Indexed OCR Text
Pages 301-320
٠ ٢ ٣٠١ - إبطال الاستحسان ١٨٨ - يقول الشافعى فى كتاب إبطال الاستحسان ، ما نصه : كل ما وصفت مع ما أنا ذاكر من حكم الله ، ثم حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم حكم جماعة المسلمين دليل على أنه لايجوز لمن استأهل أن يكون حاكماً أو مفتياً أن يحكم ، ولا أن يفتى إلا من جهة خبر لازم ، وذلك الكتاب ، ثم السنة ، أو ما قاله أهل العلم لا يختلفون فيه ، أو قياس على بعض هذا ، ولا يفتى بالاستحسان إذا لم يكن الاستحسان واجباً ، ولافى واحد من هذه المعانى . هذه الجملة لها نظائر فى كتاب إبطال الاستحسان ، وفى كتاب جماع العلم ، وفى الرسالة وفى غيرها من ثناياً كتاب الأم ، وهى تدل ونظائرها على أمرين : (أحدهما ) أن كل اجتهاد لم يعتمد فيه المجتهد على الكتاب أو السنة أو أثر أو إجماع أو على قياس على واحد منها يكون استحساناً ، لأن المحتهد يكون قد أخذ فيه بما يستحسن ، لا بما أعطاه الدليل بنصه ، أو بدلالته . ( ثانيهما) أن الاجتهاد بطريق الاستحسان من غير الاعتماد على نص ثابت ومن غير اعتماد على دلالة مرشدة اجتهاد باطل لايمت إلى الشرع بصلة. ونريد الآن أن نثبت ما ساقه الشافعى لإثبات القضية الثانية ، وهى بطلان الاجتهاد بطريق الاستحسان أى بغير الاعتماد على نص أو إجماع أو قياس ، لأن ذلك هو معنى الاستحسان فى نظره على ما ثبت فى القضية الأولى . ١٨٩ - أن المتتبع لما ذكره الشافعى فى الأم والرسالة ، يجد أنه قد استدل لبطلان الاستحسان بعدة أدلة منثورة فى مواضع مختلفة كانت تجىء على لسانه فى المناظرات ، ونريد أن نلخص ما عثرنا عليه منها ، وهى ترجع إلى ستة أدلة ، وهى : - ٣٠٢ - (١) قال الله تعالى: ((أمحسب الإنسان أن يترك سدى)) وقال النبى صلى الله عليه وسلم : ما تركت شيئاً مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به ، ولا شيئاً مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه ، وإن الروح الأمين قد ألقى فى روعى أنه لن تموت نفس حتى تستوفى رزقها فاحملوا فى الطلب )) ولقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزوم جماعة المسلمين ، ومعنى ذلك لزوم قول جماعتهم ، فهذه الآية وهذان الحديثان يدلان على أن النبى صلى الله عليه وسلم قد بين الشرع كله ، فبين كل ما أمر الله به ، وكل ما نهى الله. عنه ، وأنه سبحانه وتعالى لم يترك الأمر سدى فى شأن من شئون الجماعة الإسلامية فيما يتعلق بالأوامر والنواهى ، فكل شىء قد بين بالنص عليه أو بالإشارة إليه ، فلا اجتهاد إلا فيما كان له نص قائم أو قياس على نص وحمل عليه ، وإلا كان ثمة نقص فى البيان ، وذلك غير صحيح ، لأن اللّه لم يترك الناس سدى ، والنبى قد بين كل الأوامر والنواهى ، فالاجتهاد إذن. بالاستحسان باطل (١) . (ب) قال الله سبحانه وتعالى: ((أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)) وقال عز وجل ((اتبع ما أوحى إليك من ربك))، وقال تعالى: ((من يطع الرسول فقد أطاع الله))، وقال عز من قائل: (( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، وقال عز من قائل:)) وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم)) فدلت هذه الآيات كلها على أن المؤمن يتبع كتاب الله وسنة رسوله ، ولا يتبع شيئاً سواهما ، فكل ما جاء به بالنص أو بالدلالة ، بالتفصيل أو الإجمال ، بالبيان الكلى أو الجزئى ، فهو واجب الاتباع ، ولا شىء سواهما يجب اتباعه ، والقياس اتباع للكتاب والسنة ، لأنه حمل فى المعنى على ما يدلان عليه ، والإجماع حجته مستمدة من السنة النبوية ، فالعمل به اتباع لها ، ولما كان الاستحسان ليس فيه إلحاق الواحد منهما ، وليس هناك نص يسوغ الأخذ به ، فالاجتهاد بطريقة تزيد على ما جاء فى الكتاب ، وما جاءت يه (١) قد استخلصنا ذلك الدليل من الأم الجزء السابع ص ٢٧١ - ٣٠٣ - السنة ، وليس لأحد اتباع غيرهما ، ولا الإلزام بغير أحكامهما التى تثبت منهما بالنص ، أو الاستنباط على وجه صحيح من أوجه الاستنباط (١) . (جـ) إن النبى صلى الله عليه وسلم، وهو الذى لا ينطق عن الهوى ما كان يفتى فى أمور الشريعة باستحسانه ، فقد كان يجيئه الأمر لم ينزل فيه قرآن ، ولم يوح بحكمه إليه فلا يفتى باستحسانه ، وكان يستفتى فيما لا قرآن فيه فلا يجيب حتى ينزل عليه وحی . جاءته امرأة أوس بن الصامت تشكو إليه أوساً ، فلم يجبها حتى أنزل الله عز وجل ((قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها وتشتكى إلى الله، واللّه يسمع تحاوركما إن اللّه سميع بصير ، الذين يظاهرون منكم من نسائهم ماهن أمهاتهم ، إن أمهاتهم إلا اللاتى ولدنهم وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً ، وإن الله لعفو غفور ، والذين يظاهرون من نسائهم ، ثم يعودون لما قالوا ، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ، ذلكم توعظون به ، والله بما تعملون خبير ، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا ، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ، ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله ،. وتلك حدود الله، وللكافرين عذاب أليم)) فالنبى صلى الله عليه وسلم عندما شكت إليه من ظاهر منها زوجها بأن حرمها على نفسه بمثل قوله. أنت على كظهر أمى ، لم يفت باستحسانه ولم يقرر ما كان عليه العرب ، وهو التحريم ، بل انتظر حتى نزل الوحى ، وهو فى ذلك أسوة حسنة . وكذلك جاء العجلانى يقذف امرأته ، فلم يفته صلى اللّه عليه وسلم حتى نزل قوله تعالى: (( والذين يرمون أزواجهم ، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ، فشهادة أحدهم أربع شهادات باللّه ، إنه لمن الصادقين ، والخامسة أن لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد. أربع شهادات باللّه إنه لمن الكاذبين ، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين )) . وبها تبين حكم هذا القذف ، وهو اللعان ولم يبين النبى صلى الله عليه وسلم الحكم مستحسناً برأيه ، فلو كان الاستحسان سائغاً من أحد ، لساغ من (١) قد استخرجنا ذلك من الأم الجزء السادس ص ٣٠٣ والسابع ص ٢٧١ . - ٣٠٤ - النبي صلى الله عليه وسلم، ولأفتى بمقتضاه، ولم ينتظر وحى السماء ، ولكنه انتظر ، فحق على كل مجتهد أن يمسك عن الاستحسان ولايفتى بما استحسن ، بل لا يأخذ إلا من كتاب الله أو سنة رسوله ، أو ما انعقد عليه الإجماع ، أو ما كان فيه قياس على نص(١) . (د) إن النبي صلى الله عليه وسلم قد استنكر على الصحابة الذين غابوا عنه ، وأفتوا باستحسانهم ، فقد كان إذا بعث سرية أمر بطاعة الله ورسوله وأميرهم ، ما أطاع الله ورسوله ، وقد كان منهم فى بعض مغازيهم أمور أنكرها ، فقد أنكر إحراقهم لرجل لاذ بشجرة ، وأنكر قتل من قال : وأسلمت لله تحت حر السيف(٢) فلو كان الاجتهاد بالاستحسان من غير الاعتماد على نص ، أو قياس سائغاً جائزاً ، ما استنكر النبى صلى الله عليه وسلم مسلكهم ، ولاعتبرهم مجتهدين أخطئوا طلب الحق . (هـ) إن الاستحسان لا ضابط له ، ولا مقاييس يقاس بها الحق من الباطل ، فلو جاز لكل مفت أو حاكم أو مجتهد أن يستحسن فيما لا نص فيه ، لكان الأمر فرطاً ، ولاختلفت الأحكام فى النازلة الواحدة على حسب استحسان كل مفت ، فيقال فى الشىء ضروب من الفتيا والأحكام ، لا ضابط لها ولا مقاييس تبين الحق فيها ، ولا معرفة وجه الصواب منها ، وما هكذا تفهم الشرائع ، ولا تفسر الأحكام الدينية (٣). ولا يعترض على الشافعى بأن القياس أيضاً قد يؤدى إلى الخلاف ، لأن الخلاف فى القياس أهون خطراً من ذلك ، ولأن جعل القياس على أساس التشابه فى الأوصاف بين أمر قد نص على حكمه ، وأمر لم ينص على حكمه - قد قرب بذلك بين المختلفين فيه ، وكانت ثمة ضوابط يمكن الاحتكام إليها ، والاجتماع حولها ، أما الاستحسان فلا شىء فيه يمكن أن يكون ضابطاً يجتمع حوله المختلفون ، ويلتقون به . (١) أخذنا ذلك الدليل من الأم ص ٢٧١ الجزء السابع . (٢) الأم الجزء السادس ص ٢٠٥. (٣) الأم الجزء السابع ص ٢٢٣. - ٣٠٥ - ( و) إن الاستحسان لو كان مقبولا من المجتهد العالم بالكتاب والسنة «وطرائق القياس لجاز لغيره ممن ليس عندهم علم الكتاب والسنة وخلاف العلماء واجتماعهم والقياس ، لأن أساسه العقل ، والعقل متوافر عند غير العلماء بالكتاب والسنة توافره عند غيرهم ، بل إن من غير العلماء بالكتاب .والسنة من لهم عقول تفوق عقول هؤلاء، ولهم إبانة خير من إبانهم . وقد فرض الشافعى اعتراضاً على ذلك الدليل ، وهو أن العلم بالكتاب ((والسنة ضرورى لمعرفة أصول الشريعة، ولا يكون استحسان إلا ممن علمهما، . وقد قرر ذلك الاعتراض ورده بقوله : فإن قلتم لأنهم لا علم لهم بالأصول قيل لكم فماحجتكم فى علمكم بالأصول إذا قلتم بلا أصل ولا قياس على أصل ؟ ، هل خفتم على أهل العقول الجهلة بالأصول أكثر من أنهم لايعرفون الأصول ، فلا يحسنون أن يقيسوا بما لايعرفون ، وهل أكسبكم علمكم بالأصول القياس عليها ، أو أجاز لكم تركها ، فإذا جاز لكم تركها جاز لهم القول معكم ، لأن أكثر ما يخاف عليهم ترك القياس عليها أو الخطأ ، ثم لا أعلمهم إلا أحمد على الصواب إن قالوا على غير مثال منكم لو كان أحد يحمد على أن يقول على غير مثال ، لأنهم لم يعرفوا مثالا فتركوه ، وأعذر بالخطأ منكم . ومغزى الرد أن العلم بالأصول ثمرته الأخذ بها ، ومن آثر الاستحسان على القياس فقد ترك النص ، فكان هو والجاهل بها فى اجتهاده على سواء ، وإن كان وزر العالم أعظم ، ويستقيم ذلك الرد على أساس الشافعى ، إذ الأساس عنده أن ترك القياس على أمر منصوص عليه فى الكتاب والسنة كتركهما ، فلا فرق بين من يترك النص ، ومن يترك ما يرمى إليه النص من أحكام ، وما ينضبط به من قياس . وعندى أنه مع ذلك الرد لا يستقيم دليل الشافعى فى هذا المقام ، لأن · الاستحسان لم يحكم به أحد مورد النص ، فكان الاستحسان لا يجوز إلا من ( م ٢٠ - الشافعى ) - ٣٠٦ - العالم بالكتاب والسنة ، لكيلا يستحسن فى موضع قد نص عليه فيهما . فكان بين العالم والجاهل فرق مؤثر فى الاستحسان ، وبذلك لا يستقيم هذا الدليل فى نظرى . ١٩٠ - هذه أدلة جاءت فى ثنايا جدل الشافعى فى مواضع متناثرة من كتاب الأم، ولم يكتف الشافعى بسوقها فى مواضعها المختلفة ، بل أخذ يبطل ما عساه يحتج به دعاة الاستحسان ، فقد ساق أمرين فرض أن فيهما ما يحتمل الاستناد إليه فى إثبات الرأى من قياس وهما : أولا : حديث إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران ، وإذا حكم فأخطأ فله أجر واحد . وحديث معاذ بن جبل عندما أرسله النبى. صلى الله عليه وسلم ، فقد قال له النبي صلى اللّه عليه وسلم كيف تقضى ؟ قال : بكتاب الله عز وجل ، قال : فإن لم يكن ؟ قال معاذ : فبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال : فإن لم يكن؟ قال : أجتهد رأيى؟ فقد فرض الشافعى أن فى هذين الحديثين ما قد يثبت به الاجتهاد. بالاستحسان ، فقال . فإن قيل فما الحجة فى أنه ليس للحاكم أن يجتهد على غير كتاب ولاسنة ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا اجتهد الحاكم .. وقال معاذ أجتهد رأيي، ورضى بذلك رسول الله. صلى الله عليه وسلم بأبى وأمى، ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد على الكتاب والسنة - قيل لقول الله عز وجل: ((وأطيعو اللّه وأطيعوا. الرسول )) . فجعل الناس تبعاً لهما ، ثم لم يهملهم (١). وهو بهذا يشير إلى أن الأمر بإطاعة الله ورسوله عام لا يقيده شىء ، فإذا كان اجتهاد ففى حدود هذه الطاعة ، ولا يكون الاجتهاد فى حدود هذه الطاعة إلا أن يكون الاجتهاد بالرأى مبنياً على الكتاب والسنة . ثانيهما. أن قوماً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجدوا حوتاً ميتاً فأكلواة منه فأقرهم عليه السلام، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم سعدبن معاذفى بنى قريظة (١) الأم الجزء السادس ص ١٠٣ - ٣٠٧ - فحكم فيهم بالسيف ، ولو كان الاستحسان ممنوعاً ما أقر النبى من أكلوا، ولاجعل الحكم إلى سعد بن معاذ ، ولقد قال الشافعى فى ذلك : فإن قيل: فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم سعدداً أن يحكم فى بنى قريظة ، فحكم برأيه ، فوافق الحكم على غير أصل كان عنده من النبى صلى الله عليه وسلم، وإن قوماً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرج لهم حوت من البحرميتة، فأكلوه ، ثم سألوا عنه النبى صلى الله عليه وسلم فقال : هل بقى معكم من لحمه شىء ؟ قيل أجاز لصوابه ، كما يجيز كل رأى من يعلم أو لايعلم إذا كان بحضرته من يعلم خطأه وصوابه ، فيجيزه ممن يعلم ذلك منه إذا أصاب الحق ، بمعنى إجازته له أنه الحق ، لابمعنى رأى نفسه منفرداً دون علمك ، لأن رأى ذى الرأى على غير أصل قد يصيب ، وقد يخطىء(١) ومعنى هذا الجواب أن النبى صلى اللّه عليه وسلم إنما أجازه لأنه صادف الحق ، لا أنه أجاز الاجتهاد على غير أصل من الكتاب أو السنة ، وقد يكون ذلك واضحاً فى مسألة الحوت ، ولكنه غير واضح فى مسألة سعد ، فإنه من الواضح أن النبى صلى الله عليه وسلم ترك الحكم فى مسألة بنى قريظة إلى رأى سعد وما يستحسنه . فليس فى ذلك إقرار الرأى لصوابه فقط ، بل فيه مبدأ التفويض والرضا قبل إبداء الرأى بما يحكم به سعد ، اللهم إلا إذا كان النبى صلى الله عليه وسلم قد استيقن برأى سعد قبل التفويض إليه ، وكان التفويض ليلزمهم بالحكم . ١٩١ - والخلاصة أن الشافعى رضى الله عنه لا يعتمد فى الاستدلال للأحكام الشرعية إلا على أمور موضوعية تستند إلى الدلالات اللفظية فى مآ لها ، فهو لايعتبر إلا الكتاب أو السنة ، يعتبر النص فيهما ، فإن لم يجد النص الصريح ، أو المؤول استخرج المعانى والوصفات فى الأشياء المنصوص عليها ، ثم يلحق الحكم الذى لا يجد فيه النص إلى أقرب الأمور المنصوص. عليها وصفاً به ، أو ما يشترك معه فى معنى الحكم ، فالمآل لفظى مادى ، (١) الأم الجزء السادس ص ٢٠٨ - ٣٠٨ - لا أمر يتصل بالذوق أو النفس ، فهر لا يعتبر الفهم الشخصى فى الشريعة ، بل يعتبر دائماً الفهم الموضوعى المادى ، وإن ذلك كان ملاحظاً للشافعى عند تقرير إبطال الاستحسان . ألا تراه قد صدر كلامه فى كتاب إبطال الاستحسان بإثبات أن الشريعة لا تثبت أحكامها فى هذه الدنيا إلا على أساس الظاهر ، ويختم كلامه فيه بمثل ذلك ، فهو يقول فى صدر كلامه فى إبطال الاستحسان : إنه جل وعز ظاهر عليهم الحجج فيما جعل إليهم من الحكم فى الدنيا بألا يحكموا إلا بما ظهر من المحكوم عليه، وألا يجاوزوا أحسن ظاهره ، ويقول فى آخر كلامه فيه : إن أحكام الله عز وجل، ورسوله صلى الله عليه وسلم تدل على ما وصفت من أنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بالظن وإن كانت له عليه دلائل قريبة ، فلا يحكم إلا من حيث أمره الله بالبينة تقوم على المدعى عليه ، أو إقرار منه بالأمر البين ، وكما حكم الله أن ما أظهر فله حكمه كذلك حكم أن ما أظهر فعليه حكمه ، لأنه أباح الدم بالكفر ، وإن كان قولا فلا يجوز فى شىء من الأحكام بين العباد وأن يحكم فيه بالظاهر لا بالدلائل (١) فتصدير الكلام فى الاستحسان وتعقيبه ببيان أن الحكم فى الشريعة يناط بالظاهر يرشح مافهمناه من أن الشافعى لاحظ الناحية المادية فى تفسير الشريعة واستخراج أحكامها عندما أبطل العمل بالاستحسان إذ اعتبر الاستحسان فهماً شخصياً لا يصح الأخذ به ، ومبدأ لاستخراج الأحكام ، ،ولذا يقول : إنما الاستحسان تلذذ(٢). (١) الأم الجزء السابع ص ٣٧٦ وما يليها . (٢) الرسالة ص ٤٨٣ و ٧٠٥ - ٣٠٩ - الموازنة بين الاستحسان الاصطلاحى والمصالح المرسلة ، وما نفاه الشافعى ١٩٢ - لقد منع الشافعى الاجتهاد بالاستحسان ، ولم يعتبره دليلا من أدلة الشرع ، ولا طريقاً من طرق الاستنباط فيه ، ولم يبين حقيقة الاستحسان الذى ينفيه ، وإن كان المراد ظاهراً من قوله ، فهو يحصر الاستدلال فى الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، ويقلد الصحابى ، ويعتبر ما عدا ذلك استحساناً منفياً ، والأدلة الفقهية التى لا تعد من الأمور السابقة، ويأخذ بها بعض الأئمة الذين ناقش الشافعى فقههم - هى الاستحسان الاصطلاحى والمصالح المرسلة ، فالاستحسان قد اجتهد به أبو حنيفة ومالك ، والمصالح المرسلة ، قد جعلها مالك أساساً من أسس الاستنباط وأصلا من أصوله . ولكن ما الاستحسان والمصالح المرسلة ؟ سلك الحنفية فى بيان حقيقة الاستحسان وتقسيمه ، وقواعد الاستنباط فيه - مسالك غير التى سلكها المالكية ، ولنعرف فى إيجاز بمسلك الفريقين فيه ولنبدأ بالحنفية . ١٩٣ - اختلفت عبارات كتب الأصول التى كتبت على طريقة الحنفية فى تعريف الاستحسان على أقوال كثيرة ، فقد عرفه بعضهم بأنه تخصيص قياس بدليل أقوى منه ، وقال بعضهم إنه العدول عن موجب القياس إلى قياس أقوى منه ، وهذا تعريف غير جامع لكل أنواع الاستحسان ، كما يتبين من أقسامه ، وعرفه أبو الحسن الكرخى بقوله : هو أن يعدل المجتهد على أن يحكم فى المسألة بمثل ما حكم به فى نظائرها إلى خلافه ، لوجه أقوى يقتضى العدول عن الأول (١) ، ولعل هذا التعريف أكمل التعريفات الثلاثة وأوضحها ، فهو يشمل كل أقسام الاستحسان عند الحنفية ، وهو يشير فى عبارته إلى لب الاستحسان ، وهو أن يجىء الحكم على سبيل الاستثناء من (١) راجع التعريفات الثلاثة فى كتاب كشف الأسرار على أصول فخر الإسلام. البزدوي ص ١١٢٣ . - ٣١٠ - قاعدة اضطرادية ، الأمر عارض يجعل الخروج على القاعدة أقرب إلى الشرع من الاستمساك بالقاعدة ، أى يجعل الاستحسان أقوى استدلالا فى المسألة المفروضة من القياس ، فالاستحسان كيفما كانت صوره وأقسامه حكم فى مسألة جزئية ، ولو نسبياً فى مقابل قاعدة كلية ، فيلجأ إلى الفقيه فى هذه الجزئية ، لكيلا يؤدى الإغراق فى الاستمساك بالقاعدة إلى الابتعاد عن حكم الشرع ، وروحه ومعناه . ويقسم الحنفية الاستحسان إلى قسمين : أحدهما استحسان القياس ، وهو أن يكون فى المسألة وصفان يقتضيان قياسان متباينين أحدهما ظاهر متبادر ، وهو القياس الاصطلاحى، والآخر خفى يقتضى إلحاقه بأصل آخر ، فيسمى استحساناً ، أى أن الفقيه يكون بين يديه أصلان أحدهما ظاهر قد أعمل علته فى كل الفروع غير المنصوص على حكمها التى تتحقق فيها تلك العلة ، والآخر خفى لا تعمل علته فى نظائر هذه المسألة ، ولكن يقترن بتلك المسألة ما يوجب عمل هذا الخفى الذى لم يطرد فيعمل فيها ، فيكون استحساناً وهو قياس خفى ، ولذا يقول شمس الأئمة فى هذا النوع من الاستحسان : والاستحسان فى الحقيقة قياسان : أحدهما جلى ضعيف أثره فيسمى قياساً ، والآخر خفى قوى أثره ، فيسمى استحساناً ، أى قياساً مستحسناً ، فالترجيح بالأثر لا بالخفاء والوضوح )) ويضرب علماء الأصول مثلا لذلك النوع من القياس : مسألة سؤر سباع الطير وهو بقية الماء الذى يشرب منه ، فهى تشبه سباع البهائم فى كون لحمها غير مأكول ، وكون لحمها نجساً، وبما أن سؤر سباع البهائم نجس فينبغى أن يكون سؤر سباع الطير. كالنسر والحدأة نجساً أيضاً ، هذا هو موجب القياس ، ولكن الاستحسان يتجه لقياس آخر خفى ، وهو أن سؤر سباع البهائم كان نجساً ، لوجود لعابها فيه ، واللعاب متصل باللحم. فهو نجس بنجاسته . أما سباع الطير فهى تشرب بمناقيرها ، فهى لا تلقى لعابها فى الماء ، فلا يكون ثمة نجاسة ، ولا شك أن قياس الاستحسان أقوى أثراً لأنه يتجه إلى الوصف المؤثر فى النجاسة ، فيعقد به القياس ، أما - ٣١١ - الأول فيتجه إلى الوصف الظاهر ، وللاحتياط قالوا إن سؤرها وإن لم يكن نجساً فهو مكروه الاستعمال . القسم الثانى من الاستحسان ، هو ما لم يكن سبب الاستحسان فيه قياساً خفياً قوى الأثر كما سبق ، بل كان سببه دليلا آخر أقوى من القياس ، ويقسمونه بحسب هذا الدليل الذى أوجب الاستحسان إلى ثلاثة أقسام : أولها : استحسان السنة ، وهو أن يثبت من السنة ما يوجب رد القياس فى مسألة معينة ، كتحليف المتبايعين إذا اختلفا فى تقدير الثمن ، فقد كان القياس يوجب البينة على البائع ، واليمين على المشترى وحده ، إذا لم تكن للبائع بينة لأن البائع مدعى الزيادة ، والمشترى ينكرها ، فتوجيه اليمين إلى البائع فى هذه الحالة مخالفة للقياس ، ولكن أخذ به لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا اختلف المتبايعان ، والسلعة قائمة بعينها تحالفا (وترادا)) فترك القياس إلى دليل أقوى منه ، وهو السنة . ثانيهما : استحسان الإجماع ، وهو أن يترك القياس فى مسألة لانعقاد الإجماع فيها ، كعقد الاستصناع ، فإن القياس كان يوجب بطلانه ، لأنه بيع معدوم ، ولكن تعارف الناس فى كل الأزمان عقده ، فكان ذلك إجماعاً يترك به القياس ، وكان عدولا عن دليل إلى أقوى منه . ثالثها : استحسان الضرورة ، وهو أن توجد ضرورة تحمل المجتهد . على ترك القياس إلى الأخذ بحكمها ، مثل تطهير الآبار ، فإنه لا يمكن فى القياس تطهيرها، إذ كما قال صاحب كشف الأسرار : لا يمكن صب الماء على الحوض أو البئر ليتطهر ، وكذا الماء الداخل فى الحوض ، أو الذى ينبع من البئر يتنجس بملاقاة النجس ، والدلو تنجس بملاقاة الماء ، فلا تزال تعود ، وهى نجسة، فاستحسنوا ترك العمل بموجب القياس للضرورة الملجثة ، ، - ٣١٢ - وللضرورة أثر فى سقوط الخطاب ، ولذا قرروا التطهير بمقادير من الدلاء. مختلفة على ما هو فى العين فى كتب الفقه الحنفى ، وهنا أيضاً ترك القياس. إلى دليل شرعى ثابت أو أصل كلى مقرر ، وهو اعتبار الضروريات مسقطة. لبعض المحظورات تيسيراً على القياس . هذا هو الاستحسان عند الحنفية ، وهو داخل الأدلة التى ساقها الشافعى. واعتبرها ، وهى الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، فليس شيئاً زائداً عليها ، ولا يرد عليه ما قاله الشافعى من أدلة لإبطاله ، لأنه ليس تلذذاً ، بل هو ترجيح لبعض الأدلة على بعض . ١٩٤ - لننتقل بعد ذلك إلى الاستحسان عند المالكية ، وعندهم نجد. تعريفات كثيرة له ، وكل واحد منها يذكر له حقيقة تقارب ما يدل عليه. تعريف الآخر ، ولقد وجدنا بعض هذه التعريفات يتفق مع تعريف الاستحسان عند الحنفية ، فابن العربى يقول فى أحكام القرآن : الاستحسان. عندنا وعند الحنفية هو العامل بأقوى الدليلين (١) . ولكن يظهر أن ابن العربى ذكر ذلك التعريف تقريباً للاصطلاح بين المذهبين . ولكن يظهر أن حقيقة الاستحسان المالكى تخالف حقيقة الاستحسان الحنفى كما سيتبين ، وإن وجدت جزئيات ينطبق عليها تعريف المذهبين ، ولذلك قال ابن العربى. فى موضع آخر فى تعريفه ، والاستحسان إيثار ترك مقتضى الدليل عن طريق. استثناء ، والترخيص لمعارضة ما يعارض به فى بعض مقتضياته وقسمه. أقساماً عد منها أربعة ، وهى ترك الدليل للعرف ، وتركه للإجماع ، وتركه. للمصلحة ، وتركه للتيسير ، ورفع المشقة ، وإيتار التوسعة (٢) . وترى من هذا التعريف وتلك الأقسام أن الاستحسان ترخص من. (١) الموافقات ص ٢٠٨ الجزء الرابع. والاعتصام ص ٣١٩ الجزء الثانى، وبهذا. التعريف أخذ الباجى ومثل له بيع العرايا إذا جاز أخذاً بالسنة فى مقابل القياس . (٢) الاعتصام الجزء الثانى ٣٢٠ و ٣٢١ - ٣١٣ - مقتضى الدليل للعرف ، أو المصلحة ، أو رفع الحرج والمشقة ، ولقد عرفه. الشاطبى ، وابن الإنبارى بأنه استعمال مصلحة جزئية فى مقابل قياس كلى ، ويقصر ابن الإنبارى الاستحسان فى مذهب مالك على هذا ، فيما يظهر له ، ولذا يقول رداً على تعريف ابن العربى : الذى يظهر من مذهب مالك. القول بالاستحسان لا على المعنى السابق ، بل هو استعمال مصلحة جزئية فى مقابل قياس كلى ، فهو يقدم الإستدلال المرسل على القياس ، ومثاله. لو اشترى سلعة بالخيار ، ثم مات فاختلف ورثته فى الإمضاء والرد ، وقال أشهب القياس الفسخ ، ولكنا نستحسن إذا قبل البعض الممضى نصيب الرد ،. إذا امتنع البائع من قبوله أن نمضيه (١) . ويقارب ذلك التعريف أيضاً تعريف ابن رشد له ، إذ يقول : الاستحسان الذى يكثر استعماله حتى يكون أعم من القياس ، هو أن يكون. طرحاً لقياس يؤدى إلى غلو فى الحكم ومبالغة فيه ، فعدل عنه فى بعض. المواضع لمعنى يؤثر فى الحكم يختص به ذلك الموضع ، ولعل ذلك التعريف يبين معنى قول مالك رضى الله عنه: إن المغرق فى القياس يكاد. يفارق السنة(٢) . ولا شك أن اتجاه هذه التعريفات الأخيرة مصوب نحو غاية واحدة. وهو ألا يتقيد الفقيه المجتهد عند بحث الجزئيات بتطبيق ما يؤدى إليه. اطراد القياس ، بل يترك لتقديره الفقهى ما يراه المصلحة أو الأمر الحسن فى هذه القضية الجزئية ، ما دام لا يخالف نصاً من كتاب أو سنة ، وحينئذ. تتقارب هذه التعريفات من التعريف الذى ذكره بعض المالكية بقوله : إنه دليل ينقدح فى نفس المجتهد لا تساعده العبارة عنه ، ولا بقدر على إظهاره ،. أى أن الاستحسان هو ما يسمى فى عرفنا الحاضر الاتجاه إلى روح القانون. (١) هامش الموافقات الجزء الرابع ص ١٠٦. (٢) الاعتصام الجزء الثانى ص ٣١٠. - ٣١٤ - «والاعتماد فى ذلك على كمال دارسة المجتهد ، وإلمامه التام بالشريعة كلها وجزئيها وليس كونه لا تساعده العبارة أنه لا يمكنه إقامة الدليل على وجه المصلحة فيه ، بل معناه أنه لا يمكنه إظهار الأصل الفقهى الخاص الذى يعتمد عليه ، ولقد قال مالك رضى الله عنه فى الاستحسان على هذا التفسير : إنه تسعة أعشار العلم . والخلاصة أن المالكية فى جملة آرائهم يعرفون الاستحسان بأنه أخذ بمصلحة جزئية يرجحونها فى مسألة جزئية على الأخذ فى هذه المسألة بمقتضى القياس المطرد ، ما دام لا نص فى كتاب أو سنة . ولقد يتقارب على ذلك الاستحسان من المصالح المرسلة ، ولكن الشاطبى فى الاعتصام يفرق بينهما ، فيقول : فإن قيل فهذا من باب المصالح المرسلة لا من باب الاستحسان ، قلنا :نعم إلا أنهم صوروا الاستحسان تصوير الاستثناء من القواعد بخلاف المصالح المرسلة (١)، أى أن الاستحسان يكون استثناء فى مقابل دليل كلى ؛ بخلاف المصالح المرسلة ، فإنها تكون حيث لا يكون ثمة دليل سواها . والاستحسان على هذا النحو المالكى بنصب عليه استنكار الشافعى ، لأنه مسلك فى استخراج الأحكام غير الكتاب والسنة والإجماع والقياس (٢) ، وقد حصر الشافعى مسالك الإستدلال فى هذه الأمور الأربعة لا يعدوها المجتهد . ١٩٥ - وقد بينا حقيقة الاستحسان عند الحنفية والمالكية ، وبينا (١) الاعتصام الجزء الثانى ص ٣٢٤ . (٢) هذا ما ترمى إليه تعريفات الشاطبى، وابن الإنبارى وابن رشد ، أما التعريفان ٢٠الذان ساقهما ابن العربى فأولهما يتفق مع بعض الحنفية إذ يقول إن الاستحسان العمل بأقوى الدليلين ، وثانيهما ترك القياس للإجماع والعرف والمصلحة والتيسير ، فالترك للإجماع يتفق مع الشافعى ، ولا يعد استحساناً يستنكره ، والترك العرف أو المصلحة أو التوسعة ، والتيسير يعده الشافعى خروجاً عن مسالك الاستدلال الأربعة ، وقد رأيت أن كثرة المالكية لا يعتبرون تفسير الاستحسان الذى ذكره ابن العربى التفسير القويم وهو تعريف بالأعم كما بيقول المناطقة . - ٣١٥ - موقف الشافعى منه بالنسبة للمذهبين ، والآن نبين المصالح المرسلة التى أخذ بها الإمام مالك رضى الله عنه، وهى عنده المصالح الملائمة فى الجملة لمقاصد الشارع ، ولا يشهد لها أصل خاص من الشريعة بالإلغاء أو الاعتبار ، فالقاضى أو الحاكم إذ يعرض له الأمر من الأمور لا يجد فيه نصاً فى قرآن أو سنة ولا إجماع قد انعقد على حكم فيه ، ويرى فى الأخذ برأى معين مصلحة تتفق مع المقاصد العامة فى الشريعة ، ولكن ليس هناك دليل خاص على اعتبارها ، أو إلغائها بضرورة يحكم بموجب هذه المصلحة المرسلة ، ولنسق لك بعض ما ضربوه من أمثلة . ١ - فمن ذلك تضمين الصناع ما يتلف فى أيديهم من أموال الناس الذين يستصنعون ، فقد قضى الخلفاء الراشدون بتضمينهم ، وقال على رضى الله عنه فى ذلك: لا يصلح الناس إلا ذاك، ووجه المصلحة فى التضمين أن الناس لهم حاجة إلى الصناع ، وهم يغيبون عندهم الأمتعة فى غالب الأحوال ، والأغلب عليهم التفريط ، وترك الحفظ ، فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأفضى ذلك إلى أحد أمرين : إما ترك الاستصناع بالكلية ، وذلك شاق على الخلق ، وإما أن يهملوا ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع ، فتضيع الأموال ، ويقل الاجترار وتتطرق الخيانة ، فكانت المصلحة التضمين ، ولا يقال إن هذا نوع من الفساد ، وهو تضمين البرىء ، إذ لعله ما أفسد ولا فرط ، لأنا نقول إذا تقابلت المصلحة والمضرة فشأن العقلاء النظر إلى التفاوت ، ووقوع التلف من الصناع من غير تسبب ولا تفريط بعيد ، وهو من باب ترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة . ٢ - ومن الأمثلة التى ساقوها أنه إذا خلا بيت المال ، أو ارتفعت حاجات الجند وليس فيه ما يكفيهم ، فالإمام إذا كان عادلا أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافياً لهم فى الحال ، إلى أن يظهر مال بيت المال ، أو يكون - ٣١٦ - فيه ما يكفى ، ثم له أن يجعل هذه الوظيفة فى أوقات حصاد الغلات ، وجنى الثمار ، لكيلا يؤدى تخصيص الأغنياء إلى إبحاش قلوبهم ، ووجه المصلحة أن الإمام لو لم يفعل ذلك بطلت شوكته ، وصارت الديار عرضة للفتن ، وعرضة للاستيلاء عليها من الطامعين فيها ، وقد يقول قائل إنه بدل أن يقوم الإمام بفرض هذه الوظيفة يستقرض لبيت المال ، وقد أجاب عن ذلك. الشاطبى فقال : الاستقراض فى الأزمات إنما يكون حيث يرجى لبيت المال دخل ينتظر أو يرتجى ، وأما إذا لم ينتظر شىء وضعفت وجوه الدخل ، بحيث لا يغنى كبير شىء ، فلا بد من جريان حكم التوظف . ٣ - ومن الأسئلة التى ساقوها قتل الجماعة بالواحد ، وإذ قالوا أن الأساس فيه هو المصلحة المرسلة ، لأنه ليس فيه نص عن كتاب أو سنة ، وقد نقل عن عمر بن الخطاب ، ووجه المصلحة أن القتيل معصوم . وقد قتل عمداً ، فإهداره داع إلى حرم أصل القصاص واتخاذ الاستعانة والاشتراك ذريعة إلى السعى بالقتل ، إذا عم أنه لا قصاص ، والجماعة تقتل بوصف كونها قاتلة ، إذ القتل مضافاً إليهم إضافته إلى الشخص الواحد ، وقد دعت. إلى القصاص المصلحة . هذا ويلاحظ أن الشافعى يحكم بقتل الجماعة فى الواحد كمالك ، ولكنه يبنيه على حكم عمر ، وهو يقلد الصحابى فى غير موضع النص كما سنبين . ١٩٦ - هذه هى المصلحة المرسلة ، وهذه أمثلة تجلبها وقد اعتبرها الإمام مالك دليلا فقهياً ومن حقه أن نبين أساسها ومداها قبل أن نبين. رأى الشافعى فيها . إن الذى يفهم من الكتب التى تصدت لبيان أصول المذهب المالكى أن مالكا لإ يعتبر المصالح المرسلة دليلا إلا فى العادات ، وذلك لأن الأصل فى العبادات التعبد دون الالتفات إلى المعانى التى تنطوى فى ثنايا أشكالها ، بحيث تجعل تلك المعانى أساسا يثبت به التكليف بعبادة لم يرد فيها نص قرآن. ولم تثبت فيها سنة نبوية ، دل على ذلك الاستقراء لأنواع العبادات وأشكالها - ٣١٧ - وأوقاتها ، وليس معنى ذلك أن العبادات ليست لها حكم معقولة بل معناه أنه لا يصلح أن يبنى العقل ما يلتمس من حكم ومصالح أحكاماً لم يرد بها نص ، لأن ذلك هو الابتداع والمطلوب فى العبادات الاتباع ، ولقد تقيد مالك رضى الله عنه فى العبادات بالنصوص والآثار تقيداً شديداً ، حتى لقد منع إخراج القيمة فى الزكاة اتباعاً للنص ، وإبعاداً للرأى عن العبادة . أما العادات فالنصوص فيها وردت لمعان معقولة وأغراض مقصودة من الشارع قد يعرفها المكلف وينهج نهجها ، وأساس هذه المعانى المصلحة التى تعود على الناس فى الدنيا والآخرة . وليس المراد بمصلحة الناس فى الدنيا ما يوافق أهواءهم ، بل المراد المصلحة التى تتفق مع أغراض الشارع الإسلامى ، وهو إقامة جماعة فاضلة، أو على حد التعبير الشرعى ما تكون بها الحياة الدنيا مقامة لأجل الحياة الآخرة ، ويستدلون على أن المصالح ليست هى ما يوافق أهواءهم بأن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعى أهوائهم ، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ، ولأن المنافع الحاصلة للمكلف مشوبة بالأضرار ، كما أن من المضار ما حف ببعض المنافع . والمعتبر فى كون الشىء نافعاً أوضاراً هو مصلحة العدد الأعظم ، وهى من جهة أخرى إلـ ملحة التى هى عماد الدنيا والآخرة لا من حيث هوى النفوس ورغباتها . وذلك لأن المنافع والمضار أمور تختلف باختلاف الزمان والمكان والأشخاص ، فكثير من المنافع تكون ضرراً على قوم ومنافع لغيرهم ، أو تكون ضرراً فى وقت أو حال ، ولاتكون ضرراً فى آخر ، وهذا ينتهى بنا إلى أن الشريعة التى هى نظام الكافة ولها هذا العموم يجب أن تكون المصلحة الملاحظة فيها هى المصلحة التى تشمل أكبر ما يمكن ، ويدفع فيها من الضرر أكثر ما يمكن ، وذلك دليل على أن المصلحة لاتتبع أهواء الناس ، بل تتبع أغراض الشارع العامة ومقاصده من جعل الحياة الدنيا لأجل الآخرة ، أى لإقامة الدنيا على أساس الفضيلة . - ٣١٨ - ١٩٦ - اعتبر مالك أحكام الشريعة فى العادات دون العبادات أن المقصود منها مصلحة الناس ، ويلاحظ فى المصلحة العموم لا الخصوص ، والجماعة لا الآحاد ، وقد تلاحظ مصلحة الآحاد ، إن لم يكن ثمة بينها وبين مصلحة الجماعة تعارض ، فالشريعة جاءت لحفظ النفس والنسل والدين والعقل والمال ، فكل ما يكون ضرورياً لحفظ الأمور ، أو تمس الحاجة إليه لحفظها فهو مصلحة معتبرة من الشارع ، وإن لم يرد نص خاص على اعتبارها، والأخذ بها أخذ بدليل شرعى ، يمت إلى أصل كلى ، ما دام لانص من الشارع فى موضع الاجتهاد . فهم مالك رضى الله عنه الشريعة بالنسبة لمعاملات الناس على هذا الوضع فأخذ بالمصالح المرسلة فى هذه الحدود ، وأكثر منها . وكما قال الشاطبى : استرسل استرسال المدل العريق فى فهم المعانى المصلحية ، نعم مع مراعاة مقصود الشارع لايخرج عنه ولا يناقض أصلا من أصوله ، حتى لقد استشنع العلماء كثيراً من وجوه استرساله ، زاعمين أنه خلع الربقة ، وفتح باب التشريع، وهيهات ، ما أبعده من ذلك رحمه الله ، بل هو الذى رضى لنفسه فى فقهه بالاتباع، بحيث يخيل لبعض الناس أنه مقلد لمن قبله ، بل هو صاحب البصيرة فى دين الله . وقد لاحظ الدارسون للمذهب المالكى أن استرسال مالك فى الأخذ بالمصالح المرسلة قد قيد بأمور ثلاثة هى : أولا . الملاءمة بين المصلحة التى أخذ بها وبين مقاصد الشارع بحيث لاتنافى أصلا من أصوله ولا دليلا من أدلته ، بل تكون متفقة مع المصالح التى قصد إليها الشرع الشريف فى الجملة، وإن لم يكن لها دليل خاص لاعتبارها. ثانياً : أن تكون معقولة جرت على المناسبات المعقولة التى إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول . ثالثا : أن يكون الأخذ بها رفع حرج لازم فى الدين ، فلولم يؤخذ بالمصلحة المعقولة فى موضعها لكان الناس فى حرج ، والله تعالى يقول (( وما جعل عليكم فى الدين من حرج)). - ٣١٩ - ١٩٨ - هذه هى المصالح المرسلة، كما حكتها كتب المالكية عن مالك. فهل يقول الشافعى مقالة مالك فيها ؟ 1 لقد ادعى القرافى أن المذاهب الإسلامية كلها تأخذ فى فروعها بالمصالح المرسلة وإن لم تسمها بأسمائها ، فهو يقول المصلحة المرسلة فى جميع المذاهب عند التحقيق ، لأنهم يقيسون ويفرقون بالمناسبات ، ولا يطلبون شاهداً بالاعتبار ، ولا يعنى بالمصلحة المرسلة إلا ذلك . ومما يؤكد العمل بالمصالح المرسلة أن الصحابة عملوا أموراً لمطلق المصلحة ، لا لتقديم شاهد بالاعتبار نحو كتابة المصحف، ولم يتقدم فيه أمر، ولانظير ، وولاية العهد من أبى بكر لعمر رضى الله عنهما، ولم يتقدم فيها أمر ولا نظير، وكذلك ترك الخلافة شورى ، وتدوين الدواوين ، وعمل السكة للمسلمين ، واتخاذ السجن ، فعل ذلك عمر رضى الله عنه، وهذه الأوقاف التى بإزاء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتوسعة بها فى المسجد عند ضيقه فعله عثمان رضى الله عنه. وقد يكون قول القرافى هذا له وجه من الصحة من حيث أن أهل المذاهب المختلفة يتأثرون فى استنباط أحكام الفروع بوجوه المصالح والمناسبات المعقولة ، وإن كانوا يجتهدون فى ربطها بقياس فقهى ، ولا يعتمدون على مجرد هذه المصلحة ، مع أنها هى الباعث على النظر ، وهى الأمر الملحوظ . وإن دعوى القرافى هذه تشمل بعمومها الشافعى ، فالشافعى فى نظر القرافى ، قد أخذ بالمصلحة المرسلة أخذ غيرها بمقتضى هذا الحكم العام . والحق أن أكثر كتب الأصول تحكى عن الشافعى الأخذ بالمصالح المرسلة ، فقد جاء فى الإسنوى فى بيان اختلاف العلماء فى الأخذ بها ما نصه : وفيه ثلاثة مذاهب أحدها أنه غير معتبر مطلقاً ، قال ابن الحاجب ، وهو المختار ، وقال الآمدى إنه الحق الذى يتفق عليه الفقهاء ، والثانى إنه حجة مطلقاً ، وهو مشهور عن مالك ، واختاره إمام الحرمين ، وقال ابن الحاجب ، وقد نقل أيضاً عن الشافعى ، وكذلك قال إمام الحرمين إلا أنه. (١) شرح التحرير الجزء الثالث ص ٣٨١ - ٣٢٠ - شرط فيه أن تكون تلك المصالح مشبهة بالمصالح المعتبرة ، والثالث وهو رأى الغرالى ، واختاره المصنف (أى البيضاوى) أنه إن كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية اعتبرت وإلا فلا (١) وترى من هذا أن الإسنوى ينقل عن ابن الحاجب وإمام الحرمين أن الشافعى يأخذ بالمصالح المرسلة ، ولكن يحكى إمام الحرمين أنه يشترط أن تكون مشابهة لمصلحة أقرها الشارع . وجاء فى التحرير لابن الهام وشرحه فى الكلام فى المصالح المرسلة : عن الشافعى ومالك قوله . وذكر الأبهرى أنه لم يثبت عنهما ، وذكر (السبكى أن الذى صح عن مالك جنس المصالح مطلقاً، وأما الشافعى فإنه لا ينتهى لمقابلة مالك ، ولا يستجيز الثنائى والإفراط فى البعد ، وإنما يسوغ تعليق الأحكام بمصالح يراها شبيهة بالمصالح المعتبرة وفاقاً ، وبالمصالح (المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول، قارة فى الشريعة، وإمام الحرمين يختار نحو ذلك (٢) . وقد وجدنا الشاطبى فى الاعتصام يحكى عن الشافعى مثل ذلك وينسبه لأبى حنيفة أيضا ، فهو يقول . إن القول بالمصالح المرسلة قد اختلف فيه أهل الأصول على أربعة أقوال ، فذهبت طائفة من الأصوليين إلى رده ، وإن المعنى لا يعتبر ما لم يستند إلى أصل، وذهب مالك إلى اعتبار ذلك ،. وبنى الأحكام عليه على الإطلاق ، وذهب الشافعى ومعظم الحنفية إلى التمسك بالمعنى الذى لم يستند إلى أصل صحيح ، ولكن بشرط قربه من معانى الأصول الثابتة . هذا ما حكى الإمام الجوينى . ثم يبين أن القول الرابع هو قول الغزالى ، وقد سبق نقله فيما نقلنا . ١٩٩ - هذه الكتب متضافرة فى النقل عن الشافعى أنه يأخذ بالمصالح (١) أصول الإسنوى المطبوعة على هامش التحرير الجزء الثانى ص ١١٣ (٢) التحرير وشرحه ص ١٥٠ الجزء الثالث.