Indexed OCR Text
Pages 101-120
- ١٠١ - كثير من الشيعة ، وناقشه فى ذلك أخوه محمد الباقر ، وقال له : على قضية مذهبك ، والدك ليس بإمام ، فإنه ما خرج ولا تعرض للخروج . (ب) أنه تجوز إمامة المفضول، فكأن هذه الصفات عندهم للإمام الأفضل الكامل ، وهو بها أولى من غيره فإن اختار أولو الحل والعقد فى الأمة إماماً لم يستوف بعض هذه الصفات ، وبايعوه ، صحتإمامته ولزمت بيعته، وبنوا على ذلك الأصل صحة إمامة الشيخين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، وعدم تكفير الصحابة ببيعتهما ، فكان زيد يرى أن على بن أبى طالب أفضل الصحابة ، إلا أن الخلافة فوضت إلى أبى بكر لمصلحة رأوها ، وقاعدة دينية رعوها ، من تسكين ثائرة الفتنة ، وتطبيب قلوب العامة، فإن عهد الحروب التى جرت فى أيام النبوة كان قريباً ، وسيف أمير المؤمنين على عليه السلام من دماء المشركين لم يجف ، والضغائن فى صدور القوم من طلب الثأر كماهى، فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل ، ولاتنقاد له الرقاب كل الانقياد ، وكانت المصلحة أن يكون القيام بهذا الشأن لمن عرفوا باللين والتودد والتقدم بالسن ، والسبق فى الإسلام ، والقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم (١) . وقد خذل زيداً أكثر الشيعة لقوله بذلك الأصل ، قال البغدادى فى كتابه الفرق بين الفرق: (( لما استحر القتال بينه (زيد) وبين يوسف بن عمرو الثقفى ، قالوا إنا ننصرك على أعدائك بعد أن تخبرنا رأيك فى أبى بكر وعمر اللذين ظلما جدك على بن أبى طالب ؛ فقال زيد : أنى لا أقول فيهما إلا خيراً ، وإنما خرجت على بنى أمية الذين قتلوا جدى الحسين، وأغاروا على المدينة يوم الحرة ، ثم رموا بيت اللّه بحجر المنجنيق والنار . ففارقوه عند ذلك . ( جـ) ومن مذهب الزيدية جواز خروج إمامين فى قطرين مختلفين ، بحيث يكون كل واحد منهما إماماً فى قطره الذى خرج فيه مادام متحلياً بالأوصاف التى بيناها ، ويفهم من هذا أنهم لا يجوزون قيام إمامين فى (١) الملل والنحل الشهرستانى . - ١٠٢ - قطر واحد ، لأن ذلك يستدعى أن يبايع الناس لإمامين ، وذلك منهى عنه بصريح الأثر . (د) وقد كان الزيديون يعتقدون أن مرتكب الكبيرة مخلد فى النار مالم يتب توبة نصوحاً ؛ وهم قد اقتبسوا ذلك من المعتزلة الذين يقولون هذه المقالة ؛ وذلك لأن زيداً رحمه اللّه كان ينتحل نحلة المعتزلة ؛ إذ أنه كانذا صلة بواصل بن عطاء شيخهم ؛ وأخذ عنه آراءها فى أصول ، وروى أن ذلك كان من أسباب بغض سائر الشيعة له ، إذ أن واصلا كان يرى: أن على ابن أبى طالب فى حروبه التى جرت بينه وبين أصحاب الجمل، وأهل الشام ما كان على الصواب بيقين ، وأن أحد الفريقين منهما كان على الخطأ لا بعينه)) (١) وذلك أمر لايرضى الشيعة ، ولما قتل زيد بايع الزيديون ابنه يحيى ، ثم قتل هو أيضاً، ثم بويع بعد يحيى محمد الإمام وإبراهيم الإمام فقتلهما أبو جعفر المنصور ؛ ولم ينتظم أمر الزيدية بعد ذلك ، ومالوا عن القول بإمامة المفضول ، ثم أخذوا يطعنون فى الصحابة كسائر الشيعة، فذهبت عنهم بذلك أولى خصائصهم . ٦٧ - الإمامية : (أ) وهم القائلون بأن إمامة على ثبتت بالنص عليه بالذات من النبى صلى الله عليه وسلم نصاً ظاهراً ويقيناً صادقاً من غير تعريض بالوصف ، بل إشارة بالعين، وعلىّنص على من بعده، وهكذا كل إمام، قالوا وما كان فى الدين أمرأهم من تعيين الإمام حتى تكون مفارقته على فراغ قلب من أمر الأمة ، فإنه إذ بعث لرفع الخلاف ، وتقرير الوفاق ، لايجوز أن يفارق الأمة ويتركها هملا ، يرى كل واحد منهم رأياً ، ويسلك كل واحد منها طريقاً لايوافقه عليه غيره ، بل يجب أن يعين شخصاً هو المرجوع إليه ، وينص على واحد هو الموثوق به والمعول عليه (٢) ويستدلون على تعين (١) الملل والنحل الشهرستانى ، وتلك الرواية محل نظر ، لأن المعروف فى تاريخ المعتزلة أنهم الشيعة المعتدلة ، وكثير من الشيعة يذهبون فى العقائد مذهب المعتزلة . (٢) الملل والنحل الشهر ستانى . - ١٠٣ - على رضى الله عنه بالذات ببعض آثار عن النبى صلى الله عليه وسلم يدعون صدقها وصحة سندها مثل : (( من کنتمولاہ فعلى مولاه ۔۔ اللهم وال من والاه وعاد من عاداه)) ومثل: (( أقضاكم على))، وغير ذلك من الآثار التى يدعون صحتها ، ويشك علماء الحديث من الجماعة فى صدقها ، ويستدلون أيضاً باستنباطات من أمور كلف النبى علياً القيام بها ، وكلف غيره أخرى ، فيستنبطون مثلا من تكليف النبى علياً قراءة سورة براءة دون أبى بكر أنه أولى بالخلافة ، ويستنبطون من إرسال أبى بكر وعمر فى بعث أسامة مؤمراً عليهما بجدارة على بالخلافة دونهم ، لأنه ما أمر عليه قط ، وهكذا استدلالاتهم وهى كثيرة من هذا النوع. وقد اتفق الإمامية على خلافة الحسن ثم الحسين بعد على ، واختلفوا بعد ذلك فى سوق الإمامة ، ولم يتفقوا على رأى واحد ، بل انقسموا فرقاً عدها بعضهم نيفاً وسبعين ، وأعظمها فرقتان : الإثنا عشرية ، والإسماعيلية. الإثنا عشرية : أما الأولون فيرون أن الخلافة بعد الحسين لعلى زين العابدين ، ثم لمحمد الباقر بن زين العابدين ، ثم جعفر الصادق بن محمد الباقر ، ثم لابنه موسى الكاظم ، ثم لعلى الرضا ، ثم لمحمد الجواد ، ثم لعلى الهادى، ثم للحسن العسكرى ، ثم لمحمد ابنه ، وهو الإمام الثانى عشر ، ويقولون إنه دخل سرداباً فى دار أبيه بـ (( سرمن رأى) وأمه تنظر إليه، ولم يعد بعد ، ثم اختلفوا فى سنه فقيل كانت سنه إذ ذاك أربع سنوات ، وقيل ثمانى سنوات ، وكذلك اختلفوا فى حكمه ، فقال بعضهم إنه كان فى هذه السن عالماً بما يجب أن يعلمه الإمام ، وإن طاعته كانت واجبة ، وقال آخرون كان الحكم لعلماء مذهبه ، حتى بلغ فوجبت طاعته . ٦٨ - الإسماعيلية: وهى طائفة من الشيعة الإمامية انتسبت إلى إسماعيل بن جعفر ، ويسمون أيضاً الباطنية ، لقولهم بالإمام الباطن . تقول هذه الطائفة إن الإمام بعد جعفر الصادق ابنه إسماعيل بنص من - ١٠٤ - أبيه ، وفائدة النص ، وإن كان قد مات قبل أبيه ، إنما هو بقاء الإمامية فى عقبه ، ثم انتقلت الإمامة من إسماعيل إلى محمد المكتوم ، وهو أول الأئمة المستوردين ، وبعد محمدالمكتوم ابنهجعفر المصدق، وبعده ابنه محمدالحبيب، وهو آخر المستورين ، وبعده ابنه عبد الله المهدى الذى ملك المغرب ، وملك بعده بنوه مصر ، وهم الفاطميون (١) . وقد اضطهدت تلك الطائفة فى أول أمرها فيمن اضطهد ، حتى فرمعتنقو مذهبها إلى فارس ، وهناك خالط المذهب آراء الفرس القديمة وغيرها ، وقام فيها رجال ذووأهواء ، يقضون لبانتهم باسم الدين فتوارثوا زعامتها . وأول ناشرى دعوتها رجل يقال له ديصان ، أخذها عن عبد الله القداح، ونشرها فى بلاد فارس ، ثم بدا له أن ينشرها فى قلب الدولة العباسية ، فجاء إلى البصرة ، ودعا الناس سراً ، وجذب إليه رجلا من وجهاء اليمن كان يزور مقابر أهل البيت ، فاتفقا على بث الدعوة لآل البيت فى اليمن ، ونفذا ما دبرا ، ثم أرسل القداح رجاين إلى المغرب لسهولة انقيادها للدعاة ، وقال لهما احرثا الأرض حتى يأتى صاحب البذر ، ثم سال سيل الدعوة الشيعية فى بلاد المغرب ، حتى أخذ الفاطميون ملك الأغالبة فى أفريقية ، ثم اقتطعوا من الخليفة العباسى على ما هو معلوم فى التاريخ . ٢ - الخوارج ٦٩ - هم أشد الفرق الإسلامية دفاعاً عن اعتقادهم، وحماسة لأفكارهم ، وشدة فى تدينهم فى الجملة ، واندفاعاً وتهوراً فيما يدعون إليه وما يفكرون فيه ، وهم فى اندفاعهم وتهورهم يستمسكون بألفاظ قد أخذوا بظواهرها ، وظنوها ديناً مقدساً ، لا يحيد عنه مؤمن ، ولا يخالف سبيله إلا من مالت به نفسه إلى البهتان ، ودفعته إلى العصيان استرعت ألبابهم كلمة ((لا حكم إلا لله)) فاتخذوها ديناً ينادون به فى وجوه مخالفيهم ، ويقطعون (١) مقدمة ابن خلدون . - ١٠٥ - به كل حديث ، فكانوا كلما رأوا علياً يتكلم قذفوه بهذه الكلمة ، وقد روى أنه رضى الله عنه قال فى شأنهم عندما قالوها وكرروا قولها: (( كلمة حق يراد بها باطل ، نعم إنه لا حكم إلا لله ، ولكن هؤلاء يقولون : لا إمرة إلا لله ، وإنه لا بد للناس من أمبر بر أو فاجر ، يعمل فى إمرته المؤمن ، ويستمع فيها الكافر ، ويبلغ اللّه فيها الأجل ، ويجمع به الفىء ، ويقاتل به العدو ، وتؤمن به السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوى ، حتى يستريح بر ويستراح من فاجر)). ۔۔ وقد استهوتهم فكرة البراءة من عثمان وعلى ، والحكام الظالمين ، حتى احتلت أفهامهم واستولت على مداركهم ، استيلاء تاماً ، وسدت عليهم كل طريق للوصول إلى الحق ، فمن تبرأ من عثمان وعلى وطلحة والزبير والظالمين من بنى أمية سلكوه فى جمعهم ، وتسامحوا معه فى مبادىء أخرى من مبادئهم ، ربما كانت أشد أثراً، والخلاف فيها يبعده عنهم أكثر من الخلاف فى هذا التبرؤ . خرج ابن الزبير على الأمويين ، فناصروه ووعدوه بالبقاء على نصرته والقتال فى صفه ، ولما علموا أنه لا يتبرأ من أبيه وطلحة وعلى وعثمان نابذوه وفارقوه . ولما ناقش عمر بن عبد العزيز شوذباً الخارجى كان محز الخلاف ، ومفصل المناقشة ، هو التبرؤ من أهل بيته الظالمين ، مع إقرار الخوارج أنه خالفهم ، ومنع استمرار ظلمهم ، ورد إلى الناس مظالمهم، ولكن استحوذت عليهم فكرة التبرؤ فكانت الحائل بينهم وبين الدخول فى غمار الجماعة الإسلامية . ٧٠ - وإنهم ليشهون فى استحواذ الألفاظ البراقة على نفوسهم . واستيلائها على مداركهم - اليعقوبيين الذين ارتكبوا أقسى الفظائع فى الثورة الفرنسية ، فقد استولت على هؤلاء ألفاظ الحرية والمساواة والإخاء ، وباسمها قتلوا الناس وأهرقوا الدماء ، وأولئك استولت عليهم ألفاظ الإيمان ، ولا حكم إلا لله ، والتبرؤ من الظالمين، وباسمها أباحوا دماء المسلمين - ١٠٦ - وخضبوا البلاد الإسلامية بالدماء ، وشنوا الغارة فى كل مكان ، ويظهر أن الحماسة التى امتازوا بها كانت هى الوحدة الجامعة بينهم وبين اليعقوبيين ، وما صدر عن الفريقين من أعمال متشابهة ما كان إلا لهذه الحماسة وقوة العاطفة ، قال العلامة جوستاف لوبون فى وصف اليعقوبيين فى كتابه الثورة الفرنسية : وتوجد النفسية اليعقوبية خاصة عند ذوى الأخلاق المتحمسة الضيقة ، وتتضمن هذه النفسية فكراً قاصراً عنيداً يجعل اليعقوبى كثير السذاجة ، ولما كان لهذا لا يدرك من الأمور إلا علائقها الظاهرية ، فإنه يظن أن ما يتولد فى روحه من الصور الوهمية حقائق ، ويفوته ارتباط الحوادث بعضها ببعض ، وما ينشأ عن ذلك من النتائج ، ولا يحوم بصره عن خياله أبداً ، إذن فاليعقوبى لا يقترف الآثام لتقدم منطقه العقلى ، إذ لا يملك منه إلا قليلا ، وإنما يسير مستيقناً ، وعقله الضعيف يخدم اندفاعاته حيث يتردد ذو المدارك السامية فيقف . وإن هذا الوصف البديع لليعقوبيين هو وصف كامل صحيح لأكثر نواحى الخوارج النفسية ، وسترى فيما يلى من الحوادث والمناقشات ما يؤيد ذلك ، ويثبت صحته . ٧١ - ولم تكن الحماسة والتمسك بظواهر الألفاظ فقط هى الصفات الواضحة فى الخوارج ، بل هناك صفات أخرى منها حب الفداء والرغبة فى الموت والاستهداف للمخاطر من غير داع قوى يدفع إلى ذلك ، وربما كان منشأ ذلك هوساً عند بعضهم واضطراباً فى أعصابهم ، لا مجرد الشجاعة والتمسك بالمذهب فقط وإنهم ليشبهون فى ذلك النصارى الذين كانوا تحت حكم العرب فى الأندلس ، فقد أصاب فريقاً منهم هوس جعلهم يقدمون على أسباب الموت بسبب عصبية جامحة ، وفكرة فاسدة . اقرأ ما كتبه الكونت هنری دی کاستری فی وصفهم ، إنك سترى وصفاً ينطبق فى كثير من النواجى على الخوارج ، فقد قال : أراد كل واحد ( من هؤلاء النصارى ) أن يذهب إلى مجلس القضاء ليسب محمداً ويموت ، فتقاطروا عليه أفواجاً - ١٠٧ - أفواجا ، حتى تعب الحجاب من ردهم ، وكان القاضى يصم الآذان كيلا يحكم عليهم بالإعدام ، والمسلمون مشفقون على هؤلاء المساكين ويظنونهم من المحانين . ولقد كان من الخوارج من يقاطع علياً فى خطبته ، بل من يقاطعه فى صلاته ومن يتحدى المسلمين محتسبا للّه فى ذلك . ظانا أنه قربة يتقرب بها إليه ، ولما قتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت ، وبقروا بطن جاريته قال لهم على : ادفعوا إلينا قتلته . قالوا : كلنا قتلته فقاتلهم على حتى كاد يبيدهم ، ولم يمنع ذلك بقيتهم من أن يسيروا فى طريقهم ، موغلين فى الدعوة إليها والحماسة لها ، فبينهم وبين أولئك النصارى شبه قريب من هذه الناحية . فالإخلاص للإسلام کان صفات کثیرین منهم ، وإن كان معه هوس بفكرة فيه ، والتأثر بناحية واحدة من نواحيه ، يروى أن عليا رضى الله عنه أرسل إليهم ابن عباس يناقشهم ، فلما وصل إليهم رحبوا به وأكرموه فرأى منهم جباهاً قرحة لطول السجود ، وأيديا كثفنات الإبل عليهم قمص مرحضة (١))). فإخلاصهم لدينهم فى الجملة أمر لا موضع فيه الارتياب ، ولكنه إخلاص قد عراه ضلال فى فهم الدين ، وإدراك لبه ومرماه ، فالمسلم المخالف لهم لاعصمة لدمه ، بينما الذمى دمه معصوم ، قال أبو عباس المبرد فى الكامل : من طريف أخبارهم أنهم أصابوا مسلماً ونصرانياً ، فقتلوا المسلم ، وأوصوا بالنصرانى، وقالوا احفظوا ذمة نبيكم ... لقيهم عبد الله ابن خباب وفى عنقه مصحف ، ومعه امرأته وهى حامل ، فقالوا : إن الذى فى عنقك ليأمرنا أن نقتلك .. قالوا فما تقول فى أبى بكر وعمر؟ فأثنى خيراً، قالوا : فما تقول فى على قبل التحكيم وفى عثمان ست سنين، فأثنى خيراً، قالوا: فما تقول فى التحكيم ؟ قال : أقول إن عليا أعلم بكتاب الله منكم ، وأشد توقياً على دينه وأنفذ بصيرة .. قالوا : إنك لست تتبع الهدى، وإنما تتبع الرجال على أسمائها ، ثم قربوه إلى شاطىء النهر ، فذبحوه .. وساموا رجلا نصرانيا (١) الكامل للمبرد ص ١٤٣ جزء ٢. - ١٠٨ - بنخلة له فقال : هى لكم ، فقالوا: والله ما كنا لنأخذها إلا بثمن قال : ما أعجب هذا. أتقتلون مثل عبد الله بن خباب ، ولا تقبلوا منا ثمن نخلة!)). ٧٢ - ولماذا كان التعصب للفكرة ، والهوس لها والتشدد فيها مع الخشونة فى الدفاع والتهور فى الدعوة إليها وحمل الناس عليه بقوة السيف ، والعنف والقسوة بدرجة لارفق فيها ، وبحال لاتتفق مع سماحة هذا الدين ؟ السبب فى ذلك فيما أعتقد أن الخوارج كان أكثرهم من عرب البادية ، وقليل منهم كان من عرب القرى ، وهؤلاء كانوا فى فقر مدقع ، وشدة بلاء قبيل الإسلام ، ولما جاء الإسلام ولم تزد حالتهم المادية حسناً ، لأن كثيرين منهم استمروا فى باديتهم بلأوائها وشدتها وصعوبة الحياة فيها ، وأصاب الإسلام شغاف قلوبهم مع سذاجة فى التفكير وضيق فى التصور ، وبعد عن العلوم ، فتكون من مجموع ذلك نفوس مؤمنة متعصبة ، لضيق نطاق العقول ، ومتهورة مندفعة وزاهدة ، لأنها لم تجد ، والنفس التى لاتجد إذا غمرها إيمان، ومس وجدانها اعتقاد صحيح ، انصرفت عن الطموح إلى شهوات الدنيا ، وملاذ هذه الحياة ، واتجهت إلى الحياة الأخرى وإلى نعيمها والرغبة فى التمتع بملاذها ، والابتعاد عما يؤدى إلى جحيمها وشقائها ، ولقد كانت معيشتهم دافعة لهم على الخشونة والقسوة والعنف ، إذ النفس صورة لما تألف وترى، ولو أنهم عاشوا عيشة رافهةفاكهة بنوع من النعيم لألان ذلك من صلابتهم ورطبمن شدتهم ، ونهنه من حدتهم ، یروی أن زياد بن أبيه بلغه عن رجل يكنى أبا الخير من أهل البأس والنجدة أنه يرى رأى الخوارج فدعاه ، فولاه ورزقه أربعة آلاف درهم فى كل شهر ، وجعل عمالته فى كل سنة مائة ألف ، فكان أبو الخير يقول : ما رأيت شيئاً خيراً من لزوم الطاعة ، والتقلب بين أظهر الجماعة ، فلم يزل والياً حتى أنكر منه زياد شيئاً فتنمر لزياد، فحبسه، فلم يخرج من حبسه حتى مات . انظر إلى النعمة كيف ألانت من طباعه ، وهذبت نفسه ، وجعلته سمحاً رقيقاً بعد أن كان متعصباً عنيفاً . - ١٠٩ - ٧٣ - ونحن إن وصفنا أكثر الخوارج بالإخلاص فى خروجهم على على والأمويين من بعده ، لا ننكر أن هناك غير العقيدة أموراً أخرى حفزتهم على الخروج : من أعظمها وضوحاً أنهم كانوا يحسدون قريشاً على استيلائهم على الخلافة ، واستبدادهم بالأمر دون الناس . والدليل على ذلك أن أكثرهم من القبائل الربعية التى كانت بينها وبين القبائل المضرية الإحن الجاهلية والعدوات القديمة التى خفف الإسلام حدتها، ولم يذهب بكل قوتها، بل بقيت منها آثار غير قليلة مستمكنة فى القلوب متغلغلة فى النفوس، وقد تظهر فى الآراء والمذاهب من حيث لايشعر المعتنق للمذهب ، والآخذ بالرأى ، وإن الإنسان قد يسيطر على نفسه هوی يدفعه إلى فكرة معينة ، ويخيل إليه أن الإخلاص رائده ، والعقل وحده يهديه ، وهذا أمر واضح فى الأمور التى تجرى فى الحياة فى كل ظواهرها ، فالإنسان ينفر من كل فكرة اقترنت بما يؤلمه ، وإذا كان ذلك كذلك ، فلا بد أن نتصور أن الخوارج وأكثرهم ربعيون رأوا الخلفاء قوماً مضريين ، فنفروا من حكمهم ، واتجه تفكيرهم إلى آراء فى الخلافة نشأت تحت ظل ذلك النفور من حيث لا يشعرون وظنوا أنه محض الدين ، ولب اليقين ، وأنه لادافع لهم إلا الإخلاص لدينهم ، والتوجه لربهم ، وليس بمانع لدينا أن يكون الإخلاص فى طلب الدين عند بعضهم لا تشوبه شائبة ، ولم يختلط به أى درن من غرض أو عارض من سوء ، وأن يكون هو الذى دفع بعضهم إلى الخروج، والله أعلم بما تخفى الصدور . ٧٤ - والخوارج كما رأيت أكثرهم من العرب ، والموالى كانوا فيهم عدداً قليلا ، مع أن آراءهم فى الخلافة من شأنها أن تجعل للموالى الحق فى أن يكونوا خلفاء ، عندما تتوافر فى أحدهم شروطها ، إذ الخوارج لا يقصرون الخلافة على بيت من بيوت العرب ، ولا على قبيل من قبيلهم، بل لا يقصرونها على جنس من الأجناس ، أو فريق من الناس ، والسبب فى نفور الموالى من مذهبهم أنهم هم كانوا ينفرون من الموالى ، ويتعصبون ٠٠ - ١١٠ - ضدهم . وقد روى ابن أبى الحديد : أن رجلا من الموالى خطب امرأة خارجية ، فقالوا لها فضحتينا ، وربما لو تركوا تلك العصبية لتبعهم كثيرون من الموالى . ومع أن الموالى فى الخوارج كانوا عدداً قليلا نرى لهم أثراً فى بعض فرقهم ، فاليزيدية (١) ادعوا أن الله سبحانه وتعالى يبعث رسولا من العجم ينزل عليه كتاباً ينسخ بشرعه الشريعة المحمدية . والميمونية (٢) أباحوا نكاح بنات الأولاد (٣) وبنات أولاد الإخوة، وبنات أولاد الأخوات (٤) وهذه كما نرى مبادىء واضح فيها أنها تفكير فارسى ، إذ الفرس المحوس هم الذين يحنون إلى نبى من فارس وهم الذين يبيحون الأنكحة السابقة . ٧٥ - من الكلام السابق عرفنا عقلية الخوارج ونفسيتهم وقبائلهم ، والحق أن آراءهم مظهر واضح لتفكير هم وسذاجة عقولهم ونظراتهم السطحية، ونقمتهم على قريش ، وكل القبائل المضرية . ( أ) وأول آرائهم، وأحكمها وأشدها أن الخليفة لا يكون إلا بانتخاب حر صحيح يقوم به عامة المسلمين ، لا يقوم به فريق دون فريق، ولا جمع دون جمع ، ويستمر خليفة ما دام قائماً بالعدل ، مقيما للشرع ، مبتعداً عن الخطأ والزيغ ، فإن حاد وجب عزله أو قتله . (ب) ولا يرون أن بيتاً من بيوت العرب اختص بأن يكون الخليفةمنه، فليست الخلافة فى قريش كما يقول غيرهم ، وليست لعربى دون أعجمى، والجميع فيها سواء ، بل يفضلون أن يكون الخليفة غير قرشى ليسهل عزله أو قتله إن خالف الشرع وحاد عن الحق ، وجانب الصواب ، إذ لا تكون له عصبية تحميه ، ولا عشيرة تؤويه ، ولا ظل غير ظل اللّه يستظل به، (١) أتباع يزيد أبى أبيسة الخارجى. (٢) أتباع ميمون العجردى ، وذلك لأنهم لما انفصلوا عن النجدات أقاموا بسجستان فسرت اليهم الآراء الفارسية . (٣و٤) الفرق بين الفرق للبغدادى . - ١١١ - وعلى هذا الأساس اختار أوائلهم عبد الله بن وهب الراسبى ، وأمروه عليهم ، وسموه أمير المؤمنين وليس بقرشى ، وكان ذلك المبدأ جديراً بأن يغرى جماهير المسلمين باعتناق مذهبهم ، ولكن ازدراءهم للموالى واستباحتهم لدماء المسلمين وسبيهم للنساء والذرية ، وطعنهم فى إيمان على وكثير من آل البيت ، كل هذا حال بينهم وبين قلوب الناس أن تصغى إليهم . (جـ) ولا ننسى أن نذكر هنا أن النجدات من الخوارج يرون أنه لاحاجة الناس إلى إمام قط ، وإنما عليهم أن يتناصفوا فيما بينهم ، فإن رأوا أن ذلك لا يتم إلا بإمام يحملهم على الحق فأقاموه جاز ، فإقامة الإمام فى نظرهم ليست واجبة بإيجاب الشرع ، بل جائزة إن اقتضتها المصلحة ، ودعت إليها الحاجة . (د) ويرى الخوارج تكفير أهل الذنوب ولم يفرقوا بين ذنب يرتكب عن قصد للسوء ، ونية للإثم ، وخطأ فى الرأى والاجتهاد يؤدى إلى مخالفة وجه الصواب ، ولذا كفروا علياً بالتحكيم ، مع أنه لم يقدم عليه مختاراً، ولو سلم أنه اختاره ، فالأمر لا يعدو أن يكون مجتهداً أخطأ ولم يصب ، إن كان التحكيم ليس من الصواب فلجاجتهم فى تكفيره رضى الله عنهدليل على أنهم يرون الخطأ فى الاجتهاد يخرج عن الدين ، ويفسد اليقين ، كذلك كان عندهم شأن طلحة والزبير وعثمان وغيرهم من علية الصحابة الذين خالفوهم فى جزئية من الجزئيات ، فكفروهم للاجتهاد الخطأ فى زعمهم ، وقد ساق ابن أبي الحديد أدلتهم التى تمسكوا بها فى تكفير مرتكب الذنب ، ورد عليها ، ولا يهمنا وجه الرد ، وإنما يهمنا ذكر بعض الأدلة لنعرف منهم وجهات نظرهم ، و کیف کانوا یفکرون، وسنرى أن تفکیرهم کانسطحياً، لا يتعمقون فى بحث ، ولا يتقصون أطراف موضوع . وهذه الأدلة كثيرة منها قوله تعالى: (( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ، ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين)) فجعل تارك الحج کافراً ، وترك الحج كبيرة ، فکل مرتکب کبیرة کافر فی زعمهم، ومنها - ١١٢ - قوله تعاله: (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)) وكل مرتكب للذنوب قد حكم بغير ما أنزل الله فى زعمهم فهو كافر ، ومنها قوله تعالى: (( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ، فأما الذين اسودت وجوههم، أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون)» قالوا والفاسق لا يجوز أن يكون ممن ابيضت وجوههم. فوجب أن يكون ممن اسودت وجوههم ووجب أن يسمى كافراً لقوله تعالى (( بما كنتم تكفرون)) ومنها قوله تعالى : (( وجوه يومئذ مسفرة . ضاحكة مستبشرة . ووجوه يومئذ عليها غيرة . ترهقها فترة ، أولئك هم الكفرة الفجرة )) والفاسق على وجهه غبرة . فوجب أن يكون منمغ الكفرة، ومنها قوله تعالى: (( ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون)) أثبت أن الظالم جاحداً، وهذه صفة الكفار (١). كل هذه الدلائل كما ترى ظواهر نصوص ، قد نظروا إليها نظراً سطحياً ولم يدركوا مراميها ولا أسرارها . ولم يصيبوا هدفها ، وكان على رضى الله عنه يحتج على من عاصروه منهم بالحجج الدامغة ، والأدلة القاطعة ومما قاله رداً عليهم : ((فإن أبيتم إلا أن تزعموا أنى أخطأت ، وضللت ، فلم تضلون عامة أمة محمد صلى الله عليه وسلم وآله بضلالى، وتأخذونهم بخطئى ، وتكفرونهم بذنوبى ، سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البرء والسقم ، وتخلطون من أذنب بمن لم يذنب، وقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله رجم الزانى المحصن ثم صلى عليه ، ثم ورثه أهله ، وقتل القاتل ، وورث ميراثه أهله ، وقطع يد السارق وجلد الزانى غير المحصن ، ثم قسم عليهما من الفىء ، ونكحا المسلمات ، فآخذهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله بذنوبهم، وأقام حق الله فيهم، ولم يمنعهم سهمهم من الإسلام، ولم يخرج أسماءهم من بين أهله)). وفى ذلك الكلام القيم رد مفحم لايمارون فيه ، ولا يستطيعون أن يثيروا حوله غباراً. ولعله رضى الله عنه عدل عن الاحتجاج بالكتاب إلى الاحتجاج (١) ملخص من شرح البلاغة لابن أبى الحديد المجلد الثانى ص ٣٠٧ و٣٠٨ وارجع الى الموضوع كاملا فيه . - ١١٣ - بالعمل الذى كان عليه النبى صلى الله عليه وسلم ، لأن العمل لا يقبل تأويلا، ولا يفهم إلا على الوجه الصحيح فلا يتسع لنظراتهم السطحية ، وتفكيرهم الذى لا يصيب إلا جانباً واحداً، ولا يتجه إلا إلى اتجاه جزئى ، وفى الاتجاه الجزئى فى فهم العبارات والأساليب ضلال عن مقصدها ، وبعد عن مرماها ، وفى النظرة الكلية الشاملة الصواب ، وإدراك الحق من كل نواحيه ، فهو رضى الله عنه جادلهم بالعمل ، حتى يقطع عليهم كل تأويل ، ولكى يبين لهم وضح الحقيقة من غير أن يجعل لتلبيساتهم الفاسدة أى باب من أبواب الحيرة والاضطراب . / ٧٦ - هذه جملة الآراء التى اعتنقها أكثرهم، ولم يتفقوا فى غيرها على مذهب أو رأى أو نظر ، بل كانوا كثيرى الخلاف يشجر بينهم الخلاف لأصغر الأمور وأقلها ، وربما كان هذا هو السر فى كثير من انهزاماتهم ، وكان المهلب بن أبى صفرة الذى كان فى العصر الأموى ترساً للجماعة الإسلامية يقيها منهم يتخذ الخلاف بينهم ذريعة لتفريقهم وخضد شوكتهم والفل من حدتهم ، وإذا لم يجدهم مختلفين دفع إليهم من يثير الاختلاف بينهم ، يحكى ابن أبى الحديد ((أن حداداً من الأزارقة كان يعمل نصالا مسمومة، فيرمى بها أصحاب المهلب ، فرفع ذلك إلى المهلب فقال أنا أكفيكموه إن شاء اللّه، فوجه رجلا من أصحابه بكتاب وألف درهم إلى عسكر قطرى بن الفجاءة قائد الخوارج فقال له : ألق هذا الكتاب فى العسكر والدراهم ، واحذر على نفسك ، فمضى الرجل ، وكان فى الكتاب : أما بعد ، فإن نصالك قد وصلت إلى ، وقد وجهت إليك بألف درهم فاقبضها ، وزدنا من النصال ، فرفع الكتاب إلى قطرى فدعا الحداد ، فقال ما هذا الكتاب قال : لا أدرى ، قال فما هذه الدراهم ؟ قال لا أعلم بها ، فأمر به فقتل ، فجاء عبد ربه الصغير مولى ابن قيس بن ثعلبة فقال : قتلت رجلا على غير ثقة وتبين ؟ قال قطرى : إن قتل رجل فى صلاح الناس غير منكر ، وللإمام أن يحكم بما يراه صالحاً ، وليس للرعية أن تعترض عليه ، ( م ٨ - الشافعى ) - ١١٤ - فتنكر له عبد ربه فى جماعة معه ولم يفارقوه ، وبلغ ذلك المهلب فدس إليهم رجلا نصرانياً جعل له جعلا يرغب فى مثله . وقال : إذا رأيت قطرياً. فاسجد له ، فإذا نهاك فقل إنماسجدت لك ، ففعل ذلك النصر انى ، فقال قطرى: إنما السجود للّه تعالى ، فقال ما سجدت إلا لك ، فقال رجل من الخوارج، إنه قد عبدك من دون الله، وتلا قوله تعالى: ((إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ، أنتم لها واردون)) ، فقال قطرى إن النصارى قد عبدوا عيسى ابن مريم ، فما ضر عيسى ذلك شيئاً ، فقام رجل من الخوارج إلى النصرانى فقتله ، فأنكر قطرى ذلك عليه وأنكر قوم من الخوارج إنكاره ، وبلغ المهلب ذلك ، فوجه إليهم رجلا يسألهم . فأتاهم الرجل : فقال أرأيتم رجلين يخرجان مهاجرين إليكم ، فمات أحدهما فى الطريق وبلغ الآخر إليكم ، فامتحنتموه فلم يجز المحنة: ماتقولون؟ فقال بعضهم! أما الميت فمن أهل الجنة ، وأما الذى لم يجز المحنة فكافر حتى يجيز المحنة ، وقال قوم آخرون هما كافران حتى يجيز المحنة ، فكثر الاختلاف ، وخرج قطرى إلى حدود اصطخر ، فأقام شهراً والقوم فى خلافهم (١) . انظر كيف كان ذلك القائد العظيم ، يستغل حماستهم ، وشدة تعصب كل منهم لرأيه وسذاجة تفكيرهم ، وضعف مداركهم، فيؤرث نيران العداوة بينهم ويؤجج لهيب الاختلاف ؛ ليكون بأسهم شديداً بينهم ، ويكونوا ضعفاء أمام عدوهم ، وفى الحق إن مثارات الخلاف بينهم كانت كثيرة ، وكثيراً ما كانت من غير باذر لبذور الخلاف بينهم ، ولذلك انقسموا إلى فرق كثيرة ولنتكلم كلمة عن أظهر فرقهم ورءوسهم وهم : ٧٧ - الأزارقة : هم أتباع نافع بن الأزرق الحنفى ، أى بنى حنيفة من القبائل الربعية ، وكانوا أقوى الخوارج شكيمة، وأكثرهم عدداً، وأعزهم نفراً قاتلوا بقيادة نافع قواد الأمويين ، وابن الزبير تسعة عشر عاماً ، ولما (١) شرح نهج البلاغة المجلد الأول ص ٤٠١ - ١١٥ - قتل نافع فى ميادين القتال جاء من بعده نانع بن عبدالله ، ثم ابن الفجاءة وفى عهده ضعف شأنهم ، بسبب بغض الناس لهم ، لشهرتهم بسفك الدماء ، وتألب المسلمين عليهم واختلافهم فيما بينهم ، فهزموا فى كل مكان ، ثم توالت انهزاماتهم من بعده إلى أن انتهى أمرهم، وقد ذهبوا إلى المبادئ العامة التى ذكرناها للخوارج ، وزادوا عليها : (١) إن مخالفيهم من عامة المسلمين ، ومن لايرون رأيهم من الخوارج مشركون ، وكذلك قعدة الخوارج مشركون . (ب) إن أطفال مخالفيهم مشركون مخلدون فى النار . . (جـ) دار المخالفين دار حرب ، ويجوز قتل أطفالهم ونسائهم وسبيهم. (د) إسقاط حد الرجم عن الزانى. إذ ليس فى القرآن ذكره، إسقاط حد قذف المحصنين من الرجال ، مع وجوب الحد على قاذفى المحصنات من النساء. (هـ) جواز الكبائر والصغائر على الأنبياء (١). ٧٨ - النجدات : هم أتباع نجدة بن عويمر الحنفى ، وقد خالفوا الأزارقة فى تكفير القعدة من الخوارج ، واستحلال قتل الأطفال (٢) وزادوا عليهم استحلال دماء أهل العهد والذمة ، وقد كانوا بالمامة ، وقد كانوا مع أبى طالوت الخارجى ، ثم بايعوا نجدة سنة ست وستين ، فعظم أمره وأمرهم ، حتى استولى على البحرين ، وعمان ، وحضر موت واليمن ، والطائف ، ثم اختلفوا على نجدة لأمور نقموها عليه ، منها أنه أرسل ابنه فى جيش ، فسبوا نساء وأكلوا من الغنيمة قبل القسمة ، فعذرهم . ومنها أنه تولى أصحاب الحدود من أصحابه ، وقال لعل الله تعالى يعفو عنهم، وإن عذبهم ففى غير النار ، ثم يدخلهم الجنة ، ومنها أنه أرسل جيشاً فى البحر، وجيشاً فى البر ، ففضل الذين بعثهم فى البر فى العطاء . (١) الملل والنحل الشهر ستانى . . (٢) وقد علمت مما مضى أن النجدات لايرون اقامة واجبا وجوبا شرعيا وما خالف فيه نجدة نافعا جواز التقية فإنه يجوزها ونافع يمنعها. - ١١٦ - وقد ترتب على اختلافهم أنهم انقسموا إلى ثلاثة فرق: فرقة ذهبت إلى سجستان مع عطية بن الأسود الحنفى ، وفرقة ثاروا مع أبى فديك على نجدة فقتلوه ؛ وفرقة عذّرت نجدة فى أحداثه ، وهم الذين بقى لهم اسم النجدات ، تالحاج ب ناك وقدٍ بقى أبو فديك بعد نجدة ، إلى أن أرسل اليه عبد الملك بن مروان جيشاً بطاقة عالولاية) هزمه ، وبعث برأسه إلى عبد الملك بن مروان ، فانتهى أمر هذه الطائفة . - ٧٩- الصفرية: ب أتباع زياد بن الأصفر، وهم فى آرائهم أقل تطرفاً من الأزارقة ، وأشد من غيرهم، قد خالفوا الأزارقة فى مرتكب الكبائر فلم يتفقوا على إشراكه، بلى منهم من يرى أن الذنوب التى فيها الحد ، لا يتجاوز بمرتكبها الإثم الذى سماه الله به كالسارق، والزانى، ماليس فيه، فمرتکیه كافر ، ومنهم من يقول إن صاحب الذنب الذى فيه حد لا يكفر حتى بحده الوالى ومن الصفرية أبو بلال مرداسٍ ، وكانٍ رجلا صالحاً زاهداً ، خرج فى (١) أيام يزيد بن معاوية بناحية البصرة ، ولم يتعرض للناس ، وكان يأخذ من مالخا السلطان ما يكفيه إن ظفر به، ولايريد الحرب فأرسل إليه عبيد الله (بق زيبادجيشاً قضى عليه، ومنهم عمر انهابن حطان، وكان شاعراً زاهداً، وقلم طافي فى البلاد الإسلامية، فاراً بنجلتهم، وقد انتخبه هؤلاء الخوارج إماماً لهم يعد أبى بلال . علة أمينة .. ٨٠٠ المجاردة :: هم أصحاب عبد الكريم بن عجرة أحد أتباع عطية ابن الأسود الحنفى، وهم قريبون جلباً من النجدات فى أصل تحلتهم، وحملة آرائهم، إذ أنهم يتولون القعدة من الخوارج، إذا عرفوا بالديانة، ويرن الهجرة فضيلة لافرضاً، ولا يكون مال المخالف فيئاً إلى اذا قتل صاحبه . ، وقد افترقت العجاردة فرقاً كثيرة فى أمور: منها يتعلق بالقدر وقدرة العبد، ومنها ما يتعلق بأطفال المخالفين، وكان يدفعهم إلى الخلاف مسائل جزئية ، فينتهى الأمر إلى الكلام فى قضايا عامة تصرهم فرقاً وأحزاباً، ومن أمثلة ذلك أنّ رجلاً منهم أسمه شعيب كان مديناً لآخر اسمه ميمون ۔ - ١١٧ - فلما تقاضى هذا دينه ، قال شعيب : أعطيكه إن شاء الله ، فقال ميمون ؟ قد شاء الله تلك الساعة ، فقال شعيب : لو كان قد شاء ذلك لم أستطع إلا أن أعطيكه ، فقال ميمون : قد أمر الله بذلك ، وكل ما أمر به فقد شاءه ، وما لم بشأ لم يأمر به . فافترقت العجاردة فى ذلك إلى ميمونية وشعيبية، وكتبوا إلى رئيسهم عبد الكريم فقال: إنما نقول ما شاء اللّه كان، وما ! يشأ لم يكن ، ولا نلحق باللّه سواه . فادعى كل أن الجواب يؤيده . ويروى أن عجردياً اسمه ثعلبة كانت له بنت فخطها عجردى آخر ؛ وأرسل إلى أمها يسألها : هل بلغت البنت ؟ فإن كانت قد بلغت ، ورضبت الإسلام على الشرط الذى تعتبره العجاردة لم يبال كم كان مهرها فقالت: إنها مسلمة فى الولاية سواء أبلغت ، أم لم تبلغ ، فرفع الأمر إلى عبد الكريم ، فاختار البراءة من الأطفال وخالفه ثعلبة ، وافترقت من العجاردة على ذلك ... فرقة هى الثعالبة . ٨١ - الإباضية : وهم أتباع عبد الله بن إباض ، وهم أكثر الخوارج اعتدالا ، وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية رأياً وتفكيراً، فهم أبعد عن الشطط والغلو ، وأقرب إلى الاعتدال ، وجملة آرائهم : ١ - إن مخالفيهم من المسلمين ليسوا مشركين، ولا مؤمنين ، ويسمونهم كفاراً ، ويروى عنهم أنهم قالوا ، إنهم كفار نعمة . ٢ - دماء مخالفيهم حرام فى السر لا فى العلانية ، ودارهم دار توحيد إلا معسكر السلطان . ٣ - لا يحل من غنائمهم فى الحرب إلا الخيل، والسلاح وكل ما فيه قوة فى الحروب ، ويردون الذهب والفضة إلى أصحابها . ٤ - تجوز شهادة المخالفين ، ومناكحتهم ، والتوارث معهم ، ومن هذا يتبين اعتدالهم ، وقربهم من إنصاف المخالفين ، ومن أجل ذلك بقوا إلى اليوم فى بعض جهات العالم الإسلامى . ٨٢ - خوارج لايعدون من المسلمين : قام مذهب الخوارج على الغلو - ١١٨ - والتشدد فى فهم الدين ، فضلوا ، وأجهدوا أنفسهم والمسلمين بضلالهم ولكن المسلمين الصاد فى الإيمان لم يحكموا بكفرهم ، وإن حكموا بضلالهم . ولذا روى أن علياً رضى الله عنه أوصى أصحابه بألا يقاتل أحد الخوارج من بعده، لأن من طلب الحق فأخطأه ليس كمن طب الباطل فناله ، فعلى رضى الله عنه كان يعتبر هم طالبين للحق ، قد جانبوا طريقه . ويعتبر الأمويين طالبين للباطل ، وقد نالوه، ولكن كان فى الخوارج فرق قد ذهبوا مذاهب ليس فى كتاب الله ما يؤيدها ، بل فيه ما يناقضها من غير أى تأويل ، وقد ذكر البغدادى فى كتابه الفرق بين الفرق طائفتين من الخوارج عدهما خارجتين عن الإسلام ، وهما : ١ - اليزيدية : أتباع يزيد بن أبى أنيسة الخارجى وكان إباضياً ثم ادعى أنه سبحانه وتعالى يبعث رسولا من العجم ، ينزل عليه كتابا ينسخ الشريعة المحمدية ، وقد أشرنا إلى ذلك فيما مضى . ٢ - الميمونية: وهم أتباع ميمون العجر دى الذى ذكر آنفاً فى مسألة الخلاف فى الدين ، وقد أباح نكاح بنات الأولاد، وبنات أولاد الأخوة والأخوات ، وقال فى علة ذلك : إن القرآن لم يذكرهن فى المحرمات ، وروى عن هؤلاء الميمونية أنهم أنكروا سورة يوسف ، ولم يعدوها من القرآن لأنها قصة غرام فى زعمهم، لا تصلح أن تضاف إليه ، فقبحهم الله لسوء ما يعتقدون . ٣ - المعتزلة نشأتهم : ٨٠- نشأت هذه الفرقة فى العصر الأموى، ولكنها شغلت الفكر الإسلامى فى العصر العباسى ردحاً طويلا من الزمان . كان العراق فى عصر الخلفاء الراشدين ، والعصر الأموى ، يسكنه عدة طوائف تنتهى إلى سلائل مختلفة ، فبعضهم ينتهى إلى سكان العراق الأقدمين - ١١٩ - من الكلدان ، وبعضهم من الفرس ، وبعضهم نصارى، ويهود، وعرب. وقد دخل أكثر هؤلاء فى الإسلام ، وبعضهم قد فهمه على ضوء المعلومات القديمة التى فى رأسه ، واصطبغ فى نفوسهم بصبغتها ، وتكونت عقيدته على طريقتها . وبعضهم أخذ الإسلام من ورده الصافى ، ومنهله العذب ، وانساغ فى نفسه من غير تغيير ، ولكن شعوره وأهواءه لم تكن إسلامية خالصة ، بل كان فيه ميل إلى القديم ، وحنين إليه على غير إرادة ، بل على النحو الذى يسميه علماء النفس فى العصر الحديث: (( العقل الباطن)). لذلك لما اشتدت الفتن فى عصر أمير المؤمنين على بن أبى طالب انبعثت فى العراق الأهواء القديمة من مرقدها ، وقد استيقظت من سباتها ، وهبت من مكامنها مكشوفة من غير ستار ، وظهر فى العراق وحوله الخوارج والشيعة ، وفى وسط هذا المزيج من الآراء ، وذلك المضطرب الفسيح من الأهواء ظهرت المعتزلة . ٨١ - ويختلف العلماء فى وقت ظهورها: فبعضهم يرى أنها ابتدأت فى قوم من أصحاب على اعتزلوا السياسة ، وانصرفوا إلى العقائد عندما تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية ، وفى ذلك يقول أبو الحسين الطرائفى فى كتابه (أهل الأهواء والبدع) : وهم سموا أنفسهم معتزلة ، وذلك عندما بايع الحسن بن على معاوية ، وسلم إليه الأمر ، اعتزلوا الحسن ومعاوية ، وجميع الناس ، وكانوا من أصحاب على ولزموا منازلهم ، ومساجدهم ، وقالوا نشغل بالعلم والعبادة . ١ - والأكثرون على أن رأس المعتزلة هو واصل بن عطاء ، وقد كان من يحضرون مجلس الحسن البصرى العلمى ، فثارت تلك المسألة التى شغلت الأذهان فى ذلك العصر ، وهى مسألة مرتكب الكبيرة ، فقال واصل مخالفاً الحسن البصرى : أقول إن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن بإطلاق ، بل هو فى منزلة بين المنزلتين ثم اعتزل مجلس الحسن ، واتخذ له مجلساً آخر فى المسجد . - ١٢٠ - ومن هذا تعرف لماذا سمى هو وأصحابه المعتزلة ، ولكن بعض المستشرقين يرى أنهم سموا المعتزلة لأنهم كانوا رجالا أتقياء متقشفين ، ضاربى الصفح عن ملاذ الحياة ، وكلمة معتزلة تدل على أن المتصفين بها زاهدون فى الدنيا. وفى الحق ليس كل المنتسبين إلى هذه الفرقة كمانعتهم ، بل منهم المتهمون بالمعاصى ، ومنهم المتقون ، فمنهم الأبرار ومنهم الفجار . ٨٢- مذهب المعتزلة : قال أبو الحسن الخياط فى كتابه الانتصار ((ليس يستحق أحد اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة : التوحيد والعدل والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإذا كملت فى الإنسان هذه الخصال الخمس فهو معنزلى، هذه هى الأصول الجامعة لمذهب المعتزلة ، ، فكل من يتحيف طريقها ، ويسلك غير سبيلها ليس منهم ، لا يتحملون إثمه ، ولا تلقى عليهم تبعة قوله، ولنتكلم فى كل أصل من هذه الأصول ، بكلمة موجزة . (أ) فأما التوحيد فهو لب مذهبهم ، وأس نحلتهم ، ويرون فيه كما قال الأشعرى عنهم فى كتابه مقالات الإسلامين: (( إن الله واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وليس بجسم ، ولاشبح ، ولا جثة، ولا صورة ولالحم ، ولادم ولا شخص، ولاجوهر ، ولا عرض ، ولا بذى لون ، ولاطعم ، ولارائحة، ولامجسة ، ولابذى حرارةٍ. ولا برودة، ولا رطوبة، ولا يبوسة، ولاطول ،أولا عرض، ولاعمق، ولا اجتماع ، ولا افتراق، ولا يتحرك، ولا يسكن ، ولا يتبعض ، ولا بذى أبعاض وأجزاء ، ولا جوارح وأعضاء ، وليس بذى جهات ، ولا بذى يمين وشمال ، وأمام وخلف وفوق وتحت ، ولا يحيط به مكان ، ولا يجرى عليه زمان ، ولا تجوز عليه الماسة ولا العزلة ، ولا الحلول فى الأماكن ، ولا يوصف بشىء من صفات الخلق الدالة على حدثهم ، ولا يوصف بأنه متناه ، ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب الجهات وليس بمحدود ، ولا والد ولا مولود ، ولا تحيط به الأقدار ، ولا تحجبه الأستار ، ولا تدركه الحواس ، ولا يقاس بالناس،