح التحرير: ((العادة فى الأمر المتكرر من غير علاقة عقلية» وقد جاء فى رسالة
العرف لابن عابدين. « العادة مأخوذة من المعاودة، فهى بتكرارها ومعاودتها مرة بعد أخرى
صارت معروفة مستقرة فى النفوس والعقول متلقاة بالقبول من غير علاقة ولا قرينة، حق صارت حقيقة
عرفية ، فالعادة والعرف بمعنى واحد من حيث الما صدق ، وان اختلفنا من حيث المفهوم)) ومن هذا
الكلام كله يتبين أن عادة الجماعة وعرفها بمعنى واحد فى نظر فقهاء الشريعة، أو على الأقل مؤداها
واحد ، وان اختلفا من حيث مفهوم اللفظ .

- ٣٥١ -
١٨٠ - وإذا كان قد روى عن أبى حنيفة رضى الله عنه اعتبار العرف أصلا
فقهياً للاستنباط ، فقد روى مثله عن كثير من المجتهدين فى مذهبه ، والمخرجين فيه
حتى قال البيرى فى شرح الأشباه والنظائر: ((الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعى.
وجاء فى المبسوط للسرخسى: ((الثابت بالعرف كالثابت بالنص))، ولعل معناه أن
الثابت بالعرف ثابت بالدليل ، فهو دليل يعتمد عليه كالنص ، حيث لا أص .
والأصل فى اعتبار العرف دليلا شرعياً ، ما روى موقوفاً على عبد الله
ابن مسعود رضى الله عنه: ((ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن)) (١) فإن
ذلك الأثر يدل بعبارته ، ومرماه ، على أن الأمر الذى يجرى عرف المسلمين على
اعتباره من الأمور الحسنة يكون حسناً ، وأن مخالفة العرف لا تخلو من حرج
وضيق، والله تعالى يقول: ((ما جعل عليكم فى الدين من حرج)).
وإن العلماء إذ يقررون أن العرف أصل من أصول الإستنباط ، يقررون أنه
دليل حيث لا يوجد دليل شرعى، فهو دليل حيث لا كتاب ولا سنة ، وإذا خالف
العرف الكتاب والسنة ، كتعارف الناس فى وقت من الأوقات بعض المحرمات
كشرب الخمر ، وأكل الربا ، وغير ذلك مما ورد تحريمه نصاً، فهو مردود ، لأن
اعباره إعمال للنص، واتباع الهوى، وإبطال للشرائع ، فما جاءت الشرائع لتقرير
المفاسد، وإن تكاثر الأخذ بها يدعو إلى مقاومتها، لا إلى إقرارها.
وإن العرف لا يخالف الأثر من كل الوجوه أو كان يخالف قياساً، وهو عرف
عام، فقد قال ابن عابدين فيه: ((إن ورود الدليل عاماً، والعرف خالفه فى بعض
أفراده، أو كان الدليل قياساً، فإن العرف معتبر، إن كان عاماً فإن العرف العام.
يصلح مخصصاً، ويترك به القياس ، كما صرحوا به فى مسألة الاستصناع ، ودخول
الحمام ، والشرب من السقاء)).
(١) روى ذلك الأثر مرفوعاً إلى النبى صلى الله عليه وسلم، ولكن قال بعض العلماء فيه: (( انه لم
يجده مرفوعاً فى شىء كتب الحديث أصلا، وإنما هو من قول عبد الله ابن مسعود موقوفاً عنده، وقد
أخرجه الإمام أحمد فى مسنده كذلك .

- ٣٥٢ -
ومن هذا يتبين أن العرف يعتبر إن كان عاماً ، ولم يخالف النص من كل
الوجوه، وبالأولى يترك به القياس، لأنه حينئذ يقبح القياس، بل إنهم يصرحون
بأن تعامل الناس يخصص النص العام ، وذلك إذا كان العرف عاماً ، فمثلا قد ورد
نهى النبي صَّ اللّه الإنسان أن يبيع ما ليس عنده، ولكن جرى تعامل الناس من
أقدم العصور على جواز الاستصناع ، فكان ذلك التعامل مخصصاً للنص ، فكان
النهى فيما عداه.
ومن ذلك أنه ورد نهى الشارع عن بيع وشرط ، وحكم أبو حنيفة وصاحباه ،
أن كل شرط فيه منفعة لأحد العاقدين إذا شرط فى العقد يفسد ، إلا إذا كان يقتضيه
العقد، كاشتراط تقديم الثمن فى البيع ، أو يؤكد مقتضاه ، كاشتراط تقديم كفيل
بالمهر ، أو ورد به نص كجواز اشتراط تأجيل الثمن، أو جرى به عرف فإن الشرط
فى هذه الحال يعتبر صحيحاً، ولا يفسد به البيع ، فاعتبر جريان العرف عند أبى حنيفة
وصاحبيه مخصصاً للنص الناهى ، كما خصصه الأثر ، وقد خالف زفر فى قضية جريان
العرف بشرط ، فلم يعتبره مسوغاً للصحة ، ويظهر من هذا أن زفر لم يعتبر العرف،
كما اعتبره أئمة المذاهب الثلاثة مخصصاً لعموم النص.
١٨١ - والعرف الذى اعتبره أبو حنيفة وصاحباه حجة، وقال المخرجون
فى مذهبه من بعده ، إن التعارف والتعامل حجة يترك بها القياس ، ويخص بها
الأثر؟ هو العرف العام كما بينا، ولكن ما معنى العموم؟ لقد وجدنا الفقهاء يقولون
فى الاستصناع: ((إن القياس عدم جوازه، لكنا تركنا القياس بالتعامل به من
غير نكير من أحد من الصحابة ، ولا من التابعين . ولا من علماء كل عصر . هذا
حجة يترك بها القياس)) فهل العرف الذى يخصص به الأثر ويترك به القياس هو
عرف الناس من عهد الصحابة الذى لم ينكره الصحابة ولا التابعون ، ولا العلماء
من بعدهم ؟ إن العرف لا بد أن يكون غير ذلك ، لأن هذا إجماع ، بل أكمل
معانى الإجماع، إنما المراد بالعرف العام ما هو أعم من ذلك ، فالعرف العام هو

- ٣٥٣ -
العرف الذى يكون فى كل الأمصار ، ومقابله وهو العرف الخاص هو عرف بلد
من البلدان . أو طائفة من الناس ، كعرف التجار، أو عرف الزراع، ونحو ذلك
وهو لا يقف أمام النص مطلقاً ، سواء أ كان النص عاماً . أم كان النص خاصاً ،
ولكن يقف أمام القياس غير المقطوع بعلته من نص، أو ما يشبه النص فى وضوحه
وجلائه، والعرف الخاص يكون مطبقاً على أهل البلد الذى تعارفه ، ولا يتجاوزه
إلى غيره .
١٨٢ - من هذا الكلام يستفاد أن المخرجين فى المذهب الحنفى قرروا أن العرف
العام يخص به النص ، إن كان النص عاماً ، ويترك به القياس، ولكنه إن كانت
فيه مخالفة للنص من كل الوجوه يترك ولا يلتفت إليه، والخاص يترك به القياس
الظنى فى علته وتطبيقه على الفرع بالنسبة لأهل هذا البلد أو الطائفة التى تتعارفه ،
ولا يترك لغير هم .
وهذا كما ترى يفيد أن المخرجين فى المذهب يرون أن القياس يترك، وأن النص
يخصص بالعرف العام، وذلك يخالف ظاهراً ما نقل عن أبى حنيفة من أنه لا يأخذ
بالعرف ، إلا إذا لم يمض القياس ولا الاستحسان، فهو دليل حيث لا دليل سواه،
ولا يعتبر حجة إلا إذا خلا الأمر من حجة .
ونقول: إن التوفيق بين ما نقله سهل بن مزاحم ، وما قاله العلماء من بعده
سهل، فإن معنى قوله إذا لم يمض القياس والاستحسان يرجع إلى ما يتعامل الناس
به أى أنه إذ يجد أن القياس ، إذا سار على إطراد علته ، قبح الحكم، ولم يكن
مستحسناً ، فإنه فى هذه الحال يرجع إلى تعامل الناس ؛ لأن العلل لا تمضى مستقيمة
صالحة للتطبيق؛ إذ تكون مجافية لعرف الناس ، وما عليه أمورهم، فلا يكون قياس
ولا استحسان وأن النص العام الذى يخص العرف هو الظنى فى دلالته أو روايته.
١٨٣ - لقد أخذ أبو حنيفة إذن رضى الله عنه بهذا المنهج الذى اعتبر العرف
العام دليلا حيث لا نص ، بل مخصصاً لعموم بعض الآثار الظنية التى تكون
بعض صورها منافية للعرف العام الذى يتطابق عليه المسلمون فى كل الأقطار
( ٢٣ - ابو حنيفة)

- ٣٥٤ -
الإسلامية ، فكان فى مذهبه مرونة وقوة، ولقد طبق المخرجون فى مذهبه ذلك -
فى تخريجهم ، فصار المذهب بهذا قابلا للتجديد ومتسعاً لأطوار الزمان، وأعراف
الناس ، فلم يقف المجتهدون فيه أمام ما استنبط السابقون جامدين ، بل أخضعوه
للعرف ما دام لا نص فيه، بمعنى أنه إذا ثبت أن الحكم فى مذهب أبى حنيفة بمقتضى
المروى الصحيح فيه - مخالف للعرف العام، ولم يكن معتمداً على نص صريح من
الكتاب والسنة ، صح للمفتى على مذهب أبى خنيفة أن يخالف المنصوص عليه فى
المذهب ، ولا يعتبر خارجاً فى فتياه عن نطاق ذلك المذهب الجليل ، ولقد قال
ابن عابدين فى ذلك المقام ما نصه :
((إن ظاهر الرواية قد يكون مبنياً على صريح النص من الكتاب أو السنة أو
الإجماع، ولا اعتبار للعرف المخالف للنص ، لأن العرف قد يكون على باطل كما قاله
ابن الهمام)) (١).
ويقول فى ذلك أيضاً: ((إعلم إن المسائل الفقهية إما أن تكون ثابتة بصريح
النص، وهى الفصل الأول ، وإما أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد ورأى ، وكثير
منها يبنيه المجتهد على ما كان فى عرف زمانه ، بحيث لو كان فى زمان العرف الحادث
لقال بخلاف ما قاله أولا ، ولهذا قالوا فى شرط الاجتهاد إنه لا بد من معرفة عادات
الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان ، لتغير عرف أهله، أولحدوث
ضرورة ، أو فساد أهل الزمان ، بحيث لو بقى الحكم على ما كان عليه أولا لازم
منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ،
ودفع الضرر والفساد ، لبقاء العالم على أتم نظام ، وأحسن أحكام ، ولهذا ترى
مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد فى مواضع كثيرة ، بناها على ما كان فى
زمنه، لعلمهم بأنه لو كان فى زمنهم لقال ما قالوا، أخذاً من قواعد مذهبهم (٢).
١٨٤ - وقد وجدنا مسائل كثيرة خالف فيها المتأخرون أبا حنيفة وأصحابه،
(١) رسائل ابن عابدين جـ ٢ ص ١١٥
(٢) الكتاب المذكور ص١٢٦

- ٣٥٥ -
لأن العرف تقاضاه هذه المخالفة فى الفرع ، وإن كانوا يأخذون بقاعدتهم وأصلهم،
ويقلدونهم فى ذلك، وقد ذكر ابن عابد طائفة كبيرة منها :
(١) تضمين من سعى بغيره كذباً، حتى أوقعه فى أذى فى المال أو الجسم،
ويقول فى ذلك ابن عابدين (أفتى المتأخرون بتضمين الساعى مع مخالفته لقاعدة
المذهب من أن الضمان على المباشر، دون المنسبب ، ولكن أفتوا بضمانه زجراً له،
بسبب كثرة المفسدين ، بل أفتوا بقتله زمن الفتنة)).
(ب) ومن ذلك تضمين الأجير المشترك.
(-) وإفتاؤهم بمنع الزوج من السفر بزوجته، وإن أوفاها المعجل ؛ الفساد
الزمان، وعدم تصديقها بعد الدخول بها بأنها لم تقبض المشروط تعجيله من
المهر مع أنها منكرة للقبض، وقاعدة المذهب أن القول قول المنكر بيمينه ، إذا لم
تكن بينه .
(د) ومنها تقييد إجارة الوقف بأن تكون لسنة فى الدور والحوانيت وأن
تكون لثلاث سنين على الأكثر فى الأراضى الزراعية والحدائق والبساتين .
وهكذا غير ذلك من المسائل التى خالف فيها المتأخرون أئمة المذهب ؛ لأن عرف
الزمان أوجب هذه المخالفة، ولأن موضوع المسألة كان الاستنباط فيه من السابقين
اجتهاداً متأثراً بالعرف . ولو كانوا فى عرفنا لقبح عندهم ذلك ، كما قبح فى زمن
المتأخرين ، ولقالوا مثل مقالتهم .
١٨٥ - ولقد بين ابن عابدين فرعاً من الفروع خالف فيه أبا حنيفة وإن كان
قوله الراجح فى المذهب ، واختار قبول الصاحبين ، لأنه أحسن لزمانه ، وأصلح
وأعدل ، وموضوع ذلك الفرع هو العشر الواجب فى الأراضى الزراعية المستأجرة،
أيجب على المستأجر أم على المؤجر ؟ فأبو حنيفة قال إنه يجب على المؤجر ؛ لأن
الزكاة مئونة الملك، وتمرته، وملك الأرض هو للمؤجر، لا للمستأجر. وقال الصاحبان
إن العشر على المستأجر، لأن الزكاة تؤخذ من الزرع، فتتبع مالك الزرع، وهو
المستأجر ، لا المؤجر .

- ٣٥٦ -
وقد وجد ابن عابدين أن تطبيق رأى أبى حنيفة الذى يرجحه المتقدمون يؤدى
إلى ظلم أراضى الأوقاف، وهى تشمل أكثر الأراضى المستأجرة فى عهده، ولنترك
الكلمة له . فهو يقول :
((وقعت هذه الحادثة فى زماننا. وتكرر السؤال عنها، ومات فيها إلى الجواب
بقول الإمامين ، لأنه قول مصحح أيضاً .... لأنه يلزم على قول الإمام فى زماننا
حصول ضرر عظيم على جهة الأوقاف وغيرها ، لا يقول به أحد، وذلك أنه
جرت العادة فى زماننا أن وكلاء مولانا السلطان نصره الله تعالى يأخذون العشر
والخراج من المستأجرين، وكذا جرت العادة أيضاً أن حكام السياسة يأخذون
الغرامات الواردة على الأراضى من المستأجرين أيضاً ، وغالب القرى والمزارع
أوقاف، والمستأجر بسبب ما ذكرناه لا يستأجر الأرض إلا بأجرة يسيرة جداً،
فقد تكون قرية كبيرة أجرة مثلها أكثر من ألف درهم، فيستأجرها بنحو عشرين
درهماً ، لما يأخذه منها حكام السياسة من الغرامات الكثيرة، فإذا أجر المتولى هذه
القرية بعشرين درهماً ، فهل يسوغ لأحد أن يفتى صاحب العشر بأخذ عشر
ما يخرج من جميع القرية من المتولى؟ هذا شىء لا يقول به أحد، فضلا عن
إمام الأئمة ، ومصباح الأمة أبى حنيفة النعمان رحمه الله، بل الواجب أن ننظر
إلى أجرة مثل هذه القرية .. فإذا أمكن المتولى أن يؤجرها بالأجرة الوافرة نفتى
بقول الإِمام. وإن كان لا يمكنه ذلك، بأن كان لا يرضى أحد أن يستأجرها إلا
بالأجرة القليلة، لجريان العادة بأخذ العشر منها ، يتعين الإفتاء بقول الإمامين،
هذا هو الإنصاف الذى لا يأتى لأحد فيه خلاف ، وأما فساد الإجارة باشتراط
العشر والخراج على المستأجر، بناء على قول الإمام، فهذا شىء آخر ... وإذا كان
ذلك على المستأجر على قولهما لا يكون اشتراطه مفسداً ، لأنه مما يقتضيه عقد
الإجارة، على قولهما، والله سبحانه وتعالى أعلم)،(١)
١٨٦ - سقنا ذلك النقل مع طوله ؛ لتعرف كيف استمد المتأخرون من
(١) رسائل ابن عابدين جـ ٢ ص ١٤٣

- ٣٥٧ -
العرف والعادة أدلة خالفوا بها ما وصل إليه المتقدمون من نتائج ، وإن كانوا متقيدين
بذلك الأصل الذى اعتمدوه، وهو العرف، وكيف كانوا يتخذون من العرف
والعادة ميزاناً لترجيح الأخذ بأقوال المتقدمين ، فيجعلوا العرف مقياساً لترجيحهم،
فرجحوا قول الصاحبين فى الحال التى كانت فى زمن ابن عابدين ، لأن العرف جعله
هو الأعدل والأكثر إنصافاً ، إذ هو الذى يتفق مع روح السياسة ، والاقتصاد
فى ذلك العصر .
وإذا كان العرف له تلك المنزلة من الاجتهاد فى غير المنصوص علیه ، فلا بد
أن يكون المفتى والحاكم عليما بأحوال الناس خبيراً بشئونهم ، وعالماً بالكتاب
والسنة، وما استنبط من الأحكام تحت ظلها، حتى لا يتعرض للإفتاء بأمر أقره
العرف ، وحرمه النص .
ولنختم ذلك الجزء من البحث بكلمة نقلها ابن عابدين فيما يجب على الحاكم المفتى
وها هى ذى :
((لا بد للحاكم من فقه فى أحكام الحوادث الكلية، وفقه فى نفس الواقع وأحوال
الناس، يميز به الصادق والكاذب ، والحق والمبطل ، ثم يطابق بين هذا وهذا،
فيعطى الواقع حكمه من الواجب ، ولا يجعل الواجب مخالفاً للواقع .
وكذا المفتى الذى يفتى بالعرف، لابد له من معرفة الزمان وأحوال أهله،
ومعرفة أن هذا العرف خاص أو عام، وأنه مخالف للنص أولا ، ولا بد له من
التخرج على أستاذ ماهر، ولا يكفيه مجرد حفظ المسائل والدلائل ».
١٨٧ - هذا هو العرف، ومقامه من الفقه الإسلامى فى نظر أبى حنيفة
وأصحابه ، والمخرجين فى مذهبه من بعدهم ، يأخذون بالعرف فيما لا نص فيه ،
من كتاب أو سنة ، ويخصصون النصوص العامة من الآثار، إن خالفت عرفاً عاماً،
ويوائمون بين القياس الظنى، والعرف ما أمكنت الملاءمة ، فإن لم تكن الملاءمة
وكان العرف ملزماً بضرورة المخالفة أخذ بالعرف. والعرف الخاص يؤخذ به إذا لم
يكن ثمة دليل سواه.