Indexed OCR Text

Pages 361-380

- ٣٦١ -
ولقد نحسن الظن بهم ، فنقول إن ذاك عدم دقة فى التعبير ، وليس.
بتسلط الهوى على القصد ، ولاعبث الغرض بالحقائق العلمية .
وثانى ما يلاحظه القارىء التهجم بالنفى مع تعذر إثباته ، ومع أن نفى العلم.
بأمر لا يصح أن يجىء على لسان أحد غير من يتحدث عن علمه ، فقد نفوا
علم الشافعى بحديث: ((لاتجتمع أمتى على ضلالة)) من غير بينة على ذلك النفى.
مع ما توجبه الدقة فى الأحكام من ذلك ، خصوصاً عند الحكم بالنفى، وکون
الحديث لم يجىء على لسان الشافعى فى الاستدلال للإجماع لايدل على عدم
علمه به فعساه لم يستدل به لأنه لم يستوف شروط الإنتاج عنده ، إذ أن
الخطأ فى الرأى مع تحرى كل أسباب الاجتهاد لايعد ضلالة عند الشافعى ،
إذ لا إثم فى الخطأ ، وعسى أن يكون الشافعى قد عدل عنه إلى ماهو أقوى.
منه ، وعساه لا يعلم بالحديث أو لم يصح عنده ، فكيف آثروا عدم العلم.
على بقية الفروض .
وثالث الملاحظات ، وهو عمدتها أنهم قالوا على الشافعى ما لم يقل لأنهم.
زعموا أنه عرف الإجماع ، بأنه الرأى الذى أخذ به كثرة المسلمين ، و کذلك
قول من لم يطلع على الرسالة ولا على الأم أو من يتعمد تحريف القول فيهما
عن موضعه ، فقد نقلنا لك من جماع العلم فى الأم ومن الرسالة ما يخالف
هذا تمام المخالفة ، ولنذكر كلمة من الرسالة وهى قول الشافعى : لست.
أقول ولا أحد من أهل العلم .. هذا مجتمع عليه إلا لما تلقى عالماً أبداً إلاقاله
لك وحكاه عمر قبله كالظهر أربع وكتحريم الخمر، وما أشبه هذا (١).
ذلك . نص ما قاله الشافعى فى الرسالة ومثله فى الأم ، ولكن جماعة المستشرقين.
يقررون أن الشافعى يكتفى فى الإجماع بالكثرة ، فهل كذب الشافعى فى
الإخبار عن نفسه ؟ ! .
٢٢٢ - وإن العصور التى احتضنت أصول الشافعى كان الاجتهاد فى.
(١) الرسالة ص ٥٢٤ طبعة الحلبى بتحقيق الشيخ أحمد شاكر.

- ٣٦٢ -
بعضها مفتوح الباب لمن توافرت له آلته ، وفى بعضها قد غلق باب الاجتهاد
إلا عند بعض أفذاذ من الرجال ، فتحوا لأنفسهم باب الاجتهاد فى بعض
.مسائل الفقه لا فى كله . وكانوا فى جملة أحوالهم ممن ينضوون تحت لواء
مذهب من المذاهب الأربعة التى اختارها جماهير المسلمين ، فترى منهم
فى الشافعية مثل إمام الحرمين والغزالى ، وفى الحنفية مثل كمال الدين
(ابن الهمام ، وفى الحنابلة مثل ابن تيمية وابن القيم ، وكلهم كان يأخذ فى
الجملة بمذهب معين ، وعرف له الاجتهاد فى بعض المسائل، ولقد كان
يعنى بالدليل حتى فى مذهبه الذى اختاره .
وإن علم أصول الفقه الذى غرس غرسه الشافعى ، لم يضعف من بعده،
حتى فى عصور التقليد التى غلق فيها باب الاجتهاد ، بل نما وترعرع، وإن
الشغف بالجدل والمناظرة فى الفقه -وقد قيد بالمذهب عند المقلدين فى الفروع -
يوجد متنفساً فى أصول الفقه فى تحقيق نظرياته ، وتحرير قواعده ، وتشعيب
مسائله وكأنما الفقهاء إذ قيدوا أنفسهم فى الفروع ، قد أطلقوا لها الحرية فى
الأصول ، حتى لقد كان من الشافعية الذين يحمدون عند آراء الشافعى فى
الفروع ، من خالفوه فى بعض أصوله ، ونقدوها ، وردوا بعضها ، وكأنما
كان التقيد حيث العمل ، والإطلاق حيث النظر والفكر المجرد .
ولكن الأصول فى عصر التقليد ، وإن لم تفقد قيمتها باعتبارها ضابطاً
الوزن الآراء الفقهية ، قد فقدت قيمتها من حيث كونها أساساً للاستنباط
الصحيح ، وهادياً ومرشداً للمجتهد فى اجتهاده ، إذ لا اجتهاد يسترشد
بها فى وسائله .
٢٢٣ - ومهما يكن نمو الأصول فى عصور التقليد ، فقد كان مسار
نموها غير متنافر تمام التنافر مع التقليد فى الفروع ، فلقد اتجهت اتجاهين
رئيسيين ، وأوجد غيرهما من بعض الكتاب فى الفقه .
: أحدهما : اتجاه نظرى خالص ، قد ساد فيه البحث النظرى ، وثانيهما :
اتجاه متأثر بالفروع ، خادم لها .

- ٣٦٣ -
والاتجاه الأول يسمى أصول المتكلمين ، أو أصول الشافعية ، والاتجاه
الثانى يسمى أصول الحنفية ، لأنهم هم الذين سنوا طريقة للدفاع عن
مذهبهم ، وضبط فروعه ، فاستنبطوا بذلك أصولا جامعة لمذهبهم ،
دافعوا عنها ، فكان ذلك دفاعاً عنه .
ولنشر بكلمة إلى الاتجاهين :
كان الاتجاه الأول نظرياً خالصاً ، فعناية الباحثين فيه متجهة إلى تحقيق
القواعد وتنقيحها من غير اعتبار مذهبى ، بل يؤيدون القواعد بالأدلة ،
ويختارون أقواها دليلا ، سواء أكانت تؤدى إلى خدمة مذهبهم أم لا
تؤدى ، ولقد كان منهم من خالف الشافعى فى أصوله ، وإن كان هو متبعاً
لفروعه كما أشرنا من قبل . فمثلا نرى الشافعى لا يأخذ بالإجماع السكونى ،
ولكن يرجح الآمدى وهو شافعى فى كتابه الإحكام أنه حجة ، وينتهى
بعد مناقشة الأدلة إلى أن يقول :
الإجماع السكوتى ظنى ، والاحتجاج به ظاهرى لا قطعى (١) ، فهو
يعتبره حجة ولكن دون حجية غير السكونى ، إذ يعتبره ظنياً ، كحديث
الآحاد .
ولقد دخل فى غمار هذا الاتجاه المتكلمون من معتزلة وأشاعرة (٢)
(١) الإحكام فى أصول الأحكام للآمدى ص ٣٩٥ الجزء الرابع.
(٢) الأشاعرة والماتريدية فرقتان ظهرتا فى أواخر القرن الرابع الهجرى تمثلان الآراء
. المعارضة للمعتزلة وتدافعان عن آراء الفقهاء والمحدثين بالأدلة العقلية، على طريقة المعتزلة فى
الاحتجاج والجدل ، والفرقة الأولى تنسب إلى أبى الحسن الأشعرى ، توفى سنة نيف وثلاثين
. وثلاثمائة، وقد كان فى أول حياته معتز ليا تتلمذ لشيخ المعتزلة فى عصره إلى أبى على الجبائى،
وكان لفصاحته ولسنه يولى النظر والمجادلة نائبا عن شيخه ، ولكنه وجد بعد ذلك ما يبعده
عن المعتزلة فى تفكيرهم ، وما يقربه من آراء الفقهاء والمحدثين ، فعكف فى بيته مدة ، وازن
( فيها بين آراء الفريقين، وانقدح له رأى بعد الموازنة فخرج إلى الناس وجهر به، وصار=

- ٣٦٤ -
وماتريدية ووجدوا فيه ما يتفق مع نزعاتهم العقلية، ومع نظرهم إلى.
الحقائق نظرة مجردة ، وبحثوا فيه كما يبحثون فى علم الكلام لا يقلدون ،
ولكن يحصلون ويحققون ، ولذلك سميت تلك الطريقة طريقة المتكلمين
الذين خاضوا فى علم الأصول دخلوا فى هذه الطريقة .
ولقد كان لذلك أثره ، فقد كثرت فى الأصول على ذلك النحو
الفروض النظرية ، واتجهوا به نواحى فلسفية ، فتجدهم تكلموا فى أصل
اللغات ، وكيف تنشأ وتكون ، ونظروا فى الدلالة وقسموها تقسيم
المناطقة ، وذلك غير تقسيماتهم فى فهم القرآن والسنة فى مبحث الدلالات،
ويثيرون بحوثاً لا يترتب عليها عمل ولا تأصيل لناحية فقهية ، كاختلافهم
فى مسألة الحسن والقبح العقلى ، مع اتفاقهم جميعاً على أن الأحكام فى
غير العبادات معللة معقولة المعنى ، ولكنهم اختلفوا فى تحسين العقل.
وتقبيحه ، وإن لم ببن على ذلك شىء فى الفقه ولا فى طريق استنباطه ،
ثم يبنون على ذلك خلافا فى مسائل أخرى نظرية لا تمت إلى الفقه
بسبب . فيختلفون أشكر المنعم واجب بالسمع أم بالعقل مع اتفاقهم.
على أنه واجب ، وأهذا واجب قبل ورود الشرع أم غير واجب .
وهكذا مختلفون فى مسائل نظرية كثيرة ليس فيها عمل ، ولا تسن
= بعد ذلك حربا عوانا على المعتزلة ، وكانت حياته ونشاطه العلمى بالعراق وهو شافعى
المذهب .
والماتريدية أتباع أبى منصور الماتريدى نسبة إلى قرابة ماتريد من أعمال سمرقند ، تفقه ..
على مذهب أبى حنيفة ، ألف فى الأصول كتاب الجدل ، وفى الفقه كتاب مآخذ الشريعة ثم
ذاعت شهرته فى علم الكلام حتى صار له مذهب بخراسان يقارب مذهب الأشعرى الذى كان
يعاصره . وقد ذكر الأستاذ الشيخ محمد عبده فى تعليقاته على العقائد العضدية أن بين.
الماتريدية والأشاعرة خلافا فى نحو ثلاثين مسألة. ولكنها جزئيات ولفظية فى نظر أكثر العلماء،
وتوفى أبو منصور هذا سنة ٣٣٢هـ وله كتاب الرد على الكعبى المعتزلى . وكتاب أوهام.
المعتزلة ، وكتاب الرد على الرافضة وغيرها .

- ٣٦٥ -
طريقاً للاستنباط ، ومن ذلك اختلافهم : هل يجوز تكليف المعدوم ،
.ويفسر ذلك الآمدى فيقول فى تصويره :
كشف الغطاء عن ذلك إنا لا نقول يكون المعدوم مكلفاً بالإتيان بالفعل
حال عدمه ، بل معنى كونه مكلفاً حال العدم قيام الطلب القديم بذات
الرتب تعانى - للفعل من المعدوم بتقدير وجوده وتهيئته لفهم الخطاب ،
فإذا وجد مهيأ صار مكلفاً بذلك الطلب والاقتصاد بالقدم (١).
ألا ترى فى هذا بحثاً فلسفياً مجرداً لا ينبنى عليه شىء من الاستنباط ، إذ
قد اتفق الطرفان على أن المعدوم هو معدوم لايوجه إليه خطاب ، وذلك
أمر معروف بالبداهة لا يختلف فيه أحد ، ولكنهم ينقلون الموضوع من
ذلك الأمر البدهى الذى لا يختلف فيه أحد إلى أمر آخر فلسفى وهو قيام
التكليف بذات الرب سبحانه وتعالى قبل أن يوجد المكلف ، وهذه مسألة
من علم الكلام ، الخوض فيها خوض فى أمر نظرى فلسفى لا ينبنى عليه عمل،
وليس أساساً للاستنباط ولا طريقاً من طرقه. بل إنهم لم يمتنعوا فى الأصول
عن أن يخوضوا فى مسائل هى من صميم علم الكلام ولاصلة لها بالفقه إلامن
ناحية أن الكلام فيها كلام فى أصل الدين . ومن ذلك كلامهم فى عصمة
الأنبياء ، فقد عقدوا لذلك فصلا فى أصولهم ، تكلموا فيه فى عصمة الأنبياء
قبل النبوة وعصمتهم بعدها ، واختلافهم فى الحال الأول ، واتفاقهم فى الثانية
.ولنقبس لك بعض كلامهم لتعرف كيف كانوا يخوضون ، فقد جاء فى الكلام
للآمدى فى عصمة الأنبياء ما نصه : أما قبل النبوة فقد ذهب القاضى أبو بكر
وأكثر أصحابنا وكثير من المعتزلة إلى أنه لا يمتنع عليهم المعصية كبيرة كانت
أو صغيرة ، بل لا يمتنع عقلا إرسال من أسلم وآمن بعد كفره ، وذهبت
الروافض إلى امتناع ذلك كله منهم قبل النبوة ، لأن ذلك مما يوجب هضمهم
فى النفوس واحتقارهم ، والنفرة عن اتباعهم وهو خلاف مقتضى الحكمة من
(١) الإحكام فى أصول الأحكام للآمدى جـ ١ ص ٢١٩ .

- ٣٦٦ -
بعثة الرسل ، ووافقهم على ذلك أكثر المعتزلة ، إلا فى الصغائر ، والحق.
ما ذكره القاضى لأنه لاسمع قبل البعثة يدل على عصمتهم عن ذلك ، والعقل.
ودلالته مبنية على التحسين والتقبيح العقلى ، ووجوب رعاية الحكمة فى أفعال
اللّه تعالى ، وذلك كله مما أبطلناه فى كتبنا الكلامية ، وأما بعد النبوة فالاتفاق
بين أهل الشرائع قاطبة على عصمتهم عن تعمد ما يخل بصدقهم فيما دلت المعجزة
القاطعة على صدقهم من دعوى الرسالة ، والتبليغ عن اللّه تعالى (١) .
ثم يسترسل فى بيان اختلاف العلماء فى جواز الخطأ والنسيان فى أمور
الرسالة ، وفى المعاصى القولية والفعلية التى لاتتصل بالرسالة ، وخلاف
الخوارج وغيرهم فى ذلك ، وهذا بلاريب من صميم علم الكلام .
٢٢٤ - هذا هو الاتجاه الأول لعلم الأصول بعد الشافعى ، وقد سمى
طريقة الشافعية ، لأن أكثر الباحثين فيه كانوا منهم ، وسمى طريقة المتكلمين
لأن المتكلمين خاضوا فيه ، ولأنه قد وجد فيه كثير من بحوث علم الكلام ،
ولأن طريقة البحث النظرى ، والاتجاه الفلسفى فى بعض النواحى قد كان
فيه ، فحمل اسم المتكلمين بحق .
وإن ذلك الاتجاه قد أفاد علم الأصول فى الجملة ، فقد كان البحث فيه كما
رأيت لا يعتمد على تعصب مذهبى ، فلم يخضع فيه القواعد الأصولية للفروع
المذهبية . بل كانت القواعد تدرس على أنها حاكمة على الفروع، وعلى أنها
دعامة الفقه ، وطرائق الاستنباط ، وإن ذلك النظر المجرد قد أفاد القواعد
دراسة عميقة نزيهة بعيدة عن التعصب فى الجملة ، فصحب ذلك تنقيح وتحرير
لهذه القواعد ، ولاشك أن هذه وحدها فائدة علمية جليلة لها أثرها فى تغذية
طلاب العلوم الإسلامية بأغزر العلم وأدقه وأحكمه ، وقد اشتمل على بيان
لأسرار الدين ، وفقهه وأحكامه العامة وحكمه ومناسباته .
وإذا كان أكثر الأقدمين قد غلقوا على أنفسهم أبواب الاجتهاد فلم
(١) الكتاب السابق ج١ ص ٢٤٢ .

- ٣٦٧ -
ينتفعوا عملا بذلك الاتجاه العلمى لأصول الفقه ، فإن باب الاستنباط إذا
فتح سيجد طريق الاجتهاد معبداً بما قام به أولئك العلماء الذين وجهوا
الأصول ذلك التوجيه .
٢٢٥ - هذا وقد ألفت على هذه الطريقة فى أصول الفقه كتب كانت
عماد ذلك العلم ودعامته ، وأعظم ما عرف للأقدمين من هذه الكتب ثلاثة :
أولها كتاب المعتمد لأبي الحسين محمد بن البصرى (١) وثانيها كتاب البرهان
لإمام الحرمين (٢) وثالثها كتاب المستصفى للغزالى وهو مشهور، وقد جاء
العلماء بعد هؤلاء فلخصوا هذه الكتب ، ثم اختصرت التلخيصات ،
فاحتاجت المختصرات إلى شروح ، فاستفاضت الأقلام بالشروح .
فلقد لخص الكتب الثلاثة المتقدمة وزاد فخر الدين الرازى فى كتاب
سماه المحصول ، وجمعها وزاد أيضاً أبو الحسين على المعروف بالآمدى (١)
فى كتاب سماه الإحكام فى أصول الأحكام ، وقد اختصر الكتابين كثيرون.
من العلماء اختصاراً شديداً أحياناً حتى يبلغ حد الرموز ، ثم جاءت الشروح.
تحل هذه الرموز، وهكذا . فكثر التأليف، وكثر التلخيص ، وكثر الاختصار،
وكثرت الشروح ، فكانت بالمكتبة الإسلامية مجموعة فى الأصول النظرية.
تهدى الباحث إلى أحسن طرائق الاستنباط .
٢٢٦ - الاتجاه الثانى لعلم الأصول هو الاتجاه المتأثر بالفروع ، اتجه
فيه الباحثون إلى دراسة قواعد الأصول ، ليؤدوا بها الفروع ، وليصححوا
بها استنباط تلك الفروع، ويدافعوا عنها ، فكانت دراسة الأصول على ذلك.
خادمة للفروع المذهبية ، لاحاكمة عليها وموجهة لها، وتسمى هى هذه الطريقة
(١) كان معتزليا وشافعيا توفى سنة ٤١٣.
(٢) هو أبو المعالى عبد الملك بن عبد الله الجوبنى كان شافعياً وهو شيخ الغزالى توفى.
سنة ٠٤٧٨
(٣) توفى سنة ٦٣١

- ٣٦٨ -
. طريقة الحنفية ، لأنهم هم الذين سنوا طريقها وسلكوه ، ولقد يقول بعض
العلماء فى ذلك إن الحنفية لم يكن لهم أصول فقهية نشأت فى عهد استنباط
المذهب فى عهد الطبقة الأولى من أتمته ، وكتب الأصول التى ادعوا أن
أتمتهم ألفوها لا يحفظ التاريخ منها شيئاً، فلما وجدوا الشافعى يضع الأصول
للاستنباط ، ثم جاء العلماء بعده ، فوسعوا أفق البحث ، وشعبوه أرادوا
أن يضعوا أصولا لمذهبهم ، فوضعوها .
قال الدهلوى فى كتابه الإنصاف فى بيان أسباب الاختلاف : اعلم
أنى وجدت أكثرهم يزعمون أن بناء الخلاف بين أبى حنيفة والشافعى على
هذه الأصول المذكورة فى كتاب البزدوى ونحوه ، وإنما الحق أن أكثرها
أصول مخرجة على قولهم ، وعندى أن المسألة القائلة بأن الخاص مبين ولا يلحقه
البيان ، وأن الزيادة نسخ ، وأن العام قطعى كالخاص ، وأن لاترجيح بكثرة
الرواة، وأنه لايجب العمل بحديث غير الفقهية إذا انسد باب الرأى ،
ولا عبرة بمفهوم الشرط والوصف أصلا ، وأن موجب الأمر هو الوجوب
البتة ، وأمثال ذلك أصول مخرجة عن كلام الأئمة ، وأنها لا تصح بها رواية
عن أبى حنيفة وصاحبيه ، وأنه ليست المحافظة عليها ، والتكلف فى جواب
ما يرد عليها من صنائع المتقدمين فى استنباطهم كما يفعله البزدوى .
ويكرر الدهلوى هذا المعنى فى كتابه حجة الله البالغة ، ثم يستدل على عدم
· نقل شىء من ذلك عن أبى حنيفة وصاحبيه بترك العمل بحديث الراوى غير
· الفقيه إذا خالف القياس أو إذا انسد باب الرأى على حد تعبير الدهلوى ويقول
فى ذلك ، ويكفيك دليلا على هذا قول المحققين فى مسألة : لا يجب العمل
بحديث من اشتهر بالضبط والعدالة دون الفقه إذا انسد باب الرأى كحديث
المصراة إن هذا مذهب عيسى بن إبان ، واختاره كثير من المتأخرين ،
((وذهب الكرخى وتبعه كثير من العلماء إلى عدم اشتراط فقه الراوى لتقدم
الخبر على القياس، قالوا لم ينقل هذا القول عن أصحابنا ، بل المنقول عنهم أن

- ٣٦٩ -
- خبر الواحد مقدم على القياس ألاترى أنهم عملوا بخبر أبى هريرة فى الصائم
إذا أكل أو شرب ناسيا ، وإن كان مخالفا القياس ، حتى قال أبو حنيفة
برحمه اللّه لولا الرواية لقلت بالقياس)).
هذا الكلام يدل بلا ريب على أن الأصول التى يذكرها الحنفية على أنها
"أصول المذهب الحنفى، ليست من أثمته ، حتى يقال إنهم وضعوها وقيدوا
· أنفسهم بالاستنباط على أسهاسها ، بل هى من وضع العلماء فى المذهب الحنفى،
.. بعد ذلك اتجهوا إلى استنباط القواعد التى تخدم فروع المذهب ، فهى جاءت
متأخرة عن الفروع لا متقدمة عليها ، ولذا كان يدفع العلماء الحرص على
استخراج قواعد للفروع تعتبر أدلة لها وطريقا لاستنباطها - إلى أن يقولوا
من الأصول خلاف ما أثر عن الأئمة مثل اشتراط فقه الراوى ليدفعوا عن
· بعض الفروع فيعتبر ذلك الشرط أصلا للاستنباط ، ولكنه خالف ما أثر
بالاستفاضة عن أبى حنيفة من تقديم خبر الواحد على القياس .
٢٢٧ - اتجه الحنفية فى الأصول هذا الاتجاه الذى تكون فيه القواعد
خادمة للفروع ، أى أنهم استنبطوا القواعد والأصول التى تؤيد مذهبهم ،
بودافعوا عن هذه القواعد على أنها أصولهم ، وبرهنوا لها ، وأثبتوا صحتها
.. ما أمكن أن يواتيهم الدليل ويسعفهم البرهان . وهذه الطريقة وإن بدت فى
ظاهر الأمر عقيمة ، أو قليلة الجدوى ، لأنها دفاع عن مذهب معين - قد
كان لها فى التفكير الفقهى عامة ، وفى المذهب الحنفى خاصة أثر واضح
( وفوائد جليلة ، وجملة فوائدها تتلخص فيما يلى) :
أولا : أنها استنباط لأصول وقواعد للاستنباط ، ومهما يكن الدافع
: إليها ، والحافز عليها فهى تفكير فقهى كلى، فقد كانت قواعد مستقلة تمكن
: الموازنة بينها وبين غيرها من القواعد ، ويستدل لها ، ويبرهن على صحتها
أو صحة مقابلها ، وبالموازنة بين القواعد المختلفة يمكن للعقل المستقيم أن يصل
إلى أقومها وأقواها، وأهداها إلى الاستنباط الصحيح .
( م ٢٤ - الشافعى )

- ٣٧٠ -
ثانيا : أنها دراسة للأصول قربتها من الفروع، فهى ليست بحوثا نظرية.
مجردة. ولكنها بحوث كلية ، وقضايا عامة تطبق على فروع جزئية فى.
دراستها ، فتستفيد الكليات من تلك الدراسة حياة وقوة ، ولاتكون مقصورة.
على التصور المجرد .
ومن أجل ذلك عمد بعض الشافعية إلى تطبيق قواعد الأصول على المذهب
الشافعى فكان يذكر القاعدة ، ثم يذكر ما يتفرع عليها من الفروع ،
وقد وجدنا ذلك فى كتاب للأسنوى (١) سماه التمهيد فى تخريج الفروع على
الأصول فاستفادت الأصول من ذلك حياة ، استفاد المذهب الشافعى منه
قوة استدلال .
ثالثا : أن دراسة الأصول على تلك الطريقة هى دراسة فقهية مقارنة،
لاتكون الموازنة فيها بين الفروع ، ولكن تكون الموازنة بين الأصول ،
لايهم القارىء فيها فى جزئيات ، بل يتعمق فى دراسة الكليات ، ويصل
من تلك الدراسة إلى القواعد الكلية التى بنى عليها كلا المذهبين اللذين عمد.
إلى الموازانة بينهما ، أو دراستهما دراسة مقارنة .
رابعا : أن هذه القواعد الخادمة للمذهب الحنفى هى ضبط لجزئياته.
تردها إلى أصولها ، وبالاطلاع عليها يستطيع أن يتعرف أحكام ما يبنى.
عليها إلا ما يكون شاذاً جاء على غير الأصول ، وتخالفت أحكامه عن
مقتضى القواعد والأقيسة .
خامسا : أنها تصور كيف يكون التخريج فى ذلك المذهب ، وتفريع
فروعه ، واستخراج أحكام لمسائل عارضة لم تقع فى عصر الأئمة بحيث تكون.
الأحكام غير خارجة عن مذهبهم ، وبحيث لو كانوا أحياء لحكموا فيها هذه
الأحكام ، لأنها على طريقتهم، وعلى مقتضى الأصول المستنبطة من فروعهم،
ولاشك أنه بذلك ينمو المذهب ، ويتسع رحابه ، ولا يقف العلماء فيه عند
(١) الأسنوى فقيه شافعى، وعالم أصول توفى سنة ٧٧٧ه كما ذكر السيوطى فى حسن.
المحاضرة ، وكتابه التمهيد هذا طبع فى مكة المكرمة بأمر من الحكومة السعودية .

- ٢٧١ -
جملة الأحكام المروية عن أئمتهم ، بل يوسعون ، ويقضون فيما يجد من
أحداث على طريقتهم ، وبذلك يكون اتباع المذهب غير مانع من استخراج
الأحكام لما يجد من أحداث .
٢٢٨ - هذا هو الاتجاه الثانى، وسمى بطريقة الحنفية ، لأن الذين
كتبوا فيها أولاهم الحنفية كما ذكرنا ، ومن أول من كتب منهم فى ذلك
الدبوسى (١) كتب كتابه تأسيس النظر ، بين فيه الأصول التى اتفق عليها
أئمة المذهب الحنفى مع غيرهم ، أو اختلفوا فيها ، وقبله كانت أصول
أبى الحسن الكرخى (٢) وهى رسالة صغيرة، وهذان الكتابان أقرب إلى
الفقه منهما إلى الأصول ، إذ فيهما بيان للضوابط التى ترجع إليها الفروع
الفقهية ، وليس فيهما بیان واضح للمسالك التى سلكت للاستنباط إلاقليلا،
وجاء بعد ذلك فخر الإسلام على بن محمد البزدوى (٣) وألف كتابه المسمى
بأصول البزدوى فكان بحق أبين كتاب فى أصول الحنفية ، وأوضح ما كتب
على طريقتهم ، وجاءت بعده مختصرات ومطولات تنهج على مثاله .
٢٢٩ - هذان هما المنهاجان اللذان سلكا فى دراسة علم الأصول بعد
الشافعى ، وكل منهما يسير فى طريق غير الذى يسير فيه الآخر ، فالمتكلمون
يسيرون فى طريق البحث النظرى من غير تقيد مذهبى ، والحنفية يبنون
أصول الاستنباط فى مذهبهم ، ويدافعون عنها .
ولقد جاء بعد أن استقامت الطريقتان طائفة من العلماء ، كثيرون منهم
حنفية ، وبعضهم شافعية كتبوا كتباً جامعة بين المسلكين، تجمع بين طريقة
الحنفية، وطريقة المتكلمين، ومنهم مظفر الدين أحمد بن على الساعاتى البغدادى
(١) هو القاضى أبو زيد عبد الله بن عمر الدبوسى المتوفى سنة ٤٣٠ هـ .
(٢) هو أبو الحسين عبيد الله بن الحسين بن دلهم الكرخى، انتبت إليه رياسة الحنفية وكان
زاهداً دعى إلى القضاء فلم يقبله ؛ وكان يهجر من يتولى القضاء من أصحابه ؛ ولد سنة
٢٦٠ هـ؛ وتوفى سنة ٣٤٠ هـ .
(٣) توفى البزدوى سنة ٤٨٣.
٠٫٠٠

- ٣٧٢ -
الحنفى المتوفى سنة ٩٦٤ هـ كتب كتاباً سماه ((بديع النظام الجامع بين كتاب
الزدوى والأحكام)) جمع فيه أصول البزدوى ، وما اشتمل عليه الإحكام
للآمدى ، وجاء بعد ذلك صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود البخارى المتوفى
سنة ٧٤٧ هـ ، وكتب كتابه تنقيح الأصول ، وشرحه بشرح سماه التوضيح،
ولقد لخص فيه أصول البزدوى ، والمحصول للرازى ، والمختصر
لابن الحاجب .
وتوالت بعد ذلك الكتابة على الطريقتين ممتزجتين ، وكانت كتب قيمة
فى ذلك ، منها كتاب التحرير لكمال الدين بن الهمام الفقيه الحنفى المتوفى
سنة ٨٦١هـ، وكتاب جمع الجوامع لتاج الدين عبد الوهاب بن على السبكى
الشافعى المتوفى سنة ٧٧١ هـ، وكتاب مسلم الثبوت لمحب الله بن عبدالشكور
الهندى المتوفى سنة ١١١٩ .
٣٣٠ - وقبل أن نترك الكلام فيما عرض لعلم أصول الفقه بعد الشافعى
تشير إلى أمر يتقاضانا البحث أن تشير إليه ، ذلك أن علماء الأصول من
لدن الشافعى لم يكونوا يتجهون إلى بيان مقاصد الشريعة العامة ، وما تتجه
إليه فى جملتها ، وفى تفصيلها إلى أغراض ومعان ، وإن ذكروا حكما
وأو صافاً مناسبة فى بيان القياس ، أقلوا فى القول ، ولم يستفيضوا فيه ،
لأنهم يعتبرون الأحكام منوطة بعللها ، لا بأوصافها المناسبة وحكمها ،
وبذلك كان بيان المقاصد العامة للشريعة التى جاءت من أجلها الأحكام ،
.وارتبطت بها مصالح العباد بالمحل الثانى عندهم ؛ فكان هذا نقصاً واضحاً
فى علم أصول الفقه . لأن هذه المقاصد هى أغراض الفقه وهدفه .
ولقد وجد فى عصور إسلامية مختلفة علماء يسدون ذلك النقص ،
ويجلون هذه الناحية فى بحوث كتبوها ، ورسائل دونوها ، فكان لابن تيمية
فى هذا جولات صادقة ، ولابن القيم تلميذه كتابات مستفيضة فى هذافىشتى
كتبه . وخصوصاً إعلام الموقعين ، والعز بن عبد السلام فى قواعده اتجاه

٣٧٣
- ٢٧٣ -
صادق ، فجلى جزءاً كبيراً من أغراض الشارع ومقاصده ، وصار فى
ذلك خطوات واسعة .
ولقد حمل العبء كاملا ، وأوفى على الغاية ، أو قارب أبو إسحاقى
إبراهيم بن موسى الشاطبى الفقيه المالكى المتوفى سنة ٧٨٠ فى كتابه الموافقات
فقد بين مقاصد الشرع الإسلامى بياناً كاملا ، وربط بينها وبين قواعد
الأصوليين ، وتكلم فى مصادر ذلك الشرع على ضوء مقاصده وغاياته ،
وبذلك فتح طريقاً جديداً فى علم الأصول ، وهو الطريق الذى يجب أن
يكون .
الأدوار التى عرضت لفقه الشافعى فى الفروع
٣٣١ - كان العصر الذى عاش فيه الشافعى عصر اجتهاد ، وكذلك كان
القرن الذى وليه ، حتى منتصف القرن الرابع تقريباً ، ولكن من بعد
الشافعى وجد فريق كبير من العلماء ينتسبون إلى الأئمة المجتهدين ، مع أنهم
يطلقون الحرية لأنفسهم فى الاجتهاد فى الفروع ، فكان من أصحاب الشافعى
وتلاميذهم من ينتسبون إلى مذهب الشافعى، ويعدون من رجال ذلك المذهب،
ولكن لهم اجتهاد مطلق فى المسائل التى يدرسونها وقد يوافقون الشافعى فى
الكثير ، ويخالفونه فى القليل ، ومثل هؤلاء كانوا فى المالكية ومثلهم
كانوا فى الحنفية ، وكل هؤلاء وأؤلئك لا يعدون مقلدين بالمعنى الذى
نفهمه من كلمة التقليد ، وإن لبسوا اللباس المذهبى ، ونسبوا إلى إمام
من هؤلاء الأئمة .
ووجه نسبتهم إلى ذلك الإمام مع أنهم يجتهدون مطلقين غير مقيدين ،
ولا مقتصرين على تخريج المسائل فى مذهبه - أنهم ناقدن لذلك المذهب
إلى غيرهم ، فهم رواته ، ولأنهم فى أكثر اجتهادهم لا يخالفون ذلك الإمام
لتوافق المنزع ، ولأنهم مستمسكون فى الجملة بأصوله ، يخرجون المسائل
عليها ، ويلحقونها بقواعده ، فكانوا بذلك منتمين إليه ، مع أنهم وصفوا
بالاجتهاد المطلق ، وكانت لهم فروع خالفوا فيها صاحب المذهب .
٣

- ٣٧٤ -
ولعل أوضح مثل لهذا النوع من الأصحاب كانوا من المذهب الشافعى
فإنك ترى فى الطبقة الأولى من أصحابه، وفيمن وليها منهم من كانوا يتدارسون
مذهبه ، وينقلونه لغيرهم ، ويصححون الأقوال فيه، وهم مع ذلك يجتهدون،
لهم آراء مستقلة ينفردون بها . فهذا المزنى مثلا ينقل فقه الشافعى متحرياً
فى نقله الأمانة ، حريصاً على الرواية ، وحريصاً أيضاً على حريته فى
الاستنباط ، فينقل لقارئه نهى الشافعى عن تقليده وتقليد غيره ، ويقول
فى مقدمة مختصرة : اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعى
رحمه الله، ومن معنى قوله، لأقربه على من أراده، مع إعلامه نهيه عن تقليده ،
وتقليد غيره ، لينظر فيه لدينه ، ويحتاط فيه لنفسه ، وبالله التوفيق.
ولقد كان فى طبقات الشافعية ، وحاملى ذلك المذهب مجتهدون يطلقون
الحرية لأنفسهم فى الاجتهاد ، حتى بعد أن ساد التقليد بعد المائة الرابعة ،
فلقد وجدنا مجتهدين حتى المائة السابعة ، ولعله كان من بعدها من لهم اجتهاد ،
وإن غاب ذكرهم ، وهؤلاء هم الذين عملوا على نمو ذلك المذهب ،
واستخراج المسائل من أصوله ، وتوجيه فروعه ، وتصحيح أقواله ،
والتخير من بينها ، وتخريج المسائل على قواعده وما اشتهر من أقوال أثرت
عنه أو دونه فى كتبه ، وفى الجملة كانوا هم ومن يقاربهم من المجتهدين
وفيه العاملين على تنميته ، حتى الأدوار التى آل إليها ، واقتصر بعدها
الحاملون له على النقل دون الاجتهاد والتخريج .
هذا وإن عوامل النماء فى ذلك المذهب متوافرة غزيرة الحياة ، خصبة
الإنتاج ، وهى ترجع على التقريب إلى ثلاثة عوامل ، أولها : كثرة الأقوال
المأثورة عن الشافعى . وثانيها : أصوله والتخريج عليها . ثالثها : كثرة العلماء
الذين تولوا الاجتهاد فيه ، واختلاف بيئاتهم ومنازعهم مما جعل تخريج
الآراء على طرائق شتى ، واختلفت أحكام فروعهم باختلاف ذلك ، ونتكلم
فى كل عامل من هذه العوامل ، بكلمة ليتبين مقدار أثره فى نمو المذهب .

- ٣٧٥ -
كثرة أقوال الشافعى، وأثرها فى مذهبه
٢٣٢٠٠ - ذكرنا فى صدر كلامنا عن فقه الشافعى أنه يروى له أحيانا
فى المسألة الواحدة أقوال مختلفة فى حكمها ، وأنه هو قد ينص على قولين
فى المسألة الواحدة وقد يتركهما من غير ترجيح ، وقد يرجح أحدهما على
الآخر، وقد يروى أصحابه مع القولين اللذين ينص هو عليهما قولا ثالثاً ،
بل إن ترجيحه قد يختلف ، فقد يرجح بعض الآراء ، وقد يرجع على ذلك
الترجيح فيرجح غيره ، وقد ضربنا لذلك أمثلة فى صدر كلامنا فى فقه
الشافعى(١) .
وفوق ذلك كان للشافعى قديم وجديد ، فقديمه بالعراق ، وجديده
بمصر، وقلنا إنه فى مصر لم ينسخ كل قديمه ، بل جاء إلى كتبه القديمة
التى أقرأها تلاميذه ببغداد ومحصها ، فكانت ثمرة التمحيص كتبه التى أقرأها
: تلاميذه مصر، ولقد روى البويطى أن الشافعى قال : لا أجعل فى حل من
روى عنى كتابى البغدادى ، وكتابه البغدادى هو المشتمل على مذهبه القديم ،
ولكنه مع نهيه أصحابه عن أن يرووا عنه آراءه القديمة التى رجع عنها ، وقد
وجدت آراؤه القديمة ، وذكرت بجوار آرائه الجديدة ، ذلك بأن كتبه
التى رواها الزعفرانى، والكرابيسى وغيرهما بالعراق قد انتشرت وعلم
الناس ما فيها ، وتناقلها العلماء ، ولعل كثيرين من علماء بغداد وفقهائها
الذين تتلمذوا له ، أو أخذوا عن تلاميذه بالعراق لم يعلموا بذلك النهى
من الشافعى فدونوها وتناقلوها ، وتذاكروها ، ولذا وجدنا فى كتب
المتقدمين من الشافعية وكتب المتأخرين ، أقوال الشافعى القديمة منشورة فى
:. أبواب الفقه المختلفة .
وقد فتحت كثرة أقوال الشافعى باباً من أبواب الترجيح والتخريج
والتصحيح فأخذ العلماء يوازنون بينها ، واختلفت ترجيحاتهم وتصحيحاتهم
. (١) راجع فى ذلك النبذة رقم ١١٦، فمراجعتها ضرورية لفهم ما نتكلم فيه الآن.

- ٣٧٦ -
فيها ، بل تناولوا ما رجحه الشافعى نفسه بالدراسة والفحص ، فكانوا"
يرجحون القول الآخر إذا وجدوا حديثاً صحيحاً سيراً على قاعدة الشافعى.
التى سنها لنفسه إذا صح الحديث فهو مذهبى . وسنبين مقدار أخذهم بهذه
القاعدة ، عندما نتكلم عن التخريج على أصول الشافعى .
٢٣٣ - ولقد كان من الدراسة الترجيح بين القديم والجديد فى المسائل.
التى يختلف فيها القديم والجديد ، فقد وجد من العلماء من صحيح القديم ،.
ورجح الأخذ به مع أنه من الجديد بمنزلة المنسوخ ، إذ الجديد قد نسخه ..
ويفهم من كلام النووى أن أكثر الشافعية على ترجيح القديم إن عاضده.
حديث فهو يقول بعد بيان اختلاف العلماء فى اختيار القديم ما نصه :
وهذا كله فى قديم لم يعضده حديث صحيح معارض له فهو مذهب الشافعى .
رحمه الله ومنسوب إليه إذا وجد الشرط الذى قدمناه فيما إذا صحح الحديث.
على خلاف نصه(١) .
والديم الذى ليس له حديث يعضده يذكر النووى أن العلماء اختلفوا
فى جواز اختياره من شافعى يجتهد فى المذهب وهو أهل التخريج -..
على رأيين :
أحدهما : أنه يجوز اختياره على أساس أنه قول للشافعى لم ينسخه ،.
لأن المجتهد إذا نص على خلاف قوله لا يكون رجوعاً عن الأول ، بل.
يكون له قولان .
ثانيهما : أنه لا يصح له أن يختار القديم على أنه الراجح من مذهب
الشافعى، وهذا قول الجمهور ، لأن القديم بالنسبة للجديد كنصين متعارضين.
يتعذر الجمع بينهما ، فيعمل بالمتأخر منهما .
(١) مقدمة شرح المجموع ص ٦٧، الشرط الذى يشير إليه هو أن يغلب على ظن المرجح.
عدم على الشافعى بالحديث ؛ وسنبينه عند الكلام فى التخريج .

- ٣٧٧ -
ولقد نقل النووى أقوال العلماء فى تأييد ذلك فى النظر فقال : قال.
إمام الحرمين فى باب الآتية من النهاية : معتقدى أن الأقوال القديمة ليست.
من مذهب الشافعى حيث كانت ، لأنه جزم فى الجديد بخلافها . والمرجوع.
عنه ليس مذهبا للراجع فإذا علمت حال القديم ووجدنا أصحابنا أفتوا بهذه.
المسائل على القديم ، حملنا ذلك على أنه أداهم اجتهادهم إلى القديم لظهور
دليله ، وهم يجتهدون فأفتوا به ، ولا يلزم من ذلك نسبته إلى الشافعى ،
ولم يقل أحد المتقدمين فى هذه المسائل أنها مذهب الشافعى ، أو أنه استئناها،
قال أبو عمرو فيكون اختيار أحدهم القديم فيها من قبيل اختيار مذهب غير
الشافعى إذا أداه اجتهاده إليه . فإن كان ذا اجتهاد اتبع اجتهاده ، وإن كان.
اجتهاده مقيداً مشوباً بتقليد نقل ذلك المشوب من التقليد عن ذلك الإمام ،
وإذا أفتى بين ذلك فى فتواه ، قال أبو عمرو ، ويلتحق بذلك ما إذا اختار
أحدهم على القول المنصوص ، أو اختار من قولين رجح الشافعى أحدهم.
غير ما رجحه ، بل هذا أولى من القديم (١).
٢٣٤ - وقد أفتى المتقدمون من فقهاء الشافعية بالعمل بعدة مسائل.
فى القديم وترجيحها على الجديد ، وقد بينها النووى ثم أشار إليها فى النقل
الذى نقلناه عنه آنفا . وقد اختلف العلماء فى عددها ، فعدها بعضهم أربع
عشرة . وقد منع النووى الحصر ، وقال : أما حصره المسائل التى يفتى
فيها على القديم فى هذه ( الأربع عشرة ) فضعيف ، فإن لنا مسائل أخرى
صحيح الإصحاح أو أكثرهم ، أو كثير منهم فيها القديم (٢) .
(١) مقدمة المجموع ص ٦٧ .
(٢) مقدمة المجموع الصفحة السابقة، وقد أحصى البجيرمى المسائل المفتى بها فى نحو
اثنتين وعشرين مسألة، منها بعضاً من الأربع عشرة التى ساقها إمام الحرمين، وبعض ماساقه
النووى وهذا نص ما قال: ((المسائل التى بها على القديم تبلغ اثنتين وعشرين ، منها
عدم وجوب التباعد عن النجاسة فى الماء الراكد الكثير والتثويث فى الأذان وعدم انتقاض =.
!

- ٣٧٨ -
٢٣٥ - ولا شك أن كثرة أقوال الشافعى ما بين قديم وجديد ، وكثرة
الأقوال فى الجديد نفسه ، حتى تصل إلى ثلاثة قد أوجدت [حيوية فى
المذهب إذ جعلت المجتهدين فيه من بعده أمام باب متسع الأرجاء للترجيح
والاختيار وتنقيح الأسس التى يبنى عليها الاختيار . وكثرة الأوجه التى
يخرجونها على فروع أثرت أقوال الشافعى فى أحكامها .
ولو أنه لم يؤثر للشافعى إلا قول واحد فى كل مسألة لما كان ثمة ذلك
الباب من الترجيح والاختيار . أما والأقوال كثرت عنه ، يقول الرأى ثم
= الوضوء بمس المحارم، وطهارة الماء الجارى ما لم يتغير ، وعدم الاكتفاء فى
الاستنجاء بالحجر إذا انتشر البول ، وتعجيل صلاة العشاء ، وعدم مضى وقت المغرب
بمضى خمس ركعات ، وعدم قراءة السورة فى الأخيرتين ، والمنفرد إذا أحرم الصلاة
ثم أنشأ القدرة ( أى جواز ذلك )، وكراهية قلم أظافر الميت)) وعدم اعتبار النصاب
فى الركاز ، وشرط التحليل فى الحلق بعذر المرض، وتحريم أكل جلد الميتة بعد
الدباغ . ولزوم الحد بوطه المحرم بملك اليمين، وقبول شهادة فرعين على كل من
الأصلين ، وغرامة شهود المال إذا رجعوا ، وتساقط البينين عند التعارض ، إذا كانت
إحدى البينين شاهدين ، وعارضها شاهد ويمين رجح الشاهدان على القديم وعدم تحليف
الداخل مع بينة إذا عارضتها بينة الخارج ، وإذا تعارضت البينات وأرخت إحداها
قدمت على القديم ((وهو الصحيح عند القاضى، وإذا علقت الأمة من وطء يشبهه
ثم ملكها الواطىء صارت أم ولد على أحد القولين فى القديم واختلف فى الصحيح
وتزويج أم الولد، فيه قولان، واختلف فى الصحيح (حاشية البجيرمى جـ ١
ص ٥٣ ) .
وهناك مسائل أخرى جاءت فى مقدمة المجموع منها الجهر بالتأمين المأموم ومن
مات وعليه صوم يصوم عنه وليه ، ومنها استحباب الخط بين يدى المصلى ، ومنها إجبار
الشريكين فى الجدار على العمارة، ومنها أن الصداق فى يد الزوج مضمون ضمان
:اليد .

- ٣٧٩ -
يرجح فقد شجع ذلك المجتهدين فى المذهب على الاجتهاد ، وأن يخرجوا
أحياناً عن أقواله مستمسكين بأصوله ، وخصوصاً أصله الذى شدد فيه ،
٠٠
وهو أخذه بالحديث ، وإطراح قول له يخالفه ، وإن كان ذلك موضع
كلام بينهم ، سنبينه عند التخريج فى مذهبه .
التخريج فى مذهب الشافعية
٢٣٦ - من المقرر الثابت أن مذهب الشافعى كسائر المذاهب لا يمكن
أن يقرر أحكاماً لكل الحوادث التى تقع ، لأن المجتهد إنما يقرر الأحكام
فى الحوادث التى يسأل عنها ، فيحكم بالأحكام ، ويبنيها على أسباب
استقامت عنده ، وعلى ذلك لا يمكن أن يقال إن آراء إمام من أئمة الفقه
الإسلامى قد اشتملت على أحكام كل ما يجد من الحوادث . ولما كان
المتبعون للمذاهب يفتون ويقضون بمقتضى الاتباع لذلك الإمام سالكين
طريقه ، كان لابد من أن يفتوا فى وقائع لم يؤثر عن الإمام رأى فيها .
فلابد من استخراج حكم على مذهبه ، وعلى طريقته ، وذلك بالتخرج
على أصوله وقواعده ، والقياس على وقائع كان له حكم فيها .
وإن التخريج على مذهب المجتهد من المجتهدين له عاملان - أحدهما :
أن يكون له أصول مقررة ثابتة أو له أحكام فى فروع عرفت أسبابها
عنه بنقل نقل عنه ، أو يمكن تعرفها بالاستنباط .
٤
ثانيهما : أن يكون فى مذهب المجتهد رجال مجتهدون فى مذهبه متبعون
طريقته وعندهم قدرة على الاستنباط والتخريج، وقد توافر الأمران لمذهب
الشافعى ، فتوافر الأمر الأول بما لم يتوافر لغيره من الأئمة أصحاب المذاهب
لأنه دون أصوله ، وذكر القواعد التى يرجع إليها فى استنباط مذهبه ، ولم
يؤثر عن غيره من الأئمة أصحاب المذاهب أن بين قواعده كما بينها الشافعى ،
وتوافر الأمر الثانى ، فقد وجد فى طبقات كثيرة فقهاء مجتهدون يتقيدون

- ٣٨٠ -
بأصول الشافعى فى أكثر اجتهادهم ، وقليلا ما يخالفونها ، ويجتهدون فى.
أمور للشافعى رأى فيها ، وقد يخالفونه ، وما يصلون إليه من رأى يعد
من مذهبه ، إن جاء على أصله ولم يناقض رأياً له .
٢٣٧ - وقد قسم العلماء تخريجات الفقهاء فى المذهب الشافعى من
ناحية نسبتها إلى مذهبه ، وحملها صفة الانتساب إلى قسمين :
أحدهما : آراء تعد خارجة عن المذهب ، وهى التى يكون المخرج قد
خالف فيها نصاً للشافعى حكم به واقعة من الوقائع ، أو خالف فيها قاعدة
من القواعد الأصولية ، فإن هذه لا تحتسب من مذهب الشافعى لمخالفتها
لرأيه ، أو منافاتها فى الاجتهاد ولأصله ، إذ لا ينسب إلى مذهب الشافعى.
ما يكون ضد رأيه ، ولا يعد من مذهبه ما جرى على غير أصوله ، وخرج
على غير قواعده ، وقد كان من بعض أصحابه من سلك ذلك المسلك فى
مسائل انفرد بها .
ثانيهما : آراء تعد من مذهب الشافعى ، وإن لم يؤثر عن الشافعى.
نص فيها ، تلك هى الآراء التى تعد مخرجة على أصول الشافعى ، ولم تكن.
مخالفة لرأى له . فإن هذه تعد من مذهب الشافعى بلا خلاف ، والدقة
فى القول لا يقول العلماء إنها أقوال الشافعى ، ولكن يقولون إنها أوجه
فى مذهبه ، لأنه لم يقلها ، وإن خرجت على أصوله ، وصارت على
قواعده ، وهى من مذهب الشافعى على أية حال .
وهناك أبواب التخريجات ويختلف العلماء فيها ، أتعد من القسم الأول
أم تعد من القسم الثانى . ومنها :
أولا : المسائل التى يجتهد فيها المجتهدون فى المذهب لا يخالفون فيها
قولا للشافعى ، ولكن لا يلحقونها بأصل من أصوله ، فالنووی جعلها أو جها
فى المذهب ، ويقول فى ذلك : الأوجه لأصحاب الشافعى المنتسبين إلى مذهبه
يخرجونها على أصوله ، ويستنبطونها من قواعده ، ويجتهدون فى بعضها،