Indexed OCR Text
Pages 121-140
- ١١٨ -
الإمام فقتلهما أبو جعفر المنصور ، ولم ينتظم أمر الزيدية بعد ذلك ، ومالوا عن
القول بإمامة المفضول ، ثم أخذوا يطعنون فى الصحابة كسائر الشيعة فذهبت عنهم
بذلك أولی خصائصهم.
١٠٣ - الإمامية (١): وهم القائلون بأن إمامة على ثبتت بالنص عليه بالذات
من النبي ◌ّلتم نصاً ظاهراً ويقيناً صادقاً من غير تعريض بالوصف ، بل إشارة
بالعين ، وعلى نص على من تعده ، وهذا كل إمام . قالوا وما كان فى الدين أمر أهم
من تعيين الإمام حتى تكون مفارقته على فراغ قلب من أمر الأمة فإنه إذ بعث لرفع
الخلاف ، وتقریر الوفاق لا يجوز أن يفارق الأمة ویترکها هملا ، یری کل واحد
منهم رأياً ، ويسلك كل واحد منها طريقاً، لا يوافقه عليه غيره بل يجب أن يعين
شخصاً هو المرجوع إليه ، وينص على واحد هو الموثوق به ، والمعول عليه .
ويستدلون على تعين على رضى الله عنه بالذات ببعض آثار عن النبى مؤلّم يدعون
صدقها وصحة سندها، مثل ((من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه
وعاد من عاداه. ومثل ((أقضاكم على، وغير ذلك من الآثار التى يدعون صحتها.
ويشك علماء الحديث من الجماعة فى بعضها ، ويستدلون أيضاً باستنباطات من أمور
كلف النبى علياً القيام بها ، وكلف غيره أخرى ، فيستنبطون مثلا من تكليف النبى
علياً قراءة سورة براءة دون أبى بكر أنه أولى بالخلافة ويستنبطون من إرسال
أبى بكر وعمر فى بعث أسامة مؤمراً عليهما بجدارة على بالخلافة دونهم، لأنه ما أمر
عليه قط ، وهكذا استدلالاتهم ، وهى كثيرة من هذا النوع .
١٠٤ - وقداتفق الإمامة، على خلافة الحسن ، ثم الحسين بعد على، واختلفوا
بعد ذلك فى سوق الإمامة ، ولم يثبتوا على رأى واحد ، بل انقسموا فرقاً ، عدها
بعضهم نيفاً وسبعين ، وأعظمها فرقتان : الإثنا عشرية والإسماعيلية .
الإثنا عشرية : أما الأولون فيرون أن الخلافة بعد الحسين لعلى زين العابدين
ثم لمحمد الباقر بن زين العابدين ، ثم لجعفر الصادق بن الباقر ، ثم لابنه موسى
(١) الملل والنحل الشهر ستانى .
- ١١٩ -
الكاظم ، ثم لعلى الرضا، ثم لمحمد الجواد، ثم لعلى الهادى، ثم للحسن العسكرى،
ثم لمحمد إبنه، وهو الإمام الثانى عشر . ويقولون إنه دخل سرداباً فى دار أبيه بسر
من رأى ، وأمه تنظر إليه ، ولم يعد بعد ، ثم اختلفوا فى سنه ، فقيل كانت سنه
إذ ذاك أربع سنوات ، وقيل ثمانى سنوات ، وكذلك اختلفوا فى حكمه ، فقال
بعضهم إنه كان فى هذه السن عالماً بما يجب أن يعلمه الإمام ، وإن طاعته كانت
واجبة ، وقال آخرون كان الحكم لعلماء مذهبه حتى بلغ ، فوجبت طاعته .
١٠٥ - الإسماعيلية: وهى طائفة من الشيعة الإمامية انتسبت إلى إسماعيل
بن جعفر ، ويسمون أيضاً الباطنية ، لقولهم بالإمام الباط .
تقول هذه الطائفة أن الإمام بعد جعفر الصادق إبنه إسماعيل بنص من أبيه ،
وفائدة النص، وإن كان قدمات قبل أبيه، إنما هو بقاء الإمامة فى عقبه، ثم انتقلت
الإمامة من إسماعيل إلى محمد المكتوم ، وهو أول الأئمة المستورين ، وبعد محمد
المكتوم إبنه جعفر المصدق ، وبعده إبنه محمد الحبيب، وهو آخر المستورين، وبعده
إبنه عبد الله المهدى الذى ملك المغرب، وملك بعده بنوه مصر، وهم الفاطميون(١).
وقد اضطهدت تلك الطائفة فى أول أمرها فيمن اضطهد ، حتى فر معتنقو
مذهبها إلى فارس ، وهناك خالط المذهب آراء الفرس القديمة وغيرها ، وقام فيها
رجال ذوو أهواء، يقضون لبانتهم باسم الرين فتولوا زعامتها .
أول ناشرى دعوتها رجل يقال له ديصان أخذها عن عبد الله القداح ونشرها
فى بلاد فارس ، ثم بداله أن ينشرها فى قلب الدولة ، فجاء إلى البصرة ، ودعا الناس
سراً ، وجذب إليه رجلا من وجهاء اليمن كان يزور مقابر أهل البيت ، فاتفقا على
بث الدعوه لآل البيت فى اليمن ونفذا ماديرا، ثم أرسل القداح رجلين إلى المغرب
لسهولة أنقيادها للدعاة ، وقال لهما احرثا الأرض، حتى يأتى صاحب البذر، ثم سال
سيل الدعوة الشيعية فى بلاد المغرب، حتى أخذ الفاطميون ملك الأغالبة فى أفريقية
ثم اقتصعوا مصر من الخليفة العباسى على ما هو معلوم فى التاريخ.
(١) مقدمة ابن خلدون .
- ١٢٠ -
٢ - الخوارج
١٠٦ - هم أشد الفرق الإسلامية دفاعاً عن اعتقادهم، وحماسة لأفكارهم وشدة
فى تدينهم فى الجملة، واندفاعاً وتهوراً فما يدعون إليه ، وما يفكرون فيه ، وهم فى
اندفاعهم وتهورهم يستمسكون بألفاظ قد أخذوا بظواهرها ، وظنوها ديناً مقدساً
لا يحيد عنه مؤمن ، ولا يخالف سبيله إلا من مالت به نفسه إلى البهتان، ودفعته إلى
العصيان . استرعت ألبابهم كلمة لا حكم إلا لله ، فاتخذوها دينا ينادون به فى وجوه
مخالفيهم ،ويقطعون به كل حديث، فكانوا كلما رأوا علياً يتكلم قذفوه بهذه الكلمة
وقد روى أنه رضى الله عنه قال فى شأنهم عندما قالوها وكرروا قوها - (( كلمة
حق يراد بها باطل ، نعم إنه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون لا إمره إلا لله،
وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر ، يعمل فى إمرأته المؤمنين ، ويستمتع فيها
الكافر ، ويبلغ الله فيها الأجل ، ويجمع به الفىء ويقاتل به العدو ، وتؤمن به
السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوى ، حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر ، .
وقد استهوتهم فكر البراءة من عثمان وعلى والحكام الظالمين، حتى احتلت
أفهامهم . واستولت على مداركهم استيلاء تاماً ، وسدت عليهم كل طريق للوصول
إلى الحق ، فمن تبرأ من عثمان وعلى وطلحة والزبير والظالمين من بنى أمية سلكوه
فى جمعهم . وتسامحوا معه فى مبادىء أخرى من مبادئهم ربما كانت أشد أثراً
والخلاف فيها ببعده عنهم أكثر من الخلاف فى هذا التبرؤ .
خرج ابن الزبير على الأمويين ، فناصروه ووعدوه البقاء على نصرته والقتال
فى صفه ، ولما علموا أنه لا يتبرأ من أبيه وطلحة وعلى وعثمان نابذوه وفارقوه.
ولما ناقش عمر بن عبد العزيز شوذبا الخارجى كان محز الخلاف . ومفصل
المناقشة هو التبرؤ من أهل بيته الظالمين ، مع إقرار الخوارج أنه خالفهم ، ومنع
استمرار ظلبهم ، ورد إلى الناس مظالمهم ، ولكن استحوذت عليهم فكرة
- ١٢١ -
التبرؤ فكانت الحائل بينهم وبين الدخول فى غمار الجماعة الإسلامية .
١٠٧ - وإنهم ليشبهون فى استحواذ الألفاظ البراقة على نفوسهم واستيلائها
على مدار كهم ؛ اليعقو بيين الذين ارتكبوا أقسى الفظائع فى الثورة الفرنسية ، فقد
استولت على هؤلاء ألفاظ الحرية والمساواة والأخاء ، وباسمها قتلوا الناس وأهرقوا
الدماء، وأولئك استولت عليهم ألفاظ الإيمان، ولا حكم إلا لله، والتبرؤ من
الظالمين ، وباسمها أباحوا دماء المسلمين وخضبوا البلاد الإسلامية بالدماء ،
وشنوا الغارة فى كل مكان ، ويظهر أن الحماسة التى امتازوا بها كانت هى الوحدة
الجامعة بينهم وبين اليعقوبيين ، وما صدر عن الفريقين من أعمال متشابهة ما كان
إلا لهذه الحماسة وقوة العاطفة . قال العلامة جوستاف لوبون فى وصف اليعقوبيين
فى كتابه الثورة الفرنسية (( وتوجد النفسية اليعقوبية خاصة عند ذوى الأخلاق
المتحمسة الضيقة ، وتتضمن هذه النفسية فكراً قاصراً عنيداً ، يجعل اليعقوبى كثير
السذاجة ، ولما كان لهذا لا يدرك من الأمور إلا علائقها الظاهرية ، فإنه يظن أن
ما يتولد فى روحه من الصور الوهمية حقائق، ويفوته ارتباط الحوادث بعضها ببعض،
وما ينشأ عن ذلك من النتائج ، ولا يحوله بصره عن خياله أبداً ، إذن فاليعقوبى
لا يقترف الآثام لتقدم منطقه العقلى، إذ لا يملك منه إلا قليلا ، وإنما يسير مستيقناً
وعقله الضعيف يخدم اندفاعاته ، حيث يتردد ذو المدارك السامية فيقف)).
وإن هذا الوصف البديع لليعقوبيين هو وصف كامل صحيح لأكثر نواحى
الخوارج النفسية . وسترى فيما يلى من الحوادث والمناقشات ما يؤيد ذلك ،
ويثبت صحته .
١٠٨ - ولم تكن الحماسة والتمسك بظواهر الألفاظ فقط هى الصفات
الواضحة فى الخوارج ، بل هناك صفات أخرى ، منها حب الفداء والرغبة فى الموت
والاستهداف للمخاطر من غير داع قوى يدفع إلى ذلك ، وربما كان منشأ ذلك
هوساً عند بعضهم واضطراباً فى أعصابهم ، لا مجرد الشجاعة والتمسك بالمذهب
فقط . وإنهم ليشبهون فى ذلك النصارى الذين كانوا تحت حكم العرب فى الأندلس.
- ١٢٢ -
فقد أصاب فريقاً منهم هوس جعلهم يقدمون على أسباب الموت وراء عصبية جامحة،
وفكرة فاسدة . واقرأ ما كتبه الكونت هنرى دى كاسترى فى وصفهم ، فإنك
سترى وصفاً ينطبق فى كثير من النواحى على الخوارج، فقد قال: ((أراد كل
وأحد (من هؤلاء النصارى ) أن يذهب إلى مجلس القضاء ليسب محمداً ويموت ،
فتقاطروا عليه أفواجاً أفواجاً ، حتى تعب الحجاب من ردهم ، وكان القاضى يصم
الآذان كيلا يحكم عليهم بالإعدام. والمسلمون مشفقون على هؤلاء المساكين
ويظنونهم من المجانين ، ولقد كان من الخوارج من يقاطع عليا فى خطبته ، بل من
يقاطعه فى صلاته ، ومن يتحدى المسلمين محتسباً الله فى ذلك ظاناً أنه قرية يتقرب
بها إليه . ولما قتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت، وبقروا بطن جاريته وقال لهم
على. أدفعوا إلينا قتلته. قالوا: كلنا قتله. فقاتلهم على حتى كاد يبيدهم، ولم يمنع ذلك
بقيتهم من أن يسيروا فى طريقتهم ، موغلين فى الدعوة إليها والحماسة لها ، فبينهم
وبين أولئك النصارى شبه قريب من هذه الناحية .
فالإخلاص للإسلام كان صفات كثيرين منهم ، وإن كان معه هوس بفكرة
فيه ، والتأثر بناحية واحدة من نواحيه ، يروى أن علياً رضى الله عنه أرسل إليهم
ابن عباس يناقشهم فلما وصل إليهم رحبوا به وأكرموه، فرأى منهم جباهاً قرحة
لطول السجود، وأيديا كثفنات الإبل، عليهم قمص مرحضة (١) . )) فإخلاصهم
لدینهم فى الجملة أمر لاموضع فيه لارتیاب ، ولكنه إخلاص قد عراه ضلال فى
فهم الدين وإدراك لبه ومرماه، فالمسلم المخالف لهم لاعصمة لدمه ، بينما الذمى دمه
معصوم، قال أبو العباس المبرد فى الكامل ((من طريف أخبارهم أنهم أصابوا مسلا
ونصرانياً فقتلوا المسلم وأوصوا بالنصرانى ، وقالوا احفظوا ذمة نبيكم. لقيهم
عبد الله ابن خباب وفى عنقه مصحف ، ومعه امر أته وهى حامل فقالوا: إن الذى
فى عنقك ليأمرنا أن نقتلك .. قالوا فما تقول فى أبى بكر وعمر ؟ فأثنى خيراً . قالوا
فما تقول فى على قبل التحكيم وفى عثمان فى ست سنين فأثنى خيراً . قالوا : فما تقول
الكامل للمبرد ص ١٤٣ جزء ٠٢
- ١٢٣ -
فى التحكيم ؟ قال أقول إن علياً أعلم بكتاب الله منكم، وأشد توقیاً على دينه وأنفذ
بصيرة . قالوا : إنك لست تتبع الهدى ، إنما تتبع الرجال على أسمائها ، ثم قربوه
إلى شاطىء النهر فذبحوه. وساموارجلا نصرانياً بنخلة له . فقال: هى لكم. فقالوا:
والله ماكنا لنأخذها إلا بثمن . قال : ما أعجب هذا !! أتقتلون مثل عبد اللّه.
ابن خباب . ولا تقبلوا منا ثمن نخله !)).
١٠٩ - ولماذا كان التصعب للفكرة ، والهوس لها ، والتشدد فيها مع الخشونة
فى الدفاع عنها والنهور فى الدعوة إليها ، وحمل الناس عليها بقوة السيف ، والعنف.
والقسوة بدرجة لا رفق فيها، وبحال لا تتفق مع سماحة هذا الدين ؟ السبب فى ذلك
فيما أعتقد أن الخوارج كان أكثرهم من عرب البادية ، وقليل منهم كان عرب
القرى، وهؤلاء كانوا فى فقر مدقع، وشدة بلاء قبيل الإسلام، ولما جاء الإسلام
لم تزد حالتهم المادية حسناً ، لأن کثیرین منهم استمروا فى بادیتهم بأوائها وشدتها،
وصعوبة الحياة فيها، وأصاب الإسلام شغاف قلوبهم مع سذاجة فى التفكير وضيق
فى التصور، وبعد عن العلوم ، فتكون من مجموع ذلك نفوس مؤمنة متعصبة لضيق
نطاق العقول ، ومتهورة مندفعة وزاهدة ، لأنها لم تجد ، والنفس التى لا تجد إذا
غمرها إيمان ، ومس وجدانها اعتقاد صحيح ، انصرفت عن التطلع إلى شهوات
الدنيا ، وملاذ هذه الحياة، وانجهت إلى الحياة الأخرى ، وإلى نعيمها والرغبة فى
التمتع بملاذها ، والابتعاد عما يؤدى إلى جحيمها وشقائها ، ولقد كانت معيشتهم
دافعة لهم على الخشونة والقسوة والعنف ؛ إذ النفس صوة لما تألف وترى ، ولو
أنهم عاشوا عيشة رافهة فاكهة بنوع من النعيم لألان ذلك من صلابتهم ، ورطب
من شدتهم، ونهنه من حدتهم ،یری أن زياد بن أبيه بلغه ، عن رجل يكنى أبا الخير
من أهل البأس والنجدة أنه يرى رأى الخوارج فدعاه ، فولاه ، ورزقه أربعة.
آلاف درهم فى كل شهر ، وجعل عمالته فى كل سنة مائة ألف . فكان أبو الخير
يقول: ما رأيت شيئاً خيراً من لزوم الطاعة ، والتقلب بين أظهر الجماعة، فلم يزل
والياحتى أنكر منه زياد شيئاً فتنمر لزياد ، حبسه فلم يخرج من حبسه حتى مات ،
- ١٢٤ -
أنظر إلى النعمة كيف ألانت من طباعه ، وهذبت من نفسه ، وجعلته سمحاً رفيقاً
بعد أن كان متعصباً عنفياً .
١١٠ - ونحن إن وصفنا أكثر الخوارج بالإخلاص فى خروجهم على
والأمويين من بعده، لا ننكر أن هناك غير العقيدة أموراً أخرى حفزتهم على
الخروج، من أعظمها وضوحاً أنهم كانوا يحسدون قريشاً على استيلائهم على الخلافة
واستبدادهم بالأمر دون الناس ، والدليل على ذلك أن أكثرهم من القبائل الربعية
التى كانت بينها وبين القبائل المضرية الاحن الجاهلية والعداوات القديمة التى خفف
الإسلام حدتها ولم يذهب بكل قوتها ، بل بقيت منها آثار غير قليلة مستمكنة فى
القلوب ، متغلغلة فى النفوس. وقد تظهر فى الآراء والمذاهب ، من حيث لا يشعر
المعتنق للمذهب ، الآخذ بالرأى ، وأن الإنسان قد يسيطر على نفسه هوى يدفعه
إلى فكرة معينة ، ويخيل إليه أن الإخلاص رائده ، والعقل وحده يهديه ، وهذا
أمر واضح فى الأمور التى تجرى فى الحياة فى كل ظواهرها . فالإنسان ينفر من
كل فكرة اقترنت بما يؤلمه، وإذا كان ذلك كذلك ، فلا بد أن نتصور أن الخوارج
وأكثرهم ربعيون رأوا الخلفاء قوماً مصريين، فنفروا من حكمهم، واتجه تفكيرهم
إلى آراء فى الخلافة تحت ظل ذلك النفور من حيث لا يشعرون ، وظنوا أنه محض
الدين . ولب اليقين، وأنه لا دافع لهم إلا الإخلاص لدينهم ، والتوجه لربهم ،
وليس بمانع لدينا أن يكون الإخلاص وحده فى طلب الدين عند بعضهم لاتشوبه
شائبة ، ولم يختلط به أى درن من غرض أو عارض من سوء ، وأن يكون هو
الذى دفع بعضهم إلى الخروج والله أعلم بما تخفى الصدور.
١١١ - والخوارج كما رأيت أكثرهم من العرب، والموالى كانوا عدداً قليلا
فيهم، مع أن آرائهم فى الخلافة من شأنها أن تجعل للموالى الحق فى أن يكونواخلفاء،
عندما تتوافر فى أحدهم شروطها ، إذ الخوارج لا يقصرن الخلافة على بيت من
بيوت العرب ولا على قبيل من قبيلهم، بل لا يقصرونها على جنس من الأجناس ،
أو فريق من الناس ، والسبب فى نفور الموالى من مذهبهم أنهم هم كانوا ينفرون
- ١٢٥ -
من الموالى ، ويتعصبون ضدهم . وقد روى ابن أبي الحديد أن رجلا من الموالى
خطب امرأة خارجية ، فقالوا لها فضحتينا)) ، وربما لو تركوا تلك العصبية لتبعهم
كثيرون من الموالى .
ومع أن الموالى فى الخوارج كانوا عدداً قليلا نرى لهم أثراً فى بعض فرقهم
فاليزيدية (١) ادعو أن الله سبحانه وتعالى يبعث رسولا من العجم ينزل عليه كتاباً
ينسخ بشرعه الشريعة المحمدية، والميمونة (٢) أباحوا نكاح بنات الأولاد، وبنات
أولاد الأخوة وبنات أولاد الأخوات (٣) وهذه كما ترى مبادىء كفر، واضح أنها
تفكير فارسى ، إذ الفرس المجوس هم الذين يحنون إلى نبى من فارس وهم الذين
يبيحون الأنكحة السابقة ،
١١٢ - فى الكلام السابق عرفنا عقلية الخوارج ونفسيتهم وقبائلهم . والحق
أن آرائهم مظهر واضح لتفكيرهم وسذاجة عقولهم ونظراتهم السطحية ونقمتهم على
فريش وكل القبائل المصرية .
(١) وأول آرائهم ، وأحكمها وأسدها أن الخليفة لا يكون إلا بانتخاب حر
صحيح يقوم به عامة المسلمين ، لا يقوم به فريق دون فريق ، ولا جمع دون جمع ،
ويستمر خليفة مادام قائماً بالعدل ، مقيما للشرع ، مبتعداً عن الخطأ والزيغ ، فإن
حاد وجب عزله أو قتله .
(ب) ولا يرون أن بيتاً من بيوت العرب اختص بأن يكون الخليفة منه ،
فليست الخلافة فی قریش كما يقول غيرهم، وليست لعربى دون أعجمی ، والجميعفيها
سواء، بل يفضلون أن يكون الخليفة غير قرشى، ليسهل عزله أو قتله، إن خالف
الشرع، وحاد عن الحق، وجانب الصواب، إذ لا تكون له عصبية تحميه، ولاعشيرة
تؤويه ، ولاظل غير ظل اللّه يستظل به، وعلى هذا الأساس اختار أوائلهم عبد الله
(١) أتباع يزيد بن أبى أنية الخارجى، وذلك لأنهم لما انشعبوا عن أصلهم أقاموا
بسجستان . فسرت إليهم الآراء الفارسية .
(٣) الفرق بين الفرق للبغدادى.
(٢) أتباع ميمون العجردى .
- ١٢٦ -
ابن وهب الراسى ، وأمروه عليهم، وسموه أمير المؤمنين ، وليس بقرشى . وكان
ذلك المبدأ جديراً بأن يغرى جماهير المسلمين باعتناق مذهبهم ، ولكن ازدراءهم
بالموالى واستباحتهم لدماء المسلمين وسبيهم للنساء والذرية . وطعنهم فى إيمان على ،
وكثير من آل البيت ، كل هذا حال بينهم وبين قلوب الناس أن تصغى إليهم .
(حـ) ولا ننسى أن نذكر هنا أن النجدات من الخوارج يرون أنه لا حاجة
للناس إلى إمام قط وإنما عليهم أن يتناصفوا فيما بينهم ، فإن رأوا أن ذلك لا يتم
إلا بإمام يحملهم على الحق فأقاموه جاز ، فإقامة الإمام فى نظرهم ليست واجبة.
(٥) ويرى الخوارج تكفير أهل الذنوب ولم يفرقوا بين ذنب يرتكب عن
قصد للسوء، ونية للائم ؛ وخطأ فى الرأى والاجتهاد يؤدى إلى مخالفة وجه الصواب
ولذا كفروا علياً بالتحكيم، مع أنه لم يقدم عليه مختاراً، ولو سلم أنه اختاره فالأمر
لا يعدو مجتهداً أخطأ ولم يصب، إن كان التحكيم ليس من الصواب ، فلجاجتهم فى
تكفيره رضى الله عنه دليل على أنهم يرون الخطأ فى الاجتهاد يخرج عن الدين ،
ويفسد اليقين ، وكذلك كان عندهم شآن طلحة والزبير وعثمان ، وغيرهم من علية
الصحابة الذين خالفوهم فى جزئية من الجزئيات ، فكفروهم للاجتهاد الخطأ فى
زعمهم ، وقد ساق ابن أبى الحديد أدلتهم التى تمسكوا بها فى تكفر مرتكب الذنب
ورد عليها ، ولا يهمنا تفصيل وجه الرد ، وإنما يهمنا ذكر بعض الأدلة لنعرف
منها وجهات نظرهم،وكيف كانوا يفكرون ، وسترى أن تفكيرهم كان سطحياً ،
لا يتعمقون فى بحث، ولا يتقصون أطراف موضوع .
وهذه الأدلة كثيرة ، منها قوله تعالى: ((ولله على الناس حج البيت من استطاع
إليه سبيلا، ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين) فجعل تارك الحج كافراً، وترك الحج
كبيرة، فكل من تكب كبيرة كافر فى زعمهم، ومنها قوله تعالى: ((ومن لم يحكم بما أنزل
الله، فأولئك هم الكافرون ، وكل مرتكب للذنوب قد حكم بغير ما أنزل الله فى
زعمهم، فهو كافر ومنها قوله تعالى: ((يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، فأما الذين
- ١٢٧ -
اسودت وجوههم، أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ،
قالوا والفاسق لا يجوز أن يكون من أبيضت وجوههم ، فوجب أن يكون من
أسودت وجوههم ووجب أن يسمى كافراً، لقوله تعالى بما كنتم تكفرون ، ومنها
قوله تعالى: ((وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ، ووجوه يومئذ عليها غبرة
ترهقها فترة ، أولئك هم الكفرة الفجرة ، والفاسق على وجهه غبرة ، فوجب أن
يكون من الكفرة، ومنها قوله تعالى: ((ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون،
أثبت أن الظالم جاحد ، وهذه صفة الكافر (١).
وكل هذه الدلائل كما نرى ظواهر نصوص ، قد نظروا إليها نظراً سطحياً ولم
يدركوا مراميها ولا أسرارها، ولم يصيبوا هدفها، وكان على رضى الله عنه يحتج
على من عاصروه منهم بالحجج الدامغه ، والأدلة القاطعة ، ومما قاله رداً عليهم :
((فإن أبيتم إلا أن تزعموا أنى أخطأت، وضللت ، فلم تضلون عامة أمة محمد صلى
الله عليه وسلم وآله بضلالى، وتأخذونهم مخطئ، وتكفرونهم بذنوبى،سيوفكم على
عواتقكم تضعونها مواضع البرء والسقم ، وتخلطون من أذنب بمن لم يذنب ، وقد
علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله رجم الزانى المحصن ثم صلى عليه، ثم
ورثه أهله ، وقتل القاتل ، وورث ميراثه أهله ، وقطع يد السارق وجلد الزانى
غير المحصن ، ثم قسم عليهما من ألفىء ونكحا المسلمات ، فأخذهم رسول الله صلى
ألله عليه وسلم وآله بذنوبهم ، وأقام حق الله فيهم ، ولم يمنعهم سهمهم من الإسلام
ولم يخرج أسماءهم من بين أهله)، وفى ذلك الكلام القيم رد مفحم لا يمارون فيه ،
ولا يستطيعون أن يثيروا حوله غباراً ، ولعله رضى الله عنه عدل عن الاحتجاج
بالكتاب إلى الاحتجاج بالعمل الذى كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الفعل
لا يقبل تأويلا ، ولا يفهم إلا على الوجه الصحيح ، فلا يتسع لنظراتهم السطحية
وتفكيرهم الذى لا يصيب إلا جانباً واحداً ، ولا يتجه إلا إلى اتجاه جزئى، وفى
الاتجاه الجزئى فى فهم العبارات والأساليب ضلال عن مقصدها : وبعد عن مرماها
(١) ملخص من شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد المجلد الثانى ص ٣٠٧ و ٣٠٨
وارجع إلى الموضوع كاملا فيه .
- ١٢٨ -
وفى النظرة الكلية الشاملة الصواب، وإدراك الحق من كل نواحيه ، فهو رضى الله
عنه جادلهم بالعمل ، حتى يقطع عليهم كل تأويل ، ولكى يبين لهم وضح الحقيقة
من غير أن يجعل لتلبيساتهم الفاسدة أى باب من أبواب الحيرة والاضطراب.
١١٣ - هذه جملة الآراء التى اعتنقها أكثرهم ولم يتفقوا فى غيرها على مذهب
أو رأى أو نظر ، بل كانوا كثيرى الخلاف، يشجر بينهم الخلاف لأصغر الأمور
وأقلها ، وربما كان هذا هو السر فى كثير من انهزاماتهم وكان المهلب بن أبى صفرة
الذى كان فى العصر الأموى ترساً للجماعة الإسلامية يقيها منهم، يتخذ الخلاف بينهم
ذريعة لتفريقهم وخضد شوكتهم والفل من حدتهم، وإذا لم يجدهم مختلفين دفع إليهم
من يثير الاختلاف بينهم، يحكى ابن أبى الحديد ((أن حداداً من الأزارقة كان
يصنع نصالا مسمومة ، فيرمى بها أصحاب المهلب ، فرفع ذلك إلى المهلب ، فقال
أنا أكفيكموه إن شاء الله، فوجه رجلا من أصحابه بكتاب وألف درهم إلى عسكر
قطرى بن الفجاءة قائد الخوارج ، فقال له ، ألق هذا الكتاب فى العسكر والدراهم
واحذر على نفسك فمضى الرجل ، وكان فى للكتاب.
أما بعد فأن نصالك قد وصل إلى، وقد وجهت إليك بألف درهم فاقبضها
وزدنا من النصال، فرفع الكتاب إلى قطرى ، فدعا الحداد، فقال ما هذا الكتاب ؟
قال : لا أدرى ، قال فما هذه الدراهم؟ قال لا أعلم بها، فأمر به فقتل ، جاء عبد ربه
الصغير مولى بنى قيس بن ثعلبة فقال : قتلت رجل على غير ثقة وتبين ؟ قال قطرى :
إن قتل رجل فى صلاح الناس غير منكر ، وللإمام أن يحكم بما يراه صالحاً وليس
للرعية أن تعترض عليه ، فتنكر له عبد ربه فى جماعة معه ، ولم يفارقوه.
وبلغ ذلك المهلب فدس إليهم رجل نصرانياً جعل له جعلا يرغب فى مثله . وقال :
إذا رأيت قطرياً فاسجد له . فإذا نهاك فقال إنما سجدت لك ، ففعل ذلك النصرانى
فقال قطرى إنما السجود لله تعالى، فقل ما سجدت إلا لك ، فقال رجل من
الخوارج: إنه قد عبدك من دون الله، وتلا قوله تعالى ((إنكم وما تعبدون من
دون الله حصب جنهم، أنتم لها واردون)) فقال قطرى إن النصارى قد عبدوا عيسى
-١٢٩ -
ابن مريم ، فماضر عيسى ذلك شيئاً . فقام رجل من الخوارج إلى النصر انى فقتله ،
فأنكر قطرى ذلك عليه، وأنكر قوم من الخوارج إنكاره .
وبلغ المهلب ذلك ، فوجه إليهم رجلا يسألهم، فأتاهم الرجل ، فقال أرأيتم
رجلين يخرجان مهاجرين إليكم ، فمات أحدهما فى الطريق وبلغ الآخر إليكم ،
فامتحنتموه فلم يجز المحنة ما تقولون ؟ فقال بعضهم أما الميت فمن أهل الجنة ،
وأما الذى لم يجز المحنة فكافر حتى يجيز المحنة ، وقال قوم آخرون: هما كافران حتى
يجيزا المحنة ، فكثر الاختلاف ، وخرج قطرى إلى حدود اصطخر ، فأقام شهراً
والقوم فى خلافهم(١) .
أنظر كيف كان ذلك القائد العظيم ، يستغل حماستهم ، وشدة تعصب كل منهم
الرأيه، وسذاجة تفكيرهم، وضعف مداركهم ، فيؤرث نيرأن العداوة بينهم ،
ويؤجج لهيب الاختلاف ، ليكون بأسهم بينهم شديداً ، ويكونوا ضعفاء أمام
عدوهم وفى الحق أن مثارات الخلاف بينهم كانت كثيرة ، وكثيراً ما كانت من
غير باذر لبذور الخلاف بينهم، ولذلك انقسموا إلى فرق كثيرة ، ولنتكلم كلمة
عن أظهر فرقهم ورؤوسهم ، وهم :
١١٤ - الأزارقة : هم أتباع نافع بن الأزرق الحنفى، أى أنه من بنى حنيفة.
من القبائل الربعية ، وكانوا أقوى الخوارج شكيمة ، وأكثرهم عدداً ، وأعزهم
نفراً ، قاتلوا بقيادة نافع قواد الأمويين، وابن الزبير تسعة عشر عاماً ، ولما قتل
نافع فى ميادين القتال جاء من بعده نافع بن عبد الله، ثم قطرى بن الفجاءة ، وفى
عهده ضعف شأنهم بسبب بغض الناس لهم ، لشهرتهم بسفك الدماء ، وتألب
المسلمين عليهم واختلافهم فيما بينهم، فهزموا فى كل مكان، ثم توالت انهزاماتهم
من بعده إلى أن انتهى أمرهم ، وقد ذهبوا إلى المبادىء العامة التى ذكر ناها
الخوارج ، وزاد عليها .
(١) شرح نهج البلاغة المجلد الأول ص ٤٠١ .
( ٩ أبو حنيفة )
- ١٣٠ -
(١) إن مخالفيهم من عامة المسلمين ، ومن لا يرون رأيهم من الخوارج
مشركون ، وكذلك قعدة الخوارج مشركون .
(ب) إن أطفال مخالفيهم مشركون مخلدون فى النار .
(جـ) دار المخالفين دار حرب ، ويجوز قتل أطفالهم ونسائهم وسبيهم ،
(د) إسقاط حد الرجم عن الزانى، إذ ليس فى القرآن ذكره، وإسقاط حد
قذف المحصنين من الرجال مع وجوب الحد على قاذفى المحصنات من النساء .
(هـ) جواز الكبائر والصغائر على الأنبياء(١).
١١٥ - النجدات : هم أتباع نجدة بن عويمر الحنفي ، وقد خالفوا الأزارقة
فى تكفير القعدة من الخوارج واستحلال قتل الأطفال (٢) وزادوا عليهم
استحلال قتل أهل العهد والذمة، وقد كانوا باليمامة ، وقد كانوا مع أبى طالوت
الخارجى ثم بايعوا نجدة سنة ست وستين ، فعظم أمره وأمرهم، حتى استولى على
البحرين ، وعمان، وحضرموت ، واليمن ، والطائف ، ثم اختلفوا على نجدة لأمور
نقموها عليه ، منها أنه أرسل ابنه فى جيش ، فسبوا نساء، وأكلو من الغنيمة قبل
القسمة، فعذرهم ، ومنها أنه تولى أصحاب الحدود من أصحابه ، وقال لعل الله تعالى يعفو
عنهم ، وإن عذبهم ففى غير النار ، ثم يدخلهم الجنة ، ومنها أرسل جيشاً فى البحر ،
وجيشاً فى البر ، ففضل الذين بعثهم فى البر فى العطاء .
وقد ترتب على اختلافهم أن انقسموا إلى ثلاث فرق : فرقة ذهبت إلى
سجستان مع عطية بن الأسود الحنفى، وفرقة ثاروا مع أبى فديك على نجدة فقلوه
وفرقة عذرت نجدة فى أحداثه ، وهم الذين بقى لهم اسم النجدات . وقد بقى
أبو فديك بعد نجدة إلى أن أرسل إليه عبد الملك بن مروان جيشاً هزمه وقتله،
وبعث برأسه إلى عبد الملك بن مروان ، فانتهى أمر هذه الطائفة .
(١) الملل والنحل الشهر ستانى.
(٢) قد علمت مما مضى أن النجدات لا يرون إقامه إمام واجباً شرعياً. وما خالف
نجدة نافعاً جواز التقية يجيزها ونافع يمنعها .
- ١٣١ -
١١٦ - الصفرية: أتباع زياد بن الأصفر. وهم فى آرائهم أقل تطرفاً من
الأزارقة، وأشد من غيرهم ، قد خالفوا الأزارقة فى مرتكبى الكبائر ، فلم يتفقوا
على إشراكه ، بل منهم من يرى أن الذنوب التى فيها الحد ، لا يتجاوز بمرتكبها
الإسم الذى سماه الله به كالسارق، والزانى، وما ليس فيه حد فمرتكبه كافر، ومنهم
من يقول إن صاحب الذنب الذى فيه حد لا يكفر حتى يحده الوالى.
ومن الصفرية أبو هلال مرداس وكان رجلا صالحاً زاهداً . خرج فى أيام
يزيد بن معاوية بناحية البصرة، ولم يتعرض للناس ، وكان يأخذ من مال السلطان
ما يكفيه إن ظهر به ، ولا يريد الحرب ، فأرسل إليه عبيد الله بن زياد جيشاً
قضى عليه .
ومنهم عمران بن حطان ، وكان شاعراً زاهداً قد طاف فى البلاد الإسلامية ،
فاراً بنحلته ، وقد انتخبَه هؤلاء الخوارج إماماً لهم بعد أبى بلال .
١١٧ - العجاردة:هم أصحاب عبد الكريم بن مجرد أحد أتباع عطيه بن الأسود
الحنفى ، وهم قريبون جداً من النجدات فى أصل نحلتهم ، وجملة آرائهم ، إذ أنهم
يتولون العقدة من الخوارج إذا عرفوا بالديانة ، ويرون الهجرة فضيلة لا فرضاً ،
ولا يكون مال المخالف فيئاً إلا إذا قتل صاحبه .
وقد افترقت العجاردة فرقاً كثيرة فى أمور ، منها ما يتعلق بالقدر وقدرة العبد ،
ومنها ما يتعلق بأطفال المخالفين ، وكان يدفعهم إلى الخلاف مسائل جزئية فينتهى
الأمر إلى الكلام فى قضايا عامة تصيرهم فرقاً وأحزاباً . ومن أمثلة ذلك أن رجلا
منهم إسمه شعيب كان مديناً لآخر إسمه ميمون، فلما تقاضى هذا دينه ، قال شعيب:
أعطيكه إن شاء الله. فقال ميمون: قد شاء اللّه تلك الساعة ، فقال شعيب : لو كان
قد شاء ذلك لم أستطع إلا أن أعطيكه . فقال ميمون : قد أمر الله بذلك ، وكل
ما أمر به فقد شاءه، وما لم يشأ لم يأمر به. فافترقت العجاردة فى ذلك إلى ميمونية
وشعيبية، وكتبوا إلى رئيسهم عبد الكريم. فقال. إنما نقول ما شاء الله كان،
وما لم يشألم يكن ، ولا نلحق بالله سوءاً ، فادعى كل أن الجواب يؤيده.
- ١٣٢ -
ويروى أن عجردياً إسمه ثعلبة كانت له بنت خطبها عجردى آخر وأرسل إلى أمها
يسألها : هل بلغت البنت فإن كانت قد بلغت ، ورضيت الإسلام على الشرط الذى
تعتبره العجاردة ، لم يبال كم كان مهرها ؟ ، فقالت : إنها كانت مسلمة فى الولاية ،
سواء أبلغت أم لم تبلغ، فرفع الأمر إلى عبد الكريم، فاختاره البراءة من الأطفال
وخالفه ثعلبة ، وافترقت من العجاردة على ذلك فرقة هى التعالية .
١١٨ - الإباضية: وهم أتباع عبد الله بن إباض، وهم أكثرهم الخوارج
اعتدالا وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية رأياً وتفكيراً، فهم أبعد عن الشطط والغلو
وأقرب إلى الاعتدال ، وجملة آرائهم .
(١) أن مخالفيهم من المسلمين ليسوا مشركين، ولامؤمنين، ويسمونهم كفاراً،
ويروى عنهم أنهم كفاراً نعمة .
(ب) دماء مخالفيهم حرام فى السر لا فى العلانية ، ودارهم دار توحيد
إلا معسكر السلطان .
(حـ) لا يحل من غنائمهم فى الحرب إلا الخيل والسلاح، وكل ما فيه قوة
فى الحروب ، ويردون الذهب والفضة إلى أصحابها .
(ء) تجوز شهادة المخالفين، ومنا كحنهم، والتوارث معهم، ومن هذا يتبين
اعتدالهم ، وتربهم من إنصاف المخالفين ، ومن أجل ذلك بقوا إلى اليوم فى بعض
جهات العالم الإسلامى .
١١٩ - خوارج لا يعدون من المسلمين: قام مذهب الخوارج على الغلو
والتشدد فى فهم الدين ، فضلوا وأجهدوا أنفسهم والمسلمين بضلالهم ، ولكن
المسلمين الصادقى الإيمان لم يحكموا بكفرهم، وإن حكموا بضلالهم ، ولذا روى أن
علياً رضى الله عنه أوصى أصحابه بألا يقاتل أحد الخوارج من بعده، لأن من
طلب الحق فأخطأه ليس كمن طلب الباطل فناله ، فعلى رضى الله عنه كان يعتبرهم
طالبين للحق ، قد جانبوا طريقه ، ويعتبر الأمويين طالبين للباطل ، وقد نالوه ،
ولكن كان فى الخوارج فرق قد ذهبوا مذاهب ليس فى كتاب الله ما يؤيدها ،
- ١٣٣ -
بل فيه ما يناقضها من غير أى تأويل ، وقد ذكر البغدادى فى كتابه الفرق بين الفرق
طائفتين من الخوارج عدهما خارجتين عن الإسلام ، وهما :
(١) اليزيد: أتباع يزيد بن أبى أنيسه الخارجى ، وكان إباضياً ثم ادعى أنه
سبحانه وتعالى يبعث رسولا من العجم ينزل عليه كتاباً ينسخ الشريعة المحمدية
وقد أشرنا إلى ذلك فيما مضى .
(٢) الميمونية: وهم أتباع ميمون العجردى الذى ذكر آنفاً فى مسألة
الخلاف فى الدين ، وقد أباح نكاح بنات الأولاد ، وبنات أولاد الأخوة
والأخوات ، وقال فى علة ذلك إن القرآن لم يذكرهن فى المحرمات ، وروى عن
هؤلاء الميمونية أنهم أنكروا سورة يوسف ، ولم يعدوها من القرآن لأنها قصة
غرام فى زعمهم ، ولا يصح أن تضاف إليه ، فقبحهم الله لسوء ما يعتقدون.
- ١٣٤ -
٣ - المرجئة (١)
١٢٠ - ابتدأت هذه الفرقة سياسية، ولكنها أخذت تخلط بالسياسة
أصول الدين ، وكونوا لهم رأياً سلبياً فى الأمر الذى شغل الأفكار الإسلامية
فى هذا العصر ، وهو مسألة مرتكب الكبيرة التى أثارها الخوارج والشيعة ،
وأهل الاعتزال ، ولنشأتها السياسية عددناها فى الفرق السياسية .
والبذرة الأولى التى منها نبتت هذه الفرقة كانت فى عهد الصحابة فى آخر عهد
عثمان رضى الله عنه ، فإن القالة فى حكم عثمان وعماله لما شاعت ، وذاعت، وملأت
البقاع الإسلامية ، ثم انتهت بقتله - اعتصمت طائفة من الصحابة بالصمت العميق،
وتحصنت بالامتناع عن الاشتراك فى تلك الفتن التى مرج المسلمون فيها مرجاً شديداً
وتمسكوا بحديث أبى بكر عن النبى مؤلّ إذ قال: « ستكون فتن القاعد فيها خير
من الماشى ، والماشى فيها خير من الساعى ، ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له
إبل فليلحق بإبله ، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه ، ومن كانت له أرض فليلحق
بأرضه ، فقال رجل : يارسول الله من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض ؟
قال : يعمد إلى سيفه ، فيدق على حده بحجر ، ثم لينج إن استطاع النجاة )، وامتنعوا
عن الخوض فى الحرب التى وقعت بين المسلمين ، ولم يعنوا أنفسهم بالبحث عن
المحق فى الطائفتين المتقاتلتين ، ومن هؤلاء سعد بن أبى وقاص ، وأبو بكر راوى
(١) الأرجاء على معنيين: إحداهما التأخير مثل قوله تعالى ((قالوا أرجه وأخاه))
أى أمهله وأخره. والثانى إعطاء الرجاء. أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول
فصحيح لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والقصد. وأما بالمعنى الثانى فظاهر ، فإنهم
كانوا يقولون لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة وقيل الأرجاء:
تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة ، فلا يحكم عليه بحكم ما فى الدنيا؛ من كونه من
أهل الجنة . أو من أهل النار فعلى هذا المرجئة والوعيدية فرقتان متقابلتان، وقيل :
المرجئة تأخير على رضى الله عنه عن الدرجة الأولى إلى الرابعة . فعلى هذا المرجئة والشيعة.
فرقتان متقابلتان ( الملل والنحل الشهر ستانى).
- ١٣٥ -
الحديث السابق ، وعبد الله بن عمران بن الحصين وغيرهم، وبهذا أرجئوا الحكم
فى أى الطائفتين أحق وفوضوا أمورهم إلى الله سبحانه وتعالى.
وقد قال النووى فى هذه الفتن ومسائلها: «إن القصايا كانت بين الصحابة
مشتبهة ، حتى إن جماعة من الصحابة ، تحيروا فيها ، فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا
ولم يتيقنوا الصواب)) ، وقال ابن عساكر فى هذا المقام فى بيان أصحاب هذه الفرقة
« إنهم هم الشكاك الذين شكوا، وكانوا فى المغازى، فلما قدموا المدينة بعد قتل عثمان
وكان عهدهم بالناس وأمرهم واحد، ليس بينهم اختلاف، فقالوا تركنا كم وأمركم
واحد، ليس بينكم اختلاف . وقدمنا عليكم وأنتم مختلفون ، فبعضكم يقول: قتل
عثمان مظلوماً ، وكانوا أولى بالعدل وأصحابه وبعضكم يقول : كان على أولى بالحق
وأصحابه كلهم ثقة ، وعندنا مصدق ، فنحن لا نتبرأ منهما ولا تلعنها ولا نشهد
عليهما ، ونرجىء أمرهما إلى الله. حتى يكون الله هو الذى يحكم بينهما)).
١٢١ - ولما تكونت الفرق الإسلامية، فأعلن الشيعة الإفراط الشديد
فى التعصب لآل البيت ، والمغالاة فى ذلك ، حتى تهجموا على العلمية من الصحابة ،
وكفروا أبا بكر وعمر رضى الله عنهما، إذ فرضوا بينهم ، وبين على من العداوات
ما لا يتصور إلا فى أخيلتهم، ونخلهم، والخوارج كفروا جماهير المسلمين وأعلنوا
تحلة جديدة لم يكن للمسلمين بها علم من قبل وهى تكفير كل مذنب .
ومن وراء الجميع الدولة الأموية تزعم أن المسلمين هم الذين انضووا تحت
لوائهم ، وخضعوا طائعين أو كارهين لسلطانهم . وقبلوا راضين أو غير راضين
حكمهم ، ومن عداهم جانف بنفسه عن الملة . وبعد عن الدين لما حدث ذلك
الانقسام ، امتنع المرجئون عن مناصرة فريق وارجئوا الحكم فى أمرهم ، وفوضوه
إلى الله علام الغيوب . فلم يريدون أن يخوضوا فى حديث سياسى ، وامتنعوا عن
ذكر الأمويين بسوء ، وقالوا فيهم : إنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً
رسول الله . فليسوا إذن كفاراً ولا مشركين ، بل هم مسلمون نرجىء أمرهم
إلى الله الذى يعرف سرائر الناس ويحاسبهم عليها.
- ١٣٦ -
١٢٢ - ولما كثر البحث فى أمر مرتكب الكبيرة، وادعى الخوارج كفره
وشنوا الغارة على كل المسلمين، وأقاموا حرباً شعواء على جماهيرهم، وكانوا شوكة
حادة فى جنب حكامهم ، فوضوا الأمر فى مرتكب الكبيرة، وأرجئوا الحكم على
مر تکها ، کما أرجئوا الحكم فى غيره، ثم خلف من بعد هؤلاء خلف ، نحله الناس
اسم المرجئة ، ولم يكن موقف هذا الخلف بالنسبة لمر تكب الكبيرة موقفاً سلبياً
كالأول ، بل حكم بأن الإيمان إقرار وتصديق واعتقاد ومعرفة ، ولا يضرمع
الإيمان معصية ، فالإيمان منفصل عن العمل ، ومنهم من غالى وتطرف، فزعم أن
الإيمان اعتاد بالقلب (( وإن أعلن الكفر بلسانه ، وعبد الأوثان ، أو لزم
اليهودية والنصرانية وعبد الصليب ، وأعلن التثليت فى دار الإسلام ، ومات
على ذلك ، فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله عز وجل ، وهو ولى الله عز وجل ،
ومن أهل الجنة))(١) بل إن بعضهم ((زعم أن لو قال قائل: أعلم أن الله قد حرم
أكل الخنزير ولا أدرى هل الخنزير الذى حرمه هذه الشاة أم غيرها كان مؤمناً،
ولو قال أعلم أنه فرض الحج إلى الكعبة غير أنى لا أدرى أين الكعبة ، ولعلها
بالهند كان مؤمناً ومقصوده أن أمثال هذه الاعتقادات أمور وراء الإيمان
لا أنه شاك فى هذه الأمور فأن عاقلا لا يستجيز من عقله أن يشك فى أن الكعبة
إلى أية جهة هى، وإن الفرق بين الخنزير والشاة ظاهر، (٢).
ووجد فى ذلك المذهب المستهين بحقائق الإيمان وأعمال الطاعات كل مفسد
مستهتر ما يرضى نهمتة ، فأعلنه له نحلة ، واتخذه له طريقاً ومذهباً، حتى لقد كثر
المفسدون . واتخذوه ذريعة لمآ ثمهم، ومبرراً لمفاسدهم، وساتراً لأغراضهم الفاسدة
ونياتهم الخبيثة ، وصادف هوى فى نفوس أكثر المفسدين الغاوين ((وما يحكيه
أبو الفرج الأصفهانى فى هذا المقام ما يروى أن شيعياً ومرجئياً اختصما ، جعلا
الحكم بينهما أول يلقاهما ، فلقيهما أحد الإباحيين المستهترين فقالا له أيهما خير
الشيعى أم المرجىء فقال (( ألا إن أعلاى شيعى وأسفلى ومرجى)).
(١) الفصل فى الملل والنحل لابن حزم. (٢) الملل والنحل الشهر ستانى.
- ١٣٧ -
١٢٣ - وعلى هذا نستطيع أن نقول ، أن كلمة المرجئة كانت تطلق على
طائفتين إحداهما متوقفة فى حكم الخلاف الذى وقع بين الصحابة والخلاف الذى
كان فى العصر الذى ولى عصر الصحابة وهو العصر الأموى . والثانية الطائفة التى
ترى أن الله يعفو عن كل الذنوب ما عدا الكفر ، فلا يضر مع الإيمان معصية ،
كما لا تنفع مع الكفر طاعة.
وقد وجد فى هذا المذهب الفساق الباب مفتوحاً لمساويهم ، ولذا قال فى هذا
القبيل زيد بن على بن الحسين (( أبرأ من المرجئة الذين أطمعوا الفساق فى عفو
الله)، وقد جعلت هذه الطائفة اسم المرجئة من الشنائع التى كانت تسب بها الفرق .
١٢٤ - ولقد كان المعتزلة يطلقون اسم المرجئة على كل من لا يرى أن صاحب
الكبيرة ليس مخلداً فى النار، بل يعذب بمقدار، وقد يعفو الله عنه، ولذا أطلق
على أبى حنيفة وصاحبيه رضى الله عنهم مرجئة بهذا الاعتبار . ولقد قال فى هذا
المقام الشهر ستانى فى الملل والنحل؛ ((لقد كان يقال لأبى حنيفة وأصحابه مرجئة
السنة ، وعده كثير من أصحاب المقالات من جملة المرجئة ، ولعل السبب
فيه أنه لما كان يقول الإيمان التصديق بالقلب، وهو لا يزيد ولا ينقص ظنوا أنه
يؤخر العمل عن الإيمان والرجل مع تحرجه فى العمل كيف يفتى بترك العمل .
وله وجه آخر ، وهو أنه كان يخالف القدرية والمعتزلة الذين ظهروا فى الصدر
الأول، والمعتزلة كانوا يلقبون كل من خالفهم فى القدر مرجئاً، وكذلك الخوارج،
فلا بد أن اللقب إنما لزمه من فريقى المعتزلة والخوارج، .
وقد عد من المرجئة على هذا النحو عدد كبير غير أبى حنيفة وأصحابه ، ومنهم
الحسن بن محمد بن على بن أبى طالب ، وسعيد بن جبير ، وطلق بن حبيب ، وعمرو
ان مرة ، ومحارب بن دثار ، ومقاتل بن سلمان ، وحماد بن أبى سلمان،{وقدید بن
جعفر ، وهؤلاء كلهم من أئمة الفقه والحديث لم يكفروا أصحاب الكبائر الكبيرة
أو يحكموا بتخليدهم فى النار .
١٢٥ - هذا وقد كانت تعقد مجالس للمناظرة بين المرجئة وغيرهم، وخصوصاً