Indexed OCR Text

Pages 61-80

- ٥٨ -
ويشبع ذلك النزوع الفكرى بالبحث فى تلك الأمور ، ولعل ذلك التعمق
هو الذى دفعه لأن يدرس الأحاديث دراسة متعمق ، يبحث عن علل ما اشتملت
عليه من أحكام، مستعيناً فى ذاك بإشارات الألفاظ ومرامى العبارات، وملابسات
الأحوال ، والأوصاف المناسبة ، حتى إذا استقامت بين يديه العلة ، اطرد القياس
بها، وفرض الفروض، وصور الصور ، وسار فى ذلك شوطاً بعيداً .
(د) وكان حاضراً ، البديهة تجيئه إرسال المعانى متدافعة فى وقت الحاجة إليها،
فلا تخنبس فكرته ولا يغلق عليه فى نظر ، ولا يفحم فى جدال ، ما دام الحق
فى جانبه ، وعنده من الأدلة ما يؤيده(١).
وكان واسع الحيلة يعرف كيف ينفذ إلى ما يفحم خصمه من أيسر سبيل ،
وله فى ذلك غرائب ومدهشات معجبات ، قد امتلأت بها كتب المناقب والتراجم
وكتب التاريخ التى تصدت لبيان حياته، ونذكر من ذلك ثلاث مناظرات تكشف
عن حسن تأتيه ، ولطف مداخله ، وإن لم تكن من أغرابها .
أُرماها - أنه يروى أن رجلا مات وأوصى أبى حنيفة وهو غائب،
وارتفع إلى ابن شبرمة ، فذكر ذلك له ، وأقام أبو حنيفة البينة أن فلانا مات
وأوصى إليه ، فقال ابن شبرمة . يا أبا حنيفة أتحلف أن شهودك شهدوا بحق؟ قال
ليس على يمين ، كنت غائباً ، قال ضلت مقاييسك، قال أبو حنيفة : ما تقول
فى أعمى شج ، فشهد له شاهدان بذلك ، أعلى الأعمى أن يحلف أن شهوده شهدوا
بحق ، وهو لم ير ، فكم بالوصية وأمضاها .
نافيها - أنه دخل الضحاك بن قيس الخارجى الذى خرج فى عهدالأمويين مسجد
الكوفة ، فقال لأبى حنيفة : تب فقال: مم أتوب؟ قال من تجويزك الحكمين،
فقال أبو حنيفة تقتلنى أو تناظر فى ، فقال بل أناظرك ، قال فإن اختلفنا فى شىء
روى عن الليث ابن سعد أنه قال: كنت أتمنى رؤية أبى حنيفة، حتى رأيت الناس
متقصفين على شيخ ، فقال رجل : يا أباحنيفة وسأله عن مسألة ، فوالله ما أعم بنى صوابه
كما أعجبنى سرعة جوابه .

- ٥٩ -
ما تناظر نا فيه ، فمن بينى وبينك ، قال : اجعل أنت من شئت ، فقال أبو حنيفة
الرجل من أصحاب الضحاك: اقعد فاحكم بيننا فيما نختلف فيه ؛ إن اختلفنا ، ثم قال.
الضحاك أترضى بهذا بينى وبينك ، قال نعم ، فأنت قد جوزت التحكيم ، فانقطع .
ثالثها - أنه يروى أنه كان بالكوفة رجل يقول: عثمان بن عفان كان يهودياً،
ولم يستطع العلماء إقناعه أو حمله على أن يقول غير مقالته؛ فأتاه أبو حنيفة ، قال
أتيتك خاطباً ، قال لمن ؟ قال: لابنتك ، رجل شريف غنى بالمال ، حافظ لكتاب
الله سخی ، يقوم الليل فی رکوع، کثیر البكاء من خوف الله ، قال فی دون هذا
مقنع يا أبا حنيفة، قال إلا أن فيه خصلة ، قال وما هى ، قال يهودى، قال سبحان
الله !! تأمر نى أن أزوج ابنتى من يهودى ؟ قال ألا تفعل قال: لا ، قال فالنى
صلى الله عليه وسلم زوج ابيته من يهودى ! ، أى من عثمان رضى الله عنه الذى
يزعمه الرجل كذلك قال: أستغفر الله. إنى تائب إلى الله عز وجل)).
والأخبار مستفيضة بسعة حيلته فى المناظرات، وحسن استخراجه للطائف القول فى
أشد المواقف حرجاً وضيقاً، حتى لقد قال له أبو جعفر المنصور: أنت صاحب حيل.
وكان يسهل له سبيل الجدال قوة فراسته ، وبصره بنفوس الرجال ، وقدرته
على فتح مغاليق قلوبهم وخفايا نفسهم ، فيأتى إليهم من قبل ما يدركون ويألفون ،
ويسوغ الحق لهم ، ويسهل قبوله عليهم .
(هـ) وكان أبو حنيفة مخلصاً فى طلب الحق، وتلك هى صفة الكمال التى رفعته
وفورت قلبه، وأضاءت بصيرته بالمعرفة ، فإن القلب المخلص الذى يخلو من الغرض
ودرن النفس والهوى فى بحث الأمور وفهم المسائل ، يقذف الله فيه بنور المعرفة
فتزكو مداركه ، ويستقيم فكره ، وإن الاتجاه المستقيم فى طلب الحقائق ليسهل
إدراك العقل لها ، بخلاف العقل الذى أركسته الشهوات ، فإنها تضله ، وما يدرى.
أهو فى مهاوى شهواته ، أم فى مدارك عقله .
ولقد خلص أبو حنيفة نفسه من كل شهوة ، إلا الرغبة فى الإدراك الصحيح،
وعلم أن هذا الفقة دين ، أو فهم فى الدتن لا يطلبه من غلبت عليه فكرة . ولم يجعل

- ٦٠ -
نفسه تسير إلا وراء الحق وحده ، وما يهدى إليه ، وسواء عليه أن يكون غالباً
أو مغلوباً ، بل هو الغالب دائماً ما دام يصل إلى الحق، ولو كان الذى أقنعه به من
خصومه فى الجدل والمناظرة .
وكان لإخلاصه لا يفرض فى رأيه أنه الحق المطلق الذى لا يشك فيه ، بل
كان يقول: ((قولنا هذا رأى. وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن
من قولنا، فهو أولى بالصواب منا))(١) .
وقيل له: ((يا أبا حنيفة هذا الذى تفتى به ، هو الحق الذى لا شك فيه؟ فقال
والله لا أدرى لعله الباطل الذى لا شك فيه ... ))، وقال زفر: كنا نختلف
إلى أبى حنيفة ومعنا أبو يوسف، ومحمد بن الحسن ، فكنا نكتب عنه ، فقال
يوماً لأبى يوسف : « ويحك يعقوب لا تكتب كل ما تسمعه منی ، فإنى قد أری
الرأى اليوم فأتركه غداً، وأرى الرأى غداً فأتركه بعد غد ... )،(٢)
وكان لإخلاصه فى طلب الحق يرجع عن رأيه إن ذكر له مناظره حديثا
لم يصح عنده غيره، ولا مطعن له فيه، أو ذكرت له فتوى صحابى كذلك .
(((يروى عن زهير بن معاوية، أنه قال سألت أبا حنيفة عن أمان العبد، فقال
إن كان لا يقاتل فأمانه باطل ، فقلت : حدثنى عاصم الأحول عن الفضيل بن يزيد
الرقاشى قال : كنا نحاصر العدو ، فرمى إليه بسهم فيه أمان فقالوا : قد أمنتمونا ،
فقلنا : إنما هو عبد، فقالوا : والله ما نعرف منكم العبد من الحر ، فكتبنا بذلك
إلى عمر بن الخطاب ، فكتب عمر أن أجيزوا أمان العبد، فسكت أبو حنيفة ، ثم
غبت عن الكوفة عشر سنين، ثم قدمتها ، فأتيت أبا حنيفة ، فسألته عن أمان العيد.
فأجابى بحديث عاصم، ورجع عن قوله ، فعلمت أنه متبع لما سمع ... وقيل له
أتخالف النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: لعن الله من يخالف رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم، به أكرمنا الله، وبه استنقذنا)، (٣).
(١) تاريخ بغداد ج ١٣ ص ٠٣٥٢
(٢) الكتاب المذكور ص ٤٠٢ .
(٣) الانتقاء لابن عبد البر ص ١٤٠، ١٤٠.

- ٦١ -
هذا هو إخلاص أبى حنيفة لفقهه ودينه، فلم يكن من المتعصبين لآرائهم ،
بل دفعه الإخلاص للحق - مع سعة عقله - لأن يفتح قلبه لغير رأيه من.
الآراء ، وإن التعصب إنما يكون من غلبت مشاعره على أفكاره، أو من ضعفت
أعصابه ، وضاق نطاق فكره ، ولم يكن أبو حنيفة شيئاً من ذلك ، بل كان.
القوى فى عقله ، المستولى على نفسه وأعصابه ، المخلص فى طلب الحق ، الخائف.
من ربه ، فقدر لنفسه الخطأ دائماً .
( و) وكان يتوج هذه الصفات كلها صفة أخرى لعلها مظهر لهذه الصفات.
كلها ، أو هى هبة الله لبعض النفوس، تلك الصفة هى قوة الشخصية، والنفوذ
والمهابة ، والتأثير فى غيره، بالاستهواء والجاذبية ، وقوة الروح، كان له تلاميذ.
كثيرون ، ولم یکن يفرض عليهم رأيه ، بل كان يدارسهم ويتعرف آراء الكبار
منهم ، ويناقشهم مناقشة النظير ، لا مناقشة الكبير ، وكان هو ينتهى برأى ،
فيصمت الجميع عنده ، ويسكنون إليه ، وقد يستمر بعضهم على رأيه ، وفى الحالین
لأبي حنيفة مكانتة ، وشخصيته. وقد وصف مجلس أبى حنيفة مع أصحابه معاصره.
مسعر بن كدام ، فقال: كانوا يتفرقون فى حوائجهم بعد صلاة الغداة ، ثم يجتمعون.
إليه ، فيجلس لههم ، فمن سائل ، ومن مناظر ، ويرفعون الأصوات لكثرة ما يحتج
لهم، إن رجلا يسكن الله به هذه الأصوات لعظيم الشأن فى الإسلام))(١).
٥٠ - هذه جملة من صفات أبى حنيفة . بعضها فطرى ، وبعضها كسبى ،
راض نفسه عليها ، وأخذها على سمته، وهى مفتاح شخصيته ، وهى التى جعلته.
ينتفع بكل غذاء روحى يصل إليه ، فكانت فى نفسه كالأجهزة التى يتمثل بها الغذاء
فى الأجسام الحية ، وكانت بها المجاوبة بينه وبين عصره وشيوخه وتجاربه ، تتغذى.
من هذه العناصر ، وتمدها هى بنوع جديد من الفكر والرأى ، عميق النظر ، بعيد.
الأثر فى النفوس والأجيال ، وبهذه الصفات استولى أبو حنيفة على المعجبين به »
فدفعهم إلى الثناء عليه ، وأثار حقد الحاسدين ، فاندفعوا إلى الطعن فى سيرته .
(١) المناقب للمكى ج ٢ ص ٣٦.

- ٦٢ -
٢ - شيوخه
٥١ - قال أبو حنيفة: ((كنت فى معدن العلم والفقه، جالست أهله،
ولزمت فقيهاً من فقهائهم)).
هذه هى الجملة التى قالها أبو حنيفة فى تربيته العلمية ، وفى دراساته الفقهية طالباً
قبل أن يكون مفتياً ، وهى بظاهر ألفاظها تدل على أن أبا حنيفة عاش فى وسط
على ، ونشأ فيه ، وأنه جالس العلماء الذين كانوا فى الوسط ، وأخذ منهم ،
وعرف مناهج بحثهم ، ثم اختار من بينهم فقيهاً ، وجد فيه ما يرضى نزوعه العلمى ،
فلزمه ، واختصه بهذه الملازمة ، وإن لم يهجر سواه ، فهو كان يذاكر العلماء غيره
أحياناً ، لأن هذه الملازمة لم تقطع مجالستهم ، فيجمع الرواة على أنه كان تلميذاً
لحماد بن أبى سليمان الذى انتهت إليه مشيخة الفقه العراقى فى عصره، وأنه تلقى
عن غيره ، وروى عن كثيرين ، وذاكر كثيرين ، خصوصاً بعد وفاة حماد ،
ولما جاور بيت الله الحرام ، عندما خرج مهاجراً من الكوفة ، من وجه عامل
الأمويين ابن هبيرة ؛ ولذلك يذكر الذين أرخوا حياته شيوخاً كثيرين تلقى
عليهم مع ذكر ملازمته حماد .
٥٢ - وقبل أن نتجه إلى ذكر هؤلاء الشيوخ ، أو على التحقيق ذكر
المعروفين باتجاهات فقهية خاصة منهم فلم إلمامة بثلاثة أمور :
٥٣ - أولها - أن شيوخ أبى حنيفة كانوا من نحل مختلفة ، وفرق متباينة،
فلم يكونوا جميعاً من فقهاء الجماعة ، أو لم يكونوا من أهل الرأى وحدهم ، فقد كان
ممن تلقى عليهم علماء فى الحديث ، ومنهم من تلقوا فقه القرآن وعلمه من زجمان
القرآن عبد الله بن عباس رضى الله عنه، فقد رأينا أنه أقام بمكة مدة تقرب من
نجو ست سنين، كما يفهم من روايات بعض الكتب كما بينا ، وإقامته بمكة هذه
المدة ، وهو ذو الفكر القوى ، والعقل الواعى، لا بد أن يكون قد تلقى فيها عن
نالتابعين الذين تلقوا علم ابن عباس رضى الله عنه، وفقه القرآن منه، أو من تلاميذه.

- ٦٣ -
ثم كان من الذين جالسهم بالعراق ، كثيرون من فرق الشيعة على اختلافهم ،
منهم من كانوا من الكيسانية، ومنهم الزيدية، ومنهم أئمة الإمامية، الإثنا عشرية،
والإسماعيلية ، ولكل أولئك أثر فى فكره وإن لم يعرف عنه أنه نزع منازع
هؤلاء ، إلا فى محبته للعترة النبوية، وكان مثله فى تلقيه عن العراق والآراء المختلفة،
كمثل من يتغذى من عناصر مختلفة ، ثم تتمثل هذه العناصر جميعاً ، فيخرج منها
ما يكون به قوام الحياة ، وكذلك كان أبو حنيفة يأخذ من كل هذه العناصر ، ثم
يخرج منها بفكر جديد ، ورأى تقويم ، لم يكن من نوعها ، وإن كان فيه خيرها .
٥٤ - ثانيا - أن أبا حنيفة انتهى من هذه الدراسات المختلفة التى تلقاها،
إلى أنه علم فتاوى الصحابة الذين اشتهروا بالاجتهاد، وجودة الرأى والذكاء.
جاء فى تاريخ بغداد: ((دخل أبو حنيفة يوماً على المنصور، وعنده عيسى
ابن موسى ، فقال للمنصور : هذا عالم الدنيا اليوم ، فقال له يانعمان . عمن أخذت
العلم؟ قال عن أصحاب عمر عن عمر ، وعن أصحاب على عن على ، وعن أصحاب
عبد الله ( أى ابن مسعود) عن عبد اللّه، وما كان فى وقت ابن عباس على وجه
الأرض أعلم منه ، قال: لقد استوثقت لنفسك)) (١).
تلقى أبو حنيفة فتاوى هؤلاء الصحابة الأجلاء ، وعبارته تنىء عن أنه كان
متتبعاً لفتاويهم أو على الأقل قد وصلت إليه عن التابعين الذين التقى بهم ، ودرس
عليهم ، لأنه أخذها عن أصحابهم من غير توسط .
وهؤلاء الصحابة الذين تلقى فتاويهم من أهل المنازع العقلية ، ومن أوتوا
حظاً كبيراً من التفكير العقلى المستقل فى ظل الكتاب والسنة المعروفة؛ وبذلك
تعرف أى أثر كان لهذه الفتاوى فى نفسه، إذ وجهته ذلك التوجيه العقلى فى فهم
علل الأحكام ، وقياس الأشباه بأشباهها ، فوق ما فيه هو من نزوع عقلى
فلسفى ، كما بينا .
(١) تاريخ بغداد - ١٤ ص ٣٣٤

- ٦٤ -
٥٥ - ثالثها - أن كتاب المناقب جميعاً يذكرون أنه التقى ببعض الصحابة
وبعضهم يذكر أنه روى عنهم أحاديث ، وأنه ارتفع بذلك إلى رتبة التابعين ،
ويسبق بهذا الفضل الفقهاء الذين عاصروه كسفيان الثورى ، والأوزاعى ومالك
وغيرهم من أقرانه .
لم يختلف الرواة فى أن أبا حنيفة التقى ببعض الصحابة الذين عمروا، وعاشوا
إلى نهاية المائة الأولى أو ما يقاربها، أوعاشوا شطراً فى العقد التاسع منها ، وذكروا
أسماء كثيرين من الصحابة التقى بهم ورآهم ، منهم أنس بن مالك الذى توفى سنة ٩٣
وعبد الله بن أو فى المتوفى سنة ٨٧ ووائلة بن الأسفع المتوفى سنة ٨٥ وأبو الطفيل
عامر بن وائلة المتوفى سنة ١٠٢ بمكة، وهو آخر الصحابة موتاً، وسهل بن ساعد
المتوفى سنة ٨٨ وغيرهم (١).
ولقد اختلفوا فى روايته عنهم ، قال بعض العلماء إنه روى عنهم ، وذكروا
أحاديث رواها، ولكن أهل الخبرة من علماء الحديث ضعفوا سندها إليه وإن
كان لبعضها قوة من طرق أخرى من ذلك حديثه: ((من بنى لله مسجداً ،
ولو كمفحص قطاة، بنى الله له بيتاً فى الجنة))، وحديث (( دع ما يريبك إلى ما لا
يريبك)، وحديث ((إن الله يحب إغاثة اللهفان))، وحديث ((طلب العلم فريضة
على كل مسلم ، وحديث ((الدال على الخير كفاعله))، وحديث (( لا تظهر الشماتة
لأخيك ، فيعافيه اللّه ويبتليك)) (٢).
وكثيرون من العلماء على أن أبا حنيفة وإن التقى ببعض الصحابة لم يرو عنهم،
واحتجوا بأنه عندما التقى بهم لم يكن فى سن من يتلقى العلم ، ويعيه وينقله ، وبأنه
فى مطلع حياته قد اتجه إلى الاشتغال بالسوق وما يتصل بها ، حتى صرفه إلى العلم
ما أسداه إليه الشعبى من نصيحة ، وبأن كل سند ينتهى إليه ، وفيه أنه سمع من صحابى
لا يخلوا من كذاب أو ضعيف، وبأن أصحابه كأبی یوسف ومحمد وعبد الله بن
(١) راجع المناقب للسكى ص ٢٤ من الجزء الأول والخيرات الحسان ص ٢٢،
(٢) راجع الكتب السابقة .
وتبييض الصحيفة للسيوطى ص ٦.

- ٦٥ -
المبارك، وزفر، وغيرهم لم يدونوا فما أثر عنهم من كتب، ولم يذكروا فما عرف
لهم من أقوال ، تلك الأحاديث التى تذكر مروية عن أبى حنيفة على أنها من
روايته، ولو كانت هذه النسبة صحيحة لعرفوها ، ولأشاعوها، وذكروها فى مآثره؟.
لأنهم كانوا معنيين بذلك(١).
٥٦ - وإنا يميل إلى ذلك الرأى، ونختاره ، فنقرر أن أبا حنيفة رضى الله عنه
التقى ببعض الصحابة الذين امتد بهم العمر إلى عصره ، ولكنه لم يرو عنهم .
وعلى ذلك يكون السؤال أيعد تابعياً أم لا يعد ؟
لقد اختلف العلماء فى تعريف التابعى ، فقال بعضهم إنه من لقى الصحابى، وإن
لم يصحبه ، فمجرد الرؤية على ذلك الرأى تجعل الشخص تابعياً، وأبو حنيفة على هذا
الاعتبار يكون تابعياً ، وبعض العلماء لا يكتفى فى تعريف التابعى بمجرد الرؤية
للصحابى ، بل لابد أن يكون قد صحبه ، وتلقى عنه ، وعلى ذلك لا يعد أبو حنيفة
تابعيا ، اللهم إلا إذا صدقنا ما يقال أنه روى عن بعض الصحابة الذين ذكر ناهم .
٥٧ - ومهما يكن الكلام فى روايته عن الصحابة فالعلماء مجمعون على
أنه التقى ببعض التابعين وجالسهم ، ودارسهم ، وروى عنهم ، وتلقى فقههم ،
وكانت سنه تسمح باللقاء، والتلقى ، والرواية .
وقد اختلفت مناهج من روى ، فمنهم من اشتهر بالأثر كالشعبى ، ومنهم من
اشتهر بالرأى ، وهم كثيرون ، وقد أخذ عن عكرمة حامل ابن عباس ، ونافع
حامل علم ابن عمر ، وعطاء بن أبى رباح فقيه مكة ، ويظهر أنه اتصل به أمداً
غير قصير ، ولقد ذكر أنه كان يناقشه فى التفسير ويتلقاه عنه ، فقد جاء فى
الانتقاء: (عن أبى حنيفه قلت لعطاء بن أبي رباح : ما تقول فى قول الله عز وجل.
((وآتيناه أهله، ومثلهم معهم ، قال: آتاه أهله ، ومثل أهله ، قلت أيجوز أن
يلحق بالرجل ما ليس منه؟ فقال وكيف يكون القول فيه عندك ، فقلت: يا أبا محمد
(١) مأخوذة بتوضيح من الخيرات الحسان ص ٢٥.
(٥ أبو حنيفة )

- ٦٦ -
أجور أهله، وأجوراً مثل أجورهم، فقال هو كذلك الله أعلم)) (١).
فإن صحت هذه الرواية فإنها تدل على أمرين ( أحدهما) أن أبا حنيفة قدجالس
عطاء بن أبي رباح، ودارسه، وأخذ منه، وإذا كان عطاء قد توفى سنة ٥١١٤،
فمن ذلك أنه كان يرحل إلى مكة حاجاً ، ويدارس العلماء فيها ، وهو متتلمذ لحماد ،
ولم تكن ملازمته له مانعة من هذه الدراسة كما نوهنا ، وكما تبين .
(ثانيهما) أنها تدل على أن عطاء كان يتعرض فى دروسه بمكة لتفسير القرآن
وأن مدرسة مكة ورثت علم عبد اللّه بن عباس، وأخص ما اشتهر به رضى الله
عنه علمه بالقرآن وناسخة ومنسوخة .
٥٨ - والآن قد آن لنا أن نذكر بعض كلمات عن كل شيخ من شيوخه ،
الذين اتصل بهم، وكان له لون فكرى معين (( لنعرف جملة الينا بيع التى استقى منها،
الموارد التى تورد عليها ، وبها تستبين نواحى ثقافته الفقهية .
وأبرز شيوخه هو من لزمه ، وهو حماد بن سلمان الأشعرى بالولاء ، لأنه
كان مولى لإبراهيم بن أبى موسى الأشعرى ، وهو قد نشأ بالكوفة، وتلقى فقهه على
إبراهيم النخعى ، وكان أعلم الناس برأيه، وقد مات سنة ١٢٠ ، ولم يتلق فقط فقه
النخعى ، بل تلقى مع ذلك فقه الشعبى ، وهذان الإثنان قد أخذا عن شريح، وعلقمة
ابن قيس ، ومسروق بن الأجدع ، وأولئك قد تلقوا فقه الصحابيين عبد الله
ابن مسعود ، وعلى بن أبى طالب ، وقد أورثا أهل الكوفة بإقامتهما فيها فقهاً
كثيراً، هو عماد الفقه الكوفى ، فيفتاويهما وفتاوى تلاميذهم الذين نهجوا نهجهما
تكون ذلك التراث الفقهى العظيم ، تلقى حماد هذا كما رأيت فقه إبراهيم النخعى وفقه
الشعبى ، ولكى يظهر أنه كان الغالب عليه فقه إبراهيم، وهو فقه أهل الرأى، لأن
الشعبى كان فقيهاً أقرب إلى فقهاء الأثر منه إلى فقهاء الرأى، ولو أنه عاش بالعراق،
وكانت دراسته فيه ، إذ أن طريقة فقهاء الرأى كانت مبغضة له ولم يرتضها .
لزم أبو حنيفة حماداً ثمانى عشرة سنة كما نقلنا عنه ، وأخذ عنه أهل العراق
(١) الانتقاء ص ١٥٨ .

- ٦٧ -
الذى كانت فيه خلاصة فقه على وعبد الله بن مسعود، وأخذ عنه بالذات الفتاوى
التى كانت لإبراهيم النخعى ، حتى لقد قال الدهلوى : إن المعين للفقه الحنفى هو
أقوال إبراهيم النخعى، وإليك كلمته فى حجة الله البالغة: ((كان أبو حنيفة رضى
الله عنه ألزمهم بمذهب إبراهيم وأقرانه، لا يجاوزه إلا ماشاء الله، وكان عظيم
الشأن فى التخريج على مذهبه ، دقيق النظر فى وجوه التخريجات ، مقبلا على
الفروع أتم إقبال ، وإن شئت أن تعلم حقيقة ما قلنا فلخص أقوال إبراهيم وأقرانه
من كتاب الآثار، وجامع عبد الرازق ، ومصنف أبى بكر بن شبية ، ثم قايسه
بمذهب أبى حنيفة تجده لا يفارق تلك المحجة ، إلا فى مواضع يسيرة وهو فى
تلك اليسيرة أيضاً لا يخرج عما ذهب إليه فقهاء الكوفة)) (١).
وقد يكون فى هذا القصر مبالغة ، بيد أنه ما لاشك فيه أن ملازمة أبى حنيفة
لحماد هذا، وكون حماد أعلم الناس بفقه إبراهيم النخغى كما يقول كل الرواة ، فيه
الدلالة الكافية على أن الينبوع الأكبر لفقه أبى حنيفة كان ما ورثه حماد هذا عن
إبراهيم، وخصوصاً أن ما تثبته القراءة الدقيقة لكتب الآثار عند الحنفية يؤدى إليه.
٥٩ - وقد ذكرنا أنه مع ملازمته لحماد ، وتلمذته له ، كان يأخذ عن غيره،
ثم بعد وفاة حماد لم ينقطع عن الدرس والتحصيل ، يتعلم ويعلم، شأن العلماء
الصادقين الآخذين بالأثر: ((لا يزال الرجل عالماً مادام يطلب العلم ، فإذا ظن أنه
على فتمد جهل ))، وقد ذكر نا أنه فى موسم الحج ، وفى رحلاته إلی مکة کان یأخذ
عن عطاء بن أبي رباح ، ويلازمه مادام مجاوراً بيت الله الحرام ، وقدروى أنه
حج نحو خمس وخمسين حجة ، ويفهم من هذا أنه كان يحج كل عام بعد أن بلغ من
الشباب ، وإن كنا لا نميل إلى الجزم بهذا العدد ، أو ترجيحه . وقد كان يتخذ من
الحج سبيلا للتزود من العلم والحديث ، والإفتاء ، كما اتخذ منه زاداً للتقوى
بالقيام بالمناسك والمشعر الحرام ..
وعن عطاء وفی مدرسة مکة أخذ علم ابن عباس الذى ورثته عنه كما أخذ عن
(١) حجه الله البالغة = ١ ض ١٤٦

- ٦٨ -
عكرمة مولاه الذى ورث علمه، حتى لقد قال يوم باعه ابنه على بأربعة آلاف
دينار : ما خير لك بعت على أبيك بأربعة آلاف ، فاستقال المشترى فأقاله .
وأحذ علم ابن عمر وعلم عمر عن نافع مولى ابن عمر، وهكذ اجتمع له علم
ابن مسعود، وعلم على ، عن طريق مدرسة الكوفة ، وعلم عمر ، وابن عباس ،
بمن التقى بهم من تابعيهم رضى الله عنهم أجمعين.
٦٠ - نستطيع إذن أن نقول إنه تلقى فقه الجماعة الإسلامية بشتى منازعها،
وإن كان قد غلب عليه تفكير أهل الرأى، بل عد شيخ أهل الرأى. ولكن
أبا حنيفة لم يقتصر على الأخذ عن هؤلاء الفقهاء، بل تجاوز ذلك إلى أئمة الشيعة ،
فأخذ عنهم ودارسهم ، وله مواقف محموده فى نصرتهم، حوسب عليها كهلا وشيخاً
حتى مات رضى الله عنه شهيد الإخلاص للعترة النبوية، والتمسك بالحق والزهادة.
ولقد التقى بالأئمة زيد بن على، ومحمد الباقر، وأبى محمد عبد الله بن الحسن ،
وكل له قدم فى الفقه والعلم ثابتة .
فالإمام زيد بن على زين العابدين رضى الله عنه، المتوفى سنة ١٢٢، كان عالماً
غزير العلم فى شتى الفنون الإسلامية، فهو عالم بالقراءات ، وسائر علوم القرآن ،
وعالم بالفقه، وعالم فى العقائد، والمقالات فيها ، حتى لقد كان المعتزلة يعدونه من.
شيوخهم . ويروى أبا حنيفة تتلمذ له سنتين ، حتى لقد جاء فى الروض النضير
أن أبا حنيفه قال: ((شاهدت زيد بن على ، كما شاهدت أهله فما رأيت فى زمانه
أفقه منه، ولا أعلم ، ولا أسرع جواباً ، ولا أبين قولا؛ لقد كان منقطع القرين)».
نحن لا نشك فى لقائه ، ولكن لا نعتقد أنه لازمه ، بل تلقى عنه فى مقابلات.
من غير ملازمة .
٦١ - ومحمد الباقر بن زين العابدين أخو زيد رضى الله عنه ، وقد
توفى قبله ، وهو من أئمة الشيعة الإمامية ، اتفق على إمامته ، منهم الإثنا عشرية ،
والإسماعيلية، وهما أشهر فرق الإمامية. وقد لقب بالباقر ، لأنه بقر العلم. ولقد
كان مع أنه من آل البيت ، لا يذكر الخلفاء الثلاثة بسوء، يرى أنه ذكر بحضرته

- ٦٩ -
أبو بكر وعمر وعثمان من بعض أهل العراق بسوء ، فغضب وقال مؤنباً: أنتم
من المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم !! قالوا لا ، قال أنتم من الذين
تبوءوا الدار والإيمان قالوا: لا ، قال : ولستم من الذين جاءوا من بعدهم يقولون
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، قوموا عنى ، لا قرب اللّه داركم ،
تقرون بالإسلام، ولستم من أهله(١) ، وقد مات الباقر سنة ١١٤.
وقد كان الباقر على علم غزير ، ويظهر أن التقاء أبى حنيفة به كان فى أول نشأته
وظهوره بالرأى، «وقد كان أول لقاء له بالمدينة، وهو يزورها ، فإنه يروى أنه
قال له : أنت الذى حولت دين جدى وأحاديثه بالقياس ، فقال أبو حنيفة : معاذ
الله، فقال محمد: بل حولته ، فقال أبو حنيفة اجلس مكانك ، كما يحق لك ، حتى
أجلس ، كما يحق لى ، فإن لك عندى حرمة كرمة جدك صلى الله عليه وسلم فى
حياته على أصحابه ، جلس ثم جنا أبو حنيفة بين يديه ، ثم قال : إنى سائلك عن
ثلاث كلمات فأجبنى: الرجل أضعف أم المرأة، فقال محمد المرأة، فقال أبو حنيفة
كم سهم المرأة؟ فقال للرجل سهمان ، وللمرأة سهم ، فقال أبو حنيفة: هذا قول،
جدك ، ولو حولت دين جدك لكان ينبغى فى القياس أن يكون للرجل سهم ،
وللمرأة سهمان، لأن المرأة أضعف من الرجل ، ثم قال: الصلاة أفضل أم الصوم،
فقال الصلاة أفضل ، قال هذا قول جدك، ولو حولت قول جدك لكان القياس أن
المرأة إذا طهرت من الحيض أمرتها أن تقضى الصلاة ، ولا تقضى الصوم ، ثم
قال : البول انجس أم النطفة ؟ قال البول انجس ، قال فلو كنت حولت دين جدك
بالقياس ، لكنت أمرت أن يغتسل من البول ، ويتوضأ من النطفة . ولكن
معاذ الله أن أحول دين جدك بالقياس، فقام محمد فعانقه وقبل وجهه وأكرمه ،.
ذكر هذه المناظرة الموفق المکی فی مناقبه، وسیاقها يدل على أنها كانت فى أول
لقاء، لأنه سأله سؤال من لم يعرف عنه إلا أنه اشتهر بالقياس، فلما تبين له أنه
(١) قد ذكر ابن البزازى أنه مات سنة ١١٧، ولكن الدى رأيته فى الكامل
هو ما ذكر هنا ، أى أنه مات سنة ١١٤.

- ٧٠ -
لم يعمل القياس فى موضع النص ، وساق ماساق لتوضيح طريقته قبله ، ويدل أيضاً
على أن أبا حنيفة قد اشتهر بالرأى والجدل حول القياس ، وهو ما زال ملازماً
حلقة حماد شيخه ، فلم يكن استمراره فى حلقة حماد بمانعه من أن يشتهر ، وينمى
خبر علمه وطريقته ، لأن حماداً توفى سنة ١٢٠، والباقر توفى سنة ١١٤، فلابد
أن هذه المناظرة، وهى أول لقاء بينه وبين أبى حنيفة ، كانت ، وحماد لا يزال حياً.
والأخبار تنیء عن أن أبا حنيفة كانت له شهرة وهو فى درس حماد ، وسياق
حياته يرشح لذلك ، فإن رحلاته المختلفة إلى البصرة ، وكثرة حجه وملاقاته العلماء،
ومناقشتهم حول طريقة الرأى التى كان يذاكرها حماداً ، لا بد أن هذا كله كان يجعل
له شهرة. وإن لم يستقل بحلقة درس قائمة بذاتها .
٦٢ - وكما كان لأبى حنيفة اتصال على بالباقر ، كان له اتصال بابنه جعفر
الصادق ، وقد كان فى سن أبى حنيفة رضى الله عنهما، فقد ولدا فى سنة واحدة ،
ولكنه مات قبل أبى حنيفة ، فقد توفى سنة ١٤٨ أى قبل أبى حنيفة بنحو سنتين،
وقد قال أبو حنيفة فيه: ((والله ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الصادق)).
ولقد جاء فى المناقب للموفق المكى ((أن أبا جعفر المنصور قال: ((يا أبا حنيفة
إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد ، فهىء له من المسائل الشداد ، فهيأ له أربعين
مسألة، وإن أبا حنيفة يقول عندما دخل على أبى جعفر وهو بالحيرة: «أتيته
فدخلت عليه ، وجعفر بن محمد جالس عن يمينه ، فلما بصرت به دخلتنى من الهيبة
لجعفر بن محمد الصادق ما لم يدخلنى لأبى جعفر ، فسلمت عليه ، وأوما جلست ، ثم
التفت إليه ، فقال يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة ، فقال نعم .. ثم التفت إلى، فقال:
يا أبا حنيفة ألق على أبى عبد الله من مسائلك، جعلت ألقى عليه، فيجيبى، فيقول:
أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا ، ونحن نقول كذا، فربما تابعنا
وربما تابعهم ، وربما خالفنا، حتى أتيت على الأربعين مسألة، ما أخل منها بمسألة ،
ثم قال أبو حنيفة: إن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس)).
وهذه الرواية تنى. عن أن أبا حنيفة أحس بمنزلة جعفر الصادق عند أول.

- ٧١ -
لقاء وأن جعفراً كان له رأى فى الفقه ، ولا شك أن ذلك كان قبل أن يكون
ما بين المنصور والعلويين من عداوة .
ولقد عد العلماء جعفراً هذا من شيوخ أبى حنيفة ، وإن كان فى سنه .
٦٣ - وأبو محمد عبد الله بن الحسن بن الحسن، قد تتدذ له أبو حنيفة كماجاء
فى المناقب للمكى، ولابن البزازى ، وغيرهما ، وكان محدثاً ثقة ، صدوقاً ، روى
عنه سفيان الثورى ، ومالك وغيرهما، وكان معظما عند العلماء . عابداً كبير القدر ،
وفد على عمر بن عبد العزيز ، فأكرمه ، ووفد على السفاح فى أول عهد العباسية ،
فعظمه وأعطاه ألف درهم ، فلما ولى المنصور عامله بعكس ذلك ، وكذلك
أولاده وأهله ، فقد سيقوا مقيدين مغلولين من المدينة إلى الهاشمية ، فأودعوا
السجن ، ومات أكثرهم فيه .
وقد فوهنا إلى أن هذه المعاملة الظالمة للعلويين عامة ، ولآل عبد الله بن الحسن
خاصة ، هى التى حولت قلب أبى حنيفة عن العباسيين، وجعلته يغمز حكم أبى جعفر
من وقت لآخر بالقول الناقد الشديد ، لأنه كان يحب العلويين ، كشأن أكثر
الفارسیین ، ولأنه تتلمذ على کثیرین منهم كما رأيت، وكانت له بعبد الله مودة خاصة.
وقد كانت وفاة عبد اللّه سنة ١٤٥، وله من السن نحو ٧٥ سنة ، فهو يكبر
أبا حنيفة بنحو عشر سنوات ، إذ قد ولد سنة ٧٠
٦٤ - ولم يكن اتصال أبى حنيفة العلمى مقصوراً على رجال الجماعة ، وأئمة
آل البيت ، بل يقول كتاب المناقب إنه أخذ عن بعض ذوى الأهواء ، وذكروا
بعضهم على أنه من شيوخه ، فذكروا جابر بن يزيد الجعفى من شيوخه ، وهو من
غلاة الشيعة ، الذين أخذو بمبدأ رجعة النبى معَ اته ، وبرجعة على رضى الله عنه
والأئمة ، ولقد ذكر ابن البزازى فى مناقب أبى حنيفة أن يزيد أبا هذا من أتباع
عبد الله بن سبأ، ولكنى أستبعد أن يكون هو كذلك، وأرجح أن يكون من الشيعة
غير السبئية، لأن السبئية يقولون بأن علياً إله أو قريب من إله. وعلىّ كفرهم،
وما كان لأبى حنيفة أن يأخذ علم الإسلام عن كفار، وإذا كان قد قال برجعة على

- ٧٢ -
رضى الله عنه ، ووافق السبئيين فى ذلك، فقد وافق فى هذا أيضاً الكيسانية،
فالأقراب أن يكون منهم .
ويظهر أن أبا حنيفة قد دارسه بعض العقليات ، مع اعتقاده أنه منحرف
فى فهمه ، قد استولى عليه هوى معين ، ولذا كان يقول فيه : جابر الجعقى أفسد
نفسه بالهوى الذى أظهره؛ وليس عندى فى الكوفة فى بابه أكبر منه، (١).
ولم يبين أبو حنيفة أى باب من أبواب العلم كان فيه جعفر هذا مستبحراً، ولم يكن
فيه أكبر منه ، ولعله باب من أبواب التخريج ، أو الأمور العقلية .
ولقد كان هو يذاكره؛ وينهى أصحابه عن مجالسته؛ وكأنه كان يخشى عليهم
فتنة عقله . وقوة تفكيره أن يؤخذوا بها ؛ فينحرفوا معه فى أهوائه . ونحله ؛
وكان يصفه بالكذب . فقد جاء فى ميزان الاعتدال: ((قال أبو يحيى الحمانى :
سمعت أبا حنيفة يقول ما رأيت فيمن رأيت أفضل من عطاء ، ولا أكذب من
جابر الجعفى )،(٢) .
وترى من هذا أنه كان يتلقى العلم من كل من كانت له قوة فى ناحية من نواحيه؛
وإن انحرف فى بعض تفكيره. يأخذ منه موضع نفعه. ويتجنب موضع ضره ،
يميز طيبه من خبيثه ، فيجنى طيبه ، ويلفظ خبيئه ، يأخذ العلم من كل وعاء ،
ولا يهمه حامل الوعاء ، بل لا يهمه نفس الوعاء ، فأخذ ما فيه من خير ، ولى كان
فيه بعض الدنس ، ما دام الدنس لا يمنع من استساغة العلم نقياً سليما .
والانتقاء بهذا الشكل لا يستطيعه إلا أقوياء العقول . الذين علا أفق
تفكيرهم، ولم تستهوهم فكرة معينة، تمنعه من تعرف الخير فى غيرها ، وأبو حنيفة
فى هذا كان وحيد عصره .
لقد كان العلماء فى عصره أحدرجلين: رجل يقتصر على فقه الإسلام لا يعدوه،
ولا يتحاوز أقطاره . وإن اتسع أفقه نفى التخريج والرأى . ورجل قد أخذ يدرس
(١) المناقب للمكى - ٢ ص ٨٨.
(٢) هامش للناقب للسكى ح١ ص ٤٢ .

- ٧٣ -
العقائد ويتفلسف فى فهمها وتؤديه الفلسفة فى غير علم بلب الدين ومراميه إلى
الانحراف عن أغراضه ومعانيه أحياناً ، ولم يكن ثمة من يجمع بين الدراسات
الفقهية المحكمة العميقة ، والدراسات العقلية التى حكمها الدين ، وسيرها فى طريق
لاغلو فيه، ولاشطط ، ولا انحراف عن المقصد الأسمى، فسلك أبو حنيفة ذلك
المسلك الوسط الذى لم يسلكه سواه ، وبلغ فيه الشأو والغاية ، ولذلك طلب العلم
من كل أبوابه ، وسلك فيه كل مسا لكه، واتجه إلى كل غاية ، بعقل مسيطر قويم،
ودين قوى متين ، ونفس لوامة ناقدة فاحصة . ولقد كان يحس بأن تلاميذه
لا يطيقون كل ذلك ، فكان ينهاهم عن الخوض فى غير الفقه ، وعن أن يتلقوا عن
غير الفقهاء ، وقد رأيت فيما مضى ، كيف نهى ولده حماداً عن الخوض فى علم
الكلام ، وهو فيه العالم المبرز .

-: ٧٤ -
٣ - دراساته الخاصة وتجاربه
٦٥ - لحياة الشخص الخاصة ، وما يكتنفها من أحوال وشئون، وما يتصل
بها من دراسات حرة لا يعتمد فيها على شخص ، وما يعركه به التجارب ، آثار
فى علمه، وتوجيهه، وإرهاف فكره أو إضعافه، وقد كانت حياة أبى حنيفة
ودراساته وتجار به، تتجه به نحو تكوين فقيه العراق الأول .
(أ) فهو أولا نشأ فى بيت من بيوت التجار ، ثم لم ينقطع طوال حياته
عن التجارة ، وإن كان قد أناب عنه من يلازم عمله ويزاول التجارة ، وبهذا كان
عليما بالصفق فى الأسواق وأحوال البياعات ، وبالعرف التجارى . وفى الجملة كمانت
تجار به فى السوق هادية له مرشدة تجعله يتكلم فى معاملات الناس وأحكامها كلام
الخبير الفاهم ، ولعله من أجل ذلك جعل للعرف مكاناً فى تخريجه الفقهى، إذا لم
يكن كتاب ولا سنة كما سنبين إن شاء اللّه تعالى . ولعل تلك الخبرة هى التى جعلته
يحسن التخريج بالاستحسان عندما يكون فى القياس منافاة للمصلحة أو العدالة، أو
العرف، ولقد قال محمد بن الحسن تلميذه. (( كان أبو حنيفة يناظر أصحابه فى
المقاييس، فينتصفون منه، ويعارضونه حتى إذا قال أستحسن لم يلحقه أحد منهم،
لكثرة ما يورد فى الاستحسان من مسائل فيذعنون جميعاً ويسلمون له،
وما ذاك إلا لإدراكه لدقيق المسائل ، وصلتها بالناس ومعاملاتهم وأغراضهم
فإن استحسن ، فإنما يأخذ مادته من دراساته لأحوالهم مع دراسات أصول
الشرع الشريف ومصادره .
(ب) وكان أبو حنيفة كثير، الرحلة ، فقد حج كما يقول الرواة نحو خمس
وخمسين سنة، وهو عدد يدل على الكثرة ، ولا يخلوا من مبالغة ، وكان فى حجه
بدارس ویذا کر ، ویروی ویفی ، فهو فی مکھ یلتقی بعطاء بن أبى رباح، وفى أول
مرة التقى به يسأله عطاء: من أين أنت؟ فيقول من أهل الكوفة ، فيقول له عطاء
من أهل القرية الذين فرقوا دينهم شيعاً ، فيقول له نعم ، فيسأله عطاء : فمن أى

- ٧٥ -
الأصناف أنت ؟ فيقول له من لا يسب السلف ويؤمن بالقدر ، ولا يكفر أحداً
بذنب ، فقال له عطاء: عرفت فالزم .
وهو فى حجه يذهب إلى مالك ويذاكره الفقه ، ويلتقى بالأوزاعى ويذاكره
وهكذا كانت رحلاته فى الحج علمية يعرف منها مواطن الوحى، وأماكن الرسالة ،
ومشاهد الرسول ، وبذلك يحيط خبراً بمعانى الآثار ، ودقائق الأخبار ، ويكون.
کمن شاهد وعاين .
يعرض فى رحلاته فتاويه ، ويستمع إلى نقدها ، فيمحصها ، ويعرف مواضع
ضعفها، هذا إلى ما تفيده الرحلات نفسها من فتق للذهن ، ومعرفة بالبلادالمختلفة،
فيحسن التفريع فى المسائل الفقهية ، ويحكم تصورها ، والإلمام بأحكامها .
(حـ) وكان أبو حنيفة رجلا نظاراً أغرم بالجدل والمناظرة منذ شب فى
طلب العلم . وقد كان ينتقل إلى البصرة موطن الفرق الإسلامية ، ويجادل رؤوسها ،.
وينازلهم فى آرائهم ، حتى لقد يروى أنه جادل نحو اثنتين وعشرين فرقة، ثم جادل.
وهو كبير دفاعاً عن الإسلام ، ولقد روى أنه جادل الدهرية مرة ، فقال لهم.
بوجههم إلى ضرورة الإيمان بمنشىء العالم: ((ما تقولون فى رجل يقول لكم: إنى
رأيت سفينة مشحونة ، مملوءة بالأمتعة والأحمال ، قد احتوشتها فى لجة البحر
أمواج متلاطمة ، ورياح مختلفة ، وهى من بينها تجرى مستوية ليس فيها ملاح.
يجريها ويقودها؛ ولا متعهد يدفعها ويسوقها . هل يجوز ذلك فى العقل ؟ فقالوا :
لا . هذا شىء لا يقبله العقل ، ولا يجيزه الوهم ، فقال أبو حنيفة رحمه الله :
فياسبحان الله ، إذا لم يجز فى العقل وجود سفينة مستوية من غير متعهد ولا مجر ،.
فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها . وتغير أمورها وأعمالها .
وسعة أطرافها. وتباين أكنافها من غير صانع وحافظ ومحدث لها ،(١).
ومجادلته فى العقائد أرهفت تفكيره ، وعمقت مداركه، ثم كانت مناظراته فى.
الفقه فى كل مكان فى رحلاته ، ففى مكة والمدينة ، وسائر ربوع الحجاز كانت تعقد.
(١) المناقب للمكى ج ١ ص ١٧٨.

- ٧٦ -٠
المناظرات ، وتقام سوق الفقه ، كل يدلى بنظره وحجته ، فكان بهذا يطلع على
أحاديث لم يكن يعرفها من قبل ، وأوجه للقياس عساه لم يكن قد تنبه إليها ،
وفتاوى للصحابة لم يكن قد اطلع عليها ، وقد رأيت فيما أسلفنا من قول أنه كان
يفتى بعدم جواز الأمان من العبد ، حتى نبهه مناظره إلى أمر عمر رضى الله عنه
بجواز أمانه ، فأفتى بالجواز ، ورجع عن رأيه .
(د) وطريقة أبو حنيفة فى درسه تشبه أن تكون دراسة له لا إلقاء
للدروس على تلاميذ ، فالمسألة من المسائل تعرض له ، فيلقيها على تلاميذ ، ويتجادل
معهم فى حكمها ، وكل يدلى برأية ، وقد ينتصفون منه فى المقاييس ، كما روى عن
الإمام محمد ، ويعارضونه فى اجتهاده ، وقد يتصايحون، حتى يعلو ضجيجهم كما نقلنا
فيما مضى عن مسعر بن كدام ، وبعد أن يقلبوا النظر من كل نواحيه يدلى هو بالرأى
الذى تنتجه هذه الدراسة، ويكون صفوها، فيقر الجميع به، ويرضونه، والدراسة
على هذا النحو هى تنقيف للمعلم والمتعلم معاً، وفائدتها للمعلم لا تقل عن فائدتها
للتلميذ ، وإن استمرار أبى حنيفة على ذلك النحو من الدرس جعله طالباً للعلم إلى
أن مات ، فكان عليه فى نمو متواصل وفكره فى تقدم مستمر.
وكان إذا عرض له الحديث تعرف أوجه العلة للأحكام التى يشتمل عليها ،
.وناقشهم ثم يفرع من المسائل ما يراه متفقاً مع الأصل فى العلة ، ويعد ذلك هو
الفقه ، حتى كان يقول: ((مثل من يطلب الحديث ولا يتفقّه ، مثل الصيدلانى
يجمع الأدوية ولا يدرى لأى داء هى ، حتى يجىء الطبيب، هكذا طالب الحديث
لا يعرف وجه حديثه ، حتی یجیء الفقيه )، (١) .
وترى من هذا أنه كان يجعل من تلاميذه مناظرين ، لا متلقين ، متوقفين حتى
يقول ، وكان يتعهدهم بثلاثة أمور :
(أحدها ) أن يواسيهم بماله ، ويعينهم على نوائب الدهر ، حتى إنه كان
يزوج من يكون فى حاجة إلى الزواج، وليست عنده مئو نته ، ورسل إلی کل تلميذ
(١) المناقب للمكى = ٢ ص ٩١.

- ٧٧ -
قدر حاجته ، ولقد قال شريك فیه : کان یغنی من یعلمه ، وينفق علیه وعلی عیاله ،
فإذا تعلم قال : لقد وصلت إلى الغنى الأكبر بمعرفة الحلال والحرام(١).
( ثانيها ) أنه ينظر إلى نفوسهم ، فيتعهدها بالرعاية ، فإذا وجد فى أحدهم
إحساساً بالعلم يمازجه غرور أزال عنه دون الغرور ببعض الاختبارات ،
يثبت بها أنه ما زال فى حاجة إلى فضل من المعرفة يأخذها عن غيره .
يروى أن أبا يوسف تلميذه وصاحبه قد أحس من نفسه بأنه قد آن له أن
يعقد مجلساً يستقل فيه بالدرس، فقال أبو حنيفة لبعض من عنده إذهب إلى مجلس
يعقوب ( أبى يوسف ) وقل له : ((ما تقول فى قصار دفع إليه رجل ثوباً ليقصره
بدر همين ، ثم طلب ثوبه ، فأنكره القصار، ثم عاد ، وطلبه ، فدفعه له مقصوراً آله
أجرة ، فإن قال: نعم ، فقل أخطأت ، وإن قال : لا ، فقل له أخطأت ، فصار
الرجل إليه ، فسأله فقال نعم له أجرة ، فقال أخطأت : فنظر ساعة ، ثم قال : لا ،
فقال أخطأت ، فقال من ساعته لأبى حنيفة فقال له ما جاء بك إلا مسألة القصار ،
ل أجل .. علمنى قال: إن كان قصره بعد ما غصبه فلا أجرة له ، لأنه إنما قصره.
لنفسه، وإن كان قبل غصبه، فله الأجرة، لأنه قصره لصاحبه ،(٢) .
ولعل ذلك كان أمراً ضرورياً للسلك الذى كان يسلكه فى حلقة درسه ،
فإن رفعه تلاميذه إلى مرتبته يجادلهم، وينتصفون منه، قد يدفع بعضهم إلى الغرور،
فيحتاج من يكون موشكا أن يدلى نفسه بغرورها إلى من يرشده إلى مواطن.
نقصه، وحاجته إلى التكمل ، وينبهه إلى أنه لم يؤت من العلم إلا قليلا .
( ثالثها ) أنه كان يتعهدهم بالنصيحة خصوصاً لمن كان منهم على أهبة افتراق،
أو من كان يتوقع له شأناً من الشأن ، وارجع إلى المناقب للمكى وابن البزازى تجد
فيهما الشىء الكثير من الوصايا المحكمة الرائعة ، كوصيته ليوسف بن خالد السمتى،
ووصيته لنوح ابن أبى مريم الجامع، ووصيته لآبی یوسف رضى الله عنه،وغیرها.
وفى الجملة لقد جعل أبو حنيفة من تلاميذه نظراء وأصدقاء ، وأعطاه كل.
نفسه. حتى لقد كان يقول لهم: «أنتم مسار قلبي وجلاء حزنى)).
(١) الخيرات الحسان ص ٤١، ٤٢.
(٢) الخيرات الحسان .