Indexed OCR Text

Pages 241-260

- ٢٢٨ -
هذا هو المنقول فى هذا الفرع، وقد خرج بعض العلماء على رأى أبى حنيفة
هذا فى جواز القراءة بغير العربية وجوب سجدة التلاوة لمن تلا آية سجدة بغير
العربية ، وحرمة قراءة القرآن من الجنب والحائض والنفساء بغير العربية ،
وحرمة مس المصحف المترجم إلى غير العربية من غير المتوضئء ، ولكن الذى
اختاره شيخ الإسلام خواهر زاده، ومعه جمع من المشايخ، واستحسنه الأكثرون
هو أن جواز القراءة بغير العربية رخصة خاصة بالصلاة لا تعدوها عند أبى حنيفة
رضى الله عنه، وعلى ذلك لا يعطى المعنى حكم القرآن فى حق المس ، وحق سجود
التلاوة ، والقراءة ممن لا تجوز منه القراءة .
وقد قيد العلماء بالاتفاق ذلك الجواز بأن تكون الآية غير مؤولة، ولا محتملة
لعدة معان ، فإن كانت كذلك لم تجزى. قراءتها عند الكل، لأن ذلك تفسير للقرآن
وليس بمعنى القرآن المتعين ، فلا يجزىء فى الصلاة .
٧٦ - هذا هو الفرع الذى جعل أساساً لمعرفة رأى أبى حنيفة فى القرآن ،
وكونه النظم والمعنى أو المعنى فقط ، وقد قال خر الإسلام البزدوى إن رأى
أبى حنيفة أن إسم للنظم والمعنى جميعاً ، ورد زعم العلماء الذين استنبطوا
من ذلك الفرع أن رأى أبى حنيفة هو أن القرآن المعنى فقط بردين :
أحدهما : أن هذا من قبيل الرخصة ، وليس بدليل على أنه يرى أن القرآن
معنى فقط ، بل هو يرى أن القرآن ركنان ومعنى ، كما أن الإيمان ركنان
تصديق بالقلب وإقرار بالسان ، ولكن رخص للمصلى أن يقرأ بالفارسية تيسيراً
له ، إذ عساه يعرف العربية، ولكن لم رض لسانه عليها، فيتعسر نطقه، ويأكل
بعض الحروف، فأجيز له قراءة معنى القرآن ، حتى يتيسر له أن ينطق مستقيما،
كما أجيز لمن يكون فى حال اضطرار، وخشية الموت أن يخفى إيمانه، ولا ينطق بكلمة
الإسلام، فلا يقر بالإسلام لخشية الأذى وتوقعه ، وقلبه مطمئن بالإيمان.
وتخريج الكلام على هذا النحو قد يتفق بعض الاتفاق مع عصر أبى حنيفة،
إذ أن أبا حنيفة الذى عاش أكثر من خمسين سنة فى العصر الأموى ، قد أدرك

- ٢٣٩ -
الفرس . وهم يدخلون فى دين الله أفواجاً أفواجاً، وهم يلوون ألسنتهم بالعربية ،
لا يحسنون النطق بها ، ولا تسطيع ألسنتهم إخراج الحروف العربية من مخارجها ،
وإن عرفوا العربية فى الجملة ، واستطاعوا التفاهم بها بشكل عام ، ثم رآهم ينطقون
بآى القرآن نطقاً شائها ، وألسنتهم تأكل حروفها ، وينطقون بألفاظ الكبير ،
ولفظ الجلالة نطقاً غير حسن ، فرأى أنه يجوز للأعجمى تيسيراً ورخصة أن يقرأ
معانى الآية المحكمة التى لا تقبل تأويلا ، وأن ينطق بألفاظ التكبير بالفارسية .
ويرشح لذلك المعنى ما قرره العلماء من أن الخلاف فى جواز القراءة بالفارسية
للعارف بالعربية - إنما هو فيمن لا يتهم بشىء من البدع، أما من قرأ بالفارسية
وهو يجيد العربية ابتداعا، فلا يجوز منه ذلك بالإجماع (١) . وهذا يدل على أن
الغرض التيسير لمن لم يعجز عن العربية ، ولكن لم يرض لسانه عليها ، ولم يمرن
عليها، وهذا تخريج حسن مقبول على أساس ذلك النحو من البيان .
ثانيهما : أن أبا حنيفة قد رجع عن هذا القول إلى قول الصاحبين ، وهو أنه
لا تجوز قراءة القرآن بغير العربية إلا للعاجز عنها، ويكون ذلك من قبيل الدعاء
لا على أنه قرآن، وقد جاء فى شرح المنار ((الأصح أنه رجع عن هذا القول ، كما
روى نوح ابن أبي مريم، لأنه يلزم منه أحد الأمرين ، إما بطلان تعريف القرآن
لأن الفارسية غير مكتوبة فى المصاحف ، أو جواز الصلاة بدون القرآن ، لأنه
إسم للفظ والمعنى)، (٢) .
هذا هو المنقول عن البزدوى ، ولكن قد ذكرنا أن كتب ظاهر الرواية ،
وغيرها من كتب الإمام محمد ليس فيها ذلك النقل فى الرجوع، وهل لنا مع ذلك
أن نأخذ بمجموع الروایتین، ونقول إن أبا حنيفة کان یری ذلك فى دور من أدوار
تفكيره الفقهى عندما كان يرى عدم استقامة نطق من كانوا يسلمون من فارس.
ولعدم استمكانهم من اللسان العربى، فلما زالت هذه الحاجة، وخشى أن يتخذ ذلك
(١) كشف الأسرار جـ ١ ص ٢٥ (٢) شرح المنار لابن عبد الملك ص ١٠،٩

- ٢٤٠ -
بعض ذوى البدع ذريعة لإفساد الدين، وعسى أن بهجر القرآن الكريم المعجز
بهذا - رجع عن ذلك الرأى .
٧٧ - هذا مسلك البزدوى، لايرى أن الحكم الذى يقرره أبو حنيفة فى ذلك
الفرع يخرجه عن قول عامة العلماء فى أن القرآن نظم ومعنى ، ولكن إذا رجعنا
إلى مبسوط السرخسى الذى شرح فيه كتب ظاهر الرواية نراه يقرر أن أبا حنيفة
يرى أن القرآن معنى فقط؛ إذ أن الأدلة التى يسوقها لبيان وجهة نظر أبى حنيفة فى
تجويز القراءة بغير العربية تصرح، أو على الأقل تؤدى فى نتائجها الصريحة إلى الحكم
بأن القرآن هو المعنى فقط ولننقل لك عبارته بنصها مع طولها وها هى ذى :
, وإذا قرأ فى صلاته بالفارسية جاز عندأبى حنيفة رحمه الله ويكره، وعندهما
لا يجوز إذا كان يحسن العربية ، وإذا كان لا يحسنها يجوز، وعند الشافعى رضى الله
عنه لا تجوز القراءة إذا كانت بالفارسية بحال ، ولكنه إن كان لا يحسن العربية،
وهو أمى يصلى بغير قراءة ، وكذلك الخلاف فيما إذا تشهد بالفارسية ، أو خطب
الإمام يوم الجمعة بالفارسية .. أما الشافعى رحمه الله فيقول إن الفارسية غير القرآن
قال الله تعالى: ((إنا جعلناه قرآناً عربياً)). وقال تعالى (( ولو جعلناه قرآناً أعجمياً
الآية)). فالواجب قراءة القرآن ، فلا يتأدى بغير الفارسية ، والفارسية من كلام
الناس، فتفسد الصلاة وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله قالا: القرآن معجز والإعجاز
فى النظم والمعنى . فإذا قدر عليهما ، فلا يتأدى الواجب إلا بهما ، وإذا عجز عن
النظم أتى ما قدر عليه، كمن عجز عن الركوع والسجود يصلى بالإيماء ... وأبو حنيفة
رحمه الله استدل بما روى أن الفرس كتبوا إلى سلمان رضى الله عنه أن يكتب لهم
الفاتحة بالفارسية ، فكانوا يقرءون ذلك فى الصلاة حتى لانت ألسنتهم للعربية ، ثم
الواجب قراءة المعجز والإعجاز فى المعنى ، فإن القرآن حجة على الناس كافة ،
وحجز الفرس عن الإتيان بمثله، إنما يظهر بلسانهم، والقرآن كلام الله تعالى غير
مخلوق ولا محدث ، واللغات كلها محدثة . فعرفنا أنه لايجوز أن يقال إنه قرآن
بلسان مخصوص ، كيف وقد قال الله تعالى: وأنه لفى زبر الأولين ، وقد كان

- ٢٤١ -
بلسانهم ، ولو آمن بالفارسية كان مؤمناً ، وكذلك لو سمى عند الذبائح بالفارسية
أو لى بالفارسية، فكذلك إذا كبر ، وقرأ بالفارسية ، ولقد عقب السرخسى على
ذلك الكلام بقوله: ((ثم عند أبى حنيفة رحمه الله إنما يجوز إذا قرأ بالفارسية
إذا كان يتيقن بأنه معنى العربية، فأما إذا صلى بتفسير القرآن ، فإنه لا يجوز لأنه
غير مقطوع به (١) ،
٧٨ - هذا كلام السرخسى، وهو صريح، ويؤدى فى نتائجه إلى الحكم لا محاله
بأن رأى أبى حنيفة أن القرآن معنى فقط ، وليس اللفظ جزءاً من مدلوله؛ لأن
الألفاظ محدثة ، والمعانى قديمة ، والقرآن قديم ؛ فالقرآن هو المعانى، ولأن الإعجاز
فى المعنى، ولأن بعض القرآن كان فى زبر الأولين ، ولا شك أن الذى كان هو المعنى
لا اللفظ ، فالمعنى هو القرآن، وعلى هذا يكون السرخسى من يحكمون بأن أبا حنيفة
يرى أن القرآن هو المعنى فقط، وأنه ليس مجموع النظم والمعنى، فهل هذا هو الصحيح؟
قد ذكرنا مسلك البزدوى ، وهذا مسلك السرخسى ، فلنوازن بين المسلكين
ولنختر منهما ما نراه أقرب إلى المعقول ، وإلى روح العصر الذى كان يعيش فيه
أبو حنيفة ، وإلى تفكير أبى حنيفة .
إن الأدلة التى ساقها السر خسى ليست مأثورة عن أبى حنيفة بلاريب ، ولكنها دفاع
الشراح عن رأيه، وتوجيههم لفكره ونظره، فإذا أدت مقدماتها إلى نتائج أوسع ماروى
عن الإمام ، فإنما يحمل هؤلاء تبعة الزائد ، وعليهم أن يؤيدوه إن كانوا يريدون
أن ينسبوه إلى الإمام، وعلى ذلك يكون الحكم بأن أباحنيفةيرى أن القرآن معنى فقط ،
وهو أوسع من النص المروى فى القراءة يحتاج إلى إثبات فى إسناده إلى الإمام ، ولم
يثبت ذلك القول للإمام بسند قوى أو ضعيف فإذا خرج ماروى عنه على غير ذلك
النحو تخربحاً لا يكون فيه تزيد على الإمام، ولا يؤدى إلى نتائج أبعد غاية ، وأوسع
شمولا من الفرع المنصوص عليه - كان ذلك أحرى بالقبول، وأقرب إلى المعقول.
(١) المبسوط للسرخسى = ١ ص ٣٧
(١٦ - ابو حنيفة)

- ٢٤٢ -
وإن تخريج البزدوى هو الأقرب إلى روح العصر ، فوق أنه لا تزيد فيه ،
وهو قصر للمأثور على قدر لا يتجاوزه ، إذ قد بينا أن عصر أبى حنيفة كان فيه
بلا ريب ناس يعرفون العربية، ولا تلين ألسنتهم بالنطق بها، وأن التيسير، والمحافظة
على نظم القرآن من عبث الألسنة الضعيفة كانا يسوغان أن يذكروا المعانى المحكمة،
وهى دعاء يزكى القلب ، وينفق مع الغرض من القراءة ، وليس فيه إفساد لألفاظ
القرآن ، وإن الكلام الذى ساقه السرخسى فى الاستدلال لأبى حنيفة قد أتى فيه بقضايا
لم تكن مماخاض فيه الناس فى عصر أبى حنيفة؛ لأن الأمر فى شأنها كان من المسلمات
التى لا يجرى حولها الجدل، فالكلام يعتمد على أن إعجاز القرآن كان فى معناه لا فى نظمه
وذلك أمر فوق أنه يخالف الحقائق المقررة الثابتة عند أهل العلم لم يكن محل نظر فى
العصر الأموى، والسنين الأولى من العصر العباسى ، بل قد خاض الناس بعد ذلك
فى مثل هذه الموضوعات ، عندما نقل العلم الهندى، ونقل ما عند الهنود من مذهب الصرفه
وتصدى العلماء فى القرن الرابع وما وليه من قرون لإثبات القضية التى كانت من
المسلمات، وهى أن إعجاز القرآن فى نظمه أولا وبالذات ، وإن كانت معانيه فيها إعجاز
فهذا الكلام الذى ساقه السرخسى هنا هو من روح عصر السرخسى، لا عصر أبى حنيفة.
وفى كلام السرخسى خوض فى كون القرآن قديماً أو مخلوقاً ، وذلك ما كان
أبو حنيفة يتحامى الخوض فيه ، وقد أثبتنا عند الكلام فى هذا ما يؤيد ذلك ،
فلا يمكن أن يكون هذا الاستدلال الذى ساقه بما يتفق مع تفكير أبى حنيفة ،
ودراسته، وتكون النتائج المترتبة على هذه المقدمات لا تحملها آراؤه.
٧٩ - هذا هو الفرع ، وهذا ما خرجه العلماء عليه ، وقد انتهينا إلى أن
أبا حنيفة قرر حكم ذلك الفرع ، كما جاء فى كتب ظاهر الرواية ، وقد روى أنه
رجع عنه ، وبينا تخريج البزدوى ، وأنه لا يرى أنه يؤدى إلى أن يكون رأى
أبى حنيفة هو أن القرآن هو المعنى فقط .
ولقد أطلنا القول فى هذا المقام ؛ لأن بعض العلماء استنبط من ذلك الفرع أن

- ٢٤٣ -
أبا حنيفة يرى جواز ترجمة القرآن ، وأنه يرى أن الترجمة قرآن ، وإن ذلك كلام
قد يفهم من منحى السرخسى ، وإن كان كلام السرخسى فى مؤداه ينتهى إلى أن الترجمة
ليست أمراً ممكناً .
والحق أنه على تخريج البزدوى وهو المعقول الذى يتفق مع تفكير أبى حنيفة
وروح عصره، وما كان يسوده من آراء، لا يمكن أن يقال إن أبا حنيفة يعد الترجمة
قرآناً، لأنه لم يقرر أن القرآن هو المعنى فقط، وخصوصاً إذا صح ما رواه نوح بن
أبى مريم الجامع عن أبى حنيفة من أنه رجع عن القول بجواز القراءة بالفارسية
وهو خبر غير مردود، وإن لم يكن فى كتب الإمام محمد .
وعلى ما قرره السرخسى لا يمكن أن يكون أبو حنيفة يرتضى أن يترجم كل
القرآن، وتعتبر الترجمة قرآناً، لأنه يشترط فى جواز القراءة بالمعنى، أن يتيقن («بأنه
معنى العربية ، فأما إذا صلى بتفسير القرآن ، فإنه لا يجوز، لأنه غير مقطوع به)).
وإن القرآن بما اشتمل عليه من استعارات، ومجاز، وكناية، وإشارة ، وإيجاز
ومناح بيانية اختص بها، وكانت سر إعجازه، لا يمكن أن تكون ترجمته هى المعنى المتيقن
له ، لأنه من العسير ، بل من المتعذر أن يترجم كل هذه النواحى البيانية فى كلام
الناس فكيف تترجم فى كلام الله سبحانه وتعالى.
٨٠ - ولقد قسم الشاطى دلالة اللغة العربية على معانيها إلى قسمين :
(((أحدهما) من جهة كونها ألفاظاً، وعبارات مطلقة دالة على معان مطلقة كالإخبار
عن حدث وقع ، والأمر بأمر، ونحو ذلك، وهذه هى الدلالة الأصلية .
والقسم الثانى دلالتها على معان خادمة ، وهى ما تشير إليه المجازات، وأنواع
التشبيهات، والإشارات البيانية ، ومطويات الكلام ، ومراميه البعيدة ، والقسم
الأول يمكن ترجمته، وأما القسم الثانى فلا يمكن ترجمته ، ثم يطبق ذلك على
القرآن ، فيقول .
((( إذا ثبت هذا فلا يمكن من اعتبرهذا الوجه أن يترجم كلاماً من الكلام العربى

- ٢٤٤ -
بكلام العجم ، فضلا عن أن يترجم القرآن، وينقله إلى لسان غير عربى إلا مع فرض
استواء اللسانين فى اعتباره عيناً ، فإذا ثبت ذلك فى اللسان المنقول إليه مع لسان
العرب أمكن أن يترجم أحدهما إلى الآخر، وإثبات مثل ذلك بوجه بين عسير جداً ...
وقد نفى ابن قتيبة إمكان ترجمة القرآن يعنى على هذا الوجه الثانى، فأما على الوجه
الأول فهو ممكن، ومن جهة صح تفسير القرآن ، وبيان معناه للعامة ، ومن ليس له
فهم يقوى على تحصيل معانيه ، وكان ذلك جائزاً باتفاق أهل الإسلام ، فصار هذا
الاتفاق حجة فى صحة الترجمة على المعنى الأصلى ».
ولا يكون إذن ذلك قرآناً ، بل تفسيراً .

- ٢٤٥ -
الخاص والعام فى القرآن
٨١ - والقرآن الكريم هو كلى هذه الشريعة فيه بيانها الإجمالى، والتعريف العام
بها، فيه قواعدها العامة ، والأحكام التى لا تتغير بتغير الأزمنة والأقاليم ففيه الشريعة
الأبدية الخالدة، التى تعم بتكليفاتها الناس أجمعين، ولا تخص فريقاً دون فريق، والسنة
النبوية تستمد قوتها منه، وتبين ما يحتاج منه إلى بيان ، وتفصل كل ما فيه من إجمال
ولذلك يقول البزدوى فى بيان الفقه الحنفي فى هذا المقام: ((وأصل الشرع الكتاب
والسنة ، فلا يحل لأحد أن يقصر فى هذا الأصل.
وللعناية بهذا الأصل اتجهوا إلى دراسة نظمه وعباراته ، وبيان ما تدل عليه من
أحكام، وقوة دلالتها، واحتياجها إلى معونة من القرائن وعدم احتياجها ، ووضعوا
لدلالات العبارات مراتب بعضها فوق بعض، ولكل واحدة قوة فى الاستدلال ،
ووضعوا ضوابط التفسير والتأويل، والتعارض، والتقييد والإطلاق ... وهكذا.
ولا نريد أن تخوض فى بيان ذلك ، وآراء فقهاء الحنفية فيه، ومقدار نسبة هذه
الآراء إلى أبى حنيفة وأصحابه، فالكلام فى ذلك يطول، وموضعه علم الأصول.
بيد أنه يجب علينا أن نتكلم فى جزء من هذا البحث ، وهو العام والخاص فى
الكتاب والسنة ، ومقام السنة من خاص الكتاب وعامه، وهل لها قوة المبين للخاص
وقوة المخصص للعام .
وإنما نخوض فى ذلك دون سواه؛ لأنه جزء مما تتميز فيه آراء فقهاء العراق عن
آراء فقهاء الحجاز، وإن تمييز ذلك وبيانه ما تمس الحاجة إليه فى دراسة أبى حنيفة
إذ أنه إمام فقهاء العراق وشيخهم ، فدراسة ذلك الجانب من أصول الفقه دراسة
لذلك الإمام فى أخص نواحيه .
٨٢ - والآن نتجه إلى تفسير الخاص والعام : يعرف البزدوى الخاص بأنه
لفظ وضعى لمعنى واحد على سبيل الانفراد، أى أنه اللفظ الذى يدل على معنى واحد

- ٢٤٦ -
لا يقبل الشركة فى ذات المعنى المقصود ؛ سواء أ كان ذلك المعنى جنساً ، كحيوان ، أم
نوعاً كإنسان وكرجل ، أم شخصاً كزيد، فما دام المسمى المراد واحداً غير متعدد
مقطوع الشركة ، فهو الخاص .
والعام هو لفظ ينتظم جمعاً سواء أ كان باللفظ، أم معنى ، والأول كزيدون
والثانى مثل الأسماء الدالة على العموم من غير صبغ الجموع ، كالأسماء الموصولة الدالة
على الجمع وأسماء الشرط ، وغير ذلك مثل قوم وجن وإنس ، وغير ذلك من الألفاظ
الدالة على الجمع (١).
ولقد تبع البزدوى فى هذا التعريف كل الذين كتبوا الأصول على طريقة الحنفية
كشراح المنار، وهذا يغاير تعريف المناطقة للعام والخاص، ويغاير تعريف بعض
من علماء الأصول .
وتعريف المناطقة هو أن العام هو الإسم الذى يدل على أشياء متغايرة فى العدد
متفقة فى المعنى كالحيوان، وكالإنسان، فإنه يدل على الرجل والمرأة، والأسود والأبيض
وزيد وبكر وخالد ، وهذه آحاد متغايرة فى عددها وأشخاصها ، ولكنها مشتركة
فى معنى الإنسانية الذى جعلها كلها ينطبق عليها لفظ واحد يصلح أن يكون محمولا
وأحدها الموضوع، أى يصلح خبراً، وواحدها هو المبتدأ ، فيقال الأبيض إنسان
والأسود إنسان، والمرأة إنسان، وزيد إنسان ، وهذا يدل على اشتراكها فى معنى
واحد هو الإنسانية ، إذا صح الإخبار بها عن كل واحد منها .
والخاص ما يدل على بعض ما يدل عليه مفهوم العام، كالأبيض بالنسبة للإنسان
والرجل بالنسبة له أيضاً ، وقد يكون الخاص عاماً فى ذاته كالرجل ؛ لأنه يطلق على
كثيرين متغايرين فى الشخص مشتركين فى المعنى ، ولكنه خاص بالنسبة للإنسان
كما أن الإنسان خاص بالنسبة للحيوان ، والحيوان خاص بالنسبة للحى ، وهكذا
والفرق بين تعريف البزدوى ومن سلك طريقته وتعريف المناطقة واضح ، فإن
(١) راجع فى هذا أصول البزدوی ج ١ ص ٣٠ و ٣٢

- ٢٤٧ -
جموع الأشخاص تعد عاماً فى نظر البزدوى دائماً ، لأنها تدل على معنى ينتظم جمعاً
على سبيل الانفراد، ولكنها خاص على تعريف المناطقة ، لأنها لا تدل على أعداد
متغايرة فى أشخاصها متحدة فى معناها، وهكذا ...
٨٣ - والخاص بالمعنى السابق حكمه عند الحنفية أن يتناول المخصوص قطعاً
ولا يحتاج إلى بيان ، بل لا يحتمل البيان، خاص القرآن قطعى فى دلالته لا يحتاج إلى
بيان ، ولا يحتمل بياناً وراءه، وكل تغيير فى حكمه بنص آخر ، هو نسخ له ، فلا بدأن
يكون الناسخ فى قوة المنسوخ من حيث قوة الثبوت ، فإذا لم يكن فى قوته من حيث
الثبوت ، فلا عبرة به بجوار خاص القرآن، ولا يلتفت إليه .
هذا ما قاله علماء الأصول عند الحنفية، ولم يؤثر قول لأبى حنيفة أو أصحابه فى
هذا المقام ، ولكن كان ذلك تخريجاً من فروع وجدت، وتوجيهاً لهذه الفروع
ولذا عقب البزدوى هذه القاعدة بذكر فروع هى موضع خلاف بين الحنفية والشافعية
أو بين الحنفية والمالكية . ومن ذلك :
(١) الاختلاف بين أبى حنيفة وأبى يوسف والشافعى فى اشتراط الطمأنينة فى
الركوع ، فأبو حنيفة لا يشترطها لصحة الصلاة ، وأبو يوسف والشافعى يشترطانها
وقال إن الأصل هو قوله تعالى ((واركعوا أو اسجدوا))والركوع إسم الإنحناء، والميلان
عن الاستواء ، ودلالته فى ذلك من دلالة الخاص، فهى قطعية فيها ، فلا تحتمل
البيان وراءها، وكل رواية فيها تقييد لذلك الميلان عن الاستواء نسخ، لا بيان.
ولا تنسخ آية بحديث آحاد، وهو قول النبى مَّ اله الأعرابى لم يطمئن فى ركوعه «قم
فصل ؛ فإنك لم تصل )).
ومنها قوله تعالى: ((يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ، فاغسلوا وجوهكم
وأيديكم إلى المرافق، وأمسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ، فدلالة الآية على
أفعال الوضوء من قبيل دلالة الخاص ، فلا تحتمل البيان وراء ذلك، فلا يبينها قوله
وطي: «لا يقبل الله صلاة امرىء، حتى يضع الطهور مواضعه، فيغسل
وجهه ثم يده)) الذى يدل على اشتراط الترتيب ، ولا يبينها أيضاً قوله عليه السلام:

- ٢٤٨ -
((لا صلاة لمن لم يسم باسم الله)) الذى يشترط القسمية، ولا قوله عنّ اله: (( إنما
الأعمال بالنيات)) الذى يشترط النية ، وبذلك خالفوا الشافعى فى اشتراط الترتيب
والنية وخالفوا مالكا فى اشتراط هذين مع التسمية ، والتوالى فى غل الأعضاء
وذلك لأن الآية عندهم لا تحتاج إلى بيان ، وهذه الأحاديث لا ترتفع إلى مرتبة الفسخ
للقرآن ؛ لأنها أحاديث آحاد (١).
٨٤ - هذه فروع يذكرونها على أنها مبنية على أن دلالة الخص لاتحتمل البيان
فلا تحتاج فى بيانها إلى زائد، وأن الزائد إن خالفها كان ناسخاً لها ، وأنه لأجل
إعماله يجب أن يستوفى شروط الناسخ للقرآن إن كان الخاص قرآناً .
ومن الإنصاف أن نقول أنهم لم يسندوا هذه القاعدة إلى أبى حنيفة وأصحابه .
وإن كان كلامهم يفيد أنهم يأخذون بها، وتخرج فروعهم عليها .
وعندى أن الفروع التى ذكروها ندل على أن فقهاء العراق ما كانوا يأخذون
بحديث الواحد ما أمكن عمل النص القرآنى، وما تبينت دلالته، وذلك هو المنهاج
الذى ذكره العلماء عنهم، فهم يأخذون بدلالات القرآن، ومفهوم عباراته ، وإشاراته
ويتركون حديث الآحاد عند ذلك احتياطاً فى قبول الرواية، وترجيحاً لنص قرآنى
لا شك فى صدقه ، على رواية حديث محتمل الصدق فى وقت راج فيه الكذب
على رسول اللّه صَ اله .
وهذا على فرض أن أبا حنيفة عندما قرر هذه الفروع كان يعلم بالأحاديث
المروية فى بابها، وإنى أشك فى أنه كان يعلم بهذه عند ما قرر هذه الأحكام ، إذ أن
أكثرها يتعلق بالعبادات، وأبو حنيفة كان يحتاط فى العبادات ، والأحاديث المروية
(١) ومما بناه الأصوليون فى الحنفية على حكم الخاص الاختلاف بينهم وبين الشافعى فى معنى القرء
أهو الحيض أم الطهر ، وعندى أن ذلك اختلاف فى تأويل لفظ مشترك كل له حجته .
واختلاف أبى يوسف مع محمد والشافعى فى أن الزواج الثاني يهدم ما دون الثلاث أولا ، فإن طلق
امرأته ، ثم تزوجها آخر بعد انتهاء عدتها ودخل بها، فأبو يوسف وأبو حنيفة يريان أنها إن عادت
إلى الأول عادت بحل جديد ، ومحمد وزفر والشافعى ، يرون أنها تعود بالحل الأول والخلاف عندى.
مبنى على قياس ، لا على لفظ الخاص .

- ٢٤٩ -
وإن كانت أحاديث آحاد - تحتمل الآيات المذكورات التوافق بينهما، وإعمال نصها
بجوار ما تدل عليه ، كما أعمل أبو يوسف حديث الاطمئنان فى الركوع والسجود
مع الآية الكريمة (( يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا)).
٨٥ - والعام كالخاص قطعى فى دلالته ، سواء أكان ذلك فى السنة أم فى القرآن،
وذلك عند علماء الأصول من الحنفية ، ولقد ذكر البزدوى أن ذلك هو رأى
أبى حنيفة، وقال فى ذلك: ((والدليل على أن المذهب هو الذى حكينا أن أبا حنيفة
رحمه الله قال إن الخاص لا يقضى على العام، بل يجوز أن ينسخ الخاص به،
مثل حديث العرفيين فى بول ما يؤكل لحمه))(١) .
فالبزدوى فى هذا لا يكتفى بالتخريج من الفروع المروية ، بل يسند الأصل
إلى أبى حنيفة، وينقل عنه أنه قال إن الخاص لا يقضى على العام ، بل يجوز أن
ينسخ به ، وإذا كان الخاص قطعياً، كما هو مقرر ثابت عندهم ، فالعام قطعى ؛
إذ لا ينسخ القطعى فى دلالته إلا قطعى مثله .
وخبر العرنيين الذى قال إنه خاص نسخ بعام هو ما رواه أنس بن مالك
صاحب رسول اللّه عَّ له, أن قوماً من عرينة أتوا المدينة، فاجتووها، فاصفرت
ألوانهم ، وانتفخت بطونهم، فأمرهم رسول اللّه عَّ له بأن يخرجوا إلى
إبل الصدفة ويشربوا من أبوالها، وألبانها، ففعلوا، وصحوا ، ثم ارتدوا ، ومالوا
إلى الرعاة وقتلوهم، واستاقوا الإبل، فبعث رسول الله من اله فى أثرهم قوماً،
فأخذوا ، فقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمل أعينهم ، وتركهم فى شدة الحر ، حتى
ماتوا. قال الراوى: ((حتى رأيت بعضهم يكدم الأرض بفيه من شدة العطش(٢)))
وقد قالوا إنه حديث خاص ؛ لأنه قد ورد فى إباحة شرب أبوال الإبل خاصة ،
وهو منسوخ بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: ((استنزهوا من البول ، فإن عامة
عذاب القبر منه)، إذ البول إسم محلى بالألف واللام ، فيتناول أبوال الإبل، وغيرها،
(١) البزدوى ج ١ ص ٢٩١.
(٢) كشف الأسرار على أصول خر الإسلام للشيخ عبد العزيز البخارى ج ١ ص ٢٩١.

- ٢٥٠ -
ولو لم يكن العام مثل الخاص ماصح نسخ الأول بالثانى ، إذ من شرطه المماثلة
فى الدلالة والثبوت ، وهى ثابتة فى الثانى، فلا بد أن تثبت فى الأول .
٨٦ - وقبل أن ننظر فى الاستنباط المأخوذ من تعارض الخبرين ، وترجيح
العمل بالثانى على الأول نشير إلى كلمة لابد منها بشأن حديث العرنيين ، فقد روى
هذا الحديث فى البخارى ، وقال ان الهمام إنه متفق عليه ، ولم يذكر الناقدون للرواة
نقداً لرجاله، فلامطعن فى سنده، ولكن لنا فى متنه ملاحظة ذكرها علماء الأصول ،
ففى الحديث أنه قطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم حتى يموتوا عطشاً،
بل إنهم كانوا من شدة العطش يكدمون الأرض ، ولئن استسيغ قطع الأيدى
والأرجل ، لأنهم سرقوا، وقتلوا، وبغوا وارتدوا بعد أن أسلموا ليس بمستساغ
فى الإسلام التمثيل بهم ، بسمل أعينهم ، كما ليس بمستساغ فى الإسلام تركهم بموتون
عطشاً، حتى يكدموا الأرض، فإن الحديث الصحيح: ((إذا قلتم، فأحسنوا القتلة))
ينافى ذلك ، مع ما عرف من مبادىء الإسلام العامة ، كما أن الحديث الصحيح :
((أباكم والمثلة ولو بالكلب)) ينافى هذا أيضا.
ولقد أجاب العلماء عن المثلة بأن حادثة العرنيين كانت قبل تحريمها ، أما عن
تعطيشهم، فقد قالوا إن النبى مَ لي لم يأمر به، ولم ينه عنه، فقد جاء فى
فتح الباري . (( واستشكل القاضى عياض عدم سقيهم الماء للإجماع على أن من وجب
عليه القتل)، فاستقى لا بمنع ، وأجاب بأن ذلك لم يقع عن أمر النبي صَّ له ولا وقع
منه نهى عن سقيهم ... وهو ضعيف جداً؛ لأن النبى مق لي اطلع على ذلك ،
وسكوته فى ثبوت الحكم)).
فهذا الجواب كما ترى غير مستقيم، وعندى أن هذا نقد موجه للخبر ، مضعف
له، ولو كانت الكتب الستة قد روته، فإن الخبر مع اتفاقها عليه خبر آحاد، وإذا
تعارض خبر الآحاد مع مبادئ الإسلام المقررة الثابتة من عدة طرق عن النبى
صَّ اله، ومعنى القرآن موافق لها، فإنه لا يؤخذ به ، ولا تقبل روايته ، ويكون
ذلك طعناً فى نسبته .

- ٢٥١ -
٨٧ - هذا تعليق سارعنا إليه على هذا الخبر، وإن كان ترتيب القول يوجب
تأجيله ، والخبر كيفما كان معناه منسوخ ، وهو على تقرير نسخه إن سلمنا صحته
فى الجملة منسوخ فى كل ما اشتمل عليه، لأن فى إباحة شرب بول الإبل فقط ، إذكل
ما اشتمل عليه غير صالح للأخذ به فى الشريعة الإسلامية العامة الخالدة .
وقد قال فخر الإسلام إن هناك فرعاً آخر مروياً عن أبى حنيفة يدل على أن
العام قطعى فى دلالته وينسخ الخاص ، وهو قطعى فى دلالته ، وذلك فى العشر
فى الزرع فقد ورد أن رسول اللّه صَّ له قال: ((ليس فما دون خمسة أوسق
صدقه)، وهذا يدل على أن ما دون خمسة أحمال من الزرع لا عشر فيه، ولكن جاء
حديث: ((وما سقته السماء ففه العشر)، وهذا عام فى حكمه، وهو ناسخ للأول ،
فتجب زكاة الزرع فى كل ما أخرجته الأرض من قليل أو كثير.
وقد قال بعض الفقهاء إن النسخ شرطه فوق المماثلة أن يكون الناسخ متأخراً
عن المنسوخ، وأن يثبت ذلك لكى يحكم بالنسخ ، ولم يعرف فى حديث العرنيين .
ولا فى حديث الصدقة فى الزرع أن ما يحكم بنسخه متقدم تاريخه على ناسخه .
وقد قال صاحب كشف الأسرار فى جواب ذلك: «الجواب لأبى حنيفة رحمه
اللّه أن العام فى إيجاب الحكم مثل الخاص، ثم إذا وردا فى مقام يعرف به تاريخهما
كان الثانى ناسخاً إن كان عاماً، ومخصصاً إذا كان هو الخاص، كمن قال لعبده أعط
زيداً درهما، ثم قال : لا تعط أحداً شيئاً كان نسخاً للأول، ولو قال لا تعط أحداً
شيئاً ، ثم قال أعط زيداً درهما كان تخصيصاً له، وإن لم يعرف تاريخهما يجعل العام
آخراً للاحتياط، وفيما نحن فيه كذلك ..... وذكر بعضهم أن أبا حنيفة رحمه الله
إنما عمل بالحديث العام دون الخاص فى هذه المسألة وفما تقدم؛ لأن الأصل عنده
أن العام المنفق على قبوله أولى من الخاص المختلف فى قبوله ، لأنهما لما تساويا
يرجح العام لكونه متفقاً عليه على الخاص))(١).
٨٨ - وعام القرآن قطعى فى دلالته ما دام غير مؤول، فيجتمع له أمران من
(١) كشف الأسرار ج ٢ ص ٢٩٢

- ٢٥٢ -
القطعية ، قطعية الدلالة ، وقطعية الثبوت، وعلى ذلك لا يقف أمامه حديث آحاد (ولو كان
خاصاً) معارضاً، لأن القرآن وإن كان عاماً قطعى فى ثبوته ودلالته ، وحديث الآحاد
وإن كان خاصاً ظنى فى دلالته ، ولا يقف الظنى أمام القطعى، وهذا هو محز الخلاف
بين هتهاء الرأى ، وفقهاء السنة ، ففقهاء الرأى يطلقون عمومات القرآن فى عمومها ،
لا يخصها حديث آحاد ، وفقهاء السنة ( ويوضح رأيهم الشافعى فى الأم والرسالة)
يجعلون الحديث ولو كان حديث آحاد مبيناً للكتاب يخص عمومه، ويقيد مطلقه ،
ويفصل مجمله ، ويوضح مبهمه ، فلا يهملون أحاديث الآحاد بجوار النص القرآنى.
ولقد دافع عن وجهة نظر أهل الرأى علماء الأصول من الحنفية ، وقالوا
إن أبا بكر جمع الصحابة وأمرهم بأن يردوا كل حديث مخالف للكتاب ، وعمر
رضى الله عنه رد حديث فاطمة بنت قيس فى المبتونة أنها لا تستحق النفقة، وقال
لا نترك كتاب الله بقول امرأة لا ندرى أصدقت أم كذبت ، وردت عائشة رضى
الله عنها حديث تعذيب الميت بيكاء أهله، وقلت قوله تعالى: ((ولا تزر وازرة
وزر أخرى، أورد هذا كله الجصاص(١).
ومن هذا نرى أن الأخذ بعموم القرآن وعدم تخصيصه بحديث الآحاد هو من
نزعة فقهاء الرأى ، ويخالفهم فيها فقهاء الأثر ، ولاشك أن ذلك طريق مستقيم إذا كانت
النصوص القرآنية محكمة لا تقبل تأويلا ، ولا تفسيراً، وهو أخذ بالقاعدة التى تنسب لأبى
حنيفة، وهى أنه إذا تعارض نصان لم يعرف المتأخر فيهما عمل بالمتفق عليه منهما .
٨٩ - والقطعية التى يثبتها الحنفية للعام ليس معناها ألا يدخل الدلالة أحمال
تخصيص قط ، لأنه ما دام التخصيص جائزاً مكناً ، لم يقم دليلى على استحالته ، فهو
محتمل فى كل حال ، ولكن لأنه لا دليل على التخصيص سرنا فى العمل على أساس
أن الدلالة قطعية ، ما دام لم يقم دليل، كما هو الشأن فى استخدام الكلام، والأخذ
بدلالته ، فالألفاظ تستعمل دائماً فى حقيقتها ، وتعتبر قطعية فى دلالتها على معناها
الحقبقى ، مع أن احتمال المجاز ثابت ، ولكن لأنه احتمال غير ناشىء عن دليل
(١) كشف الأسرار = ١ ص ٢٩٤

- ٢٥٣ -
لا يلتفت إليه ، ولا يصح أن نقول: إن دلالة اللفظ على حقيقة معناه ظنية لاحتمال
المجاز ، وإلا ما كان لفظ مفيداً معنى مستقيما يطمئن إليه السامع قط .
٩٠ - ومسلك الحنفية فى اعتبارهم دلالة العام قطعية على المعنى الذى سبق هو
أقوى ما أعطى للعام من دلالة ، فقد تبين أن الشافعى يجعل الأدلة الظنية مخصصة
لهذا العموم ، ووجدنا بعض الفقهاء لا يعتبر العام دالا على عمومه إلا إذا قامت
قرينة على هذه الدلالة ، إذ قد وجدنا رأيين لطائفتين من الفقهاء (أحدهما) أنه يؤخذ
بأقل ما يدل عليه ، حتى يقوم الدليل على العموم، ( والثانى) أنه كالمشترك لا يفهم
منه شىء إلا بمعونة القرائن، لأنه يحتمل أن يريد بعض آحاده ويحتمل أن يراد جميعهم
والقرينة هى التى تعين أحد الاحتمالين .
وكلا الرأيين لا يقوم على أساس علمى أو لغوى، لأن العام فى اللغة العربية ، كما
هو فى سائر اللغات لفظ يدل على كثيرين ، فيحمل على مقتضى هذه الدلالة ، حتى
يقوم الدليل على غيرها .
ولقد قال الغزالى فى ترجيح دلالة العام على عمومه: ((واعلم أن هذا النظر
لا يختص بلغة العرب، بل هو جار فى جميع اللغات لأن صيغ العموم يحتاج إليها فى
جميع اللغات ، فيبعد أن يغفل عنها جميع أصناف الخلق ، فلا يغفلوها مع الحاجة إليها
ويدل على وضعها توجيه الاعتراض على من عصى الأمر العام، وسقوط الاعتراض
عمن أطاع ، وجواز بناء الاستحلال على المحلات العامة . وبيانها أن السيد إذا قال
لعبده: من دخل دارى فاعطه درهماً أو رغيفاً ، فأعطى كل من دخل لم يكن للسيد
أن يعترض عليه، فإن عاتبه فى إعطاء واحد من الداخلين مثلا ، وقال لم أعطيت
هذا من جملتهم وهو قصير ، وإنما أردت الطوال، أو هو أسود، وإنما أردت البيض
فللعبد أن يقول: ما أمرنى بإعطاء الطوال ولا البيض ، بل بإعطاء من دخل ، وهذا
داخل ، فالعقلاء إذا سمعوا هذا الكلام فى اللغات كلها رأوا اعتراض السيد ساقطاً
وعذر العبد متوجهاً ولو أنه أعطى الجميع إلا واحداً، فعاقبه السيد ، وقال لم لم تعطه ؟

- ٢٥٤ -
فقال: لأن هذا طويل أو أبيض ، وكان لفظك عاماً فقلت لعلك أردت القصار أو
السود استوجب التأديب بهذا الكلام ، فهذا معنى سقوط الاعتراض عن المطيع
وتوجهه على العاصى .
وأما الاستحلال بالعموم ، فإذا قال الرجل: اعتقدت عبيدى وإمائى، ومات
عقيبه جازلمن سمه أن يزوج من أى عبيدة شاء ويتزوج من أى جواريه شاء بغيررضا
الورثة، وإذا قال: العبيد الذى هم فى يدى ملاك فلان ، كان ذلك إقراراً محكوماً به
فى الجميع، وبناء الأحكام على أمثال هذه العمومات فى سائر اللغات لا ينحصر)).
وهكذا يبين الغزالى أن اللفظ العام يستعمل فى عمومه من غير حاجة إلى قرينة
أو سياق يرجح جانب العموم (١)، إنما الذى يحتاج إلى القرينة هى دلالة العام على
١١) جاء فى كشف الأسرار ((أن السلف الصالح كانوا بأخذون بعموم الألفاظ فى القرآن، فقال:
« العمدة فى الباب أن الاحتجاج بالعموم عن السلف، وهم الصحابة ومن بعدهم من أئمة
الدين متوارث أى ثابت ، فقد اختلف على وعبد الله بن مسعود رضى الله عنهما فى المتوفى
عنها زوجها إذا كانت حاملا ، فقال على رضى الله عنه إنها تعتد بأبعد الأجلين ؛ لأن قوله
تعالى: ((والذين يتوفون فيكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهم أربعة أشهر وعشراً))
وقوله تعالى: ((وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)» يقتضى أنها تعتد بوضع الحمل
والتاريخ غير معلوم ، فوجب أن تعتد بأبعد الأجلين احتياطاً ، وقال عبد الله بن مسعود
إنها تعتد بوضع الحمل لا غير، لأن قوله تعالى: ((وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن
متأخر فى النزول .. فصار لعمومه ناسخاً لما تقدمه، وهو قوله «يتربصن بأنفسهن .. ))
واعلم أن كل واحد من النصين بالنسبة إلى الآخر عام من وجه ، خاص من وجه ، فقوله تعالى :
وأولات الأحمال عام من حيث إنه يتناول المتوفى عنها زوجها ، وخاص من حيث أنه لا يتناول
إلا أولات الأحمال وقوله تعالى: ((والذين يتوفون منكم خاص من حيث أنه لا يتناول إلا المتوفى
عنها زوجها ، عام من حيث إنه يتناول الحامل وغير الحامل » ثم قال :
«قد اشتهر الاحتجاج بالعمومات عن عامة الصحابة رضى الله عنهم فى الوقائع من غير نكير من
أحد ، فإنهم عملوا بقوله تعالى: يوصيكم الله فى أولادكم، فاستدلوا به على إرث فاطمة رضى الله عنها
حتى نقل أبو بكر رضى الله عنه: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة)» وأجروا قوله
تعالى: ((الزانية والزاني)) ((والسارق والسارقة)» «من قتل مظلوماً)) ((وذروا ما بقى من الربا))
( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم)) وقوله عليه السلام ((لا وصية لوارث)) ((ومن ألقى السلاح فهو آمن»
ولا يرن القاتل، ولا يقتل والد بولده إلى غير ذلك مما لا يحصى من المعلومات» راجع جـ ١ ص ٣٠١.

- ٢٥٥ -
الخصوص ، أى تخصيصه ببعض آحاده التى يشملها اللفظ فى أصل استعماله .
٩١ - وإذا كانت دلالة العام فى القرآن قطعية على المعنى السابق، فأحاديث
الآحاد لا تخصص عام الكتاب ، لأنه قد توافر له القطعية فى الدلالة بعد توافر
القطعية فى الثبوت ، وحديث الآحاد ، وإن كان قطعى الدلالة هو ظنى الثبوت
فلا يعارضه ، ولا يلغى بعض أحكامه . وقد خالف فى ذلك الشافعى ، ومن تبعه
فإنهم يخصصون عام القرآن بالأحاديث؛ ويضربون لذلك مثلا بقوله تعالى: (( الزانية
والزانى، فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)) فإنها بمدلولها عامة تشمل المحصن وغير
المحصن ، ولكنها خصصت بغير المحصن ، وخصصها حديث الرجم، وهو خبر آحاد
وليس بحديث عامة ، أى ليس متواتراً (١).
٩٢ - والحق أن الأمر فى هذه القضية هو كما بينا من اختلاف المنزع بين الفقه
العراقى والفقه الأثرى، أو بين فقهاء الرأى وفقهاء الأثر. فإن الأولين لقلة الأحاديث.
الصحيحة عندهم ، ولكثرة الكذب على الرسول حيث متنازع الأهواء والفرق
ولتغليب جانب الاحتياط فى قبول الأحاديث حتى لا يكونوا من كذب على رسول
اللّه صَّ له أطلقوا عمومات القرآن، ولم يخصصوها إلا بما هو فى مرتبتها فى السند
أو كان حديثاً مشهوراً مستفيضاً قد تلقاه العلماء بالقبول، وليس من ينكره.
وإذا كان العام حديثاً، والخاص كذلك، فإن العام يكون أولى بالعمل إذا كان.
متفقاً عليه ، قد تلقاه العلماء بالقبول، كما نوهنا إلى ذلك فيما خرج عليه رأى أبى حنيفة
من تقديم العمل بعموم حديث: ((ما سقته السماء فيه العشر)) على الحديث الآخر:
((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)).
٩٣ - ولكن الحنفية إذ يقررون أن العام قطعى فى دلالته كالخاص؛ ولذلك.
نسخه عندهم - يذكرون أن ذلك إذا لم يخصص العام . فإذا خصص بدليل خاص
مقترن به، مستقل عنه، فإنه تصبح دلالته فى الباقى ظنية ، وقبل أن نبين تلك القضية.
(١) يدعى الحنفية أن هذا الحديث مشهور ، وليس حديث آحاد .

- ٢٥٦ -
والجزئيات التى استنبطوا منها رأى الإمام فيها، والأدلة التى ساقوها لإثباتها، نتجه
إلى بيان معنى التخصيص عند الحنفية، فإن له معنى عندهم يخالفون به غيرهم .
لا يعتبر الحنفية مطلق اجتماع دليل خاص مع دليل عام موجباً لتخصيص العام
بالخاص، كما يقرر الشافعية، بل لا يعتبر الخاص مخصصاً للعام إلا إذا اقترن أحدهما
بالآخر، وكان الخاص مستقلا ، فإذا تراخى الخاص عن العام، أو العكس ، كان
المتأخر ناسخاً للمتقدم ، وليس مخصصاً لعمومه .
ولذلك يقولون فى تعريف التخصيص: «هو قصر العام على بعض أفراده بدليل
مستقل مقترن))، ويقول صاحب كشف الأسرار فى بيان قيود هذا التعريف:
« احترزنا بقولنا مستقل عن الصفة والاستثناء، ونحوهما؛ إذ لا بد عندنا للتخصيص
من معنى المعارضة ، وليس فى الصفة ذلك ، ولا فى الاستثناء؛ لأنه البيان أنه لم يدخل
تحت الصدر ، وبقولنا مقترن ، عن الناسخ ، فإنه إذا تراخى دليل التخصيص يكون
نسخاً لا تخصيصاً ،.
ومن هذا الكلام تستفاد حقيقتان: (إحداهما) إن الدليل الخاص لكى يثبت
أنه مخصص للعام يجب أن يقترن به فى الزمن، وأنه إن تراخى اعتبر ناسخاً لا مخصصاً
لأنه يكون عندئذ تعارض بين دليلين ، قد عمل بأحدهما على عمومه زمناً طال ، أو
قصر ، ثم جاء المتأخر ، فألغى العمل به فى بعض آحاده .
( ثانيتهما) إن أساس التخصيص التعارض بين نصين قد اقترنا فى الزمن ، ولم
يمكن التوفيق بينهما إلا باعتهار الخاص فيهما مخصصاً للعام . فالقيود اللفظية من صفة
واستثناء لا تعتبر تخصيصاً ، لأنه لا تعارض، إذ هى أجزاء متممة للكلام ، فلا
تعارض بين صدره وعجزه فيهما ، ومثال التخصيص من مجرى الكلام بين الناس
أيقول شخص: ((لا تعط أحداً، واعط زيداً)، فإن الجزء الثانى من كلامه مخصص
للجزء الأول ، وهو كلام مستقل مقترن به .
٩٤ - والتخصيص ليس إخراجاً لبعض آحاد العام من الحكم بعد دخولها فى
عمومه ، إنما هو بيان إرادة الشارع الخصوص من أول الأمر ، وأن الآحاد التى

- ٢٥٧ -
"لا يشملها لفظ العام لم تدخل فى ضمن الدلالة من أول الأمر، ولقد جاء فى المستصفى
لبيان هذه الحقيقة ما نصه: ((إن تسمية الأدلة مخصصة تجوز ... والدليل يعرف
إرادة المتكلم ، وأنه أراد باللفظ الموضوع للعموم معنى خاصاً ، والتخصيص على
التحقيق بيان خروج الصيغة عن وضعها من العموم إلى الخصوص ، وهو نظير
القرينة التى تساق لبيان أن اللفظ خرج من الحقيقة إلى المجاز)).
وهذا فى الحقيقة هو الأساس فى الفرق بين التخصيص والنسخ، إذ النسخ يغير
الأحكام الثابتة المقررة، فإذا نسخ العام أو بعضه، فقد تغيرت الأحكام التى كانت ثابتة
لبعض آحاده، أما التخصيص فإنه منع لدخول المخصوص فى عموم ما تدل عليه الصيغة.
٩٥ - وبعد بيان حقيقة التخصيص عند الحنفية نعود إلى بيان القضية التى
استنبطوها من الفروع المأثورة عن أبى حنيفة وأصحابه ، وهى أن العام إذا خصص
تكون دلالته فى الباقى بعد التخصيص ظنية، ولذلك يمكن تخصيص ذلك الباقى بحديث
الآحاد ، ولو كان العام المخصص من آيات القرآن الكريم ، بل يمكن أن يخصص
بالقياس، وما يثبت بحديث الآحاد والقياس فى الجملة ظنى، فلا يخصصان إلا ظنياً مثلهما.
ولقد استنبطوا ذلك الأصل من فروع ساقوها ، وقد ذكرها صاحب كشف
الأسرار، فقال: ((الدليل على أن المذهب ما ذكره الشيخ (وهو أن العام إذا خصص
يكون دليلا فى الجملة ) أن أبا حنيفة - رحمه الله - استدل على فساد البيع بالشرط
بنهى النبي عليه عن بيع وشرط، وهذا عام دخله خصوص، فإن شرط الخيار خص
منه، واحتج على استحقاق الشفعة بالجوار بقوله مَّ اله: ((الجار أحق بصقبه)) وهذا
عام قد دخله خصوص ، فإن الجار عند وجود الشريك لا يكون أحق بصقبه
واستدل محمد على عدم جواز بيع العقار قبل القبض بنهيه عليه السلام عن بيع ما لم
يقبض ، وقد خص منه بيع المهر قبل القبض ، وبيع الميراث قبل القبض ، وبيع بدل
الصلح ، وأبو حنيفة - رحمه الله - خص هذا العام بالقياس، فعرفنا أنه حجة
للعمل من غير أن يكون موجباً قطعاً، لأن القياس لا يكون موجباً قطعاً، فكيف
(١٧ - ابو حنيفة)